الفصل20

الفصل20

19 0

 وقفت أريسيا، وفي قلبها شيء لم تكن تعرفه من قبل.

الرسالة التي وُضعت على بابها لم تكن موقعة، لكن قلبها قرأها كما لو أنها كُتبت بصوت والدها، أوريس غسق، وحنان والدتها، ليلى نورياس.

 مشهد: "القرار"

كانت تمسك الرسالة بيد، وتضع يدها الأخرى على قلبها.

لم تكن خائفة...

لكنها شعرت أنها وصلت لحافة فصل،

وعليها أن تقرر هل تقفز إلى الصفحة التالية، أم تُمزق الورقة وتكتفي بقراءتها كل ليلة.

في الأسفل، جلس أوريس يقرأ كتابًا صغيرًا ليس من كتبه، بل رواية قديمة اختارتها ليلى له ذات صباح شتوي.

وفي المطبخ، كانت ليلى تعد شيئًا دافئًا وتغني بلحنٍ قديم يخصّهم وحدهم.

نزلت أريسيا بهدوء.

اقتربت من أوريس.

نظر إليها… وانتظر، دون أن يسأل.

قالت:

"أبي… هل كتبتني لأنك أردت أن تنقذ أمّي؟"

صمت ثم أغلق الكتاب.

 "لا. كتبتك… لأن أمك أنقذتني،

وأنتِ… كنتِ الصفحة التي لم أجرؤ على كتابتها حين ظننت أن القصة انتهت."

قالت ليلى من خلفهم، مبتسمة:

 "ونحن الآن في فصلٍ لا يريد أحد أن يكتبه… لكنه يعيش داخلنا."

تنهدت أريسيا، وضعت الرسالة على الطاولة، وقالت:

"أنا… لا أريد أن أكون قصة ناقصة.

لا مفتاحًا لأحد، ولا امتدادًا لشجرة، ولا ظلًا لشخصية."

ثم نظرت إليهما، عيناها اللامعتان تشبهان شمسًا تغرب خلف نوافذ منزل دافئ:

 "أريد أن أعيش.

أكتب ما أريد، أحبكم كما أنتما،

وأكون… أريسيا نورياس غسق."

 بعدها في وقت لاحق 

ليلاً، كانت العائلة كلها تجلس قرب المدفأة.

ثلج خفيف يتساقط خلف النافذة.

وأريسيا تمسك دفترًا جديدًا.

على الصفحة الأولى، كتبت:

"هذه قصتي. لا لأسردها، بل لأتنفسها."

وفي الهامش الصغير من الصفحة، كتبت ليلى سطرًا واحدًا:

"ما نعيشه ليس فصلًا في كتاب… بل الكتاب نفسه."

أما أوريس، فكتب حرفًا واحدًا على زاوية الصفحة…

"أ."

ثم ابتسم، وأغلق الدفتر بلطف.

الرواي يتحدث :

جميل انظر ايها القارئ بتركيز اريسيا. تحاول ان تعيش كفتاة قررت أن تُحب الواقع بكل ما فيه، وتكتب مستقبلها بيدها وقلبها أليس لطيفاً العائلة الذكريات الجميلة… 

الفصل: "عندما يتفتح الواقع"

كان الصباح حين استيقظت أريسيا من نومٍ هانئ، حاملةً معها قرارها الجديد كصفحة بيضاء. بعد الإفطار في ذلك المنزل الدافئ الذي أصبح الآن ملاذها وأصل قصتها، أخذت أريسيا دفترها الجديد التي كتبت عليه سطرها الأول:

 "هذه قصتي. لا لأرويها، بل لأتنفسها."

وضعت الدفتر بجانبها، ثم نظرت حولها بعينين صادقَتين تشعان شمس الحرية، وقالت لنفسها:

"اليوم سأخرج إلى العالم. سأراكم كما أنتم. سأعيش دون أن أُضطر إلى الإخفاء."

لم تتهرب، بل استجمعت شجاعتها، ووضعت حقيبتها على كتفها، تلك الحقيبة التي جمعت فيها بعض الأشياء الصغيرة التي كانت تذكّرها بأمان المنزل؛ صورة لعائلتها، دفترًا قديمًا به حروف ليلى، ووردة برتقالية من تلك الوردة التي كانت علامة لحب والدها.

خرجت من المنزل، والثلج الناعم يتراقص مع خطواتها على الأرصفة المتجمدة في مدينة نوفيرا التي تعلمت أن فيها واقعًا لا يختبئ خلف الأسطورة أو الحبر.

في الشارع، بدأت تتغير الوجوه حولها؛ وجوه شابة، أعمالٌ تجارية عصرية تحكي عن حياةٍ تتحدى الشتاء، ونافذة واحدة تُشع بدفءٍ بداخله مصابيح خافتة وقهوة تبث ذكريات ودروب.

انطلقت أريسيا نحو قلب المدينة، تسير بخطى واثقة تحمل معها صوت القرار الذي كتبته بحبرٍ لم تعد تعرف فيه خوفًا أو توترًا.

مشهد اللقاء الأول

بينما كانت تسير في شارع مزدحم، لاحظت أريسيا مقهى صغيرًا يحمل اسم "الحبر والواقع". بدا المكان وكأنه خرج من إحدى صفحات كتب والدها؛ واجهة زجاجية تُظهر ضوءًا خافتًا ونفحات رائحة القهوة المطحونة تندمج مع همسات الموسيقى الهادئة.

دخلت المقهى دون تردد. هناك، قابلت شابًا يجلس وحيدًا على طاولة بجانب النافذة. كان يرتدي معطفًا أنيقًا، وشعره الأسود ينساب بخفة على وجهه، وعينيه تتأملان العالم بنظرة حاسمة ولكن لطيفة.

شعر بأن تلك اللحظة ليست مجرد لقاء صدفة؛ بل هي بداية فصلٍ جديد.

ابتسم الشاب وسأل بلطف:

 "مرحبًا... هل هذه أول مرة تزورين الحبر والواقع؟"

أجابت أريسيا مبتسمة، وكأنها تروي سطرًا من قصتها:

 "أنا أبحث عن شيء… لا أعرف ما هو، لكنني أريد أن أعيشه."

وافق الشاب قائلاً:

 "ربما لدينا الكثير من القصص لنرويها. أنتِ تبدين كمن يبحث عن الحقيقة."

ولم يدم الحوار طويلاً، فقد شعرت أريسيا بأن لقاءها هذا يضيف لها روحًا، وأن هذا الشاب ربما يكون أحد من يعيد للواقع معاني كتبت على دفاتر أخرى، وربما ليس له علاقة مباشرة بالقصص التي كانت تُروى في الماضي، بل قصة جديدة من وحي الواقع.

القارئ يصرخ بحماس:

اوووه هذا رائع هذه اللحظة اشعر انه هناك قصة قادمة لنا 

عودة إلى الديار

بعد أن قضت في المقهى وقتًا ممتعًا، خرجت أريسيا تستعد للعودة إلى البيت؛ لم تكن تنوي أن تُغادر حقيقةً، بل أن تحمل معها لمحةً جديدة مما تعلمته عن الحياة.

في طريق العودة، رأت لوحة فنية معلقة على حائط مبنى قديم، تُظهر منظرًا للمدينة بنورٍ خافت، يُمثل مزيجًا من البدايات والنهايات، كأنها رسالة ضمنية من الماضي.

أمسكت أريسيا هاتفها ونظرت إلى الرقم الذي رن في صباحها الباكر؛ رسالة لم تكتُب بعد تحمل توقيع "أوريس غسق".

فتحته ببطء، وقرأَت الكلمات:

"أنتِ الآن تبنين واقعك بيديكِ. تذكري، الحب الحقيقي لا يُكتب على الورق، بل يُعيَش. أنا معكِ دائمًا."

ابتسمت أريسيا وقالت لنفسها:

 "هذا هو الحب الذي لا يُهدى عبثًا، هو القوة التي تجعلنا نعيش."

قرارٌ جديد

عندما وصلت إلى المنزل، اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار.

ليلى وأوريس لم يتحدثا كثيرًا، لكن نظراتهما كانت تقول الكثير.

أريسيا، التي منحتها تلك اللحظات القوة، بدأت تتشارك تفاصيل مغامرتها الأولى في المدينة؛ كيف كانت خطواتها تضج بالأمل، وكيف وجدت في كل زاوية قصة مختبئة تنتظر أن تُحكى.

قالت بصوت هادئ:

"اليوم، شعرت أن الواقع ليس مجرد مسرح من قصص، بل هو لوحة نرسمها بوجودنا. رأيت أشخاصًا لم أتعرف عليهم، لكنهم كانوا كأنهم جُلبوا ليُذكروني بأن الحياة دائمًا تحمل المزيد مما نكتبه."

ابتسمت ليلى، واحتضنها أوريس.

 "فقط تذكري، يا أريسيا، أن كل سطر تكتبينه ينبض من حبنا ومن حياتنا. وأن ذلك الحب يصنع واقعًا يستحق أن يُعيش."

أغمضت أريسيا عينيها، وشعرت بدفء العائلة يغمرها.

كان هذا اليوم بمثابة فصلٍ جديد لا يعتمد على قصص ماضية أو توقعات.

كان قلبها، وعالمها الواقعي، هو ما كتب الآن.

 فصل: "ثلج لا يذوب"

كانت نوافذ المنزل تعكس بياض الشتاء بهدوء ناعم. رقاقات الثلج تتساقط كأنها مفردات حب قديم، كتبها المؤلف الأعلى مرة على ورقة نسي أن يرسلها.

وفي الداخل، حيث الدفء يملأ الجدران، كانت أريسيا تجلس على الأرض بجوار المدفأة، تلفّ نفسها ببطانية رمادية، وتراقب والدها وهو يُحضّر مشروب الشوكولاتة الساخنة، بينما تهمس والدتها بشيءٍ من خلف الكتاب الذي تقرؤه.

ضحكت ليلى بخفّة، وقالت:

"أوريس، أنت تضع كمية شوكولاتة تكفي مدينة كاملة!"

ردّ أوريس دون أن ينظر إليها:

"إنها لابنتنا… أليس عليها أن تعرف طعم الدفء الحقيقي؟"

ابتسمت أريسيا. كانت تحب هذه اللحظات... الصغيرة، الهادئة، الكاملة.

لكنّ شيئًا خفيفًا تحرّك في قلبها، إحساسٌ غير مفسَّر. كما لو أن شيئًا ما في الخارج  خلف الزجاج، بين الثلج  لا يذوب كما يذوب كل شيء آخر.

نهضت بخفة واقتربت من النافذة. كان هناك… شيء.

شكلٌ غير واضح، ربما مجرد ظل، أو وهم تركه غصن شجرة. لكنه بدا وكأنه يراقب المنزل. لم يكن مخيفًا… بل مألوفًا بطريقة مزعجة.

"أمي؟"

"هممم؟"

"هل يمكن أن يكون هناك... كتاب لم يُكتب بعد؟"

تبادل أوريس وليلى النظرات.

لكن قبل أن ترد ليلى، رنّ جرس الباب.

لم يكن أحد يتوقع أحدًا. الثلج كان كثيفًا، والشارع شبه خالٍ.

فتح أوريس الباب، ولم يجد أحدًا. فقط طرد صغير موضوع بعناية على العتبة.

أخذه ودخل، وضعه على الطاولة.

كان مغلفًا بجلد قديم، عليه نقش شبيه بنقوش تلك الشجرة… شجرة النسيان، التي لم يتحدثوا عنها منذ سنوات.

بجانب الطرد، وجدوا ورقة صغيرة، مكتوب عليها بخط أنيق:

 "هذه الهدية ليست لكم.

إنها لمن ولدت بين الشمس والظل.

لكن عليكم أن تقرأوا معها... أو تُخاطروا بقراءتها بعد فوات الأوان."

سكتت أريسيا. ثم وضعت يدها على الكتاب ببطء.

وسمعت الصوت بداخلها  لم يكن صوت أحد. لم يكن حتى سردًا.

كان... دعوة.

الرواي يهمس بصوت غامض :

مارايك ايها القارئ هل تعتقد انها سوف تفتح هذا الكتاب؟ 

ضحكة خافته… 

وضعت أريسيا يدها على الكتاب، لكن أصابعها لم تجرؤ على سحب الغلاف.

كانت هناك رعشة خفيفة. ليست برداً. بل شيئاً في العمق، أعمق من أن يُسمّى خوفاً.

نظر أوريس إليها، ثم إلى ليلى.

قال بصوت منخفض، وهو يضع يده برفق على كتف ابنته:

"ليس كل دعوة تستحق الإجابة."

سحبت أريسيا يدها ببطء، وجلست من جديد قرب المدفأة.

"لماذا الآن؟" سألت، وعيناها تبحثان عن إجابة لم تُكتب بعد.

"لستُ مستعدة لأن أكون… غيري."

ليلى اقتربت منها، وضمّتها بهدوء.

"لا بأس. لا أحد يطلب منك أن تكوني غيرك. حتى لو حاول العالم أن يصنع لكِ دوراً، لديكِ الحق أن تكتبيه بنفسك."

صمت عميق مرّ في الغرفة… كان ذلك الصمت المليء بكل ما لم يُقال.

في الخارج، استمرت الثلوج بالنزول.

لكن ذلك الظل  أو الوهج البعيد  لم يختفِ تماماً.

ليلة كاملة مرّت، ولم يفتح أحد الكتاب.

بل وُضع على رف مرتفع، بجانب بعض الروايات القديمة.

لكن أوريس، قبل أن يُغلق الأضواء، نظر إليه نظرة طويلة.

كأنه يعرف  الكتاب لم يأتِ ليُقرأ فقط.

بل ليُذكّرهم… أن هناك شيئاً ما لم يُغلق تماماً.

في اليوم التالي…

استيقظت أريسيا باكراً، دخلت المطبخ لصنع قهوتها الصغيرة، ووجدت ظرفاً على الطاولة.

لم يكن هناك بالأمس.

ظرفٌ ذهبيّ، غير مختوم.

فتحته هذه المرة أريسيا بنفسها، وقرأت:

إلى من اخترتِ أن تكوني الحياة، لا مرآة الماضي.

نحن لا نطلب منك العودة.

لكننا نطلب منك قراراً، قبل أن يُقرَّر عنك.

 فصل: "التي كتبتها كي لا تكون وحيدة"

مرّ أسبوعٌ منذ وصول الكتاب. لم يُفتح. لم يُلمس. وكأن وجوده بات مجرد ذكرى حلم عابر.

في غرفتها، جلست أريسيا على سريرها، تحمل دفتراً جلدياً صغيراً، تغلفه رسومات يدوية لحروف وأشكال غريبة لم يكن لأحد أن يفهمها… سواها.

كتبت:

 "لم أعد خائفة من أن أكون أنا.

كتبتُكِ يا صديقتي، لأنني كنت أخشى ألا يفهمني أحد.

لكنني الآن فهمت أنني أستطيع أن أصنع المعنى، لا أن أبحث عنه فقط."

وأغلقت الدفتر.

الصديقة التي كتبتها  كانت حبرًا وخيالًا في البداية.

فتاة لا تُشبهها تمامًا، لكنها تعكسها من زوايا لا يراها أحد.

كانت تشاركها الأحلام، تتحادث معها في ليالٍ طويلة، وترافقها عندما تشعر أن العالم لا يفهم وجودها بين "قلبين عظيمين" مثل أوريس وليلى.

لكن في أحد الأيام… وبينما كانت أريسيا تتجول في معرض للكتب، رأت فتاةً تقف وحيدة، تقلب أحد الكتب التي كتبتها.

كان شعرها بلون المطر، وابتسامتها تشبه التي رسمتها مرارًا في دفاترها.

اقتربت منها.

قالت الفتاة بصوت مألوف غريب:

"كنت أبحث عنك."

تجمدت أريسيا.

قالت: "أنا؟"

أومأت الفتاة.

"أنا قصتكِ… لكنني اخترت ألا أكون مجرد خيال. أردت أن أكون صديقتك… فكتبت نفسي خارج حدود الورق."

الدفء يُغلق الغموض، لا العكس.

وفي طريق العودة من المعرض، كانت أريسيا تضحك، وهي تمسك يد صديقتها الجديدة  التي لم تأتِ من كتاب، بل جاءت من قرار. من كتابة. من نية.

ولأول مرة، أحست أريسيا بشيء لم تحسه من قبل…

أنها ليست بنت قصة عظيمة فقط، بل كاتبة لحكاية لا تحتاج إلى باب غامض أو ظلّ ينتظر بالخارج.

فقط: قلب، قلم، وعائلة تحبها كما هي.

بداية فصل: "رحلتها الخاصة"

ليس لأنكِ وُلدتِ من قصة، يعني أنكِ لا تستطيعين كتابتها من جديد.

أريسيا وقفت على شرفة القطار، تراقب الثلج وهو يذوب ببطء على الزجاج. لم تكن تهرب.

لم تكن تبحث عن إجابات.

بل كانت فقط… تمضي.

الصديقة التي كتبتها  "سيليسيا"تجلس بجانبها، تكتب في دفترها الصغير.

قالت أريسيا بهدوء:

"هل تعتقدين أننا سنصل إلى مكان مختلف؟"

أجابت سيليسيا دون أن ترفع عينيها:

"ربما. وربما نحن الذين سنكون مختلفين حين نصل."

كانت الرحلة ليست إلى مدينة جديدة فقط… بل نحو نسخة جديدة من أريسيا، لا ترتبط بظل أحد، ولا بتوقعات الآخرين، حتى لو كانوا والديها.

لم تكن تحاول أن تثبت شيئًا.

بل كانت تحاول أن تكتشف شيئًا ظل ساكنًا داخلها منذ أن وُلدت من الحب والكتابة.

📖 فصل: "محطة لا تشبه أحدًا"

كان القطار يمضي، والسكون في عربته لا يشبه الهدوء بل يشبه حوارًا مؤجلًا بين القلب والزمن.

أريسيا أراحت جبهتها على النافذة، والبرد من الزجاج أيقظ ذكريات قديمة  لا عن الكوابيس أو الظلال، بل عن لحظة نادرة، حين كتبت أول سطر لها وحدها:

"أنا لست ابنة قصة فقط. أنا صوتها."

سيليسيا كانت تغني بلحن خافت وهي تدون شيئًا في مفكرتها، ثم همست:

"هل فكّرتِ أن القصص مثلنا؟ تختار أن تكون شيئًا، ثم تتفاجأ بما أصبحت."

ابتسمت أريسيا، وهي تقول:

"ربما نحن نختار القطار، لكننا لا نختار كل من نصادفهم فيه."

ثم… توقف القطار فجأة.

ليس كعطل. بل كما لو أنه توقف كي يتيح لها أن تختار إن كانت ستكمل.

كانت المحطة غريبة، اسمها غير مسجّل، لا لوحة، ولا إعلان فقط ثلج.

وشجرة واحدة، قديمة… تشبه شجرة النسيان، لكن هذه كانت تبتسم، لا تنادي.

قالت سيليسيا: "نشرب قهوة هنا؟"

هزّت أريسيا رأسها بالإيجاب، ونزلتا.

كان في المحطة مقهى صغير، تدفئه مواقد قديمة، والعامل العجوز الذي يُحضّر القهوة يرتدي نظارات مستديرة وله لحية بيضاء كثيفة.

نظر إلى أريسيا وقال بلا أن يسأل:

"أنتِ التي كُتبت باسم الحياة، أليس كذلك؟"

تجمدت.

لكن سيليسيا دفعت يدها إلى الأمام وقالت:

"وهذه صديقتها. التي اختارت أن تُكتب، لا أن تُنتظر."

ضحك الرجل، وناولها فنجانين من القهوة دون أن يطلب أي مال.

ثم قال:

"كل من يشرب هنا، يبدأ رحلته الحقيقية بعد أن يغادر.

لكن لا أحد يكتب النهاية قبل أن يتذوق مرارة البداية."

نظرت إليه أريسيا، ثم إلى سيليسيا…

"أظننا بدأنا للتو."

الغموض بدأ يتلاشى، لكنه لا يُلغى، بل يُستبدل بعمق رمزي.

أريسيا ليست بطلة خارقة، بل "قلب حيّ يبحث عن معنى".

كل ما تكتبه الآن، يصنع في داخلها نضجًا جديدًا، يُبعدها عن ظل والديها دون أن يفصلها عنهم.

سيليسيا؟ لم تعد مجرد شخصية خيالية، بل أصبحت جزءًا من نسيج واقعها… هل يمكن أن يكون لها ماضٍ؟ قصة تُكتشف لاحقًا؟

الفصل: "التي كتبت العالم ولم تُخبره"

في لحظة ما، حين رفعت أريسيا فنجان القهوة إلى شفتيها، رأت شيئًا لم يكن في المقهى قبل لحظة:

كتاب مغلق، عليه غبار، في الزاوية، لا عنوان له.

تبادلَت النظرات مع سيليسيا

ثم سألَت العجوز: "هذا الكتاب… من وضعه هنا؟"

قال العجوز دون أن ينظر:

"هو لم يُكتب بعد. لكنه يراقب."

اقتربت أريسيا.

شيء بداخلها، شيء قديم، شيء لا يعود لصوت والدها "أوريس" ولا لدفء والدتها "ليلى نورياس"، بل شيء خامٍ، لا يزال يُولد.

مدّت يدها، ولم تفتحه… فقط وضعت يدها عليه.

وفجأة

ظهر نصٌ على غلافه:

"هذه ليست نهايتك يا أريسيا… بل نهايتهم، إن اخترتِ ألا تكملي."

تراجعت. قلبها بدأ ينبض بعنف.

سيليسيا أمسكت كتفها، وقالت:

"هناك من لا يريد لك أن تكملي، لأنه يخشى أن تُغلق القصة عليهم."

ثم…

اهتزّ الزجاج، والمقهى بدأ يتلاشى تدريجيًا، كما لو أن "الزمن" نفسه يرفض وجود هذه اللحظة.

أمسكت أريسيا يد سيليسيا بقوة، صرخت:

"سيليسيا تمسكي بي! نحن لم ننهِ شيئًا بعد!"

ثم ضوء أبيض.

صوت كصوت الأبجدية حين تنهار.

كل شيء اختفى.

 عودة: "إلى العربة، قبل فوات الأوان"

فتحت أريسيا عينيها.

القطار كان يمضي مجددًا… كأن شيئًا لم يحدث.

لكن فنجان القهوة في يدها كان ساخنًا جدًا.

وأصابعها… كانت متسخة بغبار الكتاب الذي لم يُكتب بعد.

سيليسيا كانت تبتسم بهدوء:

"هل بدأتِ الآن تفهمين؟ بعض القصص لا تُقرأ… بل تُعاش."

قالت أريسيا، وعيناها على النافذة:

"أنا لا أخاف من القصة…

لكن أخاف من أن أتركها ناقصة."

وأغمضت عينيها، ثم همست:

"لن أكون مرآة لأحد. سأكون نصًا لا يُعاد."

 فصل: "حين لا تشبه الغرفة شكلها السابق"

عادت أريسيا إلى البيت، دون أن تودّع المحطة، ودون أن تنظر خلفها.

القطار اختفى كما لو لم يكن، و سيليسيا خلفها، تمشي بصمتٍ كمن يحمل في قلبه جملةً لم تُكتب بعد.

كان الشتاء قد اقترب من نهايته، والثلج ما زال يكسو حواف النوافذ، لكنّ الدفء في الداخل…

كان يشبه حضن الحكايات التي تُقرأ عند الغروب.

دخلت أريسيا، فتحت الباب بهدوء، وخلعت معطفها الرمادي الطويل، وهي تهمس:

 "أنا في البيت…"

لم يكن أحد في الرد.

لكن المطبخ فيه ضوء، ورائحة الشاي البرتقالي  النكهة التي تحبها ليلى.

سارت خطواتها على الأرض الخشبية التي تعرفها جيدًا…

حتى سمعت الصوت الذي يجعل قلبها دائمًا يهدأ:

"تأخرتِ قليلاً يا بطلتنا."

أوريس غسق.

كان يقف عند المنضدة، يسكب الشاي، ويضع ثلاث أكواب، لا اثنين.

ثم التفت، عيونه بلون الغروب، وفي وجهه ابتسامة الأب، لا المؤلف.

سألت أريسيا بصوت خافت:

"أتعلمان؟… كنت خائفة أن لا أعود كأنني خرجت من شيء لا يمكن الرجوع منه."

قالت ليلى، التي دخلت وهي تلبس كنزتها البيضاء وشعرها البرتقالي المتوهج يشبه لهيباً ناعماً:

"بعض الرحلات لا نعود منها كالسابق، لكن هذا لا يعني أننا لم نعد."

اقتربت أريسيا، وجلست بينهما.

تأملتهم للحظة طويلة، كما لو كانت تحفظ وجهيهما بعين جديدة.

 هذا هو البيت.

لا غرفة بيضاء. لا شجرة نسيان. لا متاهات.

فقط المؤلف الحي، والكاتبة التي اختارته، وابنتهما التي رفضت أن تكون سطرًا إضافيًا.

سيليسيا جلست بصمت في الزاوية، تقلب أوراق دفترها، ثم قالت لأريسيا:

"إذا أردتِ… يمكن أن نكتب قصة عن فتاة لم تعد تبحث عن نفسها، بل بدأت تكتبها."

أجابت أريسيا وهي تبتسم:

"نعم. لكن لنكتبها من قلبها، لا من ماضيها."

هل نبدأ الفصل التالي برؤية أريسيا لحياتها الجديدة؟

أو نُدخل لحظة زمنية بعد سنوات، حيث تتغير التوازنات في هذا المنزل؟

هل هناك شخصية جديدة على الأبواب؟

أنت من تختارين… القصة في يديك.

كما تنبض به روح قصة اريسيا. الآن، بعد لحظة هدوء ناعمة، نغوص في التغيّر الخفيّ داخل المنزل.

 فصل: "منزلكِ الذي يتذكركِ أكثر مما تتذكرينه"

مرّ أسبوع.

هدأت الأصوات.

هدأت التساؤلات، على السطح على الأقل.

لكن في الليل…

حين ينام أوريس بعد أن يطفئ مصباح القراءة، وتغفو ليلى قرب النافذة وهي تكتب سطرًا جديدًا في مذكّرتها التي لا تنوي نشرها،

تستيقظ أريسيا من نومها  بلا كوابيس  لكنها تسمع.

صوت الأوراق يُقلّب.

حفيف خطوات لا تنتمي لهذا البيت.

وضوءٌ خافت يأتي من تحت باب غرفةٍ نسيت العائلة أنها موجودة أساسًا.

أريسيا في تلك الليلة قامت من سريرها، وارتدت كنزتها القديمة، وخرجت تمشي بحذر.

كل لوحة على الحائط، كل رف كتاب، كل كرسي كانت تعرفه…

لكن ذلك الباب  في الممر خلف المطبخ  لم يكن هناك من قبل.

أمسكت مقبض الباب.

صوت الرواي المجهول يُهمس لها من البعيد:

 "بعض الأبواب لا تُفتح لتكتشفي ما خلفها… بل لتعرفي من كتبها."

فتحت الباب وكان هناك…

 غرفة فارغة.

جدرانها كلها من الخشب الباهت، لا أثاث…

إلا طاولة واحدة، وعليها كُتُب قديمة.

لكنّ المفاجئ؟

جميعها كتب أريسيا.

نُسخ لم تُطبع.

قصص لم تكتبها بعد.

وحين فتحت أحدها، وجدت فيه صورة عائلية.

ليلى  في فستان أبيض  تمسك يد أوريس  وفي المنتصف، هي لكن لم تكن طفلة…

كانت امرأة.

أريسيا المستقبل.

وفجأة سُمِع صوت من خلفها… هادئ، لكنه مشبع بالمعرفة القديمة:

"أنتِ لستِ مجرد شخصية نشأت من حب غير اعتيادي…

أنتِ الحب الذي أعطى المؤلف قلبه."

التفتت لكن لم يكن أحد.

 عودة إلى الصباح

في اليوم التالي، جلست أريسيا مع والديها على مائدة الفطور.

الثلج يذوب، والربيع يشق طريقه ببطء.

قالت ليلى وهي تمسح فتات الخبز من طرف فم ابنتها:

"أنتِ غريبة هذا الأسبوع، ماذا هناك؟"

قالت أريسيا وهي تنظر إلى والديها…

لكن بعين التي بدأت تكتب قصتها الخاصة:

 "أحلم، هذا كل شيء.

ولكن… ليس حلمًا مزعجًا، بل حلم كأنني أُذكر بشيء نسيته."

قال أوريس وهو يرتشف الشاي البرتقالي:

"ربما… البيت يتذكرك، أكثر مما تتذكرينه أنتِ."

ابتسم الجميع، لكن في صدر أريسيا شيء كان قد استيقظ  ولم يعد ينام.

 فصل: "الزائر الذي لا يحمل اسمًا"

كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءً.

أوريس كان يرتب رف الكتب، وليلى تكتب ملاحظاتها على هوامش دفتر أسود بغلاف جلدي.

أما أريسيا، فكانت تعيد قراءة الفصل الذي كتبته عن طفولتها لا لتراجعه، بل لتتأكد أنه لم يتغير من تلقاء نفسه.

ثم…

دقّة واحدة فقط على الباب.

لم تكن هناك ثانية بعدها.

وكأن من طرق لا يريد الدخول، بل فقط أن يُسمع.

أوريس رفع رأسه.

ليلى تجمدت لحظة.

وأريسيا، شعرت بشيء في ظهرها يرتجف… ليس خوفًا، بل كأن قلبها تذكر شيئًا لم يخبرها به أحد.

فتحت الباب.

رجل في الأربعين من عمره، أنيق، يحمل حقيبة صغيرة بيده، ونظرة عميقة في عينيه الرماديتين.

قال بصوت هادئ دون أن يبتسم:

"أنا المحرر. لا أنتمي إلى قصتك، بل كنت أراقب من الخارج.

وأعتقد أن الوقت حان… لتعرفي ما الذي كُتب باسمك دون إذنك."

أريسيا لم تقل شيئًا.

لكن خلفها، تقدم أوريس…

ثم قال بصوتٍ فيه ذلك الوقار الغريب:

"لم أستدعه."

قال المحرر وهو ينظر إليه دون رهبة:

"وأنا لم آتِ لك."

ثم أخرج من حقيبته ورقة مطوية، مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار.

وفتحها على الطاولة، أمامهم.

كانت الورقة عقدًا…

قديمًا، بلا توقيع واضح، لكنه يحمل اسمًا ليس مألوفًا:

"أريسيا، بوصفها استمرارًا للسرد الأعظم."

ليلى قطّبت حاجبيها.

أورس عبس.

أما أريسيا؟

فقالت ببرود مفاجئ:

"أنا لست استمرارًا لأحد.

وأنا لم أطلب أن أكون حكاية."

قال المحرر:

"وهنا يبدأ صراعنا يا آنسة نورياس.

هناك من نشر قصتك… قبل أن تختاري أنتِ أن تكتبيها."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة