الفصل23

الفصل23

12 0

 الفصل : "نبتة تنمو في فنجان صغير"

كان الشتاء لا يزال يكتب فصوله الباردة على زجاج النوافذ، ومع كل صباح، كانت أريسيا وإيلار يتقابلان في المقهى نفسه. لم تكن بينهما أحاديث طويلة، لكنها كانت محكمة، كما لو أن كل كلمة تختبئ خلفها جملة لم تُقال بعد.

ذات مرة، قال لها: "هل تلاحظين أننا لا نتحدث عن أشياء مهمة، لكننا لا نبدو غرباء؟"

أجابت، وهي تقلب صفحة من دفترها: "ربما لأننا لا نحتاج إثباتًا بأننا موجودون لبعضنا… الكلمات ليست دائماً وسيلة للتواصل، أحياناً هي مجرد ظل الشعور."

في إحدى المرات، أعطاها كتابًا صغيرًا دفتر جلدي قديم، صفحاته بيضاء.

"هذا لكِ. لا أريد أن تقرئيه، بل أن تكتبيه."

سألته، وهي ترفع حاجبًا: "لكنني أكتب بالفعل."

قال بنبرة لا تحمل استعجالاً: "هذا دفتر لا تنشرينه. اتركي فيه كل ما لا يُقال بصوت عالٍ."

بدأت تكتب فيه كل مساء.

وكل مساء، كانت تشعر بشيء غريب ينمو في صدرها. ليس حبًا كما في الروايات، بل شيء يشبه الطمأنينة… كأنها تتعلم أن تبقى في اللحظة دون خوف.

 الفصل: "ظل في الماء"

بعد أيام، وبينما كانت تنظر إليه وهو يكتب شيئًا في كراسته، لمحت بين صفحاته صورة مطوية.

حين انتبه لنظرتها، أغلق الدفتر بسرعة هادئة  لكنها لاحظت شيئًا:

اسمها كان مكتوبًا في الزاوية العليا من الورقة.

سألته، بصوت خافت: "هل كنتَ تكتب عني… من قبل أن نتحدث؟"

سكت لحظة.

ثم قال بهدوء: "ربما… أنتِ تشبهين شخصية بدأتُ أرسمها منذ زمن، لكنها لم تكتمل حتى ظهرتِ."

لم تعرف أريسيا كيف ترد.

هل كانت هذه صدفة؟ أم أن هناك شيئًا أعمق  ما العلاقة بين قصته وقصتها؟

هل كان يكتبها… قبل أن يعرفها؟

لم تنم تلك الليلة جيدًا.

في الصباح، جلست أمام النافذة، وكتبت في دفتره الجلدي:

 "هل تكتبني أم تتذكرني؟

أم أن كلانا مجرد شخصيات تبحث عن كاتبها؟"

 الفصل: "ليلة الورق والحبر"

بعد مرور أسبوعين، تلقّت أريسيا دعوة من دار أدبية لحضور أمسية قراءة نصوص، مرفقة ببطاقة صغيرة كُتب فيها بخطّ يدوي جميل:

 "رأينا بعض المقاطع من كتاباتك… نعتقد أنها تستحق أن تُسمع."

شعرت بالارتباك.

لم تكن قد نشرت أي شيء  فكيف وصلت إليهم كتاباتها؟

سألت إيلار حين التقت به: "هل أخبرت أحدًا عني؟"

هزّ رأسه بنفي صادق: "أنا لم أشارك شيئًا… أقسم."

لكن الشك بقي ساكنًا في عينيها.

ليلة الأمسية، جلست ليلى إلى جانب ابنتها، وأوريس وقف قرب الباب، ينظر إلى القاعة بهدوء.

قال لها قبل أن تصعد المنصة:

"كل صفحة تكتبينها، تُشبهك أكثر من ملامحك."

ابتسمت، ورفعت دفترها الصغير، وبدأت تقرأ…

ولكن، في الصفوف الخلفية، كانت هناك عينان رماديتان أخرى  تشبه إيلار، لكنها مختلفة.

تشعرك وكأنك تقرأ الفصل التالي من قصة لا تعرفها بعد.

 الفصل الرابع: "صوت العائلة في الممرات الدافئة"

بعد الأمسية الأدبية، تغيّر شيء ما.

ليست الشهرة، ولا الاعتراف.

بل ذلك الإحساس الطفيف الذي يُولد حين تعرف أن هناك من يسمعك حقًا، دون أن يحاول إعادة كتابتك.

في الصباح التالي، كانت أريسيا تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى غرفة والدتها، تحمل فنجانين من القهوة الدافئة.

فتحت الباب، لتجد ليلى جالسة قرب النافذة، تقرأ ملاحظات قديمة من أوراقها… بعضها مكتوب قبل سنوات، عندما كانت لا تزال تكتب المؤلف الغامض، أوريس غسق.

قالت ليلى، دون أن تنظر لابنتها: "أتعلمين… أحيانًا أنسى أنني كتبت تلك العوالم… وكأنني كنت فقط أفتح النوافذ لشخص آخر بداخلي."

اقتربت أريسيا منها، وناولت فنجان القهوة: "ربما كنتِ تكتبينني، بطريقة ما."

ابتسمت ليلى، وأخذت رشفة ببطء، ثم قالت: "لكن الآن… أنتِ تكتبين نفسك."

في المطبخ، كان أوريس يعد الإفطار  طبق من البيض المسلوق وشرائح الخبز المحمّص، بطريقته المنظمة المعتادة. حين دخلت أريسيا، رفع حاجبه بخفة وقال: "هل ظهرت أول مراجعة على كتابك؟"

أجابت بسخرية: "أنا لم اقم بنشر شيئًا، ومع هذا وصلني عرض من دار نشر صغيرة."

نظر إليها طويلاً، بعينين ما زالتا تحملان حرارة غروب الشمس، ثم قال: "ليست كل العروض تُرفض… بعضها يحمل طريقًا لم تكوني لتفتحيه وحدك."

ثم بصوته الهادئ العميق، أضاف: "لكن تذكّري… لا توقّعي عقدًا مع الظلال، فقط لأنك لم تعتادي الضوء بعد."

كانت الحياة العائلية هادئة، متداخلة بلطف مع حكايات كل فرد منهم:

ليلى تعود للكتابة في أوقات محددة، وتشارك أحيانًا مقاطع بصوت عالٍ، تضحك فيها مع ابنتها.

أوريس يدرّس كتابة السرد الخيالي الواقعي في نادٍ صغير ينعقد كل خميس.

أما أريسيا… فباتت تستيقظ باكرًا، وتخرج إلى المقهى، وتكتب في دفاترها أكثر فأكثر.

لكن مساء أحد الأيام، حين عادت إلى المنزل، وجدت ورقة مطوية عند باب غرفتها.

على الغلاف، كان هناك توقيع صغير، بكلمة واحدة:

"إيلار"

فتحت الورقة…

لم تكن رسالة، بل قصيدة قصيرة.

 "الشتاء مرّ، لكنّك بقيتِ.

مثل موسيقى خافتة تُرفض مغادرتها،

وكلما حاولتُ نسيانك، وجدتني أكتبك من جديد."

ابتسمت بخجل، وأخفت الورقة في الدفتر الجلدي.

في تلك اللحظة، نادت ليلى من أسفل الدرج: "أريسيا، العشاء جاهز… لا تتأخري!"

جلست العائلة حول الطاولة.

أوريس كان يتحدث عن كتاب قديم أعاد قراءته، ليلى تسأله عن وصف أحد الشخصيات، وأريسيا تستمع وتبتسم…

ثم قالت، بصوتٍ خافت: "هل يمكن أن أقرأ عليكم شيئًا… كتبته مؤخرًا؟"

التفتا إليها، قال أوريس بابتسامة: "إن لم نكن نحن جمهورك الأول، فمن يكون؟"

فتحت دفترها، وأخذت نفسًا عميقًا.

 "كنت أظن أنني مجرد ظل لعالم لم أصنعه…

لكنّي الآن، أكتب النور،

وأضع فيه قلبي،

وكل من أحبّني قبل أن أفهم اسمي."

ثم نظرت إليهما، وقالت: "أحبكما."

في تلك الليلة، لم يكن هناك أي غموض،

فقط عائلة، قلب، ودفتر يفيض حياة.

 الفصل : "دفتران على الطاولة"

المقهى نفسه…

زاويتهما المعتادة، بجانب النافذة.

شمس الشتاء تخترق الزجاج بهدوء، وتترك خيوطًا ذهبية على أوراق الدفترين.

كانت أريسيا تكتب بصمت، وقلمها يتحرك برقة مدروسة.

أمامها، كان إيلار يكتب أيضًا.

لكنه يتوقف أحيانًا، يرفع عينيه الرماديتين إلى النافذة، ثم يعود ليكمل كلماته.

ليس فضولًا… بل كأن ما يكتبه مرتبط بما تشعر به أريسيا، دون أن يدري أحدهما السبب.

"هل تسمحين؟"

قالها بصوت منخفض، مشيرًا إلى دفترها.

ترددت للحظة، ثم أومأت بخفة، ودفعت به إليه.

فتح الصفحة ببطء.

قرأ سطرًا، ثم ابتسم، وقال: "أنتِ لا تكتبين فقط… أنتِ تنقذين شيئًا ما من الاختفاء."

سألته:

"ماذا تكتب أنت؟"

أجاب، وهو يقلب دفتره باتجاهها:

"قصة عن فتاة تحب المقهى الشتوي،

وتحاول أن تفهم هل مَن يكتب بجانبها هو بطلٌ خيالي…

أم مجرد رجل تأخر عن القدر."

ابتسمت، وعلّقت برقة: "مؤلف ذكي… أعتقد أنها سترى أنك لست مجرد رجل عادي."

جلسا قليلًا بصمت.

ثم قالت، دون أن تنظر إليه:

"أحيانًا أفكر أنني بدأت أراك قبل أن ألقاك.

أنت تشبه شخصًا كتبته ذات يوم… ثم مزّقت الصفحة."

همس:

"أو ربما لم تمزقيها تمامًا."

ضحكت بخفة، ثم أضافت: "لي والدان رائعان… ولكن هناك جزء مني لا يزال يتساءل من أنا بعيدًا عنهما."

أجاب إيلار، وهو ينظر في عينيها:

"وهذا ما تحاوله الكتابة… أن تريكِ من تكونين، بصوتك وحدك."

حين خرجا من المقهى، كانت الثلوج قد بدأت تتساقط برفق.

وقفا تحت الضوء الدافئ أمام الباب، وكلّ منهما يحمل دفتره.

قال إيلار فجأة: "أريد أن أريك شيئًا… بيت قديم، في الضاحية الغربية.

كان أول مكان كتبتُ فيه قصة جعلتني أشعر أنني حي."

نظرت إليه بصمت، ثم قالت: "وأنا… أعتقد أنني مستعدة لقراءتها."

ابتسم، ورفع طوق معطفه ليحميه من البرد، ثم همس: "غدًا…؟"

هزّت رأسها بالإيجاب.

ثم قالت، قبل أن تبتعد: "لي اسم جديد لتلك الفتاة في قصتك…

ليست مجرد من تحب المقهى.

إنها من تعلّمت أن لا تخاف كتابة النهاية، حتى إن لم تُنشر أبدًا."

في تلك الليلة، عادت أريسيا إلى المنزل.

فتحت دفترها، وكتبت:

 "كان يكتب بهدوء، كأن قلمه يعتذر عن كل الندوب في قلبي…

ولم أعد أخاف أن أكون 'قصة تُكتب'،

بل تمنيت فقط أن أكون قصته."

 الفصل السادس: "شيء لم يُكتَب بعد"

مرّت بضعة أيام.

لم يلتقيا فيها.

لم يكن هناك سبب واضح، لا خصام ولا خلاف.

لكنّ الكتابة صارت أثقل.

القلم لا يجري كما كان.

المقهى ظل هادئًا... لكن المقعد المقابل ظل خاليًا.

في مساءٍ بارد، عادت أريسيا إلى غرفتها حاملة دفترها وصمتها.

جلست على الأرض، أسندت ظهرها إلى حافة السرير، وبدأت تقرأ ما كتبته مؤخرًا.

 "هو ليس مثل أبي.

وليس نقيضه.

هو ظلّ خفيف يمرّ بجانب الروح دون أن يؤذيها.

لكنه لا يبقى، ولا يترك وراءه خريطة."

وضعت القلم على الدفتر... ثم دفعت به جانبًا.

في صباح اليوم التالي، استيقظت على رسالة في هاتفها.

من: إيلار نوڤا

"آسف على الغياب،

لكنّ البيت الذي وعدتك به... جاهز اليوم.

إذا ما زلتِ ترغبين."

ظلت تحدّق في الرسالة لدقائق.

ثم ابتسمت بخفة... وارتدت معطفها.

 الفصل السابع: "بيت الحبر القديم"

الضاحية الغربية...

بعيدة قليلاً عن ضجيج المدينة.

بيت صغير، خشبي الطلاء، تحيط به أشجار عارية من الأوراق.

كان دافئًا على غير ما توحي به ملامحه الخارجية.

فتح الباب بنفسه، وتركه مفتوحًا لها.

"هل كنت تعيش هنا؟" سألته.

هزّ رأسه نافيًا.

"لا... لكن هنا كتبت أول ما جعلني أبكي وأنا أكتب."

تقدّمت بخطوات خفيفة، كأنها لا تريد أن توقظ شيئًا نائمًا في المكان.

الجدران باهتة، لكنها لا تزال تحفظ آثار أوراقٍ علّقت ذات يوم.

على الطاولة القديمة، دفتر جلدي أسود مغلق بشريط.

"ما هذا؟"

سألته.

قال دون أن يقترب: "دفتر لم أفتحه منذ 7 سنوات.

كتبت فيه عن شخصية... لم أفهمها إلا بعد أن قابلتك."

نظرت إليه، ولم تقل شيئًا.

قال بخفة: "لو أردتِ... يمكنكِ أن تقرئيه."

تقدّمت نحوه... ببطء.

يدها ترددت قبل أن تلمس الغلاف.

ثم فتحت الصفحة الأولى.

 "إلى تلك التي ستظهر حين يتوقف الصمت عن إيذائي...

كنت أبحث عنكِ منذ أول جملة، دون أن أعلم."

ارتجفت أناملها... لكنها لم تتراجع.

"إيلار... لماذا لم تفتحه؟" همست.

قال وهو ينظر إليها: "لأني لم أكن مستعدًا... لرؤية من أنا حقًا."

نظرت إليه، ثم إلى الدفتر.

وأعادت إغلاقه برقة.

"ربما... لا يجب أن نقرأه الآن."

قالتها وهي تبتسم.

"لماذا؟" سألها.

"لأن القصة الحقيقية لم تبدأ بعد."

 الفصل الثامن: "ثلاثة أكواب شاي… وبعض الصمت"

الساعة تقترب من السابعة مساءً.

الثلاثة جلسوا سويًا في غرفة المعيشة.

الموقد يرسل وهجه البرتقالي على الجدران.

وكانت رائحة شاي بالقرفة تملأ الأجواء.

جلس أوريس على الأريكة وهو يقرأ كتابًا،

وليلى مستندة على كتفه، تنظر إلى أريسيا بابتسامة أمٍ تحفظ أكثر مما تقول.

أما أريسيا، فكانت تقلب دفترها، ثم تغلقه، ثم تعيد فتحه، كأن الكلمات لا تكفي، أو لا تخرج.

"هل كتبتِ شيئًا جديدًا؟" سألها أوريس، دون أن يرفع عينيه.

هزّت رأسها بهدوء: "ليس كثيرًا... لكن ربما شيء بدأ يتكوّن."

قالت ليلى وهي تقدّم لها كوب الشاي: "القصص الحقيقية... لا تُكتب بسرعة."

ابتسمت أريسيا، وأخذت الكوب.

فجأة سألت بصوت منخفض: "أبي... كيف عرفت أنك تحب أمي؟"

رفع أوريس حاجبه قليلاً، ونظر إلى ليلى، التي ضحكت بخجل.

"كنت أعتقد أنني أكتبها فقط..."

قالها وهو ينظر في عيني ابنته،

"ثم أدركت أنني لا أستطيع الكتابة من دونها."

في تلك الليلة، تأخرت أريسيا في النوم.

وقفت أمام مرآتها، تلمس طرف دفترها المغلق.

ثم أمسكت هاتفها وكتبت رسالة:

 "إيلار... هل المقهى يفتح صباح الغد؟"

وجاءه الرد بعد دقيقة:

 "دائمًا يفتح، لكنه يضيء أكثر عندما تكونين فيه."

الفصل : "أنا أرتجف، لكنني أقولها"

كان المقهى شبه فارغ.

دخلت أريسيا ترتجف من البرد، لكن قلبها هو الأشد ارتعاشًا.

إيلار كان يجلس في مكانه المعتاد، لكن هذه المرة نهض عندما رآها.

"كنت أظن أنكِ ستتأخرين..." قال بهدوء.

قالت بابتسامة خجولة: "وأنا كنت أظن أنني لن آتي."

جلسا.

الصمت دام لثوانٍ طويلة... لا أحد يملك الشجاعة أولاً.

حتى قطعت أريسيا السكون بصوت مبحوح: "إيلار… أنا لا أجيد قول الأشياء الكبيرة… لكن..."

نظرت إليه.

كان ينظر إلى عينيها مباشرة، دون أن يقاطعها.

"... عندما أكتب، أبحث عنك.

وحين لا تكتب، أفتقد الصفحة."

هو لم يتكلم.

لكن أصابعه امتدت بلطف نحو يدها.

لم يمسكها... فقط لمس أطرافها، كأنه يتأكد أنها حقيقية.

قال بصوت منخفض: "كنت أظنني وحدي في هذا."

صمتهما كان اعترافًا.

وخجل النظر كان وعدًا.

 الفصل : "قصائد تُقرأ مرتين"

مرّت أسابيع، لم تتسرّع أريسيا في شيء، لكن شيئًا ما تغيّر فيها.

كانت تستيقظ أبكر من المعتاد.

تحمل دفترها وتجلس بجانب النافذة، حيث تسقط أشعة الشمس الشتوية على الورق.

تكتب أكثر.

تبتسم أكثر.

أما "إيلار"… فصار اسمه محفورًا في العناوين الجانبية لما تكتبه.

وفي أحد الأيام، حين كانت تجلس معه في المقهى، وضع أمامها بطاقة صغيرة:

 "دعوة إلى أمسية أدبية مغلقة  قرّاء وكُتاب مختارون   نودّ حضوركِ."

رفعت نظرها إليه بدهشة، فقال بهدوء: "لم أكتب اسمي كمنظّم... لكني من رشّحك."

ضحكت:

"هل هذه طريقتك في إجباري على الخروج من الظل؟"

قال وهو يزيح شعره بنعومة: "لا… هذه طريقتي لأريك أن قصتكِ تستحق أن تُسمع."

في تلك الأمسية، كانت أريسيا ترتدي معطفًا أبيض ناعمًا، وتحت ذراعه كانت تحمل دفترها القديم.

ليلى رتّبت شعرها بنفسها، وأوريس قال وهو يربط لها المعطف:

"اكتبي كما تريدين، لا كما يتوقعون."

وفي القاعة الصغيرة، على ضوء خافت، جلست عائلة نورياس في الصف الأول.

ثم ظهر اسمه في البرنامج:

 "إيلار نوڤا  قراءة: نصوص من مشروعه الأدبي الجديد بعنوان: ظل الحبر وصوتها"

نظرت إليه بدهشة…

فهمست ليلى وهي تضحك:

"أعتقد أن لديكِ اسمًا مستعارًا جديدًا يا ظلّه."

بعد انتهاء الأمسية، خرجا معًا تحت ضوء القمر.

الثلج كان يتساقط خفيفًا.

قالت له: "عندما أراك تقرأ… أشعر وكأن كل القصص تعرف إلى أين تذهب."

نظر إليها وهم يسيران ببطء: "وعندما أراك تكتبين… أشعر وكأن القصص تعرف لماذا وُجدت."

توقفا أخذ بيدها بهدوء، لا عجلة في الخطوات.

قال بصوت خافت: "أريسيا... كل الكلمات التي كتبتها سابقًا، كانت تبحث عن اسمك."

ردّت وهي تبتسم بعينيها: "وأنا كنت أبحث عن صوت يشبه صمتك… فوجدتك."

في مكان آخر، في منزلهم الدافئ…

جلس أوريس وليلى يشربان الشاي سويًا.

قالت ليلى وهي تنظر إلى صورة عائلتهم: "أخبرتُك أن قصتها لن تكون مجرد ظلٍ في روايتنا."

قال أوريس: "لقد كتبت عالمًا صغيرًا… والآن، العالم يكتبها من جديد."

 الفصل : "رسائل لا تحتاج مغلّفًا"

في صباحٍ هادئ، كانت الثلوج قد غطّت الطريق المؤدي إلى منزل آل نورياس.

الأشجار مكسوّة بوشاح أبيض، والنافذة تطلّ على مدينة نائمة بسلام.

أريسيا كانت تجلس على الأرض بجانب المدفأة، تدفئ أصابعها بينما تقرأ ملاحظات أرسلها لها إيلار من الليلة السابقة.

على الطاولة، وُجدت ورقة تركها لها والدها أوريس:

 "القصص التي لا نشاركها، هي تلك التي تهزمنا بصمت. أخبريه بشجاعتكِ."

ابتسمت.

بعد الظهيرة، قررت أن تزور إيلار دون أن تخبره مسبقًا.

كان لا يزال في المقهى، يجلس في نفس الزاوية، يكتب على حاسوبه المحمول.

لكن هذه المرة، بدلًا من أن تجلس أمامه…

اقتربت، ووقفت بجانبه، وهمست:

"أظن أنّ قصتي… وصلت أخيرًا لمنتصفها."

أغلق الحاسوب، ونظر إليها بعينَين لم تُفاجأ، بل كأنهما كانتا تنتظرانها منذ زمن.

"منتصفها؟ إذًا لا يزال لدينا متّسع لنتوه سويًا."

ضحكت: "بشروط: أن نعود كل مرة إلى البيت."

وبعد أسبوع…

كانت العائلة كلها في المطبخ.

ليلى تعدّ الحساء، وأوريس يشرح لوصفة جديدة رأتها ليلى على هاتفها ولم تُعجب بها.

أريسيا تدخل، وتقول بثقة:

"أريد أن أخبركما بشيء."

ينظران إليها بهدوء.

"أريد أن أقدّم أول مشروع أدبي لي. ليس منشورًا… بل على شكل عرض قصير، وأنا… لست وحدي."

قال أوريس وهو يضع فنجانه جانبًا: "إذًا حان الوقت… لتسمعي صوتكِ بصوتٍ آخر."

سألتها ليلى برقة: "وسيكون إيلار معكِ؟"

هزّت رأسها بابتسامة دافئة: "معي… لكنه لا يسبقني."

في الأمسية الموعودة…

كان المكان صغيرًا، فقط عشرات المقاعد.

الإضاءة خفيفة.

ظهر اسم العرض على الشاشة:

 "قصائد تُقرأ مرتين"

بقلم أريسيا نورياس، بصوت إيلار نوڤا.

تقدّمت على المسرح.

وقفت، قلبها ينبض لكنه لا يرتجف.

فتحت دفترها.

نظرت للجمهور.

"هذه قصة… ليست عن الحب فقط، بل عن أولئك الذين صبروا على أنفسهم حتى نضجت قلوبهم."

ثم جلست جانبًا… وبدأ إيلار يقرأ أول نص.

كانت عينا ليلى تدمع، بينما يربت أوريس على يدها.

همس لها:

"لقد نجت، وصارت كاتبة."

قالت وهي تبتسم: "بل صارت ابنتي… مرةً أخرى، بطريقتها."

 الفصل: "ما قبل أن يُقال"

مرت أشهر قليلة بعد الأمسية الأدبية.

أريسيا لم تكن فقط تكتب، بل بدأت تُعلِّم. دعواتٌ من معاهد صغيرة، وأحاديث في مقاهٍ أدبية، ومقالات قصيرة تنشرها باسمها الكامل: أريسيا نورياس.

كانت خطوات ثابتة، لا تبحث عن الضوء، لكنها أيضًا لا تتهرّب منه.

أما إيلار، فكان كعادته… في الخلفية. لا يشارك كثيرًا، لكنه لا يغيب.

أصبح البيت مألوفًا له.

كان يزوره خلال أمسيات الشتاء، حاملاً كتبًا قديمة أو زهورًا بيضاء صغيرة يتركها دون تعليق.

أوريس، رغم نظرته الهادئة، كان يراقب بصمت.

وليلةً ما، قال له وهو يقدم له كوبًا من القهوة:

"الكاتب لا يختبئ من القصة، بل منها يولد… لا تنسَ ذلك."

لم يرد إيلار… لكنه فهم.

في ليلة هادئة

كان الثلج يتساقط برقة، تلك الليلة.

في غرفة المعيشة، اجتمعت العائلة مجددًا.

أريسيا تضع رأسها على ركبة والدتها بينما تقلب مجلة قديمة.

أوريس يعزف على بيانو صغير زاوي، نغمة خفيفة تشبه الحنين.

إيلار جلس في الطرف، يقرأ بصوتٍ منخفض من كتاب شعري صغير.

الصمت كان دافئًا، كما لو أن العالم قرر أن لا يتدخل هذه المرة.

قالت ليلى فجأة: "أتعلم يا إيلار… صوتك في الأمسية ذكرني بشخص."

نظر إليها.

"كان لي أخ… رحل صغيرًا، لكن صوته كان مثل هذا  هادئ، لا يطلب إذنًا ليبقى."

ساد الصمت لوهلة.

ثم همست أريسيا، وكأنها تسأل بين الحلم والوعي:

"إيلار... لماذا لا تكتب عن نفسك؟ لا ماضٍ، لا قصة؟"

أغلق إيلار الكتاب، ووضعه على الطاولة.

"لأني... لم أكن أمتلك قصة، بل كنت ضيفًا دائمًا في قصص الآخرين."

نظرت له أريسيا.

تابع: "حين كنت صغيرًا، لم أكن أملك عائلة. تنقّلت بين بيوت تبنٍّ، وكبرت وأنا أقرأ عن الحب، لا أعيشه."

"حين بدأت أكتب، اخترت ألا أكتبني. بل أراقب. أكتب من ظل الآخرين. حتى جئت هنا..."

نظر إلى الجميع.

"...وهنا، كان هناك دفءٌ لا يتطلب شروطًا."

اقتربت ليلى بهدوء، وجلست بقربه.

قالت وهي تمسك يده بلطف: "إذن... مرحبًا بك بيننا، أخيرًا."

ونظر أوريس إليه قائلاً بنبرة عميقة: "لك أن تختار… أن تبقى ضيفًا، أو أن تكتب معنا هذه الحياة."

أغلق عينيه لحظة… ثم ابتسم، لأول مرة بصدق خالص.

"أظن أنني... وجدت الصفحة التي أريد أن أبدأها."

 الفصل : "أضواء لا تُقال" عودة إلى العزلة المؤقتة

الساعة تقترب من منتصف الليل.

أريسيا تجلس وحدها في غرفتها، نافذتها نصف مفتوحة والثلج يتسلل بخفة على الستائر.

دفترها مفتوح، والصفحة البيضاء تسخر منها بلطف.

"كيف أكتب عن رجل… لم يرحل لكنه لم يبقَ؟

كيف أكتب عن قلبٍ لا يعترف باسمه؟

كيف أقول إنني لا أفهم مشاعري؟"

كتبت الجملة، ثم مزّقتها.

تنهض بهدوء، ترتدي معطفها الرمادي وتخرج إلى الشرفة.

البيت ساكن.

كل شيء مثالي…

لكن قلبها؟

يخفق كأن فيه فصلاً آخر لا تريد أن تفتحه، أو لا تجرؤ بعد.

ظهرت رسالة غير متوقعة

عند عودتها إلى غرفتها، تجد رسالة على هاتفها، من إيلار.

 "هل تكتبين الآن؟

لو كان البرد أقل عدوانية، لجئتك بفنجان شوكولا دافئة وكتاب عن السفر إلى أماكن لا نعرفها.

فقط... أخبريني، هل أنت بخير الليلة؟"

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

لم ترد.

لكنها كتبت سطرًا في دفترها:

"إنه لا يقترب أكثر، لكنه لا يبتعد أيضًا.

وأنا لا أملك خريطة للقلوب المعلقة."

 مع العائلة  صباح اليوم التالي

في الصباح، ليلى تُعد الفطور، أوريس يقرأ بهدوء، ويضحك بين الحين والآخر حين تقاطعهم أريسيا بابتساماتٍ شاردة.

"أنتِ لا تنامين جيدًا مؤخرًا."

قالت الأم وهي تقدم لها كوبًا من الحليب الساخن.

"أكتب كثيرًا."

أجابت، ثم صمتت لحظة.

"وأشعر أنني على وشك أن أكتب شيئًا... يُشبهني تمامًا."

نظر والدها إليها نظرة فاحصة.

"أنتِ تبحثين عنكِ، أليس كذلك؟"

هزت رأسها.

"ربما… وربما أبحث عن أحدٍ يسير بجانبي دون أن أسأله عن وجهته."

ابتسم أوريس.

"أحيانًا، تكون الكتابة هي الطريق لوجود هذا الرفيق."

في الليل، تعود أريسيا إلى المقهى المعتاد.

جلس إيلار هناك، كعادته، يكتب شيئًا في دفتر جلدي صغير.

نظرت إليه من بعيد، ثم جلست في مكانها المعتاد.

لم يقترب… لكنها شعرت بعينيه تلامسانها دون كلمات.

أخرجت دفترها، وبدأت تكتب شيئًا جديدًا:

 "أنا فتاةٌ كتبت كي تحب لم أكتب الحب، بل كتبته في طيف رجلٍ لا يشبه القصص.

كل خطوة نقترب فيها، يسألني قلبي: هل هو مجرد بطل آخر؟

أم أنني… أخيرًا، بطلة حكايتي؟"

رفعت نظرها نحوه، فوجدته ينظر مباشرة إليها.

"هل نكتب نفس الشيء؟"

سألها فجأة.

"ربما."

ردّت، وابتسمت.

ثم ساد صمت… ليس مريحًا، بل مثقلًا بالأسئلة.

 الفصل: "ما لا يقال أمام الجميع"

- في الأمسية

المكان: مقهى صغير يُنظم أمسيات أدبية كل خميس.

المقاعد خشبية، الطاولات مضاءة بشموعٍ خفيفة، وأغلب الوجوه مألوفة.

أريسيا جلست في ركنٍ جانبي. لم تكن تخطط للقراءة هذه الليلة… فقط أرادت الاستماع.

لكن حين دخل إيلار، بدا مختلفًا. لم يكن يحمل دفتره، ولا حاسوبه المحمول.

بل شيئًا مطويًا بدقة… ورقة قديمة، لونها مثل صفحات كتاب نسيه الزمن.

اقترب منها.

"هل ستلقين شيئًا الليلة؟"

همس، بصوتٍ لا يسمعه سواها.

"لا، وأنت؟"

"أنا؟" ابتسم وهو يخرج الورقة. "ربما… شيء كتبته ولم أجرؤ أن أقرأه من قبل."

لاحقًا، حين جاء دوره، وقف أمام الميكروفون وبدأ يقرأ:

"بعض القلوب لا تبحث عن ملاذ،

بل عن شخصٍ إذا اهتز صوتها،

لا يُصلح كسرها،

بل يُمسك يدها ويصمت."

ثم صمت قليلًا، وصوته انخفض:

"وكتبتها…

لا كقصيدة، بل كاعتراف.

أنا لا أحب فكرة الحب.

لكنني أحب… أريسيا."

سكت المكان.

ثم نزل وجلس بجوارها دون أن ينظر إليها.

كان يضغط على يديه بشدة.

لكنها نظرت إليه  بقلب غير مرتبك، بل كأنه كان يعرف.

لم تقل شيئًا.

لكن يدها امتدت إلى يده، لمسة خفيفة.

أدرك هو، بصمتها، ما لم يُقل على الميكروفون.

 الفصل : "قلبان على المائدة"

ليلى كانت تقطع التفاح. أوريس يسكب القهوة في فناجين من خزف قديم.

"ألم تلاحظي؟"

قال أوريس، بابتسامة جانبية.

"عيونها صارت أهدأ… فيها شيء جديد."

ليلى وضعت السكين ببطء.

"أظن أنني أعرف السبب."

تنهدت. "لكنني لا أريد التسرع."

في تلك اللحظة دخلت أريسيا من الباب، كانت تحمل معها كتابًا جديدًا، ودفترها.

"أمي، أبي…"

ترددت.

"أريد فقط أن أخبركما… أنني بدأت أحب شيئًا.

شخصًا."

لم يكن هناك حاجة لأسئلة كثيرة.

أوريس ابتسم.

"هو يكتب، أليس كذلك؟"

"نعم."

ضحكت.

"إذا كنتِ ستشاركين معه الكتابة… فلا تنسي أن تكتبي لنفسك أولًا، دائمًا."

قالت ليلى، وهي تمسح يدها وتقترب لتحتضنها.

 الفصل: "باب لم يُفتح منذ زمن"

في نهاية الأسبوع، دعتها والدتها لزيارة بيت قديم… لم يكن مألوفًا جدًا لأريسيا.

"هذا البيت؟"

"كان أول بيت سكناه، قبل أن تأتي إلى هذا العالم."

قالت ليلى.

كان مغلقًا منذ سنوات.

لكن حين دخلته، أريسيا شعرت بأنفاسٍ قديمة تسكن المكان.

غرفتها الصغيرة، ملاحظات على الجدران، قصص نصف مكتملة.

صورتها وهي طفلة  تعلوها غبار ولكن تلمع.

وفي إحدى الزوايا…

كتاب بلا عنوان.

ليس من كتب والدها، ولا من كتب والدتها.

ورقة داخله كانت تقول:

"إلى الفتاة التي لا تعرف أن العالم كان ينتظرها،

أنتِ فصلٌ لم نخطط له… لكننا انتظرناه طوال حياتنا."

نظرت ليلى إلى ابنتها، وابتسمت.

"نعم… كنا نكتبك، قبل أن تولدي."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة