الفصل21

الفصل21

14 0

الفصل: "الصوت المسروق"

كان البيت دافئًا، والأضواء خافتة، بينما جلست أريسيا على الأرض، ظهرها مسنود إلى أريكة الحرير الرمادي، والمحرر ما يزال واقفًا كما لا ينتمي لهذا العالم

ليلى وضعت يدها على كتف ابنتها، وأوريس بقي صامتًا، كأن لسانه اختنق بشيء يعرفه من زمن قديم.

قالت أريسيا وهي تنظر إلى العقد الباهت الموضوع على الطاولة:

"مَن كتب هذا؟"

ردّ المحرر، دون أن يغمض عينيه:

 "لا أحد. الكلمة كتبت نفسها، لأنكِ وُلدتِ من سطور لم تُغلق."

سكت لحظة، ثم تابع بنبرة هادئة:

 "قصتك نُشرت بالفعل. خارج إرادتك. نسخة ناقصة… مشوهة. والآن هناك من يطالب بحق استثمارها. قصة 'الابنة التي تنتمي إلى الورق'، كما سموكِ. هل كنتِ تعلمين؟"

أريسيا وقفت ببطء.

نظرت إلى والديها، إلى الدفء حولها، إلى حياتها التي بُنيت بالكلمات لا بالخدع.

"لا. لم أكن أعلم. لكني أعرف الآن... أنني لست ملكًا لأحد."

المحرر أنزل رأسه قليلاً. بدا كما تمنى سماع هذه الجملة.

وكأن ما جاء ليجلبه، كان رفضًا. وكان يعلم ذلك.

لكن أوريس أخيرًا تكلم بصوتٍ منخفض، مطلي بالحكمة:

 "توجد نسخة كتبتها ذات مرة… في بداياتي المؤلمة. كنتُ خائفًا أن تضيع ابنتنا، أن تبقى حبيسة حكاية غير مكتملة. فكتبت شيئًا… لكني لم أوقعه."

ليلى شهقت بصمت.

 "أوريس... أنت لم تخبرني."

 "لأني محوته. أو هكذا ظننت.

لكن يبدو أن هناك من احتفظ بالظل."

قال المحرر:

 "الظل هو من يطلب الحضور الآن. وهناك جلسة قريبة. لن يُجبر أحد على التنازل، لكن إن لم تحضريها يا أريسيا... سيتصرفون وكأنكِ وافقتِ."

سكت الجميع.

ثم بصوت صلب لا يشبه فتاة في عمرها، قالت أريسيا:

 "سأحضر. وسأثبت أن هذه القصة لم تُكتب عني. بل أنا من كتبتها… كل يوم، وأنا أختار من أكون."

 الفصل: "الانعكاس"

كان الوقت متأخراً قليلاً…

الثلج يذوب على حواف النوافذ في البيت، وصوت موقد النار الخفيف يملأ الفراغ بدفء يشبه النَفَس.

أريسيا جلست على الأرض، تلفُّ نفسها ببطانية، تقلب صفحات دفترها، حيث كانت قد بدأت بكتابة قصتها الجديدة.

لكنها لم تكمل الجملة الأولى.

في الأعلى، كان والداها  ليلى نورياس وأوريس غسق نائمَين بعد يوم طويل.

ابتسامة خفيفة على وجهها… لكنها لم تكن سعيدة تماماً.

 "إن لم أكتب... ستبقى الحقيقة داخلي، غير مفهومة."

قالتها بصوت خافت وهي تحدق في الصفحة البيضاء.

ثم…

ظهر ظل خفيف في الغرفة. ليس ظلًا مخيفًا، بل أقرب إلى إنعكاس ضوء على الماء.

كان يشبه فتاة في العمر ذاته، لكنها ذات ملامح غير مكتملة.

كأنها شخصية لا تزال تحت الكتابة.

"أنا... لست من هذا العالم، أليس كذلك؟"

قالت الغريبة، صوتها يتردد كصدى داخل جدران قلب أريسيا.

أريسيا لم تُجب. لكن قلمها سقط.

"أنا أنتِ… التي لم تُولد بعد."

أضافت الفتاة الغريبة، ثم جلست على المقعد المقابل.

مشهد غريب وهادئ… بين اثنتين، إحداهما تكتب والأخرى تتهرب من أن تكون مكتوبة.

في تلك اللحظة، فهمت أريسيا…

لم تكن بحاجة لكتابة مغامرة كاملة خارجة عن حياتها.

كانت تحتاج فقط أن تُنهي الحكاية التي لم تبدأ بعد.

الفصل: "الرفض هو البداية"

نهضت أريسيا من الأرض، شدّت البطانية على كتفيها ونظرت نحو الفتاة التي تشبهها  تلك التي تدّعي أنها لم تولد بعد، أو ربما هي مجرد صدى.

قالت بصوت واضح، لا يشبه خوف الأطفال، بل فيه شيء من والدتها…

 "لا أريدك أن تكتبي نهايتي، ولا أن تكوني جزءاً مني."

الانعكاس صمت، لكنها لم تختفِ.

 "لكنّك من كتبني… أنا نتيجة أحلامك، مخاوفك، قصصك التي لم تنتهِ بعد."

أريسيا مدت يدها وأغلقت دفترها بقوة، ثم نظرت مباشرة في عينيها.

"حتى لو كنتِ جزءًا مني، فأنا لست مجبرة أن أكونك.

أريد أن أعيش مع أمي وأبي… أن أكتب، نعم، لكن على طريقتي."

وفجأة…

بدأ الضوء يتسرب من حول تلك الفتاة — الشخصية غير المكتملة. وكأنها تتحول إلى ذرات حبر، تتبعثر وتذوب في هواء الغرفة.

لكن قبل أن تختفي تمامًا، همست:

"سنلتقي ثانية… عندما تكتبي من قلبك، لا من ظلك."

وغاب الانعكاس ثم حل السكون.

البيت عاد هادئًا. كل شيء كما هو…

لكن شيئًا ما تغير.

أريسيا نظرت إلى الدفتر المغلق، ثم حملته… ومشت بخفة إلى غرفة والدَيها، فتحت الباب ببطء.

ليلى كانت نائمة، رأسها على كتف أوريس، ويداهما متشابكتان كما في أول لقاء لهما.

تقدّمت بخطى ناعمة، جلست على الأرض قرب السرير، ثم بدأت تكتب:

 "هذه المرة… سأكتب قصتي الحقيقية.

عن البيت، عن العائلة، عن الحب الذي لا يخاف الغد."

 حيث تُكتشف الرسالة  ليست من انعكاس أو ظل، بل من شيءٍ أعمق…

من داخل "قلب القصة" ذاته.

 الفصل: "رسالة من الحبر"

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى نورياس باكرًا على غير العادة.

صوت طفيف لصفحة تُقلب في الغرفة المجاورة جعل قلبها يتنبه.

خرجت بهدوء من غرفة النوم، ترتدي روبًا شتويًا بسيطًا، ودخلت إلى مكتبة المنزل الصغيرة… وهناك، جلست أريسيا، تغفو على طاولة الكتابة، ودفترها مفتوح أمامها.

اقتربت ليلى لتغطيها، لكن شيئًا جذب انتباهها…

بين صفحات الدفتر، كانت هناك ورقة مطوية بعناية، قديمة قليلًا. لم تكن من دفاتر أريسيا.

بل من ورقٍ يشبه دفاترها القديمة، تلك التي ظنت أنها اختفت منذ زمن.

فتحت الورقة.

"إلى من كتبتني ذات يوم دون أن تدري...

كنتِ تبحثين عن نهاية سعيدة، فخلقتِني من بين الألم.

والآن، ها أنا أترك لك هذا الفصل… لتقرري هل هو ختام؟ أم بداية من نوع آخر؟

أنا أوراقك التي مزقتها. أنا صوتك عندما لم يكن أحد يستمع.

إن عاد الضوء… لا تطفئيه خوفًا من الظلال.

المحرر المفقود."

ليلى شهقت بهدوء، وابتسمت، ثم نظرت إلى ابنتها.

"أنتِ تكتبين، أليس كذلك؟"

أجابت أريسيا وهي تمسح عينيها:

 "أجل… لكن ليس من أجل النهاية. بل لأنني أريد أن أكون البداية لأشياء لا تنكسر."

ليلى ضحكت بخفة، قبل أن تنادي بهمس:

 "أوريس… تعال وانظر ما تفعل ابنتك."

دخل أوريس غسق وعلى وجهه نعاس خفيف، لكنه حين قرأ ما في الورقة…

تغيرت عيناه، كما لو أنه تذكر شيئًا قديمًا… شيئًا كتبه ثم نسيه عمداً.

> "هذه… رسالتي، قبل أن ألقاكِ. ظننت أنها ضاعت."

ليلى تمسك بالرسالة، نظرت إليه بعينين مليئتين بالحب:

 "بل وجدناها، معًا."

وأريسيا؟

أغمضت عينيها، وكتبت سطرًا جديدًا في دفترها:

 "في يوم بارد، اجتمع الضوء القديم بالدفء الجديد، وولدت القصة كما أراد قلبها، لا حبرها فقط."

 الفصل : "قبل أن يُغلق الكتاب"

مرت السنوات كما تمر الفصول بهدوء…

تبدلت الأيام، وها هي أريسيا الآن شابة ناضجة، في أوائل العشرينات من عمرها.

شعرها الأبيض الفضي صار أطول بقليل، ينسدل كضوء القمر فوق كتفيها.

عيناها البرتقاليتان لم تفقدا بريقهما، بل أصبحتا أكثر ثباتًا، كمن رأى العالم ولم يخَف منه.

تجلس على شرفة المنزل الشتوي الجبلي، حيث الثلج يلامس الزجاج، وتجلس معها ليلى نورياس، ووجهها ما زال يعكس سكينة الحب الذي كتبته بصدق ذات يوم.

وأوريس غسق، يجلس صامتًا بقربهما، كوب قهوة دافئة في يده، ينظر إلى ابنته كما لو كانت فصلًا جديدًا لم يكن يتوقعه لكنه يؤمن به تمامًا.

تبدأ أريسيا بالكلام:

 "أمي... أبي... لقد اخترت."

ليلى تبتسم:

 "اخترتِ أي شيء؟"

 "اخترت ألا أكتب نهاية أي أحد. بل أكتب بدايات… لهم، لي، ولمن يشعر أن القصة لا تشبهه بعد."

أوريس ينظر إليها بتركيز، يسأل بصوت هادئ:

 "وهل تعرفين من ستكونين؟"

تهز رأسها بهدوء:

 "لا تمامًا. لكن أعرف من لا أريد أن أكونه."

تنهض من كرسيها، وتتوجه نحو المكتبة القديمة التي تركتها ليلى منذ زمن،

تفتحها… وهناك، يوجد كتاب لم يُفتح بعد. غلافه أسود، صفحاته بيضاء تمامًا، وعليه فقط اسمها: "أريسيا نورياس غسق".

"لن أكون ظلًا لقصة أحد. ولن أكون بطلة لإنقاذ العالم.

فقط... أريد أن أكون صوتًا، يكتب للذين ظنوا أن لا أحد سيكتب عنهم."

تمد يدها، تمسك القلم، وتكتب أول سطر:

"أنا أريسيا. ابنة الحبر والضوء. وها أنا أبدأ."

أغلقت الكاميرا الوهمية على العائلة مجتمعة، الدفء يعمّ، والغموض قد نُزع عنه الخوف.

في قلب هذا الشتاء، لا نسمع سوى أصوات أقلامهم… لا تكتب عن النهاية، بل تُهدي الحياة.

لكن فتحت بوابة:

قصة أريسيا: بين الكلمات والصمت.

الفصل : "قبل أن يبرد الحبر"

كان الشتاء يكتب على النوافذ.

جلست أريسيا على ذات الطاولة القريبة من الزجاج. المقهى لم يتغيّر، فقط الزبائن تكرّروا بوجوه مختلفة. كانت تحب هذا الركن لأن ضوء الغروب يعبر من خلاله مثل وعدٍ لا يُقال.

دفترها على الطاولة. القلم فوقه. لم تفتحه بعد.

كانت تراقب البخار المتصاعد من كوب الشوكولا الساخنة كما لو أنه صوت صامت من الداخل.

ثم دخل.

رجل بشعر أسود قصير، أنيق، طويل القامة.

جلس على الطرف الآخر من القاعة، وحين سحب الكرسي، سُمع صوت احتكاكه بالأرض وكأن الزمن تنبّه للحظة دخوله.

كان يحمل كتابًا لم تستطع قراءة عنوانه، ويرتدي نظارات خفيفة من تلك التي لا تُخفي العين بل تفضحها.

عينيه الرماديتين كانتا تُفتشان عن شيء… ولمحت إحداهما أريسيا.

أخفض بصره سريعًا.

كأن شيئًا حدث، لكنه لم يُنطق.

بعد دقائق، حين فتحت أريسيا دفترها، لم تكتب شيئًا عن الشتاء، ولا عن والديها، ولا حتى عن الأحلام القديمة التي كانت تسكن قلبها.

بل كتبت:

 "جلس كأنه يعرف شيئًا عن صمتي.

عيونه لم تسأل، لكنها فهمت.

لا أعرف اسمه، ولا إن كان موجودًا أصلًا،

لكنني أشعر أنني التقيت به في جملة كتبتها ثم محوتها."

رفعت عينيها، فوجدته يُحدّق في الغلاف الجانبي لدفترها، ثم قال فجأة:

هل تكتبين عن الواقع؟ أم عن الخيال؟"

تفاجأت. لم تتوقع أن يتكلم. نبرة صوته كانت هادئة، بنغمة تُستخدم عادة لقراءة الشعر بصوتٍ خفيف.

ردّت، بخجل خفيف ناعم:

 "أحيانًا… لا أميز بينهما."

ابتسم. ابتسامته لم تكن كاملة، بل شبيهة بتلك التي تُرسم عندما يتذكر أحدهم شيئًا قديمًا، أو يخشى أن يُخطئ في تفسير لحظة.

قال:

"ذلك أفضل… لأن الخيال يُشبه الحقيقة التي تخاف أن تكون نفسها."

ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تخجل أريسيا من النظر في عيني أحد.

كانت عيونه الرمادية تعكس ضوءًا لم تفهمه… لكنه جعل قلبها يبطئ خطاه، كأنه يتأنّى ليستوعب المعنى.

في تلك الليلة، كتبت في دفترها:

 "لم أكن أبحث عن أحد، لكنني خُطفت بلُطف.

لا أعرف اسمه.

لكنني، على غير عادتي، أتمنى أن أراه مجددًا."

الرواي يمس بسعادة:

نعم لقد ظهر اخيرا سوف يتغير مسار القصة الان انا متحمس وانت يا من تقرأ هذه القصة اخبرني ماذا تشعر هل هناك مشاعر في قلبك بدأت تتغير؟

مشهد ما قبل العشاء: "حياة تنبض في التفاصيل"

كان المطر خفيفًا خارج النافذة، يعزف نغمة الشتاء دون أن يطرق الزجاج بشدة.

في بيتٍ يشبه القصص التي كتبتها ليلى ذات مساء، جلست العائلة حول الطاولة الخشبية الطويلة. لم يكن العشاء فخمًا، بل دافئًا، تمامًا كالعائلة نفسها.

أوريس غسق، كما اعتاد، كان يقطع الخبز بهدوء، ثم يمدّه إلى ليلى، التي بدت منشغلة في تحريك الحساء بعناية، كأنها ترسم شيئًا فوق سطحه.

أما أريسيا، فكانت تنظر إليهما وتبتسم.

لم يكن بينهما الكثير من الكلام… لكن الحب في هذا البيت لم يكن يحتاج للكلمات ليُفهم.

قال أوريس وهو يتفقد كُتيبًا صغيرًا:

 "وجدت هذا بين دفاتري القديمة. مكتوب عليه بخطكِ، ليلى... 'رسائل إلى من لم يُولد بعد.' هل تذكرينه؟"

ابتسمت ليلى ووضعت الملعقة بلطف:

 "كنت أكتب لأريسيا، قبل أن تأتي إلى هذا العالم. لم أكن أعرف وجهها… لكني كنت أحبها من قبل أن تفتح عينيها."

أريسيا شعرت أن قلبها دقّ بشكل خفيف وغريب.

ثم قالت، بصوتٍ صغير:

 "أمي… أبي… هل كنتما تعرفان دومًا أنني سأكون جزءًا من هذه الحكاية؟"

نظر أوريس إليها، بنظرات من يعرف أكثر مما يقول:

 "أنتِ، يا أريسيا، لم تكوني جزءًا من الحكاية فقط…

أنتِ الصفحة التي غيّرت أسلوبنا."

ضحكت ليلى برقة، وأكملت:

"وأحيانًا… تكونين خاتمة الجمل التي لم نجد لها نهاية مناسبة."

ضحكت أريسيا معهم، ولكن داخلها كانت تفكر بشيء آخر…

ذلك الرجل، في المقهى.

لماذا شعرت أن عينيه تعرف الحكايات، لكنه لا يقولها؟

ولماذا تشعر أنها كتبت عنه، دون أن تعرف اسمه؟

أهو مجرد غريب… أم شخصية من دفترٍ نسيته مفتوحًا ذات مساء؟

 العودة إلى المقهى  في اليوم التالي:

أخذت دفترها وجلست في ذات المقعد.

مرت ساعة… ثم ساعتان.

ولم يظهر.

لكنها لم تنزعج.

بل فتحت الدفتر وكتبت:

"ليس الغياب هو ما يؤلم…

بل التفكير في إن كان سيعود، أم لا."

ثم، حين همّت أن تغلق الدفتر…دخل.

لكن هذه المرة… جلس على الطاولة المقابلة مباشرة.

وقال دون أن يسبق الكلام بابتسامة:

 "هل لي أن أقرأ شيئًا مما كتبتِ؟ فقط سطرًا واحدًا؟"

رفعت نظرها، ابتسمت بخجل، وقالت:

 "سأفكر بالأمر… إن طلبتَه بلغة لا تشبه البشر."

ضحك بصوت خافت، ثم قال:

"وهل الكتابة سوى لغة الهاربين من صوت البشر؟"

 الفصل التالي: "لغة لا تُكتب بالحبر فقط"

كان بينهما الصمت، لكنه لم يكن صمتًا بارداً.

بل من النوع الذي يحمل على أكتافه كلمات خفيّة، تهرب من الفم لتُقال في النظرات، في لحظة ملامسة العينين، أو ارتجافة كوب القهوة.

أريسيا تنظر إليه، مترددة. دفاترها بجانبها، وقد كتبت سطرًا قبل أن يدخل:

 "ربما هنالك من يشبه فصولك دون أن يقرأ كتابك."

هو، يرفع كوبه، يشرب ببطء، ثم يضعه وقال:

"أشعر أنني رأيتكِ في جملة ذات يوم، في صفحة لا أعرف من كتبها."

أجابت، وهي تنظر إلى النافذة:

 "وأنا… شعرت أنك تهرب من جملة، لكنك لم تجد فصلاً تختبئ فيه."

ابتسم بخفة، وكأن هذا اللقاء ليس عاديًا، لكن لا أحد منهما يملك اليقين الكامل.

ثم، بعد لحظة من الصمت، مد يده  ليس نحوها، بل نحو الدفتر.

قال بلطف:

"هل أكتبه أنا هذه المرة؟ السطر القادم؟"

ترددت. نظرت إلى الدفتر، ثم إليه.

ثم، وكأن شيئًا أعمق منها حرّك يدها، دفعت الدفتر نحوه بصمت.

فتح الصفحة التالية…

كتب بخط دقيق:

 "حين نكتب من الألم، نولد شيئًا يُشبه الحب.

وحين نكتب من الحب، نقترب من الحقيقة."

أغلق الدفتر بهدوء، ثم نهض، وقال قبل أن يخرج:

"حين تكتبين الصفحة التالية… دَعيني أكون القارئ الأول."

وغادر.

تركت أريسيا القلم يتدحرج على الطاولة، تنظر إلى الدفتر… ثم ابتسمت.

هي لم تفهمه تمامًا بعد، لكنها فهمت شيئًا واحدًا: لا يُشبه أحدًا آخر.

 في البيت  بعد الغروب

في غرفة المعيشة، جلست ليلى تقرأ بعض أوراق قديمة، بينما كان أوريس يعزف شيئًا خفيفًا على البيانو، لمجرد أن يملأ الجو بدفء يشبه الشتاء اللطيف.

دخلت أريسيا بهدوء، ووضعت دفترها على الرف.

قالت ليلى:

 "ذهبتِ إلى المقهى مجددًا؟"

هزت رأسها بابتسامة، وقالت:

"نعم. شعرتُ أن الدفتر يريد أن يُكتب، لا أن يُخزَّن."

سألها أوريس، دون أن يلتفت:

 "وهل كتب شيئًا جديدًا اليوم؟"

قالت بخفة:

 "أنا كتبت البداية، لكن سطرًا منه… بدا وكأنه يعرف النهاية قبلي."

نظرت إليها ليلى بفضول، وكأنها تراقب انعكاسًا من ذاتها الصغيرة، ثم سألتها:

 "هل تحبين الكتابة… أم الذين يقرؤونكِ؟"

أجابت أريسيا وهي تتجه إلى نافذة تطل على الحديقة المكسوة بالثلج:

 "أحيانًا لا أعرف الفرق… لكني بدأت أحب شخصًا واحدًا يقرؤني كأنه لا يريد أن يُغلق الصفحة أبدًا."

ليلى وأوريس تبادلا نظرة صامتة، لا تحمل قلقًا بل… اعترافًا صامتًا أن الطفلة التي كتبوا عنها، أصبحت تكتب عن نفسها.

 لقاء ثاني  “الصفحة التي انتظرت القلم”

في اليوم التالي، عادت أريسيا إلى المقهى ذاته.

كأن شيئًا ما في المكان ينتظرها. ليس كرسيّها المعتاد فقط، بل حتى رائحة القهوة التي تُنذر ببدء سطر جديد.

جلست. وضعت دفترها. لم تكتب شيئًا. كانت تنظر حولها، ثم إلى الباب…

ولم يطُل الانتظار.

دخل هو.

المعطف الرمادي، النظارات، ونظرة لم تكن تبحث، بل عرفت تمامًا أين تذهب.

اقترب منها بهدوء. قال:

 "هل أضعت الصفحة؟"

أجابت بابتسامة صغيرة:

"أظن أن الصفحة كانت هنا قبلي."

جلس بصمت، ثم أخرج كتابًا صغيرًا من حقيبته الجلدية ووضعه على الطاولة. لم يكن عليه عنوان.

قال:

 "هذا ليس منشورًا. هو دفتر صغير أكتبه فقط حين أجد كلمات لا تصلح للعامة."

نظرت إليه باستغراب طفيف، ثم همست:

 "هل هذا عرض لتبادل الأسرار؟"

قال بهدوء، دون أن ينظر مباشرة لعينيها:

 "لا أسرار. فقط مشاعر خُجِلت من أن تُقال بصوت عالٍ."

مرّت لحظة صمت بينهما.

ثم، بطريقة لا يمكن تفسيرها، تبادلا الدفترين.

هو فتح دفترها، قرأ السطر الأخير الذي كتبته بالأمس:

"بدأتُ أكتب لأهرب، لكنّي بقيت لأنني وجدتُ أحدًا يقرأني دون أن يطلب نهاية."

رفع عينيه نحوها، وقال:

"السطر هذا… كأنكِ كتبته لي، قبل أن أراكِ."

أجابت بخجل صادق:

 "ربما كتبته لأرى إن كان هناك من يستحق أن يُقرأه."

ثم، فجأة، ضربت الريح نافذة المقهى.

نظرا سويًا نحو الزجاج. كانت الثلوج بدأت بالهطول هادئة، ناعمة، لكن كثيفة.

قالت أريسيا وهي تنظر إلى الخارج:

"أحيانًا أشعر أنني جزء من قصة، لكن لست البطلة. مجرد جملة في الهامش."

ردّ، وكأنه يعرف ذلك الشعور جيدًا:

 "والهامش هو المكان الذي تبدأ فيه القصص الجميلة عادة."

ضحكت لأول مرة منذ لقائهما.

في تلك اللحظة، لم تكن أريسيا تكتب قصة فقط… كانت تعيش أول سطر من فصلها الجديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة