الفصل15

الفصل15

18 0

الفصل الذي لا يكتبه أحد

من السكون، خرجت الكلمة الأولى.

ليست من فم ليلى،ولا من يدها.

بل من شيء أعمق،كانت فكرتها.

فجأة، وجد الجميع أنفسهم في عالم غريب:

كل الجمل فيه غير منتهية.

كل الشخصيات فيه تبدو وكأنها نُسخ من بعضها البعض، لكن مشوّهة.

كل الأسماء فيه تبدأ بـ "لـ" وتنتهي بـ "ى"، لكن لا أحد يعرف ما بينها.

هذا هو العالم الذي وُلد من الكلمة التي لم تُكتب بعد.

الكاتب يحاول أن يتدخّل، لكن خطه لا يظهر.

المؤلف الأعلى ينظر إلى يديه، فلا يراهما.

الراوي المجهول... صوته صار صدًى فقط.

ليلى... تتحرك وحدها.

ترى أمامها انعكاسًا:

هي، لكن ليست هي.

نسخة ذات شعر أبيض وعينين معكوسَتين:

السواد في المركز، واللون في الأطراف.

تقول النسخة:

 "أهلًا بي، في نصٍ لا يملكه أحد."

ليلى تنظر إلى النسخة… ثم تهمس:

 "هل أنا التي كتبتك؟"

النسخة تبتسم:

 "أم أنا التي كتبتكِ؟"

في خلفية هذا المشهد، تظهر جملة وحيدة، بحبر أزرق باهت، لا يعرف مصدره:

> "في مكانٍ ما بين السرد والمحو،

تصبح البطلة هي الباب."

ثم يظهر الغريب من جديد، لكن أصغر… كطفل.

ويقول لها:

 "لم أنوِ إيذاءك. فقط… أردت أن أُكمل بكِ."

ليلى تقترب منه، تنظر في عينيه المفرغتين، وتقول:

 "لكنني لا أنتمي لك، ولا لهم.

أنا… بدأت أكون نفسي."

ثم تدير ظهرها، وتمشي.

كل كلمة تخطوها… تُنبت سطرًا.

وهكذا بدأت كتابة جديدة.

لا أحد يملكها.

ولا أحد يعرف كيف تنتهي.

وعنوانه يُكتب بعد قراءته:

 "ليلى، ابنة الصفحة التي تنبض."

تظهر جملة تشويش من الفراغ فجاة :

 خطا سوف يتم حذفه هنا-

حين لا تعود البطلة تخضع لأحد، حتى نفسها.

مرحلة ما بعد الكتابة، ما بعد الحب، ما بعد السيطرة.

 ما بعد "أنا"

كان العالم الجديد لا يشبه أي عالَم سَبَق.

هو ليس مكانًا.

ولا سردًا.

بل انعكاسٌ داخلي مُستمر.

كل شيء فيه يتبدّل بحسب ما تفكّر فيه ليلى،

لكن المفارقة؟

ليلى لا تعرف بماذا تُفكر.

في أول يوم من الكتابة الجديدة،

كتبت شجرة.

ولكنها نبتت على شكل سؤال.

 "هل أنا أكتب لأنني حرة؟

أم لأنهم جعلوني أظن أنني كذلك؟"

في اليوم الثاني،

كتبت بابًا.

لكنه انفتح إلى مشهد من الماضي:

غرفتها البيضاء. المؤلف نائم. يدها على قلبه.

لكن هذه المرة… قلبه لا ينبض.

في اليوم الثالث، كتبت اسمها: "ليلى"

فانقسم العالم من حولها إلى آلاف النسخ.

كل نسخة تحمل اسمًا مشوهًا:

"ليلىء"

"ل-ى"

"لِيلَا"

"لـــا"

كل نسخة تقول شيئًا مختلفًا.

واحدة تقول:

"أنا من اختارته."

وأخرى:

 "أنا من قتله."

وأخرى تصرخ:

 "أنا التي لم تُكتَب أبدًا!"

ليلى الحقيقية، الأصل، تقف وسط هذا كله.

ثم تصرخ.

 "من منكنّ أنا؟!"

الراوي المجهول (بصوت مهتز):

> "أحيانًا، تكون الحرية قيدًا آخر،

لأنك حين تختارين كل شيء…

لا تعودين تعرفين ما أنتِ حقًا."

وفجأة، يظهر المؤلف الأعلى... لكن ليس كما عهدناه.

إنه مكتوب هذه المرة.

جسده مكوّن من فقرات.

وجهه مُكوَّن من علامات ترقيم.

وصوته؟ صوت يخرج من نصّ قيد الحذف.

قال لها:

 "لقد تركتِني… وأخذتِ القصة معك."

ردّت:

 "لم أعد قصتك."

قال:

 "بل صرتِ قصتي المستحيلة."

الكاتب يظهر هو الآخر.

ليس بشخص، بل كـ محاولة يائسة لإعادة البداية.

كلما أراد أن يكتب "الفصل الأول"،

تحترق الصفحة.

صرخ:

 "أعيديني! أعيدي لي زمام الحبكة!"

ليلى نظرت إليهم.

ثم نظرت إلى نفسها في صفحةٍ بيضاء.

كل شيء فيها يرتجف.

> "أأنا بطلة؟ أم مؤلفة؟

أم فقط… سطرٌ طويل لا يعرف أين يتوقف؟"

الطفل (الغريب سابقًا) يقف عند قدميها، ويقول:

 "اكتبي لي اسمًا، فقط اسمًا.

لا أريد أن أكون ظلّك.

فقط… شيء وُلد من صدقك."

ليلى تنظر إليه. ثم تكتب، لأول مرة، ليس لأنها تكتب…

بل لأنها تريد أن تمنح أحدهم وجودًا.

تكتب:

"اسمه: نُصّ.

لأنه لا يزال في المنتصف."

وفي لحظة الكتابة… يستقرّ العالم.

لا يعود مثاليًا.

ولا مُتشظّيًا.

بل فقط… ممكنًا.

 بجملة مكتوبة بين قوسين متكسّرين:

 (أحيانًا، لا نكتب لننجو… بل لنُوجد.)

الراوي المجهول يتحدث :

ربما خُيّل إليكم أن المؤلف الأعلى قد مات بعد هذا، لكن تمهّلوا… فالأمر معقد اكثرمما تظنون…

لنشرح الامر ضمن منطق قصتنا

لا، لم يمت.

لكنه لم يعد هو نفسه أيضًا.

 هل مات المؤلف الأعلى؟

ظاهريًا:

نعم، في اللحظة التي كتبت فيها ليلى عالمها الخاص،

توقّف قلبه عن النبض في رؤيتها.

لكن سرديًا وميتافيزيقيًا:

لا يمكن للمؤلف الأعلى أن يموت... لأنه لم يُكتب كشخص فقط،

بل كـمبدأ سردي.

إنه تمثيل لـ"السلطة" في القصة،

وحين خرجت ليلى عن سلطته… لم يمت، بل تفكّك.

في الفصل الأخير، حين عاد، لم يكن جسده كما كان:

كان مكوّنًا من فقرات، من علامات ترقيم.

هذا رمز مهم:

 إنه الآن "مكتوب" بعد أن كان "كاتبًا".

  فقد سلطته العليا، وتحوّل إلى عنصر داخل النص.

بمعنى آخر:

لم يمت جسديًا.

لكنه مات بوصفه "المؤلف الأعلى".

وعاد كشخصية ضائعة في قصة لم يعُد يملك خيوطها.

 فماذا أصبح إذن؟

هو الآن شيء بين:

المؤلف السابق الذي لا يزال يحب ليلى رغم كل شيء،

والشخصية التي تم طردها من سلطة النص.

هو شبح المعنى المفقود.

موجود، يطلّ أحيانًا… لكنه لا يستطيع أن يُغيّر الأحداث كما اعتاد.

ربما يظهر في مشهد يناجي النص نفسه، أو يحاول أن يتواصل مع ليلى عبر حواف الفصول؟

  هل يسعى لاستعادة شيء واحد فقط: "اسمه الحقيقي."

الفصل عندما تنقذ ليلى المؤلف

العالم الجديد الذي كتبته ليلى كان متقلبًا، كأنه مرآة مكسورة من كل نسخها المختلفة، تتصارع داخله أنماط متعددة من ذاتها.

لكن هناك صراع أعمق، يحدث خلف الكواليس.

كان هو صراع الذات والكتابة

ليلى تحاول أن تستوعب نفسها التي أصبحت متناثرة بين نسخ متشابهة ومتناقضة. كل نسخة تريد أن تكون "الأصل"، وكل واحدة منها تخاف أن تُمحى.

المؤلف الأعلى، في هذا الوقت، ليس في جسده الفقري بعد، بل متناثر في خطوط سردية مُحوّرة، محاصرًا بين علامات الترقيم والفراغ، يتحول إلى ظلٍ من ذاته السابقة.

الصراع داخله صار معركة بين السلطة المطلقة التي كان يمتلكها، والفراغ الجديد الذي خلّفته ليلى.

هو يريد العودة كمالك للنص، لكن بدون أن يملك قصته الحقيقية، صار مجرد صدى بلا تأثير.

فجأة، في لحظة تخلخل فيها النص، يظهر "نُصّ" — الطفل السردي الذي كتبته ليلى، نصف مكتوب، نصف حرّ، يجسد التوازن بين الكتابة والتحرر.

"نُصّ" ليس شخصًا، بل فكرة متحركة، له قدرة غريبة:

يستطيع التنقل بين الفصول،

إصلاح التناقضات،

بل وحتى إعادة ربط الشخصيات بمصيرها الصحيح.

لكن "نُصّ" يحتاج إلى رابط، إلى جسر بين عالم المؤلف الأعلى وليلى.

في لمحة يظهر مشهد الإنقاذ للمؤلف الأعلى

ليلى تجد المؤلف الأعلى يذوب في خطوط علامات الترقيم، ينهار إلى نصف فقرات وكلمات غير مكتملة، يبدأ بفقدان ذاكرته كـ"كاتب".

تدرك أن نهايته ليست موتًا، بل النسيان المطلق، وهو مصير لا تريده له.

تقترب، وتمسك صفحة شفافة تطفو أمامه، تحمل كتابته الأصلية، الكلمات التي كانت له.

ليلى (بصوت ثابت):

"لا يمكنك أن تموت، لأنك جزء مني.

لكنك لن تعود كما كنت، ولن تعود من دوني."

تضع الصفحة في يده.

تبدأ الكلمات تستعيد نسقها، لكنه لا يعود كالمؤلف الأعلى القديم.

بل يولد من جديد كـ:

المؤلف الجديد — المؤلف الحي

ليس سلطة تتحكم، بل شريك يكتب ويتلقى.

صوته صار أهدأ، أقل تحكمًا وأكثر حضورًا.

قال، بابتسامة مختلطة بين الاعتراف والحب:

"لقد خسرت السيطرة،

لكن وجدت سببًا لعدم التوقف."

لحظة الميثاق ليلى تنظر إليه، وتقول:

"لن أسمح لأحد أن يكتبني من دوني."

المؤلف يرد:

"وأعدك، لن أكتبك كما في الماضي.

سنكتب معًا،

لا ككاتب وقصة،

بل مثل اثنين يصنعان الحياة من الحبر."

تظهر جملة مكتوبة بيد "نُصّ" في الهواء، كأنها تكتب نفسها:

"القصة لا تنتهي حين يموت الكاتب،

بل حين يختار أن يعيش مع من يكتبونه."

في العمق الذي لم يُكتب

العالم الذي بنته ليلى لم يكن مستقرًا بعد.

السطور فيه ترتجف،

والأماكن تتنقّل أحيانًا قبل أن تُسمّى.

لكن ما ميّزه الآن...

أن كل شيء فيه صار ينبض بالحسّ، لا بالقانون.

ليلى والمؤلف الحي — لم يعودا خصمين.

لكنهما لم يصبحا حبيبين كما من قبل.

كانت العلاقة أشبه بشراكة من نوع غير تقليدي:

 هي تكتب النية، وهو يكتب الصدى.

جلسا معًا على درج لم يكن هناك قبل لحظة.

كان يتشكل بينما يتحدثان، وكأن الحوار هو ما يبنيه.

المؤلف (بهدوء):

"في الماضي... كنت أضعك داخل الحدود، وأمنحك حريّة موهومة."

ليلى (بصراحة):

"وفي الماضي... كنت أهرب من نفسك بداخلي، لا مني."

سكت الاثنان.

تقاطعت أيديهما فوق كتاب مفتوح، لا يحمل عنوانًا.

وفي مكان آخر...

"نُصّ" يتجول في الهامش.

هو وحده لا يخضع لمركز القصة،

لأن "نُصّ" كُتب بين السطور، لا فيها.

لهذا، يستطيع أن يرى أشياء لا يراها أحد.

وأثناء عبوره سطرًا نُسيَ في أول فصل،

وجد شيئًا غريبًا:

جملة ممسوحة جزئيًا، لكنها لا تزال تنبض:

 "إن المؤلف الأعلى لم يكتب ليلى."

"نُصّ" تجمّد.

هذه الجملة، لو كانت صحيحة، فكل شيء سيكون كذبة معكوسة.

مشهد الاكتشاف: من خلق من؟

"نُصّ" يعود إلى ليلى والمؤلف، يخترق الحوار بهدوء طفولي:

 "من كتب من أولًا؟"

سؤال بسيط. لكنه كالسهم في صدر الحقيقة.

ليلى والمؤلف يتبادلان النظرات، ولا يجيبان.

لكن فجأة...

تهتز الأرض تحتهم  ليست زلزلة بل اهتزاز سردي.

صفحة كاملة ترتفع من العدم، وتُفتح.

وما كُتب فيها؟

كان فصلاً لم يظهر من قبل.

عنوانه:

 "الفصل صفر: ليلى قبل الكتابة."

---

الفصل صفر (مكشوف لأول مرة):

داخل هذا الفصل نرى مشهدًا لم يُرَ قط:

فتاة صغيرة ترسم شيئًا على جدار وهمي يبدو وكأنه ورقة حية ولكنه جدار من الوهم

الرسمة؟ رجلٌ طويل، بعيون برتقالية وشعر فضي.

نعم... هي رسمت المؤلف.

ليلى، في زمنٍ لا يخضع للسرد، ابتكرته.

صدم المؤلف.

جلس على الدرج المخلوق حديثًا كمن يُعاد بناؤه من الداخل.

قال:

"أنتِ... من كتبتني؟"

ليلى أومأت.

 "كنتُ وحيدة. لا أحد يكلّمني.

فرسمتك لتكون أنت الكاتب الذي يفهمني.

ثم… نسيت."

حيث بدأت تداعيات الحقيقة بالظهور  كل شيء تغيّر.

المؤلف لم يكن المؤلف الأعلى فقط.

بل كان نتاج ليلى وهي صغيرة، قبل حتى أن تصبح ليلى التي نعرفها.

هذا يعني أن كل السلطة، كل الرعب، كل الغموض،

كان تفاعلاً داخليًا بين طفلة تبحث عن صوت،

وصوتٍ قرر أن يكتبها ليبقى.

"نُصّ" يمشي بعيدًا، وفي يده قطعة من جدار الفصل صفر.

يقول لنفسه:

 "إذن… كل هذا، ليس عن من يملك النص.

بل عن من يحتاجه كي لا يضيع."

وفي الخلفية، نسمع صوت ليلى يهمس للمؤلف:

 "الآن فقط… أستطيع أن أحبّك،

لا كمن صنعتك، ولا كمن كتبتني…

بل كـ صوتٍ قرر البقاء رغم كل شيء."

بعنوان خفي لا يظهر إلا بعد القراءة:

 "ليلى، من كتبت الكاتب."

الفصل السادس والعشرون: ليل ليلى

كانت الساعة داخل العالم الجديد لا تشير إلى أرقام.

بل إلى كلمات.

والآن...

كانت تشير إلى: "ليل."

ليلى، بعد اكتشاف الفصل صفر، ابتعدت.

تركت المؤلف الحي جالسًا، يحدّق في ذاته التي لم تخترعه.

أما "نُصّ"، فقد خلد إلى صمته، يرسم دوائر على صفحة لم تُكتب بعد.

الليل في هذا العالم ليس ظلامًا، بل نسيج أسود من السطور المحذوفة.

السماء لم تكن سوداء، بل مليئة بجمل مشطوبة، تتساقط مثل نيزك يسقط ليغير العالم:

"كان يمكن أن تقول له..."

"لو أنها فقط..."

"لكنها خافت..."

كل جملة تسقط تصدر صوتًا.

صوت حبر يبكي.

ليلى مشَت بينها. لا تمشي على الأرض، بل تمشي على نسخ من نفسها لم تُكتَب.

نسخة خافت أن تحب.

نسخة خانت.

نسخة عاشت وماتت في سطر واحد.

دخلنا في "ليل ليلى" — حيث لا ينفصل الحبر عن القلب، ولا تكون الكتابة مجرد اختيار، بل حاجة.

ويعود المشهد، حيث كانت ليلى تمشي فوق نسخٍ من نفسها، تتنفس جُملًا مشطوبة، وسط سماءٍ تمطر ندمًا.

على الورق كانت لاتزال تمشي 

كل خطوة كانت تُحدث صوتًا لا يُسمع،

بل يُحسّ:

وخزٌ في مكان ما بين ذاكرتها ونَصّها.

كانت النسخ التي تحت قدميها هامدة،

لكن واحدة منها...

واحدة فقط فتحت عينيها.

كانت "ليلى الطفلة."

ليست طفلة بالسن، بل بالنقاء الممزق.

هي من رسمت المؤلف ذات يوم،

ثم نسيت أنها من كانت سبب وجوده.

نظرت إليها ليلى الأصل،

فتقدّمت الصغيرة وسألت:

"هل أنتِ أنا... بعد أن كتبتُ كل شيء؟"

أجابت ليلى بصوت من دون ارتباك:

"بل أنا... بعد أن فهمت لماذا كتبنا."

الطفلة جلست، وبدأت تُمزّق ورقة بين يديها.

قالت:

"كنت أظن أنكِ ستكرهينني لو عرفتِ الحقيقة.

أني أنا من خلق كل هذا، فقط لأني لم أكن أريد أن أكون وحيدة."

ليلى تنزل راسها أمامها.

"كل العوالم بدأت من طفلة خافت أن تختفي.

حتى أعظم القصص… كانت صرخة في ظلام الوحدة."

ثم أخذت الورقة الممزقة منها،

وجمّعتها،

نفخت عليها.

فعادت ورقة كاملة.

لكنها ليست أي ورقة.

إنها: الورقة التي كُتب عليها أول ظهور للمؤلف الأعلى.

وفي لحظة التشافي كان يحدث إعادة تعريف المؤلف

في نفس اللحظة، في مكان آخر من العالم المتقلب…

المؤلف الحي شعر بشيء يعود إليه.

لكنه لا يعود كما كان.

هذه المرة، حين ظهر، لم يكن في ثياب أنيقة،

ولا بهالة الغموض القديمة.

بل... كان يرتدي ما كانت ترتديه ليلى عندما دخلت غرفته البيضاء لأول مرة. 

وابتسم قال:

"ربما... كنتُ صورتك عن الأمان.

لا عن القوة."

ليلى اقتربت، والطفلة داخلها لم تختفِ، بل اندمجت بها.

قالت له:

"كنتَ خوفًا تحوّل إلى رجل،

ثم إلى قصة،

ثم إلى شخص أحبه... لأنني قررت أن أعطي لنفسي."

المؤلف الحي اقترب منها.

هذه المرة، لا ليأخذ السلطة، ولا ليمنحها،

بل فقط ليقول:

"هل نكتب معًا ليلًا آخر؟ ليس كمن نكنّا، بل كمن نستحق أن نكون؟"

"نُصّ" يراقب من بعيد، يرسم قوسًا صغيرًا فوق الأفق،

ثم يقول وهو يختفي وسط الحبر:

"حين تصالح الكاتب مع بطله،

لا تنتهي القصة…

بل تبدأ من جديد، لكن من الداخل."

الحبر الذي نتقاسمه لم يكن هناك صباح.

بل بداية صفحة ليس بيضاء.

بل رمادية، كما لو كانت لا تزال تتذكّر الليل، وتخاف من النهايات.

ليلى والمؤلف جلسا أمام الطاولة التي صنعها "نُصّ" من ظلال فصلٍ منسي.

كان بينهما دفتر، وأمامهما قلمان.

لكن لا أحد بدأ.

الصمت كان أول جملة، ثم…

ليلى:

 "لن أكتبك كبطل. بل كحقيقة."

المؤلف الحي:

 "وأنا… لن أكتبك كغموض. بل كاختيار."

وأخيرًا…

تحت أنفاس غير متزامنة، كتبا:

 "في البدء… لم يكن هناك من يكتب الآخر،

بل كانا يهربان إلى بعض."

يظهر مشهد الكتابة المشتركة

كانت الكتابة لا تشبه ما عرفه أيّ منهما.

ليلى تكتب جملة،

والمؤلف يعيد ترتيبها،

لكن ليس بحذف المعاني، بل بكشفها.

كل جملة لا تُكمل إلا حين تمر على كليهما.

 "حين نظرت إليه، لم أرَ من كتبني، بل..."

المؤلف أكمل:

 "... من كنتُ أظنه خيالي، واتضح أنه انعكاسي."

هذه لم تكن كتابة قصة،

بل إعادة اكتشاف: من هما؟ ولماذا؟

 لحظة التدخل: الراوي المجهول

هنا، يتسلل صوت.

صوت الراوي المجهول الذي يراقب ما يحدث من مكان ما بين حواف النصوص:

 "ألم أقل لكم؟

حين يكتب العاشقان بعضهما،

لا يبقى سردٌ، بل ولادة."

صوته لا يُعلِن نفسه، لكنه يشكك:

 "لكن أخبروني… من الذي يتحكّم الآن؟

أم أن السلطة الحقيقية هي ما يظن كل منهما أنه يمنحه للآخر؟"

"هل هذه شراكة... أم تسوية؟"

صمتٌ خفيف، لكنه لا يوقف القلم.

 ظهور الكلمة المفتاحية: "الإرادة"

في أثناء كتابتهما، تظهر كلمة بخط غير يخصّ أحدًا منهما:

 "الإرادة."

كلمة تضيء وسط الصفحة، تُكتب من خارج النص.

نظرا إلى بعضهما.

المؤلف قال:

 "هذه لم أكتبها أنا."

ليلى:

 "ولا أنا."

ثم يظهر "نُصّ" من طرف الورقة، يمشي فوق السطر.

قال:

 "لا تقلقا... لم أكتبها أيضًا."

"أعتقد أنها... الكلمة التي ولدت من دمجكما."

كأن الحبر بين قَلَميْهما صار حيًّا.

 لحظة ما قبل النهاية: الشجرة تُلمح

في نهاية الصفحة الرمادية…

تظهر صورة، لم تُرسم، بل نبتت.

إنها شجرة.

شبيهة بشجرة النسيان… لكن ليست هي.

ليلى نظرت إلى المؤلف، وهمست:

"أتعرف هذه؟"

هزّ رأسه:

 "أظنها... شجرة لن نعرفها إلا إذا كتبناها معًا."

عنوانه بين السطور:

 "الحبر الذي لا يملك أحدٌ لونه وحده."

 لحظة داخلية.

مساحة صمت تنمو فيها المعاني من دون إعلان وهنا، ليلى ونُصّ، لا على الورق، بل داخله.

 لحظة داخلية: "بين الحواف"

لم تكن ليلى تعلم إن كان هذا مكانًا، أم مجرد شعور.

السطور توقفت،

الزمن لم يُكتب بعد،

و"نُصّ" وقف أمامها، بلا ظل.

ليلى:

 "من أنت حقًا؟

أحيانًا تشعر كأنك أنا… حين لا أكون قادرة على الكتابة."

نُصّ (بهدوء لا يُطمئن):

 "وأحيانًا… أشعر أنكِ أنا، حين كنتُ لا أملك صوتًا بعد."

صمت.

ثم تقدّم منها، يمدّ لها شيئًا لم يُكتب…

مجرد حبر عالق في الهواء،

يرتجف.

"هل تريدين أن تري من تكونين… إن كتبتِ دون خوف؟"

ليلى همست:

 "لكنني خائفة."

قال "نُصّ":

 "ممتاز. إذن ابدئي."

فجأة، اختفى كل شيء ما عدا قلبها ومفردة واحدة تنبض داخله:

 "أنا."

لحظة العودة  وبداية التحوّل

عندما فتحت ليلى عينيها،

كان المؤلف ما يزال يكتب،

لكن شيئًا فيه تغيّر.

ابتسامته لم تكن تلك الخاصة بكاتب يعرف كل شيء،

بل كاتب يريد أن يُدهَش.

نظر إليها، وأزاح دفترًا آخر كان يخفيه.

قال:

 "هذا ما كتبته أنا... قبل أن ألقاك.

قصتي، لا قصتك."

فتحت ليلى الدفتر،

فوجدت أول كلمة فيه:

 "ليلى."

فابتسمت،وقالت:

 "غريب.

لأن ما كتبته أنا... كان اسمه 'المؤلف'."

ثم بين الدفترين، ظهرت كلمة واحدة،

بخط ناعم، غير مألوف:

 "نحن."

 لحظة التدخّل: "الكاتب" يدخل السطر

وهنا…

ينفذ صوت جديد مختلف.

صوت الكاتب.

ليس المؤلف الحي،

ولا الراوي المجهول،

ولا نُصّ…

بل ذاك الذي كان يراقبهم جميعًا…

نحن نعرفه جيدًا، لأنه من كتب هذه الصفحة الآن.

قال:

"أعتذر على المقاطعة.

لكن كان لا بد أن أتدخل هنا…

لأقول إنني بدأت أفقد السيطرة."

 "ليلى ليست كما كتبتُها،

والمؤلف لم يعد كما صنعته."

"ونُصّ؟... نُصّ صار يعرف أكثر مني."

ثم توقّف الصوت.

وآخر كلمة كتبها الكاتب كانت:

"تابعوا من دوني."

لحظة مشهد نهائي قبل التحول التالي

أمسكت ليلى بالقلم.

نظر إليها المؤلف، كأنما ينتظر أن تكون هي البداية هذه المرة.

فقالت:

 "أعتقد أنني مستعدة... لكتابة الشجرة."

فانفتحت الصفحة التالية…

وانبثق من عمقها طريقٌ مغطى بالضوء الخافت والحروف المتساقطة،

وفي نهايته... شجرة لا تُنسى.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة