العاشر (طرف الخيط )

العاشر (طرف الخيط )

35 0

العاشر ( طرف الخيط )

«جئنا الحياة مجبرين وعشناها مخيرين وفي النهاية تركناها أحرار»...

••••

ما زال صوت التلفاز هو المسيطر على الصمت المطبق حول طاولة الإفطار، نظرات ساكنة تناقلت بينهم وفي النهاية توقفت نحوها..

تلك التي تفتت رغيف الخبز دون أن تأكل منه شيئًا وعقلها شارد غافلة عما يدور حولها..

«كُلي يا ليلى...» نبهتها والدتها وهي تقرب طبق البيض المقلي لها كونها تعلم جيدًا كم تحبه ابنتها، ومع ذلك أعرضت ليلى وهي تعود بكرسيها للخلف..

«لا، شبعت الحمد لله.. هطلع أجيب الشنطة على ما تخلص..» وجهت حديثها لزياد الذي سيوصلها، وفي النهاية ذهبت مسرعة نحو الأعلى، وما هي إلا لحظات حتى عادت وهي تحملها...

انتبهت لها فاطمة وهي تحاول أن تعدل قميصها، لذا اقتربت منها «هاتي علبة الخياطة من درج التسريحة أخيطهولك»

كانت تتحدث عن الزر الذي سقط وكانت ليلى تمسكه، في حين ناولتها الزر وذهبت تبحث عن علبة الخياطة..

لكن وأثناء بحثها رأت شيئًا يلمع مخبأ بعناية في زاوية الدرج، سحبته وتفاجأت بكونه سلسالها المفقود..!

أين كان، وكيف عثرت عليه والدتها ولمٓ لم تعيده إليها!

تجاهلت هذه الأسئلة ودسته بجيبها مقررة محادثتها في وقت لاحق، بينما التقطت دبوسًا معدنيًا وضعته مكان الزر المفقود وذهبت للخارج..

«فين العلبة؟» تساءلت فاطمة وما تزال تمسك الزر بيدها، بينما أجابتها الأخرى «ملقتهاش، لما أجي بقى»

كانت ستعترض فاطمة ولكن ليلى غادرت رفقة شقيقها، كان صباحًا كأيّ صباح. يومًا عاديًا في حياتهم، ومع ذلك ظل محفورًا بدقة داخل قلوبهم، كونه آخر ذكرى تركتها ليلى قبل مغادرتها، نعم كان هذا صباح ذلك اليوم المشؤوم...

•••

انتفضت من مضجعها والعرق البارد يملأ جبينها..

تنفست بعمق وهي تتحسس رقبتها...

كابوس آخر أخذ يعذبها، دقائق مرت قبل أن تستوعب أين هي وماذا تفعل، ولكن عقلها توقف بشرود عند نقطة واحدة، لقد ذهبت رفقة أوس إلى مركز الشرطة وبعد ذلك...

قاطعها صوت فتح الباب ولينا تدخل والتي قالت «افتكرتك لسه نايمة، إنتِ كويسة!»

أمالت ليلى رأسها قليلًا بعدم فهم وهي تجيبها «أنا تمام»

لم تشعر لينا بأي خطأ، لذا أكملت وهي تضع طبق الحساء بيدها على الطاولة بجوار الفراش «أنا حاسة إن قلبي هيقف في يوم بسبب أوس والله..؟»

«ليه هو حصل حاجة؟»

سؤال واحد جعل لينا تطالعها بذهول قبل أن تكتشف حقيقة مفجعة.

••••

ها هي محطته الأخيرة في البحث في مدينة (____) على مفترق الحدود بين مصر وليبيا...

ترجل من سيارته صحبة رجل قصير القامة نسبيًا، أجرى الرجل اتصالًا قبل أن يقول «هو موجود جوه تقدر تقابله..»

تبعه وليد وهو يطالع المنزل المبني بالطوب الأحمر والخالي تمامًا من أي مظاهر بذخ، حتى جدرانه كستها مونة الأسمنت بلونها الرمادي بدون أي دهان...

«الحاج سلطان اللي قولت لك عليه، ماسك أكتر من نص المراكب غير الشرعية اللي بتخرج من مصر» تحدث الرجل القصير بفخر، بينما مد سلطان يده لوليد الذي بادله السلام بقوله..

«وليد ممدوح، اتشرفنا»

أشار سلطان بيده نحو المجلس المكون من عدة حصائر «طب نقعد الأول ونشرب الشاي وبعدين قولي طلبك»

وبالفعل انضم ثلاثتهم لآخرين كانا يتناوبان الحديث، وقبل أن يهم سلطان بتقديم الشاي رفع وليد كفه معترضًا «مالوش لزوم، هما كلمتين بس وهمشي»

مد يده في جيب سترته مخرجًا صورة ليلى ويعطيها لسلطان الذي ناظرها وهو يكمل «ليلى خالد محروس، مختفية بقالها أربع أيام تقدر تشوف لي إن كانت ركبت مركب من بتوعك في الأيام دي؟»

تفاجأ سلطان في البداية من طلبه، ومع ذلك لم يكن بشيء صعب حيث أبقى الصورة معه وهو يخبره «أسبوع واحد وأشوف لك المراكب اللي...»

قاطعه وليد وهو يخرج رزمة من المال وضعها أمام الآخر، جعلت الرجلين جوارهم يصمتان عن حديثهما ويتابعان ما يحدث. حيث قال «يومين وهجيلك زي دلوقتي، تشوف لي سفنك وسفن زميلك، أربع أيام مش هتخرج ميت سفينة عشان تدور أسبوع، وليك عليّ لو جبت لي أخبار حلوة هرضيك»

ابتلع سلطان ما بحلقه وهو يجيبه «بس يومين مش كفاية أشوف سفن التنيين!»

وقبل أن يعترض وليد تدخل الرجل القصير «مش مهم الوقت ، بس تدور كويس أهم حاجة، مش كده ولا إيه يا وليد باشا»

لم يعترض وليد بل وقف مكانه وهو يعطي سلطان ورقة أخرى مكتوب بها رقم هاتفه «اتصل بيا لو وصلت لأي حاجة»

•••••

اقتربت من الشرفة بقلق بعدما سمعت طرقات متتالية، ورغم سكون الليل إلا أنها همت بإزاحة الستائر مترددة في فتح الباب بالكامل...

لذا دفعت جزءًا صغيرًا منه تبحث بعينيها عن سبب ذلك الصوت، شاهدت أجزاءً صغيرة من الحجارة ملقاة في كل مكان...

شعرت بالهواء يُسحب من حولها وهي ترى ذلك الظل الأسود الذي يختبئ خلف شجرة التوت في حديقة المنزل...

وبسرعة عادت لإغلاق الباب، ومعه عادت طرقات الحصى التي تسقط على أرض الشرفة، لم تعلم ماذا تفعل فزوجها لن يعود للمنزل لبضعة أيام وستبقى وحيدة.

وفي النهاية قررت عدم فتح الباب ثانية والعودة للنوم، لا، لن تمكث في شقتها بل ستنزل لزوجة خالها وتقضي ليلتها هناك دون أن تخبر أحدًا عن ذلك الذي يختبئ في حديقتهم...

•••••

ضوء القمر انساب بخفة يدخل من نافذة الحظيرة سامحًا برؤية لمحة قصيرة عما بداخلها...

حيث وقف الجواد الأسود منتصبًا يلتقط حبات السكر من يد مالكه وهو يصهل بفرحة، قاطع خلوتهم صوت خطوات قادمة تدوس القش أسفلها، ثم ضغط القادم على زر الإضاءة وهو يقول بثقة «كنت عارفة إني هلاقيك هنا»

كتفت لينا ذراعيها وهي تضم وشاحها إليها تطالع الآخر بغير رضا «بذمتك مش سقعان!» كان يرتدي قميصًا قطنيًا واحدًا حتى إنه كشف عن ساعديه

رفع أوس رأسه الملفوف بالضمادات نحوها وقال «خير»

«لا خير، ممكن نخش جوه نتكلم شوية؟» أجبرت لينا نفسها على الابتسام وهي تراه يتأفف...

وبالفعل غادر معها الحظيرة وعادا للمنزل، وأول ما سألته لينا له «إنت قلت إن ليلى كانت معاك لما جوش ورجالتك هجموا عليك، وإنها لما شافتك غرقان في دمك انهارت وأُغمي عليها صح؟»

تعجب أوس من سؤالها، ومع ذلك أجاب «أيوه، في حاجة ولا إيه»

عند إجابته قالت لينا بخوف «ليلى مش فاكرة حاجة من دي، وكل اللي هي فاكراه إنها راحت معاك لمركز الشرطة وإنها وأنتم راجعين نامت وصحيت هنا!»

تذكر أوس وجه ليلى في الصباح وكم كانت خائفة وهي تطالع الدم وقد غطى وجهه، وكل ما قالته كلمة واحدة رددتها بيأس وهي تتشبث به قبل أن تنهار وتفقد وعيها «ما تموتش»..!

كان من الواضح أنه يحدثها ولكنها لم تصدق ذلك، وهنا زُرعت بذرة أخرى للشك بداخله... ليلى لم تنسَ، هي فقط لا تريد أن تتذكر،  يعلم انه احتمال ضئيل،  ربما ليلى رأت قاتل أدم ونسيته كما حدث معه ولا شك ان هذا الاستنتاج قد تواصلت اليه لينا...

«في حاجة تاني؟» لم تتعجب لينا من عدم مبالاته، بل أكملت «آه، ماما اتصلت النهارده وكانت عايزة تكلمك»

لم يجبها أوس واكتفى بأن ذهب ناحية المطبخ كي يشرب الماء وهي تتساءل «هتكلمها إمتى؟»

«خرّجي نفسك من الحوار ده»

خرج صوته باردًا مع قليل من الحدة جعلت لينا تغتاظ «وبعدين؟ إنت حتى مش بتحاول تعرفنا إنت مخاصمها ليه؟ حاولنا معاك كلنا، إيه اللي غيرك مرة واحدة دي؟ مامتك أكتر حد كنت بتحاول تراضيه »

اشتدت قبضته حول قنينة المياه في يده يعيد كلماته التي سئم من تكرارها لهم «أكلمها ما أكلمهاش ميخصش حد فيكم!»

«مين فينا! اصحى يا أوس، ما عدش فيه غيري، آدم خلاص راح»

عند نهاية حديثها وعى أوس على نفسه، وخاصة وهي تكمل «بقيت أناني وواخد الحزن كله لنفسك، ولا كأن اللي حواليك زعلانين أكتر حتى منك، أنا معاك وبحاول أسعدك ومارك كمان بس إنت اللي بترفض أي إيد تتمدلك، ليه بتعمل كده؟»

خرجت دموعها بغزارة وهي تشهر سبابتها ناحية صدره وتنكزه بقوة «ده ما بيحسش؟ ما بيخفش؟ لما جيت ليا الصبح وإنت غرقان في دمك مفكرتش ثانية هحس بإيه؟»

ورغم عتابها المستمر ظل أوس واقفًا بدون حراك، أراد أن يواسيها كما كان يفعل آدم، ولكنه ضعيف، لا يعرف حتى كيف يفعلها، بينما تشبثت هي بقميصه تخبره بمخاوفها «أنا كل يوم بفكر إني لو خسرتك مش هيبقى ليا حد!»

•••••

قلبت الطعام في صحنها ببعض من الفضول عن مكونات هذا الطبق المجهول، بينما تمر لينا جوارها وهي تسألها بلطف «الأكل مش عاجبك ولا إيه؟»

«إيه ده أصلًا!» تساءلت ليلى وهي تنتشل قطعة من البروكلي وتضعها جانبًا...

سحبت لينا الكرسي المجاور لليلى وهي تلتقط ملعقة «ده طبق ماريا المفضل، أي حد بيعيى بتعمله لينا كلنا»

وجهت نظراتها في نهاية حديثها لأوس الذي كان يأكل بصمت قبالتهم، مما جعله يقول ببعض الحدة «اللي مش عاجبه ما ياكلش!»

رفعت لينا حاجبيها بيأس وشرعت بتناول طعامها، على العكس من ليلى التي أعرضت عن الطبق ولم تحاول حتى تذوقه...

«هو الضابط اللي رحنا له ده هيتواصل مع أهلي وكده، ولا هيعمل إيه؟»

ها هي قد عادت لأسئلتها التي لا تنتهي، لا ينكر أنها خلال الأسبوع الذي قضته معهم لم تكن بتلك الطفلة المزعجة، لكنها لم تكف عن النواح بعد معرفتها بأنها حقًا خارج مصر، بل لم تصدق حتى بعدما تأكدت من الأمر...

«في إجراءات كتير لازم تتم، الموضوع مش سهل» ومع هذا أجابها أوس، لكن إجابته ما تزال مبهمة لها...

«هو الموضوع هياخد وقت طويل؟»

توقفت لينا عن تناول طعامها تتابع حديثهم، وهي تستمع لشقيقها يقول ببرود «مش أقل من تلات شهور»

«ليه ده كله يعني؟» اعترضت ليلى بصوت عالٍ، ومع ذلك لم يتغير ثباته «والله ده مش شغلي، وأظن إني مضيفك ضيافة عشر نجوم، من غير ما أسأل عن مصيبة إيه اللي ممكن تكون وراكي عشان حد يخطفك من مصر لهنا تهريب!»

لم يكتفِ بهذا، بل أكمل وهو يرسل لها نظرات محذرة «والله أعلم اللي خطفك ده بيدور عليكِ دلوقتي ولا إيه، ولو عرف إنك هنا هيعمل فيكِ إيه» كلماته جعلت عظامها تتجمد، كل ما قاله احتمالات لشيء قد يحدث، فهي تجهل خاطفها ونيته لفعل ذلك، كما أن المكان هنا آمن، ولكن إلى متى...

«خلاص إحنا بناكل» قطع حبل أفكارها لينا التي كانت عابسة طوال الوقت...

•••••

لم يعد زياد بعد، وعدد الحصى في شرفتها يزداد يومًا بعد الآخر، كانت تعلم الفاعل ومع ذلك لا تقوى على إخبار أحد....

في الصباح وبينما تعد الغداء رفقة زوجة خالها قاطعهم صوت طرقات على الباب...

«قومي شوفي مين وأنا هكمل»

تركت سلمى ما بيدها وفتحت الباب، لكن بمجرد ما رأت الطارق حتى شحب وجهها وقالت بصوت متلعثم «إنت بتعمل إيه هنا... وجاي ليه؟»

ابتسم الآخر حينما استشعر خوفها، يقول بثقة «وحشتيني... وبعدين هو مفيش حد هنا ولا إيه، مش هتقولِي لي اتفضل؟»

كان يحرك رأسه يمينًا ويسارًا يطالع داخل المنزل ، دفعته سلمى بحدة وهي تنهره بصوت منخفض «الظاهر إن الهباب اللي بتشربه ده بوظ دماغك، إنت عارف إني ممكن أصوّت دلوقتي وألمّ عليك الناس، وصدقني جوزي مش هيرحمك»

ضحكة عالية خرجت من فم علي وهو يستهزئ بها «يا ماما تصدقى  خوفت» وفي ثانية اختفت تلك الابتسامة من وجهه وحل محلها نظرات متوعدة «حبيبتي، جوزك في البلد من أسبوع هو وأبوه بيدوروا على المحروسة، وأخوه لسه رايح الجامعة، مفيش غيرك إنتِ وحماتك، أنا مش نايم على وداني»

«اصرِه، عايز إيه؟»

عاد مجددًا يبتسم لها «كده تعجبيني، عايز مزاجي، وإنتِ عارفة المزاج اليومين دول غالي إزاي...»

قاطعته وقد تعبت حقًا من أفعاله، لم تصدق كيف خدعت له ووقعت يومًا في حبه! بل وإن صح القول كيف وقعت في شباكه... «تاخد كام وتسيبني في حالي»

فكر علي قليلًا وهو يقول «حد يبقى عنده باب رزق مفتوح ويقفله!»

كانت تستحقره، ومع ذلك استجمعت آخر ما تبقى من هدوئها وأخذت تشرح له «أنا دلوقتي في عصمة راجل، يعني مش هينفع كل يومين والتالت تيجي تاخد مني فلوس، أكيد هييجي يوم وتتقفش، وابقي قابلني لو عرفت تاخد بعدها جنيه»

«لا متخافيش، أنا مأمن نفسي...»

«مين ده يا سلمى؟» اختفت الدماء من عروقها وهي تطالع زوجة خالها التي تنظر لها تارة وتارة أخرى لعلي.

•••••

سار بخطوات مسرعة تجاه المخزن أمامه، يستمع لصوت سلطان وهو يقول «صدقني التأخير مكنش بإيدي، بس محدش من اللي ساقوا المراكب أو المهربين شافها، هو بس...»

فتح باب المخزن ودوى صرير حاد... كان كثير من الأشخاص بالداخل، رجال ونساء، حتى الأطفال كانوا برفقة عائلاتهم ينتظرون دورهم للسفر...

«مين فيهم؟» طالع وليد مجموعة من الشباب المنفردين يجلسون في أحد الزوايا، هنا رفع سلطان صوته «فين محمود عطية.....»

وقف أحد الشباب، وقد كان هزيل البنية ذو شعر فوضوي وذقن كثيفة، يبدو أنه أقام هنا عدة أشهر...

أخرج وليد صورة ليلى ووضعها أمام الشاب وسأله «متأكد إنها نفسها اللي إنت شوفتها؟»

هز الشاب رأسه بإيجاب «أيوه!»

لمعت عيناه بأمل، أخيرًا امسك بطرف الخيط الذي سيستدل به على مكانها، مجرد ضوء صغير كان كفيلًا بإضاءة طريقه نحوها...

•

•

•

•

•

•

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حيث تسقط النجوم

المؤلف اسماء سعد
2026/05/07 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة