الخامس(عرض لا يرفض )

الخامس(عرض لا يرفض )

27 0

الخامس ( عرض لا يرفض ) •••••

بخطى ثقيلة اقتربت من الكرسي الموضوع أمامها، جلست ومع ذلك ظل هناك مكان شاغر جوارها يظهر كم ضآلة حجمها. وضعت كفها على صدرها تحاول تهدئة قلبها المضطرب...

وبأعين زائغة لمحت والدها الذي أراد الولوج ومع ذلك رفض الشرطي، في حين جاورها محامٍ قد وكّله والدها ليتدخل إن لزم الأمر وحتى لا تكون بمفردها، ورغم معرفته بأن وجوده ممنوع إلا أنه وللحظة الأخيرة أراد أن يرافقها. ابتسمت له بهدوء وهي تهز رأسها بأنها بخير حتى تطمئنه.

وبالفعل لانت ملامحه قليلًا قبل أن يُغلق الباب..

«آنسة ليلى، جاهزة نبدأ أسئلة!»

قاطع نظرتها للباب صوت الشرطي الذي باشر بالحديث.

لذا ردًا على سؤاله هزت رأسها بإيجاب، وهي تجيبه بصوت مرتعش «آه.. جاهزة»

••

في حين شاركت فاطمة زوجها وولدها رامي الكرسي خارج مكتب الشرطي، أخذ القلق يأكلها مع كل دقيقة تمر، كأنها ساعات في نظرها، ودون أن تشعر كانت تختلس نظرات لعامر الجالس أمامهم..

ترى كم السواد تحت عينيه، توتره وحزنه هو الآخر من فكرة أن ولده قد يكون قد قُتل. لم يبادر احدهم بكسر حاجز الصمت سوى شاب غريب دخل بدون مقدمات..

لكن عامر ذهب واستقبله بعيدًا عنهم، كان صوت الشاب مرتفعًا ورغم ذلك قابله الاخر بهدوء، وبعد لحظات عاد عامر لموضعه وظل الشاب واقفًا وقد ظهر الغضب جليًا على محياه،

بدا قريبًا من عامر كفاية لأن يرتفع صوته في وضع حرج كهذا، ورغم ذلك لم يتشابه معه في أي من ملامحه!! ...

دقائق مرت قبل أن يخرج المحامي وخلفه ليلى التي خبأت جسدها الصغير خلف شال أسود ثقيل يقيها من برودة الشتاء.

«مفيش حاجة يا جماعة، ليلى مشفتش حد يوميها في الإسطبل وكمان الشاب اللي قال إنه شافها رجع قبل ما نيجي وقال إنها ممكن تكون بنت تانية لأن الجو كان ضلمة وجايز يكون اتلغبط، هو بس عشان ليلى سلسلتها ضاعت يوميها فاحتمال تكون عدت من هناك ليلتها مش أكتر!»

اختصر المحامي الحوار الذي جرى بالداخل مطمئنًا الجميع قبل حتى أن يبادروا بالأسئلة..

انتبهت فاطمة على رعشة ليلى لذا ضمتها من كتفها إليها تقول بصوت مملوء بالطمأنينة «خلاص يا حبيبتي، خلصنا..»

في حين لانت ملامح عامر المتصلبة قبل أن يومئ برأسه ويغادر في صمت...فى حين طالع الشاب الذي رافقه ليلى بنظرات كلها غيظ كمن يريد الفتك بها..!

انتبهت له فاطمة مما جعل قلبها ينقبض، لذا ودون أن تشعر وقفت بينهما، تخبئ جسد صغيرتها بها...

بينما ظل خالد يستفسر عما حدث بالداخل مع المحامي كي يطمئن، أخذت فاطمة ابنتها وخرجتا تنتظران في السيارة مع رامي..

ولم تغفل عن شرود الصغيرة وهي تطالع السماء الملبدة بالغيوم تارة وتارة أخرى تناظر المارة من وراء شباك السيارة..

تنهيدة قاسية خرجت منها وهى تميل برأسها للخلف تحاول تهدأة قلبها المضطرب...

••••

في صباح اليوم التالي ذهب خالد إلى منزل العمدة حيث كان بينهم اتفاق مسبق...

جاوره في مجلسه وأخذهم الحديث عن الأراضي الخاصة بخالد والتي يستأجرها منه العمدة، وسؤاله المتكرر في كل لقاء إن كان ينوي بيع أرضه وأنه مستعد لدفع مبلغ زهيد مقابلها...

ارتشف خالد من الشاي الموضوع أمامه وهو يجيبه ذات الإجابة المتكررة «لأ مش ناوي أبيع، شوف غيرها»

ضحك العمدة على حديث خالد وهو يناوله حزمة من المال وهو يقول «دماغك ناشف زي أبوك، حاولت معاه كتير ودايمًا رافض!»

التقط منه خالد المال وهو يضعه جانبًا يجيبه بخفة «ما هو لو دماغنا طري ما كنش زماني قاعد دلوقتي معاك وعايزك كمان في مصلحة»

التف اليه العمدة بفضول وقبل أن يهم بسؤاله...

«السلام عليكم»

قاطع حديثهم دخول وليد وهو يضع لاسته على جلبابه الفضفاض يطالع خالد بابتسامة جانبية بعدما رد عليه السلام.

«الظاهر إني جيت في الوقت الصح! مش كده ولا إيه»

جلس بشموخ مقابلهم وهو يسترسل حديثه «وعندي ليك مصلحة كمان!»

••••

ورغم برودة الجو إلا أن المزارع قام بثني أكمامه ونزل الماء في استعداد لري أرضه...

وتحت شجرة التوت كانت فاطمة تمشط شعر ابنتها وتجدله لها، تتابعان ماكينة الري التي تعمل بالقرب منهم..

«الظاهر كده التوت لسه مطلعش!» تحدث رامي وهو يطالع أفرع الشجرة الخالية من الثمار ومع ذلك أراد التأكد فهم بتسلقها مع تحذير فاطمة له «ما تعملش نفسك قرد، وتطلع لحد الآخر!»

أنهت تجديل شعر ابنتها وهمت بوضع اشارب احمر مزركش بكرات صغيرة على رأسها، ربطته للخلف وقد تركت جديلتيها تنسابان على كتفيها الصغيرين، طالعت ليلى انعكاس صورتها في الماء بإعجاب وهي تستمع لصياح رامي من الأعلى «بقولك، المنظر من هنا حلو مش حابة تطلعي!»

«انزل طلعني» أجابته ليلى وهي تقترب من جذع الشجرة، في حين هم الآخر بالاقتراب منها يساعدها على التسلق، وفي النهاية وجدا فرعًا سميكًا جلسا عليه، لم يغفل رامي عن تغير شقيقته من ليلة الزفاف لهذا سألها بفضول «لسه زعلانة على السلسلة؟»

هزت كتفها بخفة وهي تعبث بجديلتها «مش قوي!»

إجابتها المبهمة جعلت فضول رامي يزداد «أمال مالك مكلضمة كده ليه!»

أزاحت ليلى نظارتها تقوم بتنظيف زجاجها من رطوبة الجو «زعلانة على موت آدم!» تأملها شقيقها بحنو وهو يبتسم يستمع لباقي حديثها «صحيح إني معرفوش بس أنا قابلته مرة واحدة وفي المرة دي أي حد مكانه كان ممكن يزعقلي أو يغلط بس هو ما عملش كده وساعدني حتى أغسل إيدي!»

«الظاهر إنه كان حد كويس»

كانت بعض الدموع تتجمع في عسليتيها وقد أخذ كفها بالارتعاش «لما ماما قالتلي على اللي حصل افتكرت آخر مرة كنا فيها هنا لما شفنا...»

«خلاص، ما حصلش حاجة!» احتضنها رامي وهو يعلم جيدًا ما تتحدث عنه شقيقته، لم يرد أن تعود لتلك المرحلة التي تخطتها بصعوبة...!

علم جيدًا أن ليلى لم تكن لتتأثر بالسلب هكذا لو أن آدم شخص غريب، وبرر شرودها لنفسه بكونه خوفًا من دخولها مركز الشرطة، لكن أن تعود مجددًا لنقطة الصفر فهذا غير مسموح.

فقد قبل عدة أشهر شهدت موقفًا لم يكن أي أحد في سنها قادرًا على تحمله..

**

ففي إجازة الصيف الماضي وقف كل من رامي وليلى أسفل شجرة التوت التي يجلسان عليها الآن، بينما كان زياد هو من تسلقها يقوم بهز أفرعها بينما كلا من شقيقيه يستعدان لالتقاط الثمار المتساقطة، ليلى تفتح حجر جلبابها ورامي قام بفرد حصيرته...

«جاهزين» صاح زياد قبل أن يبدأ وفي اللحظة التالية بدأت حبات التوت بالتساقط بغزارة وهي تنقر رأس ليلى...

وبمجرد أن توقف زياد حتى هم رامي بجمع ما سقط على حصيرته وهو يطالع ليلى ويضحك «يا بنتي بتعملي إيه ده شعرك لم أكتر من اللي في حجرك! تعالي خدي من هنا»

وبالفعل لم يسقط في حجرها إلا حبات قليلة لذا همت هي الأخرى بالجمع مع رامي...

أخذت محصولها في كيس بعد أن أكلت ما يكفيها، وفي طريق عودتهم صادفوا تجمعًا هائلًا من أهل القرية مما دفع ثلاثتهم للتوقف...

ورغم سؤال زياد المتكرر عما يحدث لم يجبه أحد واكتفوا بأن وجهوا له نظرات الحزن المحملة بالخزي، ففي المنتصف وجدوا امرأة كبيرة في السن تنوح على ولدها والذي يبدو ميتًا، أو بالأصح مقتولًا..!

تجلس في بركة دمائه وهي تصرخ باسمه وتضمه إليها لعله يجيب، مشهد يفطر القلوب وخاصة وقاتله يقف أمامها وهي عاجزة عن فعل شيء!

ووسط ضجيج السكان خرجت فتاة صغيرة وهي تبكي بحرقة تتمسك بالقاتل وهي تصرخ به «ليييه حرام عليك، ليه تقتله..! عملك إيييه»

ضربها الواقف بذراعه مما جعل جسدها يعود للخلف بقوة وتسقط «حسبي الله ونعم الوكيل فيك» أعادت الفتاة هذه الجملة مرارًا وتكرارًا وهي تصرخ وتضرب وجهها بقوة..

ولم يكن رد الشاب سوى كلمات باردة «العيل اللي يضحك على بنت زيك وياخدها ويهرب بيها يبقى أقل حاجة تتعمل فيه كده... توقف قليلا وهو يشهر بمسدسه نحوها وبعدها اكمل... والبنت اللي تحط راس أبوها في الأرض وتوسخ شرفه ما تفرقش نهايتها عنه في حاجة!» وفي نهاية حديثه أطلق عليها النار..

ارتفعت صرخات الناس من جديد تحت ذهول وصدمة الجميع..

**

بعد هذه الحادثة كانت تستيقظ في منتصف الليل وهي تصرخ بهستيريا ، دخلت في حالة من عدم قبول أي شيء لا طعام او شراب، اعتزلت حتى حياتها وتملكها الخوف...

ورفضها القاطع للمجيء إلى هنا طوال الأشهر الماضية، حتى أن عرس شقيقها كان سيقام في القاهرة بسبب هذا الحادث لكن مع إصرار عمتها وموافقة والدها لم يتمكن أحد من الاعتراض..

في حين وقفت فاطمة على مقربة منهم واكتفت بالمراقبة دون تدخل، وبمجرد أن أدارت نظرها وجدت عامر يقف على بعد خطوات قليلة وعلى وجهه ذات النظرات المندهشة مثلها كمن لم يتوقع هذا اللقاء...

أرادت أن تعزيه في فقيده، أي كلمات مواساة ستفي بالغرض ومع هذا لم تقل شيئًا!

«كويس إني لقيتك!» خرج صوته متعبًا وهو يقترب منها..

بينما جمعت فاطمة كلماتها التي حاولت أن تنتقيها بعناية «البقاء لله يا عامر، عارفة إنها متأخرة بس. ما كنتش أحب أبدًا إني أشوفك مكسور كده!»

ابتسم بشفتيه ومع ذلك ظل الحزن داخل عينيه وهو يجيبها «عمره، ومحدش بياخد أكتر من المكتوب له، مش كده؟»

التقط بعينيها وهي صامتة تراه يُدخل يده في جيبه ويخرج شيئًا منه يناولها إياه «المرة دي دعيت أشوفك قبل ما أمشي عشان أديهالك تاني، والظاهر كده الدعوة المرة دي اتحققت»

طالعَت فاطمة ما تركه لها، خرجت شهقة خافتة من بين شفتيها وكثير من التساؤلات تملكتها «كانت فين؟»

«مش عارف هتصدقيني ولا لأ، بس أظن بنتك عارفة؟» إجابة مبهمة لم تروِ أيًا من تساؤلاتها بل فعلت العكس وزادتها حيرة...

قبضت فاطمة على القلادة بيدها وهي تطالع ليلى ورامي اللذين لم ينتبها إلى وجود عامر والذي غادر هو الآخر بمجرد أن أعطاها ما جاء لأجله..

••••

خرج خالد من منزل العمدة ومعه وليد الذي استمر في الحديث عن خططهم المستقبلية غير آبه بتعابير الآخر المتجهمة..

«بقول هنبقى نيجي نزوركم الأسبوع الجاي بما إنك راجع القاهرة ونبقى نكمل اتفقنا!»

هز خالد رأسه بسرعة كمن يرغب بإنهاء النقاش سريعًا «إن شاء الله، نبقى نشوف»

«الله الجماعة كانوا فين كده؟» تابع خالد نظرات الآخر ووجد زوجته وولديه عائدين من الحقل...

وقبل أن يقول أي شيء رأى وليد يسير تجاههم بخطاه الواثقة وعيناه الحادتان تطالعان ليلى التي تركض خلف شقيقها وهي تضحك..

لكن بمجرد أن تلاقت اعينهما توقفت ليلى مكانها وكأن أقدامها ثبتت في الأرض بمسامير وأخذت دقات قلبها بالعلو ومشهد ذلك اليوم يُعاد مرارًا وتكرارًا في رأسها...

الشاب الذي قتل الفتاة بدم بارد أمامها مباشرة، يسير نحوها وهي غير قادرة على الفرار..!

•

•

•

•

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حيث تسقط النجوم

المؤلف اسماء سعد
2026/05/07 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة