الثانى ( لقاء مصيرى) « ماضي قضيت عمري أمحو آثاره، حتى عاد فأثبت أن الذاكرة لا تُمحى.»
•••
في صباح اليوم التالي وفي أحد مراكز قرية [ألترورا] بأيطاليا...
وقف ضابط الشرطة أمام ذلك الشاب الأسمر يطالعه بغيظ من هدوء أعصابه، في حين بدأ الشاب الذي كُبلت يداه بالدندنة بكلمات لم يفهمها الشرطي...
«اصمت وإلا سأزج بك في الزنزانة»
توقف الشاب عن الغناء ثم طالع الشرطي بنظرة ساخرة قبل أن يبتسم له مظهرًا صفّين من الأسنان ناصعة البياض، مما زاد من غضب الشرطي أكثر، وقبل أن ينفعل دخل الغرفة شرطي آخر ممسكًا ببعض الأوراق التي ألقاها على المكتب قبل أن يجلس خلفه يوجه كلماته لذلك الجالس قبالته...
«أوس عامر.... أأنت أجنبي..؟»
«لا»
أجابه الأسمر بلا مبالاة وهو يعدل خصلاته السوداء بيديه المكبلتين بالأصفاد...
«جيد، إذًا يا سيد أوس، وصلنا اليوم بلاغ من شخص يدعى جوش يتهمك بأنك اختطفته صباح أمس وقمت بضربه داخل حظيرة للخيول، كما وقمت بقطع إصبعين له، ما ردك...!»
طالعه أوس بعيون بريئة وهو يشير بسبابته إليه متظاهرًا بالمفاجأة: «أنا... لا شك أنه أخطأ، فأنا لم أغادر مزرعتي منذ أكثر من أسبوع، كما أنني لا أعرف أحدًا بهذا الاسم»
كانت السخرية واضحة في صوته، مما جعل الضابط يعقد حاجبيه وهو يقول: «ألك شاهد على ما تقول؟!»
«بالطبع، تستطيع استجواب جميع العمال لدي» كان يتحدث بثقة وما تزال ابتسامته المستفزة مرسومة على وجهه، في حين صاح الشرطي الآخر:
«هذه ليست المرة الأولى التي يشتكيك أحدهم بالعنف وتقطيع الأصابع...!»
دارت عينا أوس بملل وهو يضغط على أسنانه قبل أن يجيبه: «حقًا، لا أتذكر شيئًا كهذا...!»
كان الضابط في أوج غضبه، فالماثل أمامه يتعمد إتلاف أعصابه بردوده الباردة... في حين قاطعه صوت الهاتف الأرضي على المكتب....
«مرحبًا... أجل هو، حسنًا سيدي...»
وبمجرد أن أنهى الضابط الجالس المكالمة والتي اختصرت في بضع كلمات، وقف أوس وهو يشير للضابط الواقف بتحريره...
«أرى أنه لا داعي لوجودي هنا، ~ فكها ~»
لم يفهم الضابط آخر كلمة قالها، ولكنه خمنها من وقفة أوس الواثقة، وقبل أن ينفعل عليه وجه له الشرطي الذي أجاب على المكالمة أمرًا...
«حرره، فلا داعي لوجوده»
«لكن يا سيدي هذه المرة الثانية...؟»
«قلتُ حرره، فقد سحب المدعي الشكوى ولم تعد هناك قضية»
قام الضابط بفك وثاق أوس وهو يطالعه بغيظ يتوعده بأنه يومًا ما سيقع تحت يديه... لكن أوس فاجأه بكلماته:
«بالمناسبة حضرة الضابط، أريد أن أطالب بتعويض!»
••
وما هي إلا دقائق حتى خرج أوس من قسم الشرطة، يرى السماء قد أظلمت وقد اشتدت برودة الجو، بحث بعينيه قليلًا حتى رأى والده يتكئ بجذعه على السيارة ذات الصندوق المصفح...
«يا حج، التدخين مضر بالصحة، مش كده...»
كان أوس يطالع أعقاب السجائر الملقاة بجوار والده ببعض الأسى، فقد تجاوزت الخمس أعقاب غير تلك التي يحملها، وهو يطالعه بأعين مظلمة يسأله ببعض الحدة متجاهلًا كلماته:
«اتأخرت ليه..؟»
«أصل كنت بعمل بلاغ»
فاجأته قبضة قوية ترتطم بمؤخرة رأسه قبل أن ينهي كلماته، وتحذير أخير صدر من عامر إليه: «تاني مرة لما تعمل عملتك ابقى داريها كويس، أنا مش قاعدلك أفضل كل يومين أجيبك من القسم، فاهم...!»
كان طنين حاد يشتعل في أذن أوس حتى إنه لم يستمع لنصف ما قاله والده، ومع ذلك هز رأسه بطاعة حتى لا يحصل على ضربة أخرى، يقول في نفسه إنه هو من لم تعد له صحة لا والده الذي وصل لعقده الخامس....
«سوق....»
وها هو يلقي المفاتيح في وجهه آمرًا إياه بالقيادة، كان أوس يعلم جيدًا أن سبب غضب عامر الأساسي هو لأنه انتظره، لا لكونه أخرجه من مركز الشرطة، ومع مرور أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا لم يستطع أوس التكيف مع تلك القبضة الفولاذية...
•••••
لا يزال العشب رطبًا من أمطار البارحة، مرت إطارات السيارة فوقه حتى توقفت أمام منزل خشبي متوسط الحجم مكون من طابقين وعُلّية، حاوطه سور من قوالب القرميد، كان المنزل الوحيد وسط تلك المساحة الخضراء الشاسعة....
نزل عامر أولًا من السيارة ثم توجه للداخل وهو يخلع حذاءه، أخذ بالنداء على ولده الثاني... «آدم... انت يا زفت»
ارتبكت تلك المتكئة على الأريكة وأخذت تعتدل في جلستها وهي تجيب والدها المنزعج: «هو لسه جاي من برّا وزمانه بياخد حمام، أندهولك!»
طالع عامر ابنته التي كانت تقرأ إحدى المجلات، تنهد وهو يخفض من حدة صوته: «لأ، أوس لما ييجي يبقى يناديه، قومي قولي لماريا تجهز العشا!»
تركت لينا المجلة وهي تهم للداخل تفعل ما قاله والدها، في ذات اللحظة التي دخل فيها أوس، تبادل كلاهما النظرات بأن الوضع متوتر ولا يجب أن يزعجا والدهما حتى لا يسوء الأمر...
أكمل أوس سيره إلى الطابق الثاني وأخذ يطرق باب غرفة شقيقه: «آدم... آاادم»
وحين لم يجد ردًا، وعوضًا عن الذهاب، فتح الباب ودلف للداخل وما زال يناديه، لكن استوقفه صوت سعال مرتفع قادم من الحمام....
«آدم، انت كويس؟!»
لم يأته رد وكان السعال يزداد، لذا لم يوقف طرقه على الباب حتى فتح له آدم والذي بدا في حالة مزرية... سانده أوس حتى أجلسه على حافة الفراش، ولكن آدم أزاحه بعنف...
لم يأبه أوس لحركته وأخذ يحدثه بقلق: «انت تعبان ولا في حاجة؟ لو كده نتصل بدكتور...»
«أنا كويس» كان هذا رد آدم والذي لم يبدُ كذلك البتة، بالأخص تنفسه الذي لم يكن منتظمًا....
«بسببها!!» كانت كلمة أوس بسيطة، يعرف شقيقه جيدًا، فمذ تركته سارة وحاله يسوء، في حين كانت عينا آدم الحمراوان قد عادتا لاكتناز الدموع من جديد بمجرد تذكرها، يركض مسرعًا للحمام وهو يتقيأ ما بداخله من سموم تحت نظرات أوس المشفقة لما آلت إليه الأمور...
••••
كانت الضحكات تتعالى من داخل غرفة زياد، فقد جمعت ليلى صديقاتها وأخذن باللعب على حاسوبه، وها هو يقف بالخارج منتظرًا انقضاء النصف ساعة الأخيرة حتى تعود له ملكية الغرفة التي استولت عليها الغجر كما يقول....
«شكلك مش مطمني! أوعى تكون ماسكة عليك حاجة، قولي أنا زي أخوك برضو!»
طالع زياد شقيقه رامي ببعض التوتر خوفًا من أن تكون ليلى قد زلت بلسانها وقالت شيئًا ما...
«أنااا، لا أبدًا... وبعدين اللي يشوفك داخل خارج بصواني الحاجات دي يقول ماسكة عليك انت زلّة!» أشار في نهاية حديثه إلى طبق الفواكه الذي يحمله رامي والذي قُطع بعناية، مهلاً، أهذا قلب..؟!
«لا يا خويا، أنا بعمل بمزاجي، وعدينّي بقى عشان الفشار اللي بعمله مايتحرقش...!»
أخذ رامي بالطرق على الباب ودخل بعد أن أذنت له الفتيات...
«ليلى يا حبيبتي، قطعتلك الفاكهة زي ما طلبتي!!»
ابتسمت له ليلى وهي تجاريه في الحديث: «تمام يا رامي، حطها على الطربيزة واعملنا فشار بقى! بقولك إيه يا أروي، ما تقومي تعمليه معاه لحسن المرة اللي فاتت حرقه!»
«طب ما مريم تروح معاه، ده أنا حتى بعمله حادق» أجابتها أروي باقتضاب وهي تعدل من جلستها...
«وماله، هناكله برضو» نكزتها ليلى بخفة حتى تقف، وها هو زياد يرى ابتسامة شقيقه شقت منتصف وجهه وهو ذاهب لإعداد الفشار مع أروي، وقتها فقط علم لما كل تلك التصرفات الغريبة، يبدو أن رامي واقع وبشدة....!
«السلام عليكم، يا ناس يا اللي هنا!» سمع زياد صوت عمته نجلاء فتهللت أساريره وأسرع بالنزول يلتقط منها أكياس المشتريات ويضعها حيث تريد....
في حين دلفت والدته ومعها سلمى تتحدثان بشأن المشتريات ومستلزمات الفرح حتى استوقفتهما رائحة شيء محترق...!
«إيه ده..!» تساءلت سلمى وهي تشير ناحية سحابة سوداء تخرج من المطبخ، ومعها خرج كلا من شقيقتها أروي ورامي وهما يطلبان النجدة...!
••••••
وفي صباح اليوم التالي توجهت فاطمة مع نجلاء والفتيات لشراء فساتين لحضور زفاف سلمى....
« ماما، الفستان دا حلو اكتر مش كده..!»
كانت ليلى تصيح بسعادة وسط الاتيليه تلتف بفستانها الذي انتقطه بعناية لعرس شقيقها وقد كانت السعادة تغمرها لانها واخيرا وجدت شئ يرضي زوقها...
« جميل عليكِ يا قلبي، يلا خشي غيرى عشان بابكى زمانه جاى ياخدنا »
وبالفعل همت ليلى تبدل فستانها، فى حين عادت فاطمة تتصل بخالد تستعجله ولكن الشبكة لم تكن جيدة داخل المحل لذا قررت الخروج لثوانى قبل ان تنتهى صغيرتها....
ولكن بمجرد خروجها، رأت شخصًا لم تتوقع أن تقابله مرة أخرى، لقد تغير وغزا الشيب رأسه، تجعدت ملامحه، ولكن ضربات قلبها تقول لها إنه هو....
«فاطمة...!»
اسمها من بين شفتيه أعاد لها ذكريات كثيرة كانت قد خبأتها بيأس، وبأصابع مرتعشة سقط الهاتف ارضا ..
• • •
اسماء سعد