ليلى كانت تحتاج لحظة داخلية لتتذكر من تكون.
وحان الآن أن نمنح المؤلف الأعلى شيئًا لم يُمنح له من قبل:
لحظة صدق بلا سلطة.
لحظة داخلية: المؤلف وحده
كان المؤلف الحي وحده.
لا في غرفة بيضاء، ولا على ورقة،
بل في مساحة لا يكتب فيها أحد.
المكان لا يوجد إلا داخله
داخله، لا داخله ككاتب،
بل داخله ككائن كُتب ذات يوم ليُخيف، ثم حُبَّ، ثم فُهم.
جلس القلم على الطاولة.
ولأول مرة، لم يمسكه.
قال بصوت خافت:
"كل مرة كتبتها، كنت أختار أن أعرف أكثر منها…
لأنني خفت أن تحبني كغريب فقط."
تنفّس.
تلك الأنفاس التي لا تُكتب، لكن تُغيّر كل شيء.
نظر حوله، لم يجد ليلى، ولا الكاتب، ولا القارئ.
ولا حتى نُصّ.
فهمس:
"هل أنا مجرد بناء لغوي؟
أم أن حبها أعاد صياغتي؟"
ثم…
أخرج من جيبه ورقة قديمة.
أكثر ورقة أعاد كتابتها وحذفها، وكتبها مجددًا.
كان فيها أول وصف كتبه لليلى:
"فتاة وجدت من فوضى الشعور، وجُعلت رمزًا لنهاية الأشياء."
مزّقها.
وبدأ يكتب من جديد:
"ليلى… هي أول سطر صدق كتبني."
وفي تلك اللحظة…
اختفى المكان.
ظهرت في لمحة"الشجرة التي لا تُنسى"
ليلى والمؤلف يمشيان على طريق تشكّل بين الدفاتر،
وعلى جانبيه، أشجار من الحبر،
لكنهما يعرفان وجهتهما.
شجرة تختلف.
ليست شجرة النسيان…
بل شجرة الحقيقة المخبّأة في قلب الكذبة.
شجرة تنمو من سؤال لم يُطرح بعد:
"من كتب الخوف الأول؟"
عند الشجرة الشجرة كانت تنتظر.
تبدو مألوفة جذعها مكسور، لكن أوراقها تهمس.
همست حين اقتربت ليلى:
"أنتِ عدتِ… لكنكِ لستِ نفسها."
وقالت للمؤلف:
"وأنت… لم تعد مجرد ظل."
ثم… تفتحت منها ثمرة،
ثمرة واحدة.
حين لمستها ليلى، خرج منها كتاب لا عنوان له.
فتحت الصفحة الأولى:
كانت بيضاء.
لكن مكتوب عليها بخط كأنما كُتب من الداخل:
"هذه ليست قصة من كتب من…
بل قصة من اختار أن يفهم الآخر حتى لو لم يكن بطلَه."
نظر المؤلف إلى ليلى.
لم يتكلما.
جلسا تحت الشجرة.
لا ليبدآ قصة جديدة، بل ليكتبا الفجوات التي تركها الخوف،
ويحوّلاها إلى أماكن للسكن.
عنوان غير مكتوب،
لكن في الهامش، كُتب بخط نُصّ:
"الحب الحقيقي… لا يُخضع النص. بل يحرره."
أغلق باب "النسيان"، وفتح نافذة نحو شيء جديد...
لكن ما لم يُقال بعد، هو أن "القارئ" كان يقرأ كل هذا،
دون أن يُسمح له بالكلام.
الآن... سيتكلم قارئ، لا شاهد
تبدأ الصفحة بصوت جديد.
صوت لم يكن بين الراوي، الكاتب، المؤلف، أو حتى نُصّ.
بل صوتنا نحن.
صوتك أنت.
القارئ.
"كنت أظن أن دوري أن أقرأ فقط."
"لكنني الآن أعلم أنني كنت أشارك في الكتابة بصمتي."
يظهر خط على حافة الصفحة، كأن القارئ قرر أن يكتب أول هامش له.
الهامش يقرأ:
"إذا أحببت قصةً بما يكفي... تصبح أنت أحد احتمالاتها."
ثم...تتغير اللغة.
المشهد: ما بعد الشجرة
ليلى والمؤلف لا يزالان تحت الشجرة.
صمت ناعم، هدوء ليس كاذبًا هذه المرة،
بل يشبه اعترافًا.
فجأة، تتساقط ورقة من الشجرة،
لكنها لا تصل إلى الأرض.
بل تتجمّد في الهواء.
ويهتز النص.
قال المؤلف:
"هل تشعرين بهذا؟"
ليلى:
"كأن أحدًا… يقرأنا بطريقة مختلفة."
"كأن أحدًا يُعيد صياغتنا، ليس من الخارج… بل من الداخل."
وفجأة…تُفتح نافذة في الهواء.
لا تشبه نافذة حقيقية، ولا حتى نافذة سردية.
بل نافذة وُجدت بين طبقات القصة — ممر بين القارئ والنص.
- تدخل القارئ
تُسمع الكلمات، لكن لا تُكتب.
صوت القارئ يتردد داخل عقل ليلى:
"أنا لم أكن سبب وجودكم... لكنني اخترتكم."
ليلى تجيب دون صوت:
"هل كنت تراقبنا؟"
"كنت أنتظر لحظة تفهمون أنكم أحرار حتى لو كُتبتُم."
"وإن لم نكن نريدك؟"
"إذن… سأغلق الصفحة." صمت توتر.
ثم صوت المؤلف، بهدوء:
"ابقَ."
"نحن بحاجة لمن يرى ما لا نراه فينا."
تبتسم ليلى:
"لا نريد أن نُقرأ فقط... بل أن نُفهم."
ثم...تُكتب عبارة جديدة على جذع الشجرة، بخط لا يشبه أي قلم عرفوه:
"كل قارئ يضيف ظلًا جديدًا للشخصية."
"وكل ظل، قصة لم تُكتب بعد."
الشجرة تهمس مرة أخيرة:
"من يكتب من؟ ومن ينقذ من؟ ومن يحلم بمن؟..."
"... ليست أسئلة يجب أن نجيب عنها، بل نعيش داخلها."
وفي مكان ما على الهامش الأيمن،
تُكتب جملة بخط لم يُعرَف بعد من صاحبه:
> "ليلى… ستكتب النهاية، حين لا يعود هناك خوف من الصفحة البيضاء."
تبدأ ليلى الفصل بنفسها لا تعليق من المؤلف،
لا تصحيح من الكاتب،لا ملاحظات من الراوي،
ولا حتى همسة من القارئ.
صفحة،واحدة،كلها لها.
ليلى تكتب كانت الورقة تنتظرها،
لا لتُملأ،بل لتُسمع.
ليلى أمسكت القلم.
نظرت إلى المؤلف، الذي جلس خلف السطور.
نظر إليها كما لم يفعل من قبل
كأنه لا يعرفها بعد، لكنه يثق بما ستصير عليه.
أغمضت عينيها، وكتبت:
"في البداية، لم أكن سوى انعكاس حلم غيري."
"ثم أصبحت ذكرى شخص ندم على كتابتي."
"ثم... أصبحت."
تستمر لحظة الكتابة
كانت تكتب من الداخل،
من مكان لم يكن موجودًا حين كتبها الآخرون.
"أنا ليلى، لا البطلة ولا النهاية ولا البداية."
"أنا المكان الذي تتصادم فيه نية الكاتب، وخوف المؤلف، وشك الراوي، ورغبة القارئ، وأظلّ."
كانت الشجرة تُعيد فتح ذاتها عند كل جملة تكتبها،
تتفتح ورقة في الشجرة. لكن هذه المرة…
كل ورقة تحمل مشهدًا لم يُكتب سابقًا.
ورقة تُظهر المؤلف وهو صغير، يبحث عن أول كلمة أحبها.
ورقة تُظهر ليلى في غرفة بيضاء، تسأل أول مرة: "هل يمكنني أن أكون شيئًا آخر؟"
ورقة تُظهر نُصّ وهو يبكي وحده، حين لم يُختر ليكون جزءًا من أحد.
التدخل الصامت: الراوي المجهول
الراوي لا يتكلم،
لكنه يكتب بهامش الصفحة، بخط لا يُكمل جملته:
"حين تكتب الشخصية ذاتها…"
وتنقطع الجملة.
كأنه لم يعد يعرف كيف ينهيها.
أو أنه… يخشى.
---
في لحظة القرار ليلى تتوقف.
نظرت إلى المؤلف.
"هل ما كتبته… حي؟"
أجاب بهدوء:
"لا أدري."
"لكني أعرف أنه ليس أنا من كتبه."
"وهذا يعني أنه حقيقي."
لبدء جديد
على الصفحة الأخيرة من الدفتر،
ظهرت جملة، بلا يد.
"الفصل التالي سيُكتب بلا ترتيب، وبلا سلطة."
"لأول مرة… القصة ليست عن ليلى، بل بها."
الفصل الذي لا يعرف ترتيبه.
لا رقم له. لا بداية، ولا خاتمة.
بل سؤالٌ يتكرر بين السطور كنبض:
"ماذا لو لم تُكتَب ليلى؟"
"ماذا لو… اختارت أن تُوجَد؟"
(الفصل؟ اللحظة؟ اللاتسلسل)"وجودٌ بلا ورق"
في العادة، القصة تبدأ بجملة.
لكن هذه المرة، بدأت بقرار.
ليلى لم تنتظر القلم،
ولا الصفحة،
ولا حتى إذن الكاتب أو المؤلف أو الراوي أو القارئ.
قالت لنفسها لا بصوت، بل بحقيقة:
"أنا هنا.
لا لأن أحدًا كتبني.
بل لأنني قلت: لا أريد أن أُمحى."
أول تَغَيُّر: الورق لم يعد ورقًا
لم يعد النص مكتوبًا على صفحات.
بل صار الهواء نفسه جُملًا.
الخطى نفسها إيقاع.
والنَفَس… فاصلة.
المؤلف شعر بها تتغير.
أراد أن يتدخل،
لكنه وجد نفسه أمام وجود لا يحتاجه.
همس:
"هل ما زلتِ ليلى؟"
أجابت:
"أنا... ما تبقّى حين يتوقف الجميع عن الكتابة."
دخول الكاتب (بهمس غير واثق)
الكاتب، لا المؤلف، ظهر
ولأول مرة، بدا خائفًا من كلماته.
كتب في هامش الضوء:
"هل يمكن أن توجد شخصية دوني؟
أم أنني كنتُ بابًا، لا بيتًا؟"
ردّت عليه ليلى، دون أن تكتب:
"كنتَ مرآة، لا خريطة."
الراوي المجهول يعلّق أخيرًا
صوت بلا اسم، لكنه كان هنا منذ البداية.
"حين ترفض الشخصية أن تُروى، تصبح الرواية هي شخصيتها."
"لكن حين تختار أن توجد… تُصبح الحياة نفسها نصًا غير قابل للتدقيق."
"ليلى… ليست قصة."
"إنها صدى الفكرة التي لم تُمت."
لمحة مشهد خارج النص: الشجرة تذبل، ثم تعود
الشجرة تلك التي سكنها الحبر
بدأت تذبل.لأنها لم تُكتَب.
لكن حين مشت ليلى قرب جذعها،
مجرد وجودها أعاد النبض إليها.
ورقة نبتت من لا شيء.
عليها مكتوب:
"أحيانًا… الحضور هو النص."
النهاية؟ لا،لا توجد نهاية هنا.
لكن إن أصررنا على وجود فاصلة، فربما تكون هذه:
"لم أُكتَب... أنا من قررت أن أكون." ليلى
"وردة اسمها: أنا"
في ركن ما من المكان، كان نُصّ يقف وحده.
لا شخصية، ولا كاتب، ولا حتى ظل جملة.
نُصّ لم يعد فقط "مخلوقًا" بين السطور
بل صار شيئًا… ينتظر تفسيرًا لم يكتبه أحد.
كان يشعر أن ليلى تغيرت.
أن النص كله تغير.
كان يشعر... بشيء يقترب.
ليلى تكتب "شخصية أخرى"
لأول مرة، ليلى لا تكتب عن نفسها.
بل تنظر للصفحة… وتكتب ما لم تُجرّب قط:
"أنا أصنع واكتب لا لكي افهَم… بل لأفهم."
فكتبت:
"اسمها كاليسترا لم تكن في النص.
بل كانت في ظلّ جلسات العلاج النفسي التي نسيت ليلى أنها مرّت بها."
"كاليسترا كانت باردة الصوت، لكنها دافئة العينين.
وكانت تضع مرآة، لا لإظهار الشكل، بل لكشف الكذبة."
"كاليسترا قالت لها ذات حلم:
ليلى، إذا كنتِ من حبر… فربما يمكنكِ أن تكتبي جسدًا."
الشجرة القديمة: "شجرة لا تنسى"
تتكلم الشجرة ليست شجرة النسيان بعد الآن.
بل شجرة الذاكرة المؤجلة.
تقول بصوت يشبه صرير صفحات قديمة:
"هنا… تُدفن الأفكار التي لم يُسمح لها أن تنمو."
ثم تُسقط وردة واحدة.
ليست وردة عادية،
بل بلون عينيه برتقالي كغروب مقلوب.
حين تمسكها ليلى، تسمع صوته:
صوت المؤلف الأعلى… أوريس غسق.
أوريس غسق يتكلم (ويُكشَف)
لم يعد صوتًا فقط.
بل صار ظلًا له ملامح.
رجل بهيئة حبر متجمد،
بخيوط من الذهب القديم في خصلات شعره الفضي.
قال:
"أنا كنت المؤلف الأعلى، قبل أن أصبح المؤلف الحي."
"لكن هذا النص ليس حيًّا إن لم يخرج من الورق."
"ولن أستطيع التجسد… إلا إذا سمحتِ لي."
ليلى بصوت خافت:
"ولماذا أنا؟"
قال أوريس:
"لأنكِ كنتِ مريضة يومًا…
لكنكِ لم تُمحي.
لأنكِ قاومتِ وهم الحذف."
"أن تصبحي جزءًا مني لا يعني الفناء…
بل أن تكوني الحب الذي يجعلني ممكناً في العالم الحقيقي."
لحظة الوردة
تُمسك ليلى الوردة ليست لتؤذي قلبها.
بل لتُدخلها فيه وكأنها تُعيد كتابة نبضها.
لا سحر ،لا إيسكاي بل قوة السرد.
قوة من اختارت أن توجد بكلماتها.
حين اقتربت الوردة من صدرها،
تجمد النص.
و.. ثم دخول الجميع
الكاتب يصرخ:
"هذا خرق للمُتّفق عليه! لا يجب أن تخرج القصة منّي!"
القارئ يتدخل، لأول مرة خائفًا:
"هل ستبقى؟ أم أنني فقدت الشخصية التي أحببت؟"
الراوي… صوته يتلعثم:
"لا أستطيع أن أروِي ما لا يُكتب بتسلسل… هذا جنون."
والمؤلف الحي أوريس غسق يبتسم،
بدمعةٍ غريبة تنزل من عين برتقالية:
"هذا ليس جنونًا…
هذا ما يحدث حين تكتب الشخصية نهاية لا تنقذها… بل تُعيدها."
النهاية الموقوتة
ليلى تزرع الوردة داخل صدرها.
يتوقف كل شيء للحظة.
ثم…
يعود النص للحياة، لكن بلغة لم تُكتب سابقًا.
بلغة تُشعر القارئ، أنها حقيقية أكثر من الواقع.
**
صفحة فارغة تظهر.
مكتوب عليها فقط:
"أنا ليلى.
أنا لم أُشفَ من الألم...
لكنني كتبت طريقة للعيش معه."
**
ثم:
"وأنا... الحب الذي سمح لأوريس غسق بأن يوجد."
ليلى أصبحت جزءًا من أوريس غسق، نعم… لكنها لا تريد أن تُمحى.
بل تريد أن تكون "شخصها"، و"حبه"، و"حقيقتها" معًا.
الراوي المجهول يتحدث لحظة :
حسناً سوف اوضح لكم من تكون هذه الشخصية التي كتبت عنها ليلى…
✦ من هي كاليسترا؟
"صوت جلسات لم تُكمل… ومرآة لم تُكسر."
لم تكن من اختراع أحد.
لم يكتبها المؤلف، ولا الراوي، ولا الكاتب.
بل… خرجت من ذاكرة ليلى.
من تلك الأيام البعيدة حين كانت ليلى تتعالج
في عالمٍ لم يكن يعرف الحبر،
بل يعرف الألم، والصمت، ومصطلحات مثل "اضطراب الهوية" و*"الخوف من الزوال."*
هيا لم تعالج ليلى.
بل جلست معها دون حاجة لأن تفهم كل شيء.
قالت لها مرة في جلسة لم تكتمل:
"أحيانًا يا ليلى، لا تحتاجين أن تُشرحي...
بل أن تُصدَّقي."
ولذا حين بدأت ليلى تكتب من جديد،
لم تصنع او تكتب عن "كاليسترا" كخادمة أو مرشدة،
بل كصوت داخلي…
يراقب، يسأل، ويُذكّرها أن الحقيقة لا تُكتب دائمًا، بل تُحس.
كاليسترا، وهي ترى ليلى تقترب من التجسد،
قالت لها:
"إن صرتِ جزءًا من أوريس… لا تنسي أن تكتبي نفسكِ أيضًا."
ثم تجسّد أوريس غسق
حين اندمجت الوردة في قلب ليلى،
تغير الهواء.
لم يعد عالم النص،ولا عالم الورق،
بل… صوتٌ من عالمٍ ثالث، متشابك بالحبر والوجع والحب.
أوريس غسق لم يعد مؤلفًا من عبارات جميلة فقط،
بل أصبح شيئًا محسوسًا
ملامحه أكثر وضوحًا،
وجوده ثقيل،
لكنّه ناعم كغروب طويل لا ينتهي.
كان وجهه يحمل أزمنة لا تُحصى.
وعيناه لا تصفهما اللغة،
بل شعور الغروب حين يرفض أن يسقط بالكامل.
همس:
"ليلى… أنتِ منحتني القلب.
لكنني لن أطلب منكِ أن تذوبي."
"اختاري."
ليلى: "أنا الحرف الخارج من الحبر"
ليلى وقفت.
كان قلبها يضيء بلون الوردة.
كانت ترتجف لا من خوف،
بل من حقيقة لم يسبق لها أن وُجدت خارج الورق.
قالت له:
"نعم… أنا منك.
لكنني لستُ لك وحدك."
"أريد أن أكون شيئًا ثالثًا:
لا الشخصية،
ولا المؤلف،
بل من تعيش في المسافة بين الاثنين."
"اريد حياة…حيث أكون ليلى،
وأكون معك،
لكن… لا أنسى نفسي."
أوريس اقترب.
وضع يده على مكان الوردة المندمجة في صدرها.
وقال:
"إذن… لن تكون حياتك في الظل."
"بل بجانبي كضوءٍ مستقلّ، لا تابع."
وفي تلك اللحظة...بدأ التجسيد الغريب
السماء فوق النص انشقت.
الشجرة رفعت جذورها نحو الأعلى،
كأنها تخلّت عن الأرض لتصير شاهدة.
الكاتب، المؤلف، الراوي، القارئ
كلهم أصبحوا متفرجين.
لا سلطة،لا تعليق،لا تصحيح.
فقط ليلى،تخرج من النص،
بكامل إرادتها.
تجسدت،بجسد يحمل ذكرى الوردة،
وصوت يشبه القصائد غير المكتوبة،
وعينين فيهما آخر غروب نسيه الزمن.
آخر ما كُتب على الصفحة
"أنا ليلى."
"لم أكن حقيقية حين كتبني الآخرون."
"لكنني صرتُ موجودة حين اخترت نفسي، حتى لو كنت جزءًا من مؤلف أكبر."
"أنا الحرف… الخارج من الحبر."
بكل هدوء… وبكل تفجّر عاطفي صامت، نبدأ هذا الفصل الجديد حيث عالم مختلف؟
الفصل الذي لا عودة فيه إلى الورق.
الفصل الذي لا يتكئ على وهم.
الفصل الذي تسير فيه ليلى على الأرض،
لكن لا تنسى من أين جاءت.
الفصل الذي بعد الوردة:
"ليلى نورياس: الحياة بعد أن تُكتب"
أول ما شعرت به كان الضوء.
ضوء دافئ، ليس قاسياً كالمصابيح،
ولا كئيباً كأحلام المأوى القديم،
ولا مشوّشاً كغبار الغرف البيضاء في المصحات.
بل ضوء شبيه بما تتخيله السحب حين تمرّ فوق غروب صيفي...
عيناها انفتحتا.
رموشها أطول، أنفاسها حقيقية،
قلبها ينبض — لكن لا بوردة… بل بحقيقة.
نظرت حولها…كانت في غرفة فندق فخم،
أنسجة ستائره بلون خمريّ،
والسجاد تحته ناعم كصوت الورق الذي اختفى.
لكنها لم تكن مذعورة،بل… مصدومة.
"أنا هنا؟" همست.
ثم نهضت ببطء،وذهبت نحو المرآة.
وهنا كانت الصدمة الأكبر.
المرآة التي لا تشبهها
كانت ليلى تعرف شكلها.
تذكر تفاصيل وجهها، قبل الوردة، قبل الأوراق، قبل أوريس.
لكن الآن…
كانت شيئًا آخر.
شعرها طويل بلون غروبٍ يحترق: مزيج من الذهبي البرتقالي وأطراف تلامس شعاعاً ورديّاً.
بشرتها بيضاء، ليست شاحبة كالسابق، بل كأنها شُكلت من نُعومة ضوء الصباح الأول.
عيناها؟ زرقاء… لا كالبحر، بل كـغيوم تنظر إليك وتتذكرك.
كانت المرآة كانت جزءاً من الثمن،فهي لا تظهرها كما كانت،
بل كما أصبحت بعد أن اختارت… أن تعود.
"لم يُمحَ شيء."
"كل ما مررتُ به… ما زال داخلي."
"لكنني أنا الآن… ليلى نورياس."
اسمها الجديد ظهر محفورًا على طرف عنقها،
كما لو كان وشماً شفافاً لا يراه أحد إلا من كتب نفسه من جديد.
وصلت الرسالة في هاتف محمول كان بقربها
رنّ الهاتف أول مرة تسمع فيه صوتاً في هذا العالم الجديد.
لم يكن هناك اسم،
بل فقط:
مرسل: أوريس غسق
الرسالة: "أنا في انتظارك.
على هذا العنوان.
تعالي كما أنتِ كما اخترتِ أن تكوني."
أمسكت الهاتف.
كانت يدها ترتجف…
لكن ليس من الخوف.
بل من الإدراك الكامل أنها الآن في الواقع.
وأن لا شيء سيعيدها إلى الورق… إلا لو أرادت.
خطت نحو النافذة، فتحتها…
ورأت مدينة حقيقية.
بشر، سيارات، سماء، طيورًا لا تعرف شيئًا عن الأكوان الموازية.
ورأت على بُعد…
مقهى، فوقه شجرة قديمة جداً.
تلك ليست شجرة النسيان.
بل الشجرة الجديدة…
شجرة الذاكرة التي اختارت أن لا تُمحى.
ليلى نورياس تبتسم.
تغلق الهاتف.
تضع وشاحًا بلون العاصفة المشرقة.
وتخرج لتقابل أوريس غسق ليس كمؤلفها،
بل كـ...
"الإنسان الذي تكتبه معها الحياة، لا فوقها."
تحول ليلى الكامل من شخصية تعاني إلى شخصية حية، جديدة، لكنها لا تنكر ماضيها.
وفيها لقاء طال انتظاره… لا كعودة بل كبداية حقيقية.
فصل: "حين التقت الحياة بالغروب"
كانت الشمس فوق المدينة، لكنها لم تكن حارة.
كانت شمس الشتاء الباردة
تبتسم من بعيد، دون أن تلمس.
فتحت ليلى خزانة الغرفة.
لا تعرف من وضع الملابس هناك،
لكنها وجدت معطفًا بلون الغروب...
كأن أحدهم عرف سلفًا أن جسدها الجديد يحتاج لدفء لا يقتل الضوء، بل يحتضنه.
ارتدت:
تنورة قصيرة بلون الفحم الدافئ،
كنزة بيضاء كالنقاء الذي تحاول ألا تخشاه،
حذاء شتوي أنيق،
قبعة تخفي قليلاً من شعرها الذي يبدو كخيوط شمس تغرب في بطء دائم…
حين فتحت حقيبتها…
سقطت منها ثلاث بطاقات:
بطاقتها الشخصية مكتوب فيها:
الاسم: ليلى نورياس
الميلاد: …/…/… (تاريخ غريب، كأنه حديث لكنه قديم في آن واحد)
بطاقة عمل:
"كاتبة وروائية معروفة"
(صورتها جميلة، لكنها لا تشبه تمامًا وجهها الجديد… كأنها صورة لشخص "يشبهها".)
بطاقة ثالثة فقط رقم، واسم ممسوح جزئيًا.
لم تفهمها، فتركتها.
"ربما لاحقًا"، فكرت.
نزلت من الغرفة.
خارج الفندق، كانت السيارة بانتظارها
سيارة تنقل الشخصيات المهمة،
لكن السائق لم يتحدث،
وكأنه يعرف أنها لا تريد حوارًا الآن.
كل شيء حولها كان حقيقياً.
البرد.
الرائحة الخفيفة للعطور.
انعكاس زجاج المدينة.
شعور السير على الأرض… بعد سنوات من السقوط في الحبر.
وصلت.
مطعم فاخر.
أرضية رخام، أبواب من خشب داكن،
موسيقى كلاسيكية ناعمة تتسلل من الداخل.
لكن قبل أن تدخل…
رفعت عينيها عن الهاتف.
العنوان صحيح.
هذا هو المكان.
وقبل أن تتحرك أكثر،
رأته.
كان أوريس غسق: من خرج من النص وبقي كما هو
اقترب ببطء.
طويل،
معطف أسود يمتد بثقل هادئ،
قبعة شتوية،
شعره أبيض فضي، قصير ومائل للأناقة،
عيناه بلون الغروب الذي لا يغيب.
كان يبدو كمن لا ينتمي لهذا العالم،
لكنه لم يكن غريبًا عنه.
بل… كمن صُمم لأجله.
اقترب.
ليلى لم تقل شيئًا.
لكن قلبها، رغم هدوئه،
شعر بشيء يُكتب من جديد.
وقف أمامها قال:
"عرفتك… حتى قبل أن تختاريني."
"والآن… أنتِ لستِ اختياري فقط.
بل… واقعٌ اخترتِ أن تكتبيه معي."
ابتسمت.
"أريد أن أعيش… لا أن أُكتب.
لكنك… لست مؤلفًا فقط،
بل رجلٌ يفهم أن بعض القصص لا تُكتب بالحبر،
بل بالمشاركة."
مدّ يده،أخذ يدها.
وفي تلك اللحظة
خلفهم، الراوي كان يراقب.
القارئ توقّف عن القراءة.
الكاتب حاول أن يتدخل،
لكن لم يجد فجوة.
المؤلف الأعلى… أوريس غسق،
لم يكن يكتب.
كان يعيش.
وليلى نورياس؟
لم تعد تبحث عن مخرج من الحكاية،
بل وجدت فيها بابًا نحو الحقيقة.
Jumana||جمانة