الحادى عشر
«نحن لا نختار دروبنا... بل نسلك الطريق الأكثر أمانًا»
••••
«على جثتي لن تخطوه خطوة واحدة داخل هذا المطبخ مجددًا، أخبريها بذلك؟»
«ترجمي» تأفأفت لينا وهي تخبرها نصًا بما تقوله ماريا، وهنا عقدت ليلى ذراعيها «طب كده، قولي لها بقى إنها لو عملت أكل عيانين تاني أنا هدخل وهي مش هنا وأعمل اللي أنا عايزاه!»
أخبرت لينا ماريا بتهديد ليلى، بينما صاحت ماريا «أيتها الصغيرة اسمعي جيدًا، مشكلتي معكِ ليس ما تعدينه، وإنما ما تخلفينه من فوضى خلفكِ، أتفهمين؟»
أشارت برأسها تجاه المطبخ المملوء بصلصة الطماطم، ودون ترجمة فهمت ليلى مقصدها لذا دافعت عن نفسها «أنا ما عرفتش إني لازم أحط الغطا على الخلاط، محدش قالّي إن الطماطم بتطير جوه!»
«لا أحد في هذا المنزل يدخل هنا سواي، وأنا المسؤولة عن نظام الوجبات، لذا لا تتدخلي»
هنا رفعت ليلى سبابتها «بقولك إيه يا ست، إنتِ اليومين اللي فاتوا معدتي وجعتني من أكلك، اعملي حاجة حرشة ترم العضم وسيبك من السليق في السليق ده»
بالطبع كانت لينا تترجم في المنتصف هذه المحادثة، والتي انتهت بأن ماريا ستطهو وجبة واحدة غير صحية في اليوم بشرط أن تتعهد ليلى بعدم التعرض لمطبخها مجددًا، هذا بالطبع بعد أن أفسدت نصف الأواني بحرق الطعام داخلها...
«شخصيتها عنيدة، تذكرني بأحدهم؟» علّق مارك وقد كان يتابع الحوار منذ البداية وهو يتناول كوب القهوة...
فركت لينا جبينها وهي ترتمي على الأريكة «لا أستطيع مجاراة سرعتها في الرد، لم أتوقع أن مجرد ترجمة لبضع جمل ستجعلني منهكة هكذا»
«بالمناسبة، ما الذي يفعله العنيد الآخر؟» تساءل مارك عن مكان أوس، مما جعل لينا تتنهد «في الخارج مع حصانه»
طالعت ليلى مارك قبل أن تجلس بجانب لينا، وعلى وجهها علامات التعجب «هو الأخ ده ملوش بيت؟ كل يوم ناطط لكم كده!»
لم تتمالك الأخرى نفسها وخرجت منها ضحكة قصيرة وهي تجيبها «لا، عنده طبعًا، بس هو شغله هنا»
«آه، شغله» طالعته ليلى بنظرات صعب عليه فهمها، ولم تمضِ سوى دقائق حتى دخل أوس وهو يخلع قفازاته ويلقيها جانبًا...
«أسرع، لدي الكثير لأفعله» قال كلماته وجلس بجانب مارك، الذي فتح الحقيبة الطبية وأخرج منها بعض الضمادات والقطن ومحلول مطهر...
وأثناء ذلك كان أوس قد فك الضمادات حول رأسه، خرجت شهقة عالية من ثغر ليلى وهي ترى جرحه مباشرة أمامها، وبسرعة أدارت وجهها وغادرت دون أن تقول شيئًا...
كانت الخيوط ما تزال موجودة وقد امتد جرحة من اعلى عينه اليسرى حتى قرب اذنه.
تبعتها لينا ولم تقوَى هي الأخرى على رؤية الموقف، وتحت نظرات أوس المتعجبة نهره مارك...
«أنت حقًا غبي»
•••••
«مين ده يا سلمى؟»
في لحظة واحدة تشتت تفكيرها وشحب وجهها وهي تتلعثم بالكلمات «هو.. أصل، كان جاي بس....»
«محسوبك رضا، كنت عايز المحامي خالد محروس، مش ده بيته برضه؟»
قاطعها علي وأكمل هو كذبته بدقة، مما جعل فاطمة تهز رأسها بإيجاب «أيوه بيته، بس هو مش هنا دلوقتي، ممكن تقولّي عايزه في إيه وأول ما ييجي أبلغه»
هنا رفض علي طلبها وهو يكمل «لا، الموضوع بتاعي عايز وقت طويل، فلو ليه رقم تليفون أكلمه بعدين»
«دقيقة أجيب لك الرقم» وبالفعل تركتهم فاطمة وذهبت للداخل تحضر إحدى بطاقات عمله، تحت نظرات سلمى المتوترة...
«مالك؟ خايفة ولا إيه؟ لا، انشفي كده!» ابتسم علي في نهاية حديثه، ثم التقط البطاقة من فاطمة وشكرها وغادر...
ورغم ان زوجة خالها لم تشك فى شئ الا ان دقات قلب سلمى ظلت في تزايد، خوفًا من أن يُكشف أمرها يومًا ما، حائرة في ما ستفعله أو ما ستؤول إليه الأمور...
••••
«تاخد» عرض عليه علبة سجائره، ولم يرفض الآخر حيث سحب منها واحدة وأشعلها بنفسه، وهنا بدأ حوارهم بعيدًا عن الناس داخل المخزن، حيث أصر وليد على الانفراد بالشاب حتى لا يستمع أحد لحديثهم...
«كان إمتى بالظبط يوم ما شوفتها؟»
«قبل تمان أيام بالظبط، كنا الفجر كده» فاجأ التوقيت وليد، لذا سأله مجددًا
«كان فيه حد معاها؟»
سحب محمود نفسًا من سيجارته وقال «كان شاب باين عليه صغير، كان لففها وشايلها على دراعه، دخل بيها زي ما قلت لك قرب الفجر، كان معظم اللي معايا نايمين، وهي كمان كانت نايمة»
«متأكد إنها نفس اللي في الصورة؟» رفع وليد يده بصورة ليلى مستنكرًا فكرة أن شابًا غريبًا هو من أخذها للخارج، التقطها محمود وهو يتذكر شيئًا ما وأكمل روايته...
«هو بصراحة الدنيا كانت فجر صحيح والجو ضلمة ومشوفتهاش كويس، بس...» أشار إلى موضع شامة ليلى أسفل عينها اليمنى، حيث تمتلك نقطتين متتاليتين...
«دول متأكد إني شوفتهم»
أمسك وليد الصورة مجددًا من يده وأطبق عليها كفه «والواد اللي كان معاها ده، عامل إزاي ولا اسمه إيه؟»
حك محمود رقبته وأجابه «هو شكله مش مشبوه يعني، يبان عليه ابن ناس كده، وبعدين حاولت أكلمه صدّني جامد في الكلام، وكمان مطولش في القعدة يعني ساعتين، وكان خرج وركب سفينة، وده اللي خلاني أفتكره، أصل أقل واحد بيقعد هنا أسبوع، وإنت وحظك بقى»
بصق وليد سيجارته ودهسها بطرف حذائه، ودون أن يطالع الآخر قال ببرود «ماشي يا محمود، جهز نفسك بقى عشان الدور عليك، وسفينتك طالعة بكرة...
لم يصدق الشاب ما سمعه، وأخذ يشكر وليد بصوت عالٍ، بينما توجه الآخر حيث سلطان وأخبره بذلك الشاب وأمره بالعثور عليه ومعرفة من يكون...
••••
في ذات التوقيت كانت كلتا الفتاتين تجلسان داخل غرفة واحدة...
«ما تجربِي ترسميني كده!»
وقفت ليلى أمام لينا التي تخطّط لشيء في كراستها، ومع طلبها المفاجئ توقفت يد الأخرى عن العمل وهي تفكر قليلًا قبل أن تجيبها «خليها وقت أكون فاضية فيه، عشان مشغولة أوي اليومين دول»
«وعد أول ما تخلصي شغلك ترسميني» كانت نظرات ليلى جادة للغاية، مما جعل لينا تبتسم لها «وعد يا ستي، دلوقتي ممكن شوية هدوء عشان أخلص»
أشارت ليلى بسبابتها إلى فمها وتركتها، وتوجهت نحو النافذة الكبيرة في الغرفة، فتحتها وجلست على حافتها كما كانت تفعل في الأيام الماضية، فقد كرهت البقاء وحيدة، فبعدم وجود من يجاورها كانت تتذكر عائلتها وتحن إليهم، خائفة من أنهم يفتقدونها كما تفعل، ترغب بشدة بأن تطمئن عليهم وتطمئنهم على حالها، ولكن لا سبيل لها لفعل ذلك...
ويبدو أن لينا تتفهم وضعها، لذا ورغم أنها تزعجها أحيانًا إلا أنها لا تعارض اقتحامها لحجرتها يوميًا...
وأثناء شرودها في الخضرة بالخارج، لفت نظرها شيء تراه للمرة الأولى، سلب أنفاسها، جواد أسود يركض بسرعة فائقة يشق طريقه وسط الرياح، وشعره الغزير يتراقص بخفة خلفه...
لم تميز من يمتطيه، وكان كل تركيزها منصبًا على خفة هذا الحصان وحركته السريعة، اضطرت لفتح النافذة بالكامل حتى ترى أين يذهب، ومع ذلك اختفى من أمامها في لمح البصر، وبدون تفكير فتحت باب الغرفة وتوجهت ركضًا للأسفل حتى تتبعه...
انتبهت لينا لها، ولكن لم يسعفها الوقت لتسأل عما يحدث، في حين كانت ليلى تركض بسرعة حتى خرجت من المنزل، نظرت حولها حتى رأته داخل ذلك السور الخشبي...
وبينما يقوم أوس بتمارينه المعتادة، استوقفته تلك التي تقف متمسكة بالسياج الخشبي وتطالعه بأعين تشع سرورًا، عقد حاجبيه وتوجه نحوها، وقبل أن يسألها عما تفعله داهمته هي أولًا بسؤالها...
«حصانك ده؟»
دار أوس بحصانه أمامها بعدما علم سبب تلك الابتسامة على وجهها «آه» أجابها بجفاء، ورغم ذلك لم تأبه الأخرى وطالبته «ممكن ألمسه؟»
ومع ذلك لم يبدو كطلب، حيث رفعت بالفعل يدها وانتظرته حتى يقترب بحصانه، قلب أوس عينيه واقترب منها بسرعة فاجأتها، ومع هذا لم تتراجع، بل وقفت على خشبة السياج وتمسكت بيد، وبالأخرى مسدت بحذر على رأس حصانه...
«ناعم أوي...»
جفل أوس من تعليقها، لذا سحب حصانه مجددًا للخلف، وهذه المرة هو من سأل «بتعملي إيه هنا؟»
«بتفرج على الحصان»
انتبه أوس لوجهها المحمر وأنفاسها المضطربة، لذا استنتج أنها أتت راكضة لهنا، لم يعر الأمر أهمية وأكمل هو ما يفعله...
في حين كانت ليلى مأسورة بجواده، وهنا تذكرت يوم عرس زياد حيث اقتاد هو الآخر جوادًا ورقص به، لكن ما تراه الآن لا يشبهه، بل شيء لم تره قبل جعلها تندمج معه...
وللمرة الأولى تلحظ أن هذه حلبة مخصصة للأحصنة، اكتشفت ذلك وهي ترى الحواجز الموضوعة بالداخل وأرضيتها الرملية التي لا ينمو فيها العشب...
••••
وفي إحدى الفلل الواسعة، تجمع مجموعة من الشباب وهم يشغلون أغاني البوب الصاخبة، وهم يتمايلون بأجسادهم معها...
ومع اقتراب غروب الشمس بدأت الأضواء بالسطوع، وصخبهم بالتزايد مع تزايد عددهم، في هذه الأثناء، وقبل بدء الحفل، كان أحدهم يجر شابًا وجهه ملطخ بالدماء والكدمات، حتى إنه بات من الصعب التعرف على صاحبه...
ألقاه نحو مجموعة الشباب التي تقف قرب المسبح، وبمجرد رؤيته حتى بدأت الشتائم تنهال عليه مع بعض الضربات المتفرقة، وبمجرد انتهائهم اقترب منه شاب لا يرتدي سوى شورت خاص بالسباحة ونظارة شمسية، على الرغم من برودة الجو...
خلع نظارته وهو يجلس القرفصاء أمام الشاب، يقول ببعض الأسى المزيف «يا إلهي يا جوش، ماذا حل بك؟ هل كان الفتية قاسين للغاية معك!»
كان يربت بخفة على وجهه المتورم، وفي اللحظة التالية أمسك فكه بقوة وأكمل «أظن أني حذرتك من قبل بعدم التصرف بغباء، وأنت خالفت تحذيري مرتين، أليس كذلك؟»
هنا تشبث جوش بيده وهو يتوسله «لقد فعلت ما طلبته منى. أرجوك دعني أغادر، وأقسم، أقسم أن لا أعترض طريقك مجددًا»
هز الشاب رأسه بنفي وهو يقف «مع الأسف هذه حفلتك، كيف ستتركنا هنا وتغادر؟ علينا أن نمرح قليلًا معًا»
عاد مجددًا يرتدي نظارته، وقد اسودت ملامحه من الغضب، وبدون مقدمات سحب جوش من ساقه وألقاه داخل المسبح، تبعه صياح حاد من الشباب...
«حان وقت اللعب يا شباب» ومع إشارته بالبدء قفز شابان وبدأ بغمر رأس جوش بالماء كلما حاول الصعود أو الحركة...
«داميان، ألن تنضم لنا؟» نادته إحدى الفتيات وهي تقفز في المسبح...
لم يجبها الآخر، بل ذهب نحو طاولة المشروبات يحضر كأسًا له، في هذه الأثناء وجد شقيقته تخرج حاملة حقيبتها، مما جعله يتساءل «إلى أين أنتِ ذاهبة يا بيانكا؟»
توقفت الشقراء مع سؤاله وهي تخرج مفاتيح سيارتها تهزها بخفة «لدي موعد»
«أخيرًا قررتِ إنهاء هذه العلاقة القبيحة؟ أتريدين أن أعرفكِ على شاب جيد؟»
تحت كلماته الساخرة عبست بيانكا وأجابته «أنت تحلم»
قررت المغادرة قبل أن يتحول حوارهم إلى شجار، وبالفعل سمعت تهديده الصريح يأتي من خلفها «أنهِي هذه العلاقة قبل أن أفعل أنا، وصدقيني ستندمين إنكِ لم تفعليها بنفسك»
لم تستدر له، واكتفت بأن رفعت إصبعها في الهواء وهي تودعه «أمسية رائعة أخي اللعين، احذر أن تقتل الفتى في المسبح!»
••••••
«Welcome...»
جفلت ليلى من تحية مارك المفاجئة، وقد كان كامل تركيزها منصبًا داخل الحلبة...
«آه، Hello...»
ابتسم مارك لها وجلس جوارها على العشب وهو يسألها...
«Do you like horses?»
حاول تبسيط جملته كي تفهمها، وبالفعل أجابته ليلى وهي تهز رأسها «yes»
لم يكن الحوار معها صعبًا كما تخيل، فهي تفهم معظم الكلمات، ومع ذلك كانت تأخذ بعض الوقت حتى تجيبه...
«كم عمركِ يا ليلى؟»
«أنا في السادسة عشر، وأنت؟»
كان أول ما خطر له أنها صغيرة للغاية، ومع هذا لم يجبها، وعوضًا عن ذلك سألها «كم تعطينني؟»
في الواقع، إجابتها أصابت سهمًا في قلبه وهي تقول «ثلاثين»
«غير صحيح! إذًا تسعة وعشرون! ماذا؟»
حاولت التخمين، ومع هذا ظلت ملامح مارك تزداد سوءًا بعد كل كلمة تقولها...
«بتعملوا إيه؟» قاطعهم أوس وهو يتساءل عما يفعلانه، لم يجبه مارك، بل سألته ليلى...
«هو عنده كام سنة؟»
«أربعين» لم يفكر أوس وأجابها بسخرية وهو يبتسم، مما جعلها تسيء فهم الوضع، لذا حاولت صياغة جملتها بالإنجليزية لمارك...
«تبدو أصغر من هذا بكثير، ظننتك شابًا؟»
هنا رفع مارك رأسه المنحني وهو يصيح «ماذا أخبركِ ذلك الكاذب؟ عمري ستة وعشرون فقط!»
قاطع حديثهم صوت بوق سيارة حاد، جعلهم جميعًا يطالعون تلك السيارة الحمراء وهي تقترب منهم...
اختفت ابتسامة أوس، وحل مكانها أخرى جادة «ليلى، ادخلي جوه... بسرعة»
لم يرد أن يعرف أحد بوجودها هنا، ولكن قبل أن تدخل ليلى للمنزل، كانت الأخرى قد رأتها بالفعل...
«مرحبًا يا شباب، من هذه الجميلة!»
قلب أوس عينيه وهو ينزل عن حصانه، وبدل إجابتها سألها هو «ماذا تفعلين هنا يا بيانكا؟»
ابتسمت الشقراء وهي تعدل ملابسها القصيرة، تقول بثقة «جئت لأخذ حبيبي، لدينا موعد مسبق، أليس كذلك؟»
•
•
•
•
•
•
اسماء سعد