الثالث عشر ( تشابك احداث )
---
« بعض الأقدار عبارة عن مصائب نقع فيها بأيدينا »
•••••
قبل ساعتين...
ضربت أنفه رائحة الكحول النفاذة مع أولى خطواته داخل الحانة. بعدما تأكد من دخول الفتاتين للمحل المقابل له...
دار بعينيه قليلاً في المكان قبل أن يختار إحدى الطاولات الصغيرة في إحدى الزوايا المظلمة...
أمضى النصف ساعة الأولى وهو يقرأ عن المترشحين للسباق في المجلة أمامه، والنصف الثاني وهو يقيمهم. وبعد مرور ساعة أخرج ورقة فارغة ودون بها بعض الأسماء...
اقترب منه رجل عريض الكتفين سحب كرسيًا جواره ثم أخذ يطالع ما يكتبه الآخر وعلق « أانت واثق بهذا الترتيب؟»
رفع أوس نظره للرجل وعوضًا عن إجابته اكتفى بطلب « كوب من الكولا، أشعر بالعطش »
عاد الرجل بجسده الضخم للخلف بعدما أشار للنادل بالقدوم « كوب من الكولا! وزجاجة فودكا »
هز النادل رأسه بعدما سجل الطلب وما هي إلا لحظات حتى عاد حاملاً كوب من الكولا المثلجة، لم يتماشي مع مكان تتصادم فيه الكؤوس ولكن الآخر لم يأبه فقد كان عليه أن يظل واعيًا للقيادة بعد ذلك...
وأثناء شربه رفع الرجل الضخم حقيبة بضعف حجم يده، طالع أوس الحقيبة ثم الرجل وقال بصوت جامد « أنا لا أبيع سباقاتي »
تجرع الرجل من فوهة الزجاجة مباشرة غير آبه بالحرقة داخل حلقه تبعها ثوانٍ من الصمت قبل أن يقول بصوته الأجش « هذا ليس بيع، المنعطف الثاني فقط ابطئ قليلاً و....»
دفع أوس حقيبة الرجل أرضًا، ثم وقف من مكانه دون أن يستمع لبقية حديثه بينما ظل الرجل مكانه يتابع أوس وهو يتقدم نحو الغرفة الخاصة. أمضى هناك الساعة الثانية قبل أن يخرج وملامحه تنذر بالسوء...
في هذه الأثناء كان الرجل قد أنهى زجاجتين أخريين وينتظر خروجه حتى يعود لاقتراح عرضه، ولكن الآخر لم يعطيه فرصة وغادر المكان على عجل...
وبمجرد خروجه أشار لشقيقته التي أتت ومعها ليلى، لم يكن اليوم من أفضل أيام حياته وعوضًا عن ذلك كان يريد حقًا أن يعود للمزرعة، وأثناء شروده وهو يبحث عن المفتاح، شعر بشيء ساخن يخترق قماش بدلته وتبعه أصوات مرتفعة مع مزيد من تلك اللسعات المتفرقة...
وبمجرد استيعابه للموقف وجد ليلى تبتسم له ثم تركض بكامل سرعتها، تبادل هو ولينا نظرات مندهشة قبل أن يلحق بها، لكن بمجرد أن وصل إليها كان الآخر يمسكها من يدها...
عادت مجددًا عدة خطوات وهي تريد أن تبتعد، ولكن صوت أوس الغاضب جعلها تتجمد في مكانها « ابعد يدك عنها داميان!»
عبس حاجبا داميان بخفة يحاول أن يفهم الوضع، ولكن عوضًا عن الابتعاد اقترب وهو يلف ذراعه حول كتفها يقول ببعض الود « مرحبًا أوس لم أرك منذ مدة، كيف حال إصابتك؟»
أشار في نهاية حديثه بسبابته نحو رأسه، ذات المكان الذي يضع أوس فيه ضمادته، بينما تحدث أوس وهو يضغط على أسنانه « قلت ابتعد »
لم يأبه الآخر لتهديده وعوضًا عن ذلك أخرج سكينه الصغيرة من جيبه ووضعها قرب وجه ليلى التي شحب وجهها...
« وإن لم أفعل؟»
قبض أوس يديه مانعًا نفسه من الهجوم عليه، بينما قرب داميان وجهه من ليلى المذعورة وما يزال يبتسم « أخبريني أيتها الصغيرة، هل ابتعد؟»
كان صوته لطيفًا على العكس من أفعاله، ورغم انتظار ردها إلا أنها لم تفهم شيء مما يقوله، وعوضًا عن ذلك كانت أنظارها تتجول بين السكين في يده وأوس الذي حاول طمأنتها « متخافيش مش هيعملك حاجة »
سحب داميان نظارتها وألقاها بعيدًا، وقد بدأ ينزعج « مهلاً انظري هنا.... أهي صماء أم ماذا؟»
لم تفهم كلماته وهو يطالعها بعيونه الزرقاء الباردة كالثلج، شعرت ساقاها تخونانها وهي ترى النصل الحاد يقترب من وجهها أكثر فأكثر ببطء ملحوظ ...
« هذا ممل!» أفلت داميان يده من على كتفيها وتركها تهوي ببطء، وهو يدخل سكينه في جيبه ويكمل « كنت أظنكِ ممتعة قليلًا كونكِ تشبهينها بعض الشيء، لكنكِ مملة!»
بينما كان أوس قد اقترب منه كفاية يسحبه من ياقته بعيدًا عنها، وقبل أن يسدد له لكمة أمسك داميان بقبضته وما تزال نبرته المرحة تزعج أذنيه وهو يخبره « صدقني أنت لا تريد الدخول في شجار معي هنا؟»
أشار في نهاية حديثه بطرف عينه نحو أحد الرجال، كان قريبًا منهم كفاية ومن خلال ملابسه السوداء ويده الموضوعه في معطفه كما لو كان سيخرج سلاحًا في اللحظة التالية أدرك أوس أنه حارسه الشخصي...
« افلتني »
أمره داميان، بينما تنهد أوس وهو يدفعه بخفة للخلف وهو يشتمه « أنت حقير »
« ليس بحقارتك » عدل داميان طوق بدلته وقبل أن يرفع رأسه كان أوس قد سدد له لكمة في منتصف وجهه جعلت الدماء تخرج من أنفه...
وقبل أن يقترب الحارس الشخصي رفع داميان يده معترضًا على تقدمه وهو يمسح أنفه « غضبك هذا سيسبب لك كثيرًا من المشاكل »
أعطاه أوس نظرات غاضبة ثم توجه لليلى التي تتابع الموقف بعيون شاردة، سحبها من يدها وما إن وجدها تتَرنّح حتى رفعها بذراع واحد على كتفه وبذراعه الأخرى التقط نظارتها المكسورة، كان يشعر بجسدها وهو يرتعش وما تزال أنظارها متوجهة نحو داميان كما لو كانت خائفة أن يخرج سكينه مجددًا ....
•••••
أشعل سيجارته ثم توجه نحو إحدى الكنبات الخشبية المتراصة في البرندة أمام المنزل...
لم يكن يملك وقت فراغ فالأيام القليلة الماضية حيث إن موسم الحصاد قد بدأ بالفعل مع بداية شهر أبريل...
شهر كامل قد مر منذ أن اختفت ليلى، وحتى الخيط الوحيد الذي تمسك به على أمل أن يعثر عليها كان مقطوعًا، لم يقدمه خطوة واحدة..
بلد أجنبي وشاب غريب، يجهل حتى دوافعه، لم يُخبر أحدًا بما توصل إليه خشية أن يكون أحدهم على علم بذلك الشاب. ولكن من يأس والدها، فقد اتضح له أنها بالفعل خُطفت...
« الشاي يا وليد باشا » أخرجه من شروده صوت الفتاة التي وقفت أمامه تحمل صينية بها كوب من الشاي...
وضعت الصينية بحذر جواره ثم وقفت قليلاً وهي تعبث بضفيرتها المجدلة بعناية والتي انسابت بخفة من أسفل الاشارب الذي تضعه على رأسها...
« فيه حاجة؟»
وقوفها المطول جعله يتساءل، في حين جلست الفتاة على مقربة منه وقد أخذت بالابتسامة وهي تقول ببعض الدلال..
« أنا اللي عايزة أسألك، شارد بتفكر في مين، مين اللي واكله عقلك »
ضحكة ساخرة خرجت من فمه وهو يقول « بنت حلال بقى اعمل إيه؟»
« ياه، دا أنت واقع أوي! »
عبس حاجباه بخفة من جرأتها في الحديث، يراها تقترب منه وهي تكمل « يابختها، عارفة إزاي تشغل بالك!»
حمل كوب الشاي الذي أحضرته وقبل أن يرتشف منه كان يقيمها من رأسها حتى قدميها...
« اسمك إيه؟»
ابتسمت الفتاة وهي تجيبه، تراه يرتشف من الشاي الذي أعدته بيديها « محسوبك نيرة »
« شايك ماسخ يا نيرة، قومي اعملي قهوة »
اختفت ابتسامتها مع حدة جملته « فزي يابت!»
انتفضت هذه المرة وهي تسرع للداخل لتنفيذ طلبه.بينما ظل هو مكانه ومايزال يقيمها، يعرف امثالها جيدا تغريهم المظاهر والنفوذ ويحبون تسلق حفرة الفقر بأيديهم...
لكن لاى درجة هى مستعدة للتسلق...
•••••
« خلاص بقى، مكنتش حتته سكينة قد كف الإيد رفعها عليكِ!»
فتحت ليلى عينيها قليلاً بعدم تصديق لما يتفوه به الآخر، وفي اللحظة التالية كانت تضربه
« نزاااالني »
وبالفعل أنزلها أوس، ومع ذلك انهالت عليه بالضربات وهي تبكي وما تزال خائفة « أنت حيوان ومعندكش دم »
تركها أوس تفرغ غضبها وما تزال يديها ترتعشان وهي توجه له بها الضربات، فالواقع كان هذا دوره هو، أليست هي من فجرت فيه الألعاب النارية ثم لازت بالفرار...
عند هذه الفكرة أمسك أوس يدها التي تضربه، وقد احتدت ملامحه وقبل أن يقول أي شيء كانت قد فقدت الوعي بالفعل ولولا أنه سحبها من اليد التي يمسكها لكان وجهها قد ارتطم بالأرض...
تنهد بقوة وعاد مجددًا لرفعها على ذراعه وسار تجاه السيارة حيث انتظرتهم لينا، والتي بمجرد أن رأت ليلى فاقدة الوعي سألته١ بقلق « أنت عملتلها إيه؟»
لم يجبها أوس واكتفى بأن وضع تلك المغشي عليها في المقعد الخلفي وأغلق الباب بقوة...
« أنا بكلمك على فكرة، هي حصلها إيه؟»
ومع الإلحاح المستمر من لينا صرخ أوس بها « ممكن تسكتي حبة!»
صمتت لينا، ومع ذلك ظلت نظراتها تعاتبه، فتحت الباب الخلفي وأخذت تتفحص ليلى وهي تحاول أن تجعلها تستعيد وعيها، وفي هذه الأثناء كان أوس قد شغل السيارة وانطلق بها...
يأست لينا من محاولة إفاقتها، لذا وضعت رأسها على ساقيها وأخذت تمسح دموعها التي لم تجف بعد...
« دميان خبط فيها وافتكرها سارا، ولما شافني رفع السكينة عليها »
كلماته جعلت يد الأخرى تتوقف عما تفعل، أذهلتها جملته التي لم تستطع حتى استيعابها، لذا سألت ببعض التردد « دميان قابل ليلى؟»
« أه يا لينا، أومال أنا بقول إيه؟»
فركت لينا جبينها ولم تستطع حتى تخيل الموقف الذي حكاه أوس قبل قليل، كانت أكثر العالمين بكيف يكون مزاج شقيها حينما يذكر اسم دميان فقط، فما بالك بلقائه...
••***••
كانت أصوات الضرب عالية، لم تكد تستوعب ما حدث بعدما غطاها الآخر ورحل، لكن صوته كان قريبًا وتحذيره يعاد باستمرار داخل رأسها...
(أوعى تنزلي أو تطلعي صوت، دا لو حبيتي تفضلي عايشة!)
ومع هذا لم تستطع أن تتمالك نفسها وتحركت بحذر حتى اقتربت من صندوق الشاحنة ورفعت رأسها ببطء...
شهقت بقوة وهي ترى رجلين ضخما البنية ينهالان على أوس بالضربات وآخران ملقيان أرضًا، في حركتها المفاجئة سقطت إحدى الصناديق التي وضعها أوس عليها مما أحدث صوتًا...
« ما هذا؟» تسأل أحد الرجلين وهو يطالع صندوق السيارة مما دفعه للاقتراب والتحقق بنفسه...
عادت ليلى بسرعة للانكماش أسفل الغطاء وهي تدعو ألا يراها، تستمع بوضوح لخطواته وهو يقترب منها...
« ما الذي تفعله، هيا نغادر...» توقف الرجل على صوت جوش وهو يأمره بالعودة مما جعله يعود أدراجه...
كانت ضربات قلبها في تزايد ولم تهدأ حتى سمعت صوت السيارة وهي تغادر، لذا عادت مجددًا لتُخرج رأسها بحذر، وعندما لم تجد أحدًا قفزت بسرعة وتوجهت ناحية أوس، كادت أن تتعثر عدة مرات ولكنها في النهاية وصلت له...
منظره وهو يرقد بدون حراك أثار بداخلها خوفًا ملحوظًا، خاصة وهي ترى نصف وجهه قد غطته الدماء...
وبصوت مرتعش نادت اسمه مرات متتالية...
« سا.. معك...»
تأوه أوس وهو يجيبها، ولكن في اللحظة التالية كانت تصرخ بكلمات غير مفهومة كأنها لم تسمعه...
« متموتش... والنبى متموت.. استنى بس، متموتش »
كان من الواضح أنه يجيبها، ومع ذلك ظلت تبكي وهي تتمسك بقميصه بقوة جعلت عظام مفاصلها تبيض...
شعر بها تسقط فوقها،لم يكن لديه اى قوة متبقية كى يبعدها ولكن شهقاتها المكتومة وصلته مما جعل صدره يضيق.. لا يعلم ان كان بسبب الذنب ام مجرد شفقة...
••****••
أوقف أوس السيارة أخيرًا بعدما وصل للمنزل، حسنًا لم يكن انهيارها هذه المرة شيئًا أمام ما حدث في المرة السابقة...
وبينما يفتح الباب الخلفي استعدادًا لحملها للداخل تفاجأ بها تمسكه من القميص...
« متموتش...»
هذه المرة كانت عيونها ظاهرة بوضوح أمامه وطبقة رقيقة من الدموع عند حوافها الحمراء ... يبدو أنها ما زالت تحلم ومع ذلك كانت حدقتاها خاليتان من أي ضوء تشرد في وجهه لا تطالعه...
لكن في اللحظة التالية بدت وكأنها وعت لما تفعله، لذا أفلتت قميصه وهي تقول بصوت مرتعش، وتنظر للجرح أعلى رأسه « أنت كويس! »
•••••
وفي إحدى المطاعم الراقية في ميلانو...
جلس الثنائي الوحيد في المكان وهما يتبادلان أطراف الحديث بينما يتناولان العشاء، توقفا على صوت رنين الهاتف...
حمل مارك الهاتف بعدما تحقق من المتصل وأجاب بدون مقدمات « ماذا، هل اشتقت لي بالفعل! »
[ اسمعني جيدًا، إن كانت بيانكا بجانبك فأخرج، لا أريدها أن تستمع ]
« دقيقة واحدة وسأعود » ابتسم مارك للشقراء قبل أن يقف ويغادر المطعم، أمضى عشر دقائق قبل أن يدخل مجددًا، وعلى عكس وجهه المبتسم الذي خرج به فقد عاد وهو منزعج...
« أوس؟» بدا أن الأخرى قد حزرت هوية المتصل، لذا تساءلت بعد أن هز الآخر رأسه إيجابًا « ماذا يريد، الست في عطلة هذا الأسبوع؟ »
« للأسف فقد مرصت إحدى الأحصنة ويحتاجني أن أذهب إليه فورًا » تجرع من كأسه وهو يجيبها...
بينما انحنى حاجباها قليلًا وأخذت تكمل طعامها « لست مضطراً للكذب، اخبرني أنه قال لك ألا تعلمني بسببك وسأتفهم الأمر »
انكشف في جملة واحدة قالها ولم يستطع حتى تبريد موقفه، حسنًا كيف يخبرها أن عدوا شقيقها أتى بسفينة غير شرعية، والآن عليه أن يعود بها ثم يأتي مجددًا بالطائرة، زد على ذلك أن داميان الوغد قد اعترضه اليوم ورأى ليلى معه!
تنهد مارك وهو يترك الكأس من يده وعوضًا عن ذلك ربت على يدها بخفة ثم أمسكها « صدقيني، لديه أسبابه وهو يحتاجني الآن »
نكزته الأخرى بالشوكة بخفة وهي تبتسم « كلاكما احمقان، ما شأني بأسبابه! كما وأنني تقبلت فكرة أنكما زوجان حتى قبل أن أتعرف عليك؟ »
« لا تقوليها بهذه الطريقة، هذا مقزز!»
سرت قشعريرة في جسده من حديثها بينما ظلت ابتسامتها تتسع من أفعاله وقد عادوا مجددًا لحوارهم السابق...
في أوقات كهذه كان يزداد تأكيده بأن بيانكا مختلفة تمامًا عن توأمها داميان في كل شيء...
•••••
لف وشاحه بإحكام حول عنقه وبعدما تأكد أن وجهه مغطى بالكامل تسلق سور منزلها...
وقف أمام تلك الأرجوحة وقرر ترك قميصها الغارق بالدماء عليه، تردد قليلًا وهو يشبك الرسالة التي كتبها بها، ولكنه حسم أمره فقد فعل ما هو أسوأ...
يدرك جيدًا ما ستؤول إليه الأمور بعد فعلته، لكنه قرر بالفعل أنه لن يعيدها حتى تعطيه إجابة مرضية، وحتى ذلك الحين عليهم أن يتوقفوا عن البحث عنها...
لم يفكر في عاقبة أفعاله، بل لم يخيل له أنه سيأتي اليوم الذي سيندم فيه على كل ما ارتكب...
عاد أدراجه وهذه المرة ذهب نحو المطار، حيث حجز تذكرته بالفعل وسيعود خلال ساعات قليلة....
•
•
•
•
•
•
اسماء سعد