الفصل6

الفصل6

16 0

مدينة الكوابيس – المشهد الافتتاحي: "عائلة من لا أحد"

كانت الشمس تغرب بطريقة غير مألوفة، كأن الضوء يُجبر على الخروج من المدينة لا الرحيل عنها. في ذلك الحي الهادئ، بين أبنية رمادية لا تحمل أسماء، وقفت ليلى عند عتبة المنزل.

"مرحباً بعودتكِ." صوت سلمى، ناعم، كأنّه مضغوط من شريط مسجّل. وزاهر، واقفٌ خلفها، لم يرمش. لم يبتسم. لم يتكلم. والطفل… كان يحمل دمية ليس لها وجه.

دخلت ليلى.

الغرفة كانت مرتبة أكثر مما يجب. لا غبار. لا رائحة. وكأن أحدًا لم يعش هنا من قبل. ثم على الطاولة: دفتر جلدي قديم، لا تعرفه، لكنه يحمل اسمها. "مذكرات ليلى – الإصدار الثاني" (هي لم تكتب إصداراً أول... أليس كذلك؟)

توقفت. نظرت إلى يدها. الرسم الصغير على المعصم – الشجرة السوداء – ما زال هناك. لم تؤلمها. لم تشتعل. فقط... تذكّرها أنها ليست فارغة تماماً.

"هل تشعرين بذلك يا ليلى؟" الصوت… لم يصدر من أحد. ربما من داخلها. أو من خلف الستارة.

"كأن العالم عاد، لكنه لا يتذكرك... أو تذكّركِ كثيرًا، بطريقة خاطئة."

التفتت. لا شيء.

الراوي، أو شيء يشبهه، كان هناك، دائمًا… في المسافات بين الجُمل.

سلمى كانت تطهو شيئًا. شيئًا لا رائحة له. الطفل يلوّن على الأرض  بألوان داكنة فقط: أسود، رمادي، أحمر باهت. وزاهر ما زال لا يرمش. يقرأ جريدة لا تتغير عناوينها.

ليلى جلست في الصالة، تشاهد التلفاز. لكن لم يكن هناك شيء على الشاشة... فقط انعكاس وجهها. أو ربما وجهها... وشيء آخر خلفه. عين واحدة، ثم تختفي.

"هل شعرتِ بذلك؟" "هذا المنزل يحفظ الذكريات التي لم تحدث بعد."

الراوي كان يهمس من أعماق الأثاث، من الأضواء الخافتة، من المرايا التي لم تعد تعكس شيئًا. وفي الممر الطويل المؤدي إلى غرفتها، كل لوحة على الحائط كانت تميل قليلاً كلما مرّت.

ليلى لم تشك. لم تسأل. الواقع الجديد مثل حلم مزمن… غير مريح، لكن مألوف. كأنك تتذكر شيئًا من حياتك السابقة… فقط من خلال الألم.

ثم… دقّ الجرس. ثلاث دقات… وسكوت طويل. وهمس خلف الباب:

"الموعد اقترب… المستشفى ينتظر." في مكان اخر كان هناك المستشفى  حيث الطابق الثالث لا يُفتح،

المبنى رمادي. السماء فوقه أكثر رمادية. المستشفى محاط بسور صدئ، كأنّه لا يمنع الدخول بل يمنع الخروج.

داخل المستشفى: الضوء ينبض. الأنفاس صدى. الأطباء لا يبتسمون. المرضى لا يتحدثون. كل شيء مرتب… أكثر مما يجب.

"هل هذا مكان علاج؟" "أم حاضنة لأوهام لا تريد الموت؟"

الراوي هذه المرة لا يهمس… بل يتحدث في سماعات الطوارئ. الأصوات تنبع من مكبرات الصوت، لكنها ليست أصوات بشر. أحدهم يقرأ أسماء لا أحد يحملها. أحدهم يكرر: "ليلى وصلت. الكيان يراقب. الجذور تنمو."

وفي نهاية الممر الطويل، الطابق الثالث: باب مقفل بلا قفل. لا أحد يدخله. لا أحد يخرج منه.

لكن خلف الباب، كانت ليلى الأخرى تبتسم. نسخة لم تولد هنا… بل خرجت من قلب شجرة… بعشرة آلاف عين. تُحرك خيوط كوابيس المدينة… وتغزل واقعاً جديداً من رماد النوم.

ويبدأ يوم جديد في مدينة الكوابيس: مأوى العائدين من الهدوء الذي يسبق التشظّي"

"استيقظت ليلى على صوت نقر خفيف، يشبه تكتكة ساعة مُعطلة، لكنه لم يكن صادرًا من الجدران... بل من داخلها.

– صباح الخير، قالت سلمى وهي تضع فنجان القهوة على الطاولة، عيناها مفتوحتان كأنها لم تنم منذ ألف عام. زاهر كان يقلب أوراقًا لا تنتهي، جالسًا على الأريكة كأنه لا يتعب. الطفل يلعب... لكنك لو نظرت في عينيه جيدًا، لرأيت شرارة شيء لم يُولد بعد. عائلة؟ ليلى ابتسمت. كانت تشعر... بالأمان؟ نعم، هذا ما يُفترض أن يكون. ومع ذلك...

(همس الراوي المجهول): "هل رأيتِ الشجرة اليوم؟ لا؟ غريب... لأنها رأتكِ. ورسمها... ما زال على يدك."

المدينة كانت صامتة، أكثر من اللازم. لا أصوات سيارات. لا جيران. لا صخب. كل شيء بدا كما هو، لكنه في الحقيقة لم يكن كذلك.

في تلك الليلة، رأت سلمى شيئًا خلف المرآة في الحمام. لم تصرخ. هي لا تصرخ. زاهر أوقف تقليب أوراقه فجأة، وقال: – هل مرّ أحد بجانبي؟ ولم يكن هناك أحد.

أما الطفل... فقد رسم على الحائط متاهة. دوائر... ودوائر... وعين في المنتصف.ليلى نظرت إليه وسألت: – ما هذا؟ قال وهو يبتسم: – باب الأحلام. من هنا دخلنا.

(همس الراوي المجهول): "كذب. هذا باب الخروج يا ليلى. إن كان هناك خروج أصلاً.")

تبدأ المدينة بالارتجاف. أضواء الشارع تنطفئ واحدة تلو الأخرى. وفي أحد الأزقة، خلف السوق القديم، تنهض المستشفى من العدم.

انه  ليس مكانًا بشريًا تقليديًا، ولا يشبه أي مستشفى كلاسيكي في  الواقع المعروف بل هو:

جزء من المدينة لكنه لا يتبع قوانينها، وكأنّه كائن مستقل له وعي.الباب إليه ليس ماديًا دائمًا: قد يكون في زقاق، في مرآة، في حلم، في جرح، أو في همسة.

من يدخل لا يدرك أنه دخل، لأن المستشفى يُبنى من شظايا كوابيسهم، ذكرياتهم، وأوهامهم.

فهو بُعدٌ مخفي وجد من بقايا صفقات شجرة النسيان، التي لم تكتفِ بليلى، بل فتحت جوعها على المدينة كلها. إنه مستشفى للعالقين بين الحقيقة واللاوعي، حيث النسخ والكوابيس تتجسد، وتبدأ الفوضى النفسية.

لا تقليد للكوابيس. لا تكرار. هذا عالمكِ الخاص، ينبض بالسوداوية، الرمزية، والجنون الصامت. و"مدينة الكوابيس" هي مجرد البداية...

مر يوم جديد اخر، و في مكانٍ ما من المدينة، حيث لا تنام الأرصفة ولا تستقر الظلال

 عادت ليلى إلى الواقع. لكن لا أحد لاحظ أنها لم تكن كاملة. لا أحد رأى النصف الآخر يُترك في جذور الشجرة، يتلوّى جوعًا، ينمو بأذرع عنكبوتية ويتغذى على كوابيس الآخرين.

ليلى الآن تعيش مع سلمى، وزاهر، والطفل الذي لا يبكي ولا ينام. يبدو كأنهم عائلة، لكن لا أحد منهم ينتمي لهذا المفهوم.

الراوي (همسًا بين السطور): هل تظنون أنكم عدتم؟ أن المدينة ما زالت على حالها؟ أحيانًا، لا تحتاج الكوابيس أن تطرق الباب... يكفي أن تفتحي عينيكِ.

تستمر الحياة، لكن تحت القشرة، شيء ما يتحرّك. المدينة تنام في النهار، لكن في الليل، تُفتح أبواب لا تُغلق.

المستشفى - متاهة اللاعودة

كان المستشفى يقف في طرف المدينة، كأنّه لا ينتمي لها. رمادي، بلا نوافذ، وكل من دَخله نَسي سبب وجوده.

بابه لا يفتح دائمًا. أحيانًا يظهر في الأحلام، أحيانًا خلف المرآة، وأحيانًا... في منتصف الطريق إلى البيت.

قالوا إنه مستشفى نفسي. لكن من يعمل فيه لا يتذكر اسمه، ومن يزوره لا يعود كما كان.

الراوي (بابتسامة مشقوقة): سمّوه ما شئتم... أنا أسميه "المتاهة". حيث تُعلّق أرواحكم في أروقة بلا نهاية، كل غرفة تعكس ماضيًا نسيتموه، أو قادمًا تحاولون الهرب منه.

داخل المستشفى، بدأت الأمور تتغيّر. النسخ الأخرى من ليلى بدأت تظهر.

ليلى المشوهة، التي لم تُشفَ يومًا.

ليلى المجنونة، التي لم تغادر الغرفة البيضاء.

الكيان العنكبوتي، الذي يتغذى على كوابيس المدينة... ويصنعها.

الجدران تنكمش. المرايا تُشظي الوجوه. والممرات تدور بلا مخرج.

ليلى (تحدّث نفسها): هذا ليس مكانًا للعلاج... هذا قبرٌ صامتٌ لنسخٍ منّي.

لكنها لا تعرف... أن القادم أسوأ.

الراوي (قريبًا جدًا، كما لو كان يهمس خلف أذن القارئ): مرحبًا بكم في مدينة الكوابيس. كل ما عليكم فعله... هو أن تناموا.

لا إعلان. لا افتتاح. لا بوابة. فقط باب صدئ، يُفتح كل ليلة لمن لا يعرف أنه دخل.وكان أول من زارها... رجل بلا وجه، يبحث عن ابنته. قالوا إنهم رأوها هناك. وكانت تشبه... ليلى.

في مكان خافت الإضاءة، تتراكم الجدران فوق بعضها كأنها تتهامس، تتنفس... وتراقب.

كانت ليلى تقف أمام الباب الحديدي القديم للمستشفى، تتأمله كما لو كان مرآة، لا تعكس صورتها بل ترسم شقوقها الداخلية. زاهر وسلـمى خلفها. الطفل صامت كما العادة، يحمل في عينيه شيئًا من نور لا ينطفئ. وسلـمى... لم تنم منذ أيام، لكنها تبتسم رغم السواد الذي يحيط بها.

الراوي: (بهمس لا يسمعه سوى القارئ وليلى، أو ربما... فقط القارئ؟) "هل تذكرين كيف دخلتِ هنا أول مرة؟ لا، ليس هذا الباب... الباب الحقيقي لا يُرى، بل يُشعَر، تمامًا كما تشعرين الآن بأن الواقع ينسلّ من أطراف أصابعك."

دخلت ليلى المستشفى. بدا فارغًا. لكن ليس صامتًا. في الجدران نبض، وفي الأرض تنفس، وفي السقف... شيء يراقب. عبر الممر الطويل، كان صوت خطواتهم يتكرر أكثر من اللازم، كأن أحدهم يسير خلفهم، متأخرًا بنصف ثانية فقط.

الراوي: "أتعلمين ما المشكلة في المستشفيات؟ أنها تعرف أكثر مما ينبغي. هذا المكان لا يُداوي، بل يظهر. كل مرآة فيه تعرفك، حتى تلك التي لا تعكس وجهك."

في أحد الغرف، وجدوا سريرًا تحته جذور. جذور سوداء تمتد، ملتوية كأصابع طفل خائف. ليلى تراجعت، لكن الباب أغلق خلفهم. زاهر لم يندهش. وسلمى لم تلتفت. أما الطفل... فقد وضع إصبعه على الجدار، وبدأ يرسم دوامة.

ليلى: "...هل نحن وحدنا؟"

الطفل: "كنا دومًا وحدنا. لكن الآن... باتوا ينظرون."

الراوي: "أجل يا ليلى، لقد نظروا. وأنت من فتحت الباب." باب الغرفة لا يُغلق أبدًا

الغرفة خافتة الضوء، لكنه ليس ضوءًا طبيعيًا... كأنه قادم من داخل الجدران، أو من ذكريات ليست ملكًا لأحد. ليلى اقتربت من الجذور، تنظر إليها وكأنها تعرفها. هناك ومضة... صورة... شيء يُنتزع من الذاكرة دون رحمة. رأسها يؤلمها. قلبها ينبض بإيقاع لا يشبهها.

الراوي (بصوت يقطر من السقف مثل الماء): "الجذور تتغذى على كل ما لا تقولينه. على كل حلم كتمتيه، كل ندم، كل وجه مرَّ في خيالك حين كنتِ وحدك. أخبريني، ليلى، من أنتِ الآن؟ النصف الذي عاد... أم النصف الذي ما زال هناك، في فم الشجرة؟"

زاهر يضع يده على كتفها. لكنه لا يقول شيئًا. هو أيضًا تغيّر. ولعل من عاد لم يكن زاهر تمامًا.

وسلـمى تنظر للمرآة. لا تنعكس صورتها. بل تنعكس صورة أخرى... تشبه ليلى، لكنها تمشي على أربعة اقدام، ووجهها بلا ملامح.

الطفل يضحك، كأن كل هذا مسرحية يعرف نهايتها.

خارج المستشفى، المدينة التأثير يبدأ ،بدأت تشوّه نفسها. الشوارع تنكمش، الإشارات لا تعمل. الناس لا يتذكرون إلى أين كانوا ذاهبين. السماء تمطر حبرًا. وكل بيت فيه مرآة، يُسمع فيه بكاء. لا أحد ينام... ومن ينام، لا يعود كما كان.

الراوي (متسللًا داخل عقل أحد السكان): "من قال إن الكوابيس تبدأ عندما نُغمض أعيننا؟ في هذه المدينة... الكوابيس هي ما نراه حين نفتحها."

سيدة تستيقظ لتجد أن أبناءها لا يتكلمون... فقط يرسمون شجرة. رجل يعود من العمل ليجد منزله وقد أصبح مستشفى صغير، فيه غرفة واحدة فقط. طفل يرفض اللعب، ويقول لأمه إن هناك "رجلاً له وجه من دوامات" يسكن في خزانته.

المتاهة بدأت. المدينة لم تعد تُرسم على الورق، بل في الداخل... داخل كل رأس.

و"ليلى" – أو النسخة التي عادت – تمشي في الشوارع، لا تعرف أنها السبب. تحمل الشجرة في يدها، والكوابيس في ظلال قدميها.الانهيار الصامت

في صباح اليوم التالي، كانت المدينة تُشبه نفسها… لكنها ليست هي. كل شيء في مكانه… لكن الأرصفة أقصر، والنوافذ أقل. الناس يمشون… لكن لا أحد يتحدث. هناك صمتٌ غريب، ثقيل، كأن شيئًا ما يراقب من تحت الأرض.

ليلى جلست على الطاولة مع زاهر وسلمى والطفل، الإفطار بارد ولم يلمسه أحد. الخبز لا يُقطع، بل يتكسر كزجاج جاف. وسلمى، ما زالت لا تنام. كلما أغلقت عينيها، يظهر أمامها الكيان… ليس بصورة كاملة، بل كخيال عنكبوت خلف عيني ليلى.

الطفل يرسم شجرة، لكن هذه المرة كانت الشجرة تنزف.

الراوي المجهول (كصدى من داخل الحائط): "حين تتغذى الشجرة من كابوس، لا تكتفي به… بل تُعيد صنعه، تكثّفه، وتبثّه في الهواء. الكوابيس الآن ليست فكرة… إنها طعام."

في مشفى المدينة – المبنى الذي لم يكن موجودًا قبل أسبوع – يُسمع صراخ من الطابق السفلي. ليس صراخ مرضى… بل صدى جماعي، كأن عشرات الأشخاص يستيقظون من نفس الحلم في نفس اللحظة.

وظهر الكيان العنكبوتي

أول ما رآه أحد الممرضين، كان ظلالًا تتحرك على الأرض، رغم عدم وجود ضوء كافٍ. ثم سمع صوتًا… كأن آلاف الأعين تهمس، تتهامس، تُحدّق.

جدران المستشفى بدأت تتنفس. المرآة في غرفة الفحص كسرت نفسها من الداخل. وعلى الجدار، كتب أحدهم: "أعيدوا النصف."

ليلى شعرت بشيء يقترب. في قلبها… ألم يشبه النسيان. كأنها تذكرت شيئًا لا يجب أن يُتذكر.

وفي مرآة بيتها، لم ترَ وجهها… بل وجدت نفسها تقف خارجًا، خلف الزجاج، تحدق بها.

الراوي (يهمس داخل عقل القارئ هذه المرة): "مرحبًا بك في مدينة الكوابيس. أين تبدأ المتاهة؟ حين لا تعود متأكدًا من وجهك… أو من صوت أفكارك."

ان الكيان العنكبوتي ( النصف الآخر من ليلى)

لم يكن له شكلٌ واحد. بل كان يتغير… يتلوى كفكرة غير مكتملة. لكن هناك خصائص لا تتغير أبداً:

نصف جسد بشري: الجزء العلوي يشبه ليلى، لكن ملامحها باهتة، كأنها ذابت في الحبر. عين واحدة أكبر من الأخرى، بيضاء بلا حدقة، والأخرى دوّامة سوداء تدور ببطء.

أذرع عنكبوتية: من ظهرها تخرج ستة أذرع طويلة، أشبه بسيقان عنكبوت مغطاة بشُقوق جلدية تنزف منها كلمات منحوتة بلغة غير مفهومة، كل ذراع تتحرك بإيقاع مستقل، وكأنها تفكر.

الرأس: ليس رأسًا فعليًا، بل كتلة نابضة تنفتح أحيانًا لتكشف عن "فم" مليء بعيون. عشرات، مئات، كلها تراقب، تتبع، ولا ترمش.

صوت الكيان: لا يتكلم، بل حين "يتحدث"، تسمع صدى صوتك الداخلي يكرر كلمات لم تقلها أنت.

رائحته: كرائحة ورق محروق ممزوج بدم قديم.

حركته: لا يمشي، بل ينزلق، كأن الجاذبية لا تؤثر عليه. يظهر في زوايا المرايا، في سقوف الغرف، خلف أبواب المستشفى التي تُغلق فجأة.

تأثيره على المكان: حين يظهر، تتكسر الساعات. يُسمع صوت قرقعة عظام في الجدران. وأحيانًا… يسقط أحد من المدينة ميتًا في نومه، دون سبب.

هذا الكيان ليس مجرد مخلوق. إنه الجوع نفسه. يتغذى على الكوابيس، لكنه لا ينتظرها… بل يصنعها، ثم يحقنها في عقل الضحية.

المرعب؟ هو يعرف أن ليلى ما زالت حيّة. ويبحث عنها… لا ليس للتخلص منها، بل لدمج ليلى معه… ليعودا واحدًا.

كان الكيان قد خرج من حدود "شجرة النسيان"، لكنه لم يخرج وحده، بل خرج جائعًا… ناقصًا… يبحث عن نصفه الآخر.

وفي المدينة، لم يلاحظه أحد في البداية.

الأحلام فقط بدأت تتغير: شخص نائم يرى أطفاله بلا وجوه، امرأة تحلم بأن زوجها يغرق في المرآة، ورجل ينهض كل فجرٍ وهو يصرخ: "أنا لست أنا… أعيدوني للواقع!" ثم… بدأت الجدران تتكلم.

المتاهة لم تكن مكانًا. بل كانت تشوّهًا في إدراك الزمان والمكان. غرف تتكرر، أمكان تؤدي إلى نفسها، وجوه تُرى ثم تُنسى. مدينة تعتقد أنك خرجت منها… فقط لتكتشف أنك دخلتها من جديد.

وكان الكيان يعرف كيف يزرع تلك الشقوق: بكابوسٍ صغير… أو همسة في قلب مرآة.

الناس بدأوا يفقدون النوم. ثم فقدوا القدرة على الاستيقاظ.

في المستشفى، بدأت تُسجّل حالات غير مفهومة: مرضى يدخلون للعلاج من الصداع… ويخرجون فاقدي الهوية. ممرضون يرون نسخهم تمشي في الممرات… وتبتسم لهم بابتسامة لا بشرية. والرعب الحقيقي؟ أن الأطباء أنفسهم بدأوا يشكون في أنهم مرضى.

كان الكيان يتحرّك كظل بين الشقوق. يراقب… يزرع… يتغذى.

وفي مركز كل هذا، كانت ليلى، تعيش مع سلمى وزاهر والطفل—ذلك الذي لا يبكي ولا ينام. تضحك… تأكل… تقرأ قصصًا للطفل.

لكن الشجرة مرسومة على يدها.

وفي ليالٍ نادرة، كانت تسمع صوتًا من بين ثنايا المرايا، يهمس:

"هل تذكرينني؟ تركتِني… جائعة."

وهنا… ننتقل تدريجيًا إلى لحظة ذروة أخرى: حيث تبدأ المتاهة بالاتساع أكثر، والكيان بمحاصرة المدينة كأنها قلب بشري ينبض من الداخل.

في البداية، لم يلاحظ أحد.

المدينة غرقت في صمت ثقيل يشبه النوم، لكنه ليس نوماً. الأضواء في الشوارع بدأت تومض في أوقات عشوائية، والهواء صار يحمل رائحة غريبة، كأن أحدهم قد حفر تحت الأرض وترك الذاكرة تتعفن. ومع كل ليل، كانت الأصوات تزداد… خطوات لا تملك أجسادًا، همسات تتسلل من بين الجدران، وعيون تظهر وتختفي خلف المرايا.

ثم… بدأوا يرونه.

الكيان.

لم يكن يظهر بكامله، لا دفعة واحدة. أولاً، خيوط سوداء رفيعة تزحف من تحت أسرّة المستشفى، تتدلّى من أسقف البيوت، تتحرك كأنها تشمّ رائحة الضعف. ثم، في أحد الامكان، شوهدت ذراع بعظام مكشوفة تنبض، كأنها تحاول أن تتذكّر كيف تكون بشرًا. وفي نافذة الطابق الثالث من إحدى الشقق، أقسمت امرأة أنها رأت عينًا واحدة… عينًا لا تُشبه أعيننا، بل تشبه حلقة من الدوامات تدور داخل بعضها، تتغيّر ألوانها كلما حاولت النظر إليها.

الكيان لا يتغذى فقط… بل يصنع.

يصنع الكوابيس، يطرزها بخيوطه، يزرعها في عقول النائمين، ثم يجلس يستمتع بتشققهم.

أحدهم استيقظ ذات صباح ووجد نصف وجهه مغطى بعين إضافية لا تختفي.

آخر حلم بأنه يُدفن احلامه، ثم لم يعد قادراً على التحدث… اختفت كلماته، وخرجت أصواته فقط على هيئة ترانيم غريبة تُشبه لغة الكيان.

المدينة بدأت تتفتت، لا بفعل الحرب، بل بفعل الوهم. المباني لم تعد كما هي، تتحوّل ببطء إلى متاهات. الغرف تتبدل مواقعها، الأبواب تؤدي إلى ممرّات بلا نهاية. حتى السماء… لم تعد زرقاء. كانت رمادية، كما لو أن شجرة النسيان قد زرعت نفسها هناك.

والراوي؟ آه، هو يراقب.

لكنه لا يكتفي بالمراقبة هذه المرة. همسة منه في مشهد، جملة مبتورة تظهر في ذهن ليلى، صوت زاهر يتحدث بكلمات لا يعرف مصدرها.

"أنتِ لا تعيشين هنا، ليلى. بل تُستَخدم."

يهمس الراوي  أو هل هو زاهر؟ أو الطفل؟ —أو كلّهم؟  في عقل ليلى، وهي تمشي نحو غرفة لا تتذكر أنها نامت فيها. في الممر، تمرّ بجدار عليه نقش غريب: خريطة، لكنها متحرّكة. المتاهة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة