السادس (اول صفعه) ....
انا ودروب الهوى، لم نتصادف فقد قيدتكِ إليّ، ولم أعلم أنا الغافل أنني من سأُبتلى بك... ♡
••••
في تمام السابعة صباحًا، كان صوت التلفاز يصدح في أرجاء الصالة، وارتسم وجه الصحفي على شاشة التلفاز، خلفه لقطات مهزوزة لوسط القاهرة، هتافات تتداخل مع صافرات الشرطة، وصوت خطوات مسرعة على الأسفلت.
قال بنبرة متماسكة وكلمات منتقاة، وإن خانها توتر خفيف:
«مشاهدينا الكرام... تشهد العاصمة اليوم تحركات احتجاجية جديدة نظمتها ما تُعرف بـ الحركة المصرية من أجل التغيير، أو كما يطلق عليها أنصارها: كفاية.»
توقف لثانية، قبل أن يُكمل:
«الحركة، التي ظهرت إلى العلن العام الماضي، تضم أطيافًا سياسية وفكرية متعددة، وتطالب بإنهاء حالة الطوارئ، ووقف ما تصفه بمحاولات توريث الحكم، رافعةً شعارًا غير مسبوق في الشارع المصري: لا للتمديد، لا للتوريث.»
انتقلت الصورة إلى لقطة لشباب يرفعون لافتات، ثم عادت إلى وجه الصحفي.
«اللافت في هذه التحركات ليس عدد المشاركين، بل جرأة الهتافات التي تُردَّد علنًا لأول مرة منذ عقود....»
استمر الصوت في الخلفية، ومع هذا كان كامل تركيز المستمعة على كوب اللبن الدافئ في يدها، تتأمله قليلًا وترتشف منه قليلًا تحت نظرات والدتها الحادة.
ومع أمل صغير قالت وهي تضع الكوب على الطاولة: «خلاص شبعت ومش قادرة!»
في حين هتفت الأخرى وهي تعود للمطبخ: «زياد متوصلهاش المدرسة لو مخلصتش كوبايتها، أنا زهقت هو أنا هفضل لحد إمتى أدادي وأدلع!»
طالعَت ليلى شقيقها بأعين متوسلة، مما جعله يحمل حقيبتها ويتناول هو ما تبقى من الحليب دفعة واحدة وهو يرفع صوته:
«خلصتها، هنمشي يا ماما هتعوزي حاجة؟»
«سلامتك يا حبيبي وخلي بالك وانت سايق» أجابته فاطمة وهي تهز رأسها بيأس، تعلم جيدًا أنه هو من أكمل كوب الحليب دون حتى أن تراه.
«طب يلا؟» أخذ زياد ذراع ليلى بين ذراعه، في حين حمل حقيبتها بالأخرى، وتوجه بها نحو الخارج تحت نظرات رامي المتقززة وتعليقه الساخر: «علاقة قذرة.»
ضحكت سلمى على تعليقه، وهي تعلم جيدًا أنه يقول هذا بسبب غيرته، فمنذ مكثت معهم وأصبحت شخصياتهم مكشوفة أمامها، زياد زوجها حنون بطبعه ويحب تدليل الجميع، في حين أن رامي ذو لسان سليط، ومع هذا تكاد تجزم أن قلبه أرق من قلب زياد.
«استناني طيب ولا مش هتوصلني؟» لحقهم رامي وهو يدس في حقيبته الطعام، بينما جمعت سلمى الأكواب الفارغة وحملتها لداخل المطبخ...
«هتيهم عنك!» أخذتهم منها فاطمة كي تقوم بغسلهم، وهي تُعلق: «معلش هتعبك تجيبي صينية الفطار من مكتب خالك.»
وبالفعل ذهبت سلمى وأحضرت ما طلبته فاطمة، وبداخلها كثير من التساؤلات، ورغم ذلك لم تسأل...
وبعد أن أنهيا أعمال المطبخ جلستا على الأريكة يتابعان أحد المسلسلات على التلفاز، حتى قاطعهما صوت خالد.
«عايزك في موضوع!» وجه حديثه لفاطمة، والتي استأذنت من سلمى كي تغادر وتتركهما وحدهما.
«خير» أجابته فاطمة وهي تخفض صوت التلفاز.
«كلمتيها؟» سألها خالد وهو يجلس مقابلها على الأريكة، بينما طالعته الأخرى بنظرات ممتعضة، تأخذ نفسًا تحاول موازنة كلماتها:
«لأ، ومش هكلمها.. وأظن إني قلتلك رأيي في الموضوع ده من الأول، فيستحسن نقفله قبل ما يفتح أكتر من كده.»
فاطمة تعلم جيدًا أنه يتحدث عن موضوع وليد الذي تقدم لخطبة ابنتها بشكل رسمي منه، وكيف أنه موافق؟
ولكنها لا تؤيده بأي شكل من الأشكال، كيف لا بعدما رأت نظرات الرعب في عين ابنتها يوم لاقته، وكل ما فعله هو أنه ألقى السلام عليهم!
لن تجادله في كون ابنتها صغيرة، فهي تعلم جيدًا أنه لن يهتم لشيء كهذا، ففي عرفهم الفتاة التي تبلغ تصلح للزواج، ليس المهم أن يكتمل وعيها أو نضجها، فقط أن يكتمل الجسد صحت الزيجة..!
تجهمت ملامح خالد من ردها، وقد احتد صوته وهو يقول:
«أنا هنا مش باخد رأيك أو حتى رأيها، أنا بعرفك تعرفي بنتك إنها بكرا هتقابل خطيبها وهنقرا الفاتحة!»
ابتلعت ما بحلقها بصعوبة وهي تطالعه برجاء تغير حدته لعله يلين:
«إنت عارف كويس إني مش بخالف كلامك، أنا بتكلم في حتة إن ليلى شافته بيقتل أخته قدامها؟... فاكر فضلت قد إيه مرعوبة من إنها تنزل البلد لأنها خايفة تشوفه؟ حتى لما قابلنا صدفة ورمى علينا السلام، إنت مشفتهاش كانت بتعيط إزاي بعدها ؟»
لانت ملامح خالد قليلًا وهو يستمع إليها وهي تكمل:
«أنا أي حد تاني غيره أو أقل منه أنا معنديش مانع فيه، بس فكرة إن ليلى بتخاف منه وأنا عارفة كده كويس، تقدر تقولي إزاي أقولها إنه جاي يخطبك ووالدك موافق وإنك ملكيش تقولي رأيك حتى!»
تنهد خالد وهو يجيبها«خلاص، أنا اللي هقولها مدام إنتِ خايفة عليها قوي كده؟»
هنا لم تعلم فاطمة ما تقوله، كيف لها أن تجعله يعود عن قراره، وهي أكثر العالمين بأنه إن عزم على أمر فسينفذه... وقتها تمنت لو أنها انتهزت الفرصة ومهدت الموضوع لابنتها، تنهيدة يائسة خرجت من فمها وهي تعود بجسدها للخلف تطالع زوجها بعتاب، قابله بلامبالاة معتادة وغادر.
ضحكة ساخرة خرجت من فاطمة وهي تتخيل ردة فعل ليلى على كلام والدها، وللمرة الألف تدرك فاطمة أن اختيارها كان خطأ..!
••••
يقولون إن الإنسان بطبعه غافل عما يحيطه من نعم حتى تُسلب منه، فاليوم الملل الذي تقضيه بدون أي أحداث مهمة، تتذكره حينما تقع في بلاء على أنه أسعد أيام حياتك، فقط لأنه مر بسلام...
كهذا اليوم العادي، وفي طريق العودة من المدرسة أخذت ليلى بشراء كيس من الحمص، واحد لها وآخر لصديقتها مريم، بينما تتجاذبان أطراف الحديث في شتى المواضيع...
«يعني سعاد أختك جالها عريسين الأسبوع اللي فات وهي اللي مش عايزة، يا بنتي أنا أسمع إن سعاد دي أصلًا عنست؟»
تمتمت ليلى وهي ترتشف من الكيس في يدها، بينما تتابع سيرها جوار مريم التي اعترضت وهي تهتف بضيق:
«ما هو عشان الكلمة دي وإنها عدت التلاتين ومتجوزتش جالها واحد رد سجون والتاني شمام، فاكرين إنها هتوافق على أي حد وخلاص!»
ربتت ليلى على كتف مريم وهي تهدئها:
«يا بنتي أصلًا الجواز ده رزق، لا بإيديها ولا بإيد حد، وبعدين...»
وقبل أن تكمل كلماتها شعرت بأحدهم يطالعها، وبمجرد أن استدارت لم تجد شيئًا...
انتبهت مريم على شرودها وسألت بحيرة «في حاجة ولا إيه؟»
نفت ليلى وهي تتابع السير مع مريم نحو منازلهما، فهم منذ أكثر من عقد وهما جيران، لم يكن تعارفهم بالبداية الجيدة حتى لقائتهما الاولى كانت عبارة عن مشاجرات انتهت بأن حل السلام عليهما، واما الآن فهما أكثر من مجرد صديقتين...
••••
في المساء جلس الجميع حول طاولة الطعام، وكان الصمت حاضرًا، فلم ينطق أحدهم بكلمة، حتى وضع خالد ملعقته وهو ينظر لليلى التي تنتقي قطع الخضار من صحنها إلى صحن رامي...
«خلصي أكلك وتعالي لي المكتب عايزك.»
ارتجفت يد فاطمة وهي تتابع زوجها يسير نحو مكتبه ويغلق الباب بهدوء، بينما طالع الجميع ليلى التي وقف شعر رأسها تبادلهم ذات النظرات الحائرة...
«مصيبة إيه المرادي؟» تساءل رامي وهو يغمس ملعقته يملأها بالطعام ويضعها بفمه.
حنت ليلى شفتيها بعدم فهم وهي تقول ببعض التوتر: «معملتش حاجة!»
طالعها زياد بشك قبل أن يردف:
«خير إن شاء الله، على العموم هجهز المناديل!»
عبست ليلى من تعليقه وعادت بكرسيها للخلف استعدادًا للوقوف وهي تحذره
«أنا ملفاتي السودة مناديل، إنما إنت حاجات تانية متخلنيش أفكرك!»
ضحك رامي بصخب على حديثها، في حين تحول وجه زياد للون الأحمر وهو يعلم جيدًا عما تتحدث، وقبل أن يرد كانت قد غادرت بالفعل...
••••••
أزاح الستائر بهدوء سامحًا للدخان المحتجز بالتحرر، بينما استند بجذعه العلوي على الحائط يطالع الجالس أمامه بعدم رضا وهو يهتف
«لم أتخيل يومًا أن أراك ضعيفًا هكذا!... أتفهم حزنك وبأسك، لكن من الصعب عليّ أن أرى أوس الفارس وهو يدمر نفسه بيديه.»
اقترب من الجالس عدة خطوات قبل أن يهم بسحب السيجارة من بين أصابعه ويدهسها بحذائه وهو يكمل:
«أنت تفعل شيئًا عجز أعداؤك عن فعله!»
رفع أوس نظراته لمواجهة مارك وهو يحني رأسه جهة اليمين قليلًا«ومن قال لك إن أعدائي لم يفعلوا هذا؟»
أجابه مارك بثقة
«أعداؤك في الخارج ليسوا هنا، كان هذا مجرد حادث حتى عامر قال هذا بلسانه...»
جفل مارك حينما مرت الزجاجة بجانب وجهه قبل أن ترتطم بالحائط خلفه، في حين تجمد مكانه وأوس يطالعه بغضب مكبوت ينطق من بين أسنانه بحدة:
«عامر يكذب؟»
تنهد مارك قبل أن يسأله بحذر، وهو يعلم جيدًا أن الآخر خارج وعيه وأي كلمة لا تُسعده سيثور عليها:
«لماذا قد يكذب والدك؟»
«لا أعلم، لكن الشيء الوحيد الذي أنا موقن به أن آدم قُتل وأنا من سأقتص له، لذا إن كنت ستظل تعترض فغادر بدوني، أنا لن أعود حتى أعرف من فعلها.»
حك مارك رأسه وهو يفكر قليلًا قبل أن يجيبه:
«تعلم جيدًا أنني معك، لذا أخبرني بما تريد فعله وحسب.»
تنهيدة راحة خرت من شفتى اوس وهو يميل رأسه للخلف يستنشق دخان سجائره المفطفأة وهى تغادر الغرفة وبداخله كثير يرغب بفعله، فقط لو ينصفه التوقيت لفعلها..!
••••
أغلقت ليلى الباب، بينما بدأت دقات قلبها في العلو، لم يكن خوفًا بل رهبة لهذه الجدران التي شهدت على كل خطاياها...
فكل مرة تغادرها كانت تنفجر بالبكاء بعد أن تنال حصتها من التأديب، لم يكن ضربًا بل كلمات كانت تنزل عليها كالسهام من والدها...
«اقعدي» أمرها خالد وهو يطالع الكرسي الفارغ قبالته، وفي أقل من ثانية كانت ليلى تجلس عليه وهي تطالعه بابتسامه مهزوزة ، وبداخلها تتذكر آخر ما فعلته لعلها تجد سببًا لاستدعائه لها...
بادلها خالد الابتسامة وهو يسألها:
«ناوية تخشي جامعة إيه بعد الثانوية؟»
رمشت ليلى عدة مرات من سؤاله المفاجئ وهي تجيبه ببلاهة واضحة:«والله مجموعي اللي هيختار مش أنا!»
ضحك خالد على جوابها وهو يكمل:
«يعني لو مجموعك مجبش حاجة هتقعدي في البيت؟»
قبل أن تجيبه جاء صوت طرق من الباب، أذن خالد للطارق، والذي لم يكن سوى سلمى وهي تحمل صينية الشاي بيدها:
«الشاي يا خال.»
هز خالد رأسه وتركها تضع الصينية وتغادر، حمل الكوب الساخن وهو يرتشف منه ثم أكمل:
«مش عايزك تكملي تعليم!»
انقبض صدر ليلى عند هذه الكلمة وأخذت تعبث بأصابعها:
«هو أنا عملت حاجة غلط؟ يعني في حد قالك حاجة عني وحشة ولا...»
«مفيش حاجة من دي.»
قاطعها بعدما رأى كم توترها، واسترسل في الحديث:
«في واحد متقدم لك وهيستناكِ لحد ما تخلصي الثانوية »
تنفست ليلى أخيرًا براحة، فقد ظنت لوهلة أن أحدهم قال شيئًا سيئًا عنها لوالدها، لذا قرر أن تترك التعليم، لكن هذا ليس السبب...
«هو صحيح إني لسه مقررتش هخش جامعة إيه، بس أنا برضه عمري ما فكرت في الجواز، يعني الموضوع بعيد عني قوي.»
كانت تشعر بالخجل وهي تقول كلماتها، فلم يخطر لها أن والدها سيحدثها بشأن شيء كهذا...
وضع خالد الكوب بيده وهو ينظر إليها بجدية عهدتها منه جيدًا، فأيًا يكن ما سيقوله تاليًا فهو أمر وليس خيارًا، وصدق حدسها وهو يقول:
«العريس هييجي يزورنا بكرا هو وعيلته، وعلى فكرة إنتِ تعرفيه.»
أشارت ليلى بسبابتها نحوها بعدم فهم، حتى قال اسمه الذي جعل الدم يتجمد في عروقها:
«وليد ابن عمدة البلد.»
رأى خالد شحوب وجهها لذا خفف من حدته قليلًا:
«عارف إنك من ساعة الى شوفتيه منه وإنتِ خايفة، بس برضه هو معملش كده من غير سبب. أخته دي هربت مع واحد غريب ودي لوحدها كفيلة تشيلها العار طول عمرها لو فضلت عايشة!
(أي حد مكانه هيعمل كده!)»
لم تصدق ليلى ما سمعت، لذا سألت بتردد:
«يعني لو أنا اللي هربت...»
قاطع خالد جملتها:
«الشرف والسمعة هما أهم حاجة لأي واحدة، وفكرة إنها تعصي أهلها وتعارضهم دي كفيلة تنهيها، يعني زي ما قلتلك لو أي حد مكانه كان هيعمل كده
(فلو إنتِ عملتي زي أخته، أنا هعمل زيه بالظبط).»
•••••
«عملت إيه مسمعتيش؟ طب كانوا بيقولوا إيه؟»
تأفأفت سلمى من أسئلة رامي التي لا تنتهي، فمنذ دخلت الغرفة وهو يغرقها بأسئلته وهي حتى لم تستمع لشيء...
وما هي إلا لحظات حتى فُتح باب المكتب، رفع رامي علبة المناديل استعدادًا لما هو قادم، لكنه ذُهل حين رأى وجه ليلى، وقد كان أحد خديها محمرًا، وشفتها يسيل منهما الدم...
• •
• •
• •
اسماء سعد