الرابع (قبل ان يسقط المطر )

الرابع (قبل ان يسقط المطر )

30 0

الرابع (قبل أن يسقط المطر)

حين بدأت السماء تتلبّد بالغيوم ، كانت القلوب قد غرقت بالفعل.

---

قبل الحادث بساعتين...

كانت سلمى تجلس وسط صديقاتها واللاتي تناوبن على الرقص والغناء لها، بينما عقلها شاردٌ في محتوى تلك الرسالة، ترغب بالفرار من كل ذلك ولكنها ستحاصر بالعار إن فعلت...

فهي يتيمة. ووالدتها من قامت على تربيتها بمساعدة من خالها، فكيف لها أن ترفض ولده الذي أراد الزواج منها؟ كيف تنكر أفضالهم عليها وعلى شقيقتها....

وفوق ذلك زيجة لن تدفع فيها أي قرش، كيف لوالدتها أن لا تنتهز هذه الفرصة..!

لذا كان لا بد من ترك قلبها والذهاب خلف ما هو صواب وفعله، لكن ماذا تفعل وماضيها لا يريد تركها، يدعها معلقة، لا تستطيع بدء صفحة جديدة ولا طيّ القديمة...

مسحت عبرتها التي خانتها وأخذت تبتسم كأنها دموع الفرحة لا دموع خذلان، نحن في الغالب لا نسير في قراراتنا ولكن نُجبر عليها، وهذا كان حالها...

في حين كانت السعادة تغمر زياد وهو يتلقى التهاني من رجال القرية وأصدقائه الذين أتوا من القاهرة خصيصًا لأجله...

تكاد فرحته لا توصف بأنه و أخيرًا سلمى باتت له كما أراد دائمًا، حلمه الصغير قد تحقق..

...

«الجلابية كانت لايقة عليك، أحسن من الهدوم دي!»

صرّح عامر وهو ينكز كتف آدم الجالس شاردًا، ومع تنهيدة الآخر أكمل عامر حديثه وهو يجاوره...

«أنا لولا أمك محلفاني ما أفتحش معاك  الموضوع ده، أنا ما كنتش فضلت ساكت. بس اللي أنا شايفه ما يستدعيش سكوت أبدًا، مش هقولك دي علاقة وانتهت لأني عارف إنك بتحب سارة إزاي، وعارف كمان إن هي بتحبك، فممكن أعرف إيه اللي خلاها تتحول وتقرر فجأة تسيبك؟»

صمت آدم، لا يعلم بما يجيب والده. أيخبره بكونه مدمنًا، أنها نصحته مرات، لا مئات المرات بأن يترك إدمانه، أم يخبره بالأسوأ بكونه رفع يده عليها..!

وأمام صمته المقيت أكمل عامر وهو يربت على فخذه:

«أفهم من سكوتك إنها عندها سبب، لا وقوي كمان، ومدام مش قادر تقوله يبقى أنا عندي حق!»

طالعه آدم بخزي، أراد أن ينفي هذا الاتهام أو حتى يدافع عن نفسه لكن عامر لم يعطه فرصة، فبالرغم من حزمه في تربيتهم إلا أنه لا يغفل عن قراءتهم...

حتى آدم صدم من كونه لم يكتشف أمر إدمانه حتى الآن رغم قوة ملاحظته، أو ربما لاحظ ولكنه يكذب نفسه، وفي لحظة ضعف أمسك آدم برأسه الذي يطن وهو يقول بدفاع:

«في حاجات ما بنقدرش نغيرها في نفسنا، حاجات بتبقى غصب عنّا، مش بإيدينا»

«الحاجات دي مستحيلة!» سأله عامر وقد بدأ الغضب يتمكن منه، وخاصة بعد نفي الآخر، لذا أكمل ببعض الحدة:

«ادي لنفسك فرصة تتغير طالما طلبها مش مستحيل، يمكن علاقتكم تكمل أو ساعتها تكون عملت اللي عليك، عشان لما ييجي بكرة وتشوفها مع حد غيرك ما تندمش إنك ما حاولتش!»

كلمات واعظة من أب يهتم لولده حملت بين طياتها خيبات، كما لو أنه أراد هو أن يسمعها ذات يوم، أن يلقيها عليه أحدهم وهو في ذات العمر حتى لا ينهش الندم فؤاده...

غادر عامر بعد أن قال ما لديه تاركًا وراءه كلمات علقت برأس ولده، تخيلاته إن حدث فعلًا ما قاله والده، بالأمس تركته واليوم ستحزن ولكن غدًا ستبدأ من جديد، ومع شخص آخر...!

••••

ووسط ضجيج الطبول هبت نسمات باردة تلاها وقع قطرات المطر والتي قررت إنهاء هذا الحفل مبكرًا...

ذهب زياد لأخذ عروسه التي وبكل جرأة سلبت فؤاده، جميلة. أول كلمة خطرت بخاطره وهو يطالعها بالأبيض رغم حمرة عينيها المنتفختين إثر بكائها...

لم يأبه لكمّ الحضور، احتضنها بشدة أمام الجميع بعد أن قبّل جبينها، الصغيرة التي كانت ترافقه في اللعب كبرت وسترافقه فى درب الحياة...

وكما خُطط له. أتى السائق واصطحبهم بالسيارة إلى القاهرة، في حين ستلحق به عائلته في الغد...

ولكن الخبر المفزع الذي وقع على مسامع الجميع ألغى تلك المخططات...

••••

«كلنا بخير الحمد لله، ما تخافش مشكلة بسيطة وكلها يومين وجايين»

جاوب خالد ولده الذي يصر على معرفة سبب تأخرهم بعد مرور ثلاثة أيام على انقضاء ليلة زفافه...

[طب اديني ليلى أكلمها]

طالبه زياد وهو يعلم جيدًا أنه إن تحدث مع ليلى فستخبره بما يجري، ومع ذلك رفض والده وهو يخبره...

«لسه أمك مديالها الدوا من حبة ونامت، بكرة هبقى أخليها تكلمك»

كلماته جعلت زياد يتساءل بقلق

[خير، هي تعبانة ولا إيه؟]

وعوضًا عن إجابته ضحك والده وهو يشرح له ما حدث:

«الظاهر كده يوم فرحك وقعت في ارض مزروعة غلة وكانت لسه مسقية وهي بتدور على سلسلتها، والمطر كمّل عليها، ومن ساعتها وهي سخنة، وستك الله يمسيها بالخير عمالة تزنّ على أمك ترقيها قال إيه اتحسدت!»

[يا حرام، تلاقيها ما شافتش الارض عشان كانت قالعة نظارتها، لا وكمان بتدور على سلسلتها، ده لو قدامها مش هتشوفها!]

ظلا يتحدثان لبعض الوقت قبل أن يغلق خالد الهاتف، اختفت تلك البسمة التي كان يزيّفها قبل قليل وأخذ حزنه يعود يندم لكونه التقى بصديقه ودعاه، ولقلة حيلته إن كان فعلًا قد قُتل..!

لم يكن ثقل مشاعره أقل من فاطمة التي جلست على الأريكة تضع رأسها على كفها تتذكر منظر عامر حينما أتاه الخبر، تجزم بأنها وللمرة الأولى تراه بهذا الضعف...

ولم يقاطع خلوتها سوى صوت والدتها الحاد:

«إيه ما بقيتيش بتسمعي ولا مصدرالى الطرشة!»

تنهدت فاطمة وهي تجيب والدتها:

«خير يا حاجة، في حاجة!»

«لأ خير. خير أوي كمان، بقى نجلاء جيبالك عريس للبِت وانتِ زي الهبلة تقوليلها لسه صغيرة، دانتِ كنتِ قدها وزياد على كتفك كمان يبقى صغيرة إيه دي، وبعدين ما تسمعي ابن مين اللي متقدم قبل ما ترفضي!»

كانت تنهرها بحدة حديثها، ولم تكن أعصاب فاطمة في حالة تسمح لها بمناقشة والدتها أكثر لذا اكتفت بقول:

«الزمن غير الزمن، وزي ما قلت لنجلاء البت صغيرة، مش عارفة مستعجلين على جوازها ليه!»

رمقتها ثريا بنظراتها الحادة:

«طول عمرك فقريّة، يعني ابن العمدة اللي عنده أراضي يرمح فيها الخيل يتقال له لأ! وبعدين نجلاء قالتلي إن هو اللي مشاور عليها ومنقيها دونًا عن بنات القرية كلها من غير دلالة ولا حد قالوا عليها»

صمتت فاطمة وقد أنهكها كمّ التبرير لذا لزمت الصمت، في حين ترجمت ثريا صمتها كإشارة لبدء اقتناعها فأكملت حديثها:

«شوفي دلوقتي والعمدة لسه بصحته ممسك ابنه كل حاجة، أصله الوحداني على بنتين يعني كل العز ده هيتحط في حجر ليلى!»

هزت فاطمة رأسها بأسى، فما فائدة كثرة المال إن لم تكن سعيدة؟ هل الغنى والمال هما السبب الرئيسي للزواج...

«ياريت تقفلي الموضوع ده ضبة ومفتاح، فلوس إيه وأراضي إيه اللي بتكلميني فيها، آخره بنتي عايزة تعليم وتعيش سنها، ويوم ما هجوزها هجوزها لواحد من جيلها مش أكبر منها الضعف! وبعدين مش ابن العمدة ده اللي قتل أخته عشان شافها مع واحد، أأمن إزاي على بنتي مع قاتل!»

لم تعطها فاطمة مساحة للرد وهمّت منسحبة من هذا الحوار العقيم، ورغم ذلك سمعت صياح والدتها من الخلف:

«أنا من هنا ورايح كلامي مع جوزك، لأن الظاهر دماغك الناشفة دي مش هتلين أبدًا»

•••••

وفي مكان آخر جلس بعض الشباب يتناوبون على الأرجيلة، يرتشفون منها رشفة ثم يتم تسليمها للتالي وهكذا.

تحدث أوسطهم والذي بدا أنه زعيمهم حيث ظهر هذا جليًا في استجوابه للماثل أمامه:

«أوعى تكون جبت سيرة إن الواد الأجنبي ده خد حاجة منك يوميها!!»

هز الآخر رأسه بنفي وهو يخبره:

«الظاهر أصلًا يا وليد باشا إنهم ما شرحوش جثته لأن أبوه رفض وقالوا إن هو مات بالخطأ، وإن عشان الدنيا مطرت ليلتها فأكيد لو حد قتله مش هيبان دليل ليهم عشان يمسكوه»

أكمل أحد الجالسين قائلًا وهو يُعد أرجيلة جديدة:

«أصلًا يا باشا الواد دماغه مفتوحة من وقعته على المحرات، يعني زي ما تقول كده اتكعبل في الضلمة ووقع وحصل اللي حصل، قدر ومكتوب له بقى، هيعملوا إيه!»

وبمجرد أن أنهى رص الأحجار المشتعلة دس بداخلها قطعة صغيرة من الحشيش ثم ناولها لوليد الذي تساءل مستغربًا وهو يلتقط من الأرجيلة عدة رشفات...

«أنا اللي محيرني إيه اللي ودّاه عند الإسطبل في ساعة زي دي!»

خرجت من فمه سحابة دخان ضخمة وهو يعاود أسئلته لحسن الجالس أمامه:

«سألوك حاجة تاني ولا خلاص كده؟»

وقتها ظهر التوتر على وجه حسن وبدأت كفاه في التعرق:

«هو بصراحة في حد شافني ليلتها وأنا بتحاسب معاه!»

«مين!»

عقد وليد حاجبيه، فحسن لم يخبره من قبل أن هذا حدث مما أثار ريبته وبالأخص والآخر يكمل...

«ليلى بنت الحاج خالد، أخت العريس، بس ما تخافش أنا قلت في التحقيق إنها كانت بتتمشى هناك ليلتها عشان لو جابوها وقالت إنها شافتني ما يشكوش فيّا!»

لا يعلم حسن السبب ولكن عوضًا عن فرح وليد أنه تمكن من التستر على الأمر إلا أن العكس قد حدث، وفي لحظة غضب قام وليد بضرب رأسه بالخرطوم في يده وهو ينهره بحدة:

«ما بتشغلش دي ليه! بتقول إنك شوفتها هناك من غير ما يسألوك ليه، عشان ما يقولوش عليك إنك كنت بتسلمه بضاعة ويخدوك، طب ما يخدوك وأخلص من غبائك... أصل بالعقل هي كانت هتروح من نفسها وتقول أنا شوفت فلان بيكلم المرحوم قبل ما يتقتل؟ دلوقتي انت وديتها المركز ولو سألوها هتقول إنها شافتك يا حدق، إنما لو كنت سكت وحطيت لسانك جوه بوقك ما كانش حد هيعرف إنها شافتك أصلًا يا فالح!»

سحبه أحد أصدقائه من يده التي تحمل خرطوم الأرجيلة والذي استمر برطمه على رأس حسن وهو يهدئه:

«خلاص يا وليد حصل خير، وبعدين حتى لو البت قالت إنها شافت حد معاه فحلّلي بقى على ما يعرفوا إنه حسن!»

«إنت مفكر إني خايف ليحبسوا النطع ده! ما يتحبس ولا يروح في ستين داهية، أنا بتكلم على ليلى اللي هياخدوها في سين وجيم!»

وهنا توقف صديقه قليلًا يتذكر حديثه مع وليد وأنه قرر خطبة إحداهن ولم تكن من القرية، وبمجرد أن استفهم الوضع حتى تبين سبب كل هذا الغضب...

«إنت تروح حالًا وتقول إنك اتلغبط وإنها ما كانتش هي، قول أي حد حتى لو قلتلهم إنت كنت بتعمل إيه ليلتها، المهم ليلى ما تخطيش خطوة جوه الزفت ده، فاهمني»

كل كلمة قالها كانت كشرارة بركان أوشك على الثوران إن لم ينفذ ما يطلبه، لذا وبمجرد أن أنهى حديثه حتى هرول حسن مبتعدًا وطريقه معروف...

••••

فتحت الباب برفق تخشى إزعاج صغيرتها النائمة، اقتربت من فراشها وهي تضع الماء بيدها على الطاولة المجاورة له، أخذت تمسح برفق قطرات العرق على جبهتها غافلة عن ارتعاش الأخرى!

«مش هقول لحد... ح.. حاضر...»

تمتمات غير مفهومة خرجت من بين شفتيها جعلت القلق يتسرب لقلب فاطمة، لذا أخذت تناديها:

«ليلى، حبيبتي إنتِ كويسة؟»

ظلت ليلى لحظات ترتعش مما جعل فاطمة تضمها إليها وهي تربت على ظهرها تطمئنها بوجودها:

«ده حلم يا قلبي، اصحي يا ليلى، ما تخافيش...»

«لااااء....»

صرخة خرجت من جوفها قبل أن تفتح عسليتيها، تطالع الحجرة حولها بشرود، ومع سماع كلمات والدتها المطمئنة هدأت ليلى قليلًا...

أبعدت فاطمة الخصلات التي التصقت بجبينها وهي تمسح الدموع التي انسابت من مآقيها، ترى صدر الأخرى يعلو ويهبط بعنف كما لو كانت في سباق، ناولتها كوب الماء وهي تتساءل عن مضمون ذلك الحلم الذي أرعبها هكذا...

«مش فاكرة؟»

جاوبتها ليلى وما تزال عيناها شاردتين وقلبها ينبض بعنف، صحيح أنها لا تتذكر ما حلمت به ولكنها تتذكر جيدًا كيف أن هذا الحلم أرعبها...

«ولا يهمك، ما تخافيش. استني هجبلك تتعشي وتاخدي الدوا بما إنك صحيتي»

لم تدعها ليلى ترحل وأخذت تضمها إليها تترجاها بصوت ضعيف:

«ما تسيبينيش لوحدي؟»

ربتت على ظهر الصغيرة تطمئنها بأنها لن تغيب طويلًا، ورغم ذلك لم تتراخَ كفّا ليلى بل زادتا تمسكًا بها، وأثناء ذلك انفتح باب الغرفة بحدة ورامي يقف أمامهما يقول بصوت مملوء بالذعر...

«البوليس تحت، وعايزين ليلى...!»

هوى قلب فاطمة أرضًا وهي تستمع لكلمات رامي...

..

..

..

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حيث تسقط النجوم

المؤلف اسماء سعد
2026/05/07 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة