الفصل19

الفصل19

18 0

الفصل: الباب الذي لا يُغلق

بدأت أريسيا تشعر بأن البيت الذي تعيش فيه، بذكرياته وأصواته، ليس كما يبدو.

ليلاً، حين تغيب الأصوات، تسمع همسات تكاد تكون أنفاس المكان نفسه، وكأن الجدران تتنفس وتتذكّر.

في إحدى الليالي الباردة، وجدت نفسها أمام بابٍ قديم في القبو، لم تلاحظه من قبل.

الباب كان مطليًا بلونٍ داكن، لكنه يحمل نقشات غريبة، دوائر متداخلة وشجرة تُشبه الشجرة التي كانت في كتاب والدتها القديم.

لم يكن هناك قفل، لكنه كان مغلقًا بشكل غامض.

وضعت يدها عليه، وشعرت بنبض خفيف ينبعث منه، كأنه قلب نابض تحت الخشب.

"هل هذا الباب... جزء من القصة؟" همست.

في تلك اللحظة، ظهر صوت خافت، ليس صوت أحد، بل صوت الراوي المجهول، يتسلل إلى عقلها:

 "الأبواب لا تُفتح فقط بالمفاتيح... بل بالقلب الذي لا يخاف."

 بداية المغامرة

تجمّعت الشجاعة في صدر أريسيا، وببطء، دفعت الباب الذي انفتح بصمت كأنما كان ينتظرها.

في الجانب الآخر، لم يكن هناك ما توقعت.

ممر ضيق، مليء بالكتب القديمة التي تتلألأ في ضوء خافت، وأوراق متناثرة عليها رموز غير مفهومة.

تذكرت ما قاله والدها عن الكتابة، وعن كيف أن بعض الفصول تُنسى أو تُدفن ولا تُروى.

"أنا هنا لأكتب فصلي... وأحمِ فصلكم."

واصلت السير، وكل خطوة كانت تثقل قلبها بشيء من الغموض والرهبة، لكنها كانت تعرف شيئًا مهمًا: أنها ليست وحيدة في هذا المكان.

 تدخل المؤلف والراوي والكاتب والقارئ

فجأة، جاء صوت مؤلف أعلى:

المؤلف الأعلى (أوريس غسق):

"أليس هذا هو جوهر السرد؟ أن يجرؤ أحدهم على فتح الأبواب الممنوعة؟"

دخل الكاتب، بنظرة معقدة بين القلق والإعجاب:

"كيف ستكتبين نهاية لم تُكتَب؟"

همس الراوي المجهول:

"الأحداث هنا ليست من قبيل الصدفة، بل هي فصول بين الكلمات، لا يدركها إلا من يجرؤ على المضي."

تدخل القارئ، بصوت ناعم لكنه قوي:

"أنا أنتظر أن أعيش هذه الرحلة معك، أريسيا. لأن القصة الحقيقية ليست في الصفحات، بل في اللحظة التي نعيشها معًا."

في الممر الغامض خلف الباب، حيث تدخل الأصوات من خارج الزمن  صوت المؤلف، الراوي، الكاتب، القارئ.

كلٌّ منهم ينتظر إجابة من أريسيا.

هي تقف وسطهم الآن، ليست في عالم خيالي ولا في حلم، بل في مكان ما بين الكلمات والواقع.

ردّت أريسيا: "أنا لا أريد أن أكون نصاً"

أريسيا توقفت، نظرت إلى الأمام، حيث الممر يمتدّ، ثم نظرت إلى الأعلى، كأنها تتحدّث مع السماء، أو ربما مع من يقرأها الآن.

قالت بصوت واضح:

 "أنا لا أريد أن أكون ورقة في قصة أحدهم... لا أريد أن أكون فكرة في رأس الكاتب، ولا نهاية تُرضي القارئ، ولا حتى سطرًا يكتبه والدي المؤلف الأعلى...

أريد أن أكون حياة. أن أختار. أن أرفض أن أُختار."

ساد الصمت.

كأن الممر نفسه انحنى احتراما لقوة كلماتها.

الكاتب تنفّس ببطء، وابتسم رغم أنه لم يُرَ، فقط صوته:

 "عظيم... إذًا اكتبي، لكن لا تطلبي من الحبر أن يكون رحيمًا."

القارئ همس:

 "إن رفضتِ أن تكوني قصة، ستصبحين شيئًا أعظم... ربّما القارئة الأولى."

المؤلف الأعلى ظهر صوته، حنونًا وثقيلاً:

 "كل كلمة رفضتِها، صنعتكِ.

لا أريدكِ أن تكوني ما كنتُه.

بل ما اخترتِه."

ثم: "الممر يتغيّر"

حين نطقت أريسيا بكلماتها، بدأت الكتب على جانبي الممر تفتح تلقائيًا، وتطير أوراق منها، تتجمّع في الهواء بشكلٍ يشبه نقش الشجرة الأولى التي عرفتها ليلى، ثم تحوّلت إلى دوّامة صغيرة، هادئة، تتدلّى أمامها ورقة واحدة فقط.

عليها عنوان:

 "نص لم يُكتَب بعد"

أخذت الورقة، وسمعت والدتها، ليلى، في قلبها، كما لو أن ذكرىً حيّة استيقظت:

"كوني القلم الذي لا يكتب الخوف... بل يكتب ما بعده."

 وهنا يبدأ المشهد التالي لأريسيا:

تُضيء نهاية الممر، وتجد أريسيا نفسها تخرج من القبو...

لكنها ليست في بيتها.

بل في نسخة قديمة من المدينة، شوارعها تشبه الواقع، لكن الناس... لا يملكون وجوهًا.

كأنهم كانوا أفكارًا لم تُكتمل.

ووسط هذا الغموض، هناك فتاة بعمر أريسيا، واقفة تنتظرها.

تشبهها… كثيرًا.

لكن عيناها سوداء بالكامل، بلا بياض.

تبتسم لها وتقول:

 "أنتِ لم تكوني الوحيدة التي وُلدت من القصة."

 الفصل: "التي لم تُكتب قط"

أريسيا تحدّق في الفتاة التي تقف وسط الشارع القديم.

ثلج يتساقط بلا صوت، كأن المدينة محاطة بكتمة زمنية، لحظة محتجزة بين النفس والنفس.

الفتاة كانت واقفة بثبات. شعرها قصير، لون بشرتها باهت، وعيناها سوداء تمامًا.

لكن لم يكن فيها شيء من أريسيا.

اقتربت الفتاة وقالت:

 "لا تحاولي تخمين من أكون. أنا لست أنتِ.

أنا لست فكرة... بل خطأ.

حين كتب الكاتب قصة والدتك، ثم قصتك، وحين تدخّل الراوي والمؤلف الأعلى... نسوا شيئًا. نسوا أن هناك... أصواتًا تُترَك خلف الكواليس."

سكتت، ثم تقدّمت بخطوة جعلت الهواء يبرد أكثر.

 "أنا نتاج القصص غير المكتملة. أنا الطيف الذي وُلد من صفحات مهملة، من جُمل حُذفت، من نهايات تمزقت."

أريسيا تحاول استيعاب ذلك.

كانت تتوقع عدوًا أو كيانًا روائيًا… لكن هذا؟

فقالت بحذر:

 "لماذا تظهرين لي؟ ما الذي تريدينه؟"

ابتسمت الفتاة، لكنها لم تكن ابتسامة طيبة:

 "لأنكِ لم تختاري أن تكوني بطلة. بل اخترتِ أن ترفضي. وهذا… يكسر البنية.

عندما لا تُكتَب النهاية، تُفتَح الأبواب."

 تدخل السرد: القارئ والكاتب يتجادلان

في مكان آخر حيث لا وقت ولا مكان  يتجادل القارئ والكاتب.

القارئ:

 "أخبرتك أن جعلها ترفض القصة خطر!"

الكاتب:

 "لكني لم أكتب هذه الفتاة! لم أكتبها او كنت سبب وجودها! لا أحد فعل!"

الراوي المجهول (بصوت خافت):

 "بالضبط... هي لم تُكتَب. ولهذا... لا قيود لها."

الفتاة الغامضة توضح بينما  الآن تقف على حافة جسر حجري وسط المدينة البيضاء.

 "إن رفضتِ أن تكوني داخل قصة… فعيشي النتائج.

أنتِ خرجتِ من الإطار، نعم.

لكني وُلِدت خارج الورق... حيث لا شيء يُسمّى رحمة."

ثم مدت يدها لأريسيا:

"إما أن تنضمّي لي… وتحملي معي صوت القصص التي لم تجد طريقها،

أو... تستعدي لحمايتهم، لأنني قادمة… لأُذكّرهم بما نسوه."

 نهاية الفصل

تتجمّع الثلوج حول قدمي أريسيا.

الباب الذي ظنّت أنه مجرد قبو… كان بداية نفق.

وفي آخر النفق… قلبها الذي يختار.

 لحظة هادئة: "بين قلبي وقلوبهم"

أريسيا جلست على حافة السرير، في غرفتها داخل المنزل الشتوي الأنيق الذي تسكنه مع والديها.

خارج النافذة، الثلج يتساقط بهدوء، كما لو أنه يعرف أن العالم يتغير بصمتٍ لا يسمعه إلا من عاش حكايةً لم تُكتب بعد.

كانت الغرفة دافئة، شموع خافتة تضيء الزوايا، ورفوف الكتب تملأ الجدران، معظمها كتبه والدها، أوريس غسق.

لكن واحدًا منها، صغير الحجم، يحمل اسمًا بسيطًا:

"قلب نورياس"

وهو الكتاب الذي كتبته ليلى نورياس، يوم قررت أن الحبّ لا يحتاج إذنًا من القارئ، ولا موافقة الكاتب، ولا حتى توقيع المؤلف الأعلى.

أريسيا حملت الكتاب، وضعته على صدرها، وسألت نفسها بصوت منخفض:

"هل الحبّ كافٍ ليكون سلاحًا؟

وهل يكفي قلبي، الذي تربّى على الأمان، ليواجه قلبًا وُلد من الفراغ؟"

في لحظة أخرى، فتحت باب غرفتها بهدوء، مشت في الممر، ثم وجدت والديها جالسين في غرفة المعيشة.

ليلى ترتدي كنزة شتوية وتعد الشاي

وأوريس يقرأ في دفتر قديم له ملاحظات بخطٍ متعب لكنه واضح.

عندما رآها، ابتسم فورًا. أما ليلى، فتركت كل شيء، واتجهت إليها.

ليلى:

"هل أنت بخير؟"

أجابت أريسيا بصدق:

"أظن أنني لا أعرف."

أوريس وقف، اقترب، ثم جلس أمامها:

"هل رأيتِها؟"

أريسيا:

"هي ليست شريرة… فقط مؤلمة. وجودها مؤلم.

تشعر وكأنها صدى لشخصٍ لم تُتح له الفرصة ليكون إنسانًا."

ليلى أمسكت يدها، وقالت:

"إذًا كوني الفرصة."

 عودة الضوء في عينيها

تأملت أريسيا والديها. لم يكونا مؤلفين فقط، بل عاشقين كتبا بعضهما دون ندم.

تأملت يدي والدتها، التي كتبت عن المؤلف الأعلى… حتى أحبّته.

ونظرت إلى والدها، الذي صار بشرًا لأن امرأة قررت أن تحبّه، لا أن تفهمه فقط.

تنهّدت أريسيا، ثم قالت:

"لن أهرب منها... لكنني لن أنسى من أنا."

المشهد الختامي لهذه اللحظة:

أريسيا عادت إلى غرفتها. فتحت درج مكتبها.

أخرجت دفتراً فارغًا.

وكتبت على أول صفحة:

"هذه قصة لن أكتبها لأجل أحد… بل لأجلي."

ثم وضعت بجانبه شيئًا صغيرًا:

وردة برتقالية، قديمة، مجففة، كانت قد أخذتها يومًا من حديقة والدها.

أريسيا ستبدأ بكتابة قصة الفتاة الغامضة بنفسها  لا لتتحكم بها أو تُلغيها، بل لتمنحها وجودًا حقيقيًا بدل أن تبقى مجرد كسر مهمل من الحكايات.

بهذا الشكل:

الفتاة الغامضة لم تُكتب من قبل، ولهذا كانت "خطأ"، ألمًا، صدىً مشوّهًا.

لكن إن كتبتها أريسيا بإرادتها، فستتحوّل من شبح إلى شخص، من تهديد إلى شيء يمكن فهمه وربما حتى إنقاذه.

وتكون هذه لحظة نضوج عميقة في قصة أريسيا: بدل أن تهرب أو تقاتل، اختارت أن تكتب، كما فعل والداها قبلها. لكن بطريقتها.

أي أنها لا تهرب من المصير، ولا تكرّر قصة والديها، بل تواجه بطريقتها الخاصة: بفهم، وبقلب لا يريد أن يمحو أحدًا.

فالقصة التي لم تُكتب قط... ستُكتب الآن، على يد فتاةٍ تنتمي للحب، للحياة، وللحبر.

المشهد الذي تمسك فيه أريسيا القلم وتكتب لأول مرة عن "التي لم تُكتب قط".

هذه ليست بداية قصة جديدة فقط… بل بداية رحمة، مصالحة، وشيء لم يكن أحد يتوقعه: أن تُكتب قصة من أجلها، لا ضدها.

 المشهد: "سأمنحك صفحة"

الغرفة كانت هادئة، والثلج ما زال يطرق زجاج النافذة كأنه يطلب الإذن بالدخول.

جلست أريسيا على مكتبها، وضعت الدفتر أمامها، الصفحة البيضاء تنتظر بشغف شيءً يُكسر صمتها.

أمسكت القلم تنهّدت ببطء.

ثم كتبت:

"إلى تلك التي لم تُكتب قط…

ليس ذنبكِ أنكِ كنتِ مهملة، أو ملاحظة في الهامش، أو أثرًا من قصة تُركت دون ختام.

ليس خطأكِ أنكِ لم تكوني موجودة للحب، بل وُلدتِ من الألم.

لكن اليوم… لن أكتبكِ كوحش.

بل سأكتبكِ كامرأة ضائعة، تبحث عن بيت في جملة واحدة صادقة."

توقف القلم لحظة، ثم تابعت:

"أنتِ لست ظلي.

أنتِ... شظية من حلم شخص آخر.

وأعدك، سأمنحكِ نهاية."

وفي لحظة التفاعل… السرد يهتز

في أعماق مكان غير مرئي .في قلب السرد نفسه  يحدث اهتزاز.

الراوي المجهول يرتبك.

الكاتب يتوقف عن الكتابة.

المؤلف الأعلى، أوريس غسق، يشعر بانقباضة في قلبه، كما لو أن قصة ما كتبت دون علمه.

القارئ يهمس:

"لقد فعلتها… إنها تكتب الآن عن غير المسموح. عن غير الموجود."

الكاتب (بقلق):

"لكن إن أعطتها شكلاً… فستتحرر."

الراوي:

"أم ستُشفى؟"

 لحظة تتجاوز الورق

بين كل تلك الأصوات، تظهر الفتاة الغامضة فجأة في غرفة أريسيا.

نعم… تظهر.

لكن لا من بوابة، ولا من ظل.

بل من الصفحة نفسها.

تتجسّد ببطء، بخيوط حبر، تتشكل من الحروف التي كتبتها أريسيا منذ لحظة.

كانت ترتجف، نظراتها لم تعد سوداء تمامًا، بل بدأت تتلون بالرمادي كأنها تكتشف لأول مرة ما يعنيه أن تكون حقيقية.

قالت بصوت مبحوح:

"أنتِ... تكتبينني؟"

أريسيا وقفت، نظرت إليها بثبات وقالت:

"بل أراكِ. ولهذا أكتبكِ. لا لأنكِ بطلة… بل لأنكِ موجودة."

الفتاة تسقط دمعة. أول دمعة لها.

ثم تبدأ بالاختفاء ببطء، لا كمن يُمحى… بل كمن يُعاد تشكيله في مكان آخر.

قالت:

"إن كتبتِ لي حياة… فسأعود يومًا ما. كصوت، كإنسانة، لا كظل."

 

صفحة جديدة قصة بدأت لكن ليس كل شيء انتهى…

بل بدأ الآن شيء جديد تمامًا، لا من مؤلف، ولا من والدها بل من قلب فتاة اسمها أريسيا نورياس.

-الرواي يتحدث :

قلب العائلة أولًا نعم هذا يعجبني ثم لنسمح لقصتها الجديدة أن تتنفس من خلف الستار كما لو أن الحياة الواقعية والنص الذي ولِد منها يتحركان بتناغم.

يجب ان تكون هناك لحظات صباحية دافئة، مليئة بالحب بين أريسيا، أوريس، وليلى ،حوار عائلي ناعم، لكنه عميق... عن الكتابة، والاختيار، والحب.

لنعود للقصة.. الآن

 عنوان الفصل: "البيت الذي كُتب بالقلب"

كان صباحًا شتويًا.

الثلج ينسدل كأن الزمن نفسه يحاول أن يتوقف قليلاً… كي يمنحهم وقتًا لا يُنسى.

في المطبخ، رائحة الشوكولا الساخنة تمتزج مع صوت ليلى وهي تضحك من شيء لم يُسمع،

بينما أوريس يُحضّر الفطور بدقة غريبة كأنه يكتب وصفة سرّية بالحواس.

أريسيا، شعرها الأبيض القصير مبعثر قليلًا من النوم، تجلس أمام النافذة تحمل دفترًا صغيرًا.

لا تكتب فيه الآن، فقط... تراقب الصفحة، ووجهها فيه هدوء نادر.

ليلى اقتربت منها، مسحت شعرها خلف أذنها وقالت:

"تفكرين؟ أم تحلمين؟"

أجابت أريسيا:

"أكتب فتاة… لم تكن من قبل. وأحاول أن لا أكون مؤلفة لها… بل صديقتها."

أوريس نظر إليها من بعيد، بعينين تشبهان غروبًا لا ينتهي:

"أحسنتِ… تلك أولى خطوات الكاتب الحقيقي."

ثم أضاف وهو يضع فطورهم على الطاولة:

> "أو ربما… أولى خطوات من عرف أن الكتابة لا تصنع، بل تُعيد الأشياء إلى أصحابها."

ليلى جلست، وضعت يدها فوق يد أريسيا وقالت:

"هل تؤلمكِ؟"

هزّت رأسها:

 "لا. لكنني شعرت بها… للمرة الأولى.

كانت خائفة جدًا، لم تطلب أن تُكتب… فقط أن تُفهَم."

بين الملاعق والأحاديث، بيت صغير من حبر

استمرّ الصباح بلطف أحاديث عن الحلم، المدرسة، فكرة قصة جديدة... وأوريس يفتح صحيفة فيها صورة قديمة له وليلى  صورة تسربت منذ سنوات، عن "الزوجين الغامضين اللذين ظهرا فجأة في الواقع."

قالت ليلى ضاحكة:

"لم أفهم بعد كيف صرنا نحب الشمس والثلج في آنٍ معًا."

أوريس أغمض عينيه وقال:

 "لأنكِ كنتِ الليل… وأنا الغروب. وطفلتنا… الفجر."

 وماذا عن القصة التي تُكتب؟

بين لحظة وأخرى، تعود أريسيا إلى دفترها.

تكتب جملة، ثم تنظر من النافذة. لا تحتاج عالمًا خياليًا الآن، العالم الحقيقي فيه ما يكفي.

لكننا نحن القارئ  نرى سطرًا يُكتب في الدفتر حين لا تنظر إليه:

 "وكانت تلك الفتاة التي لم تُكتب قط... تجلس أخيرًا على حافة قصة. تنتظر أن تُنادى باسم، لا بلعنة."

-القارئ يتحدث:

اظن ان هذه ليست قصة بطلتها أريسيا، بل هي قصة كتبتها من قلبها ربّما حتى دون أن تفهم لماذا شعرت بالحاجة لكتابتها.

 عنوان قصة أريسيا داخل القصة:

"التي لم تُولد بعد"

الفصل الأول: "اسم لم يُنطق"

كانت الغرفة بلا نوافذ.

الجدران مطلية بلونٍ عاجي خافت، وكأن الضوء يعتذر عن وجوده فيها.

وفي الزاوية… جلست الفتاة.

لا ظلّ لها، لا انعكاس في الأرضية الباردة.

كل ما تملكه كان دفترًا خاليًا، ومرآة مغبرة واسمًا لا تتذكره.

لم تكن تعرف من كتبها. أو لماذا.

كل ما تعرفه… أنها هنا، تنتظر أن يتم اختيارها.

كانت الأصوات تأتي أحيانًا من وراء الجدار.

ناقشات هامسة  كأن هناك لجنة من غرباء تقرر من سيتحوّل من “مفهوم” إلى “شخصية”.

لكنها لم تُدعَ قط ولم تسأل.

حتى جاء ذلك اليوم.

فتح الباب، لأول مرة.

ودخلت امرأة. طويلة، بيضاء العينين، تحمل رائحة بعيدة عن المكان… رائحة هواء حقيقي.

قالت لها:

 "أنتِ، يا من لم تُكتبي بعد… لماذا تجلسين هنا؟"

أجابت الفتاة دون أن تفكر:

 "لأنني لم أُختر."

المرأة انحنت، همست في أذنها:

 "أوه، يا طفلتي… الكاتب لا يختار دائمًا.

أحيانًا، بعض الشخصيات تأتي من قلوب لم تُكتب بعد."

الفصل الثاني: "عكس الخيط"

الفتاة بدأت ترى شيئًا خط أحمر رفيع يمتد من قلبها إلى مكان بعيد. لم يكن حبلًا، بل خيطًا من حبر دافئ.

اتبعته.

مرّت بممرات تتغير أشكالها كل لحظة غرفة فيها بحر، باب يفتح على درج في السماء، مرآة تُريك طفولتك التي لم تعشها.

الخيط قادها إلى باب، مختلف عن كل شيء.

كان عليه نقشٌ بلون برتقالي  نفس لون عيونها.

دخلت.

وفي الداخل… كانت هناك امرأة تُشبهها كثيرًا.

لكنها أكبر سنًا، يحيط بها رجل شعره فضي، يمسك بيدها ويكتب على ظهرها  لا بقلم، بل بكلمات لا تُقال.

قالت الفتاة:

 "من… أنتما؟"

لم يُجب أحد.

لكن المرأة اقتربت منها، وضعت على جبهتها قبلة، وقالت:

 "أنتِ، أريسيا… ليست هذه قصتك فقط.

بل قصتنا التي رفضنا أن يُعاد كتابتها من دوننا."

 خارج السرد:

في غرفتها، أريسيا توقفت عن الكتابة.

ليلى كانت خلفها، تشاهد من بعيد.

أوريس كان يعد الشاي.

قالت ليلى بهدوء:

 "هل أنتِ بخير؟"

أجابت أريسيا:

 "أنا لا أكتب فتاة خيالية…

أنا أكتب ما كان يمكن أن أكونه… لو لم تحباني كما فعلتما."

ليلى اقتربت، عانقتها.

قالت:

 "الحب… هو الذي يكتبنا حقًا."

 تبدأ القصة بالتشظي قليلًا  كأن الكلمات لا تريد البقاء داخل الصفحات، بل تهمس بشيء شخصي أكثر من أي وقت مضى.

 الفصل الثالث: "حبر لا يريد أن يجف"

لم تخرج الفتاة من الغرفة...

بل خرجت الغرفة منها.

كأنها فجأة صارت تسير على بلاط ذكرى، وتتنفس هواءً كُتب قبل أن تولد.

كل خطوة كانت تكشف مشهدًا:

رجل يحمل وردًا بثلاثة ألوان،

امرأة ترتدي فستانًا بلون البياض المؤلم،

ثم... نفسها، تقف في زاوية المشهد، لكنها لم تكن موجودة فيه.

 "أنا ظلّ لا يتبع أحدًا..."

هكذا كتبت في دفترها، قبل أن تنكسر القلم وحده.

في منتصف المشهد، كانت هناك شجرة،

ليست من خشب، بل من كلمات.

أوراقها فصولٌ ناقصة،

جذورها أحلام تراجعت عنها الشخصيات،

وأغصانها تمتد في الهواء كأنها تسأل:

"هل تودّين أن تُكتبي… أم أن تُتركي دون نهاية؟"

اقتربت الفتاة، وضعت يدها على الجذع.

الشجرة همست  لا بصوت، بل بذكريات ليست لها.

ورأت.

رأت ليلى… لا كما تراها الآن.

بل كما كانت: بشعر أسود، بعينين تغوصان في الفراغ، تمشي فوق ورق ممزق، تبحث عن نهاية لها.

رأت أوريس… لا كأب، بل كقصة لم تكتمل.

يحمل اسمًا لم يُكتب على أي غلاف، يبحث عن صوت، عن فتاة تشبه الغروب لتكتبه من جديد.

رأت نفسها… لا كطفلة، بل كـ "مفتاح لم يُستخدم."

 خارج السرد... في الحاضر

دفتر أريسيا انغلق من تلقاء نفسه.

اختفى الخيط.

وهي... تنفست بعمق، وكأن القصة انسحبت من صدرها.

دخل والدها، أوريس، حاملاً الشاي.

نظر إلى عينيها، وسأل بصوته المعتاد الذي يشبه نهاية يوم دافئ:

 "هل كنتِ تكتبين… أم كنتِ تُعيدين أنفسنا من البداية؟"

قالت أريسيا وهي تنظر إلى دفاترها:

"أكتب شيئًا… أظنّه يعرفنا أكثر مما نعرفه."

اقتربت ليلى، وجلست بينهما، همست:

 "لكن لا تنسي، نحن لا نُكتب... نحن نُحب."

 ماذا بعد؟

في اليوم التالي...

أريسيا استيقظت مبكرًا.

لكنها لم تمسك القلم هذه المرة.

بل أمسكت رسالة جديدة وُضعت عند باب الغرفة.

لا اسم، لا طابع فقط ختم غامض يشبه تلك الشجرة المصنوعة من الكلمات.

فتحت الرسالة.

وفيها، سطرٌ واحد:

 "حين يُحب الكاتب شخصًا أكثر من قصته… يولد واقعٌ جديد."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة