الفصل22

الفصل22

14 0

تكملة الفصل  “صوت الحبر الأوّل”

بعد ضحكتها، عادت أريسيا لتدوّن سطرًا جديدًا، شعرت للحظة أنها تكتبه أمام شخص يفهمه دون شرح.

لكن عندما رفعت رأسها لتقول شيئًا، لاحظت أن الشاب قد توقف عن التحديق في دفترها. بل لم يكن يقرأه.

كان ينظر إلى يدها.

صمت، ثم قال بهدوء يشبه خفقات الثلج على الزجاج:

 "يدكِ… نفس طريقة إمساك القلم. كأنني رأيتها من قبل."

توقفت أريسيا.

قالت بنبرة خافتة:

"هل تعرف أحدًا يكتب مثلي؟"

لم يجب فورًا. بدلًا من ذلك، أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا  قطعة ورقية قديمة، مطوية بعناية.

فتحها أمامها.

كان فيها سطر واحد مكتوب بخط يد مألوف:

 "إن قرأت هذا، فاعلم أن الحبر لا يموت… فقط ينتظر أن يجد الصفحة المناسبة."

شعرت أريسيا بشيء يتحرّك بداخلها هذا الخط يشبه خط والدها.

لكن السطر… ليس مما كتب في كتبه المنشورة.

قالت ببطء:

 "من كتب هذا؟"

نظر نحوها بعينيه الرماديتين  تلك التي تشبه زجاج نافذة تطل على ماضٍ لا يُقال:

 "لا أعلم… وجدت الورقة في كتاب مستعمل، قديم جدًا. اسمه كان ممحوًا… لكن في الصفحات الخلفية، كان هناك توقيع باسم: 'أ. غسق'."

شهقت أريسيا بخفوت، وكأن الهواء هرب منها.

هو لاحظ ذلك، لكنه لم يعلّق. فقط سأل:

"يعني لكِ شيئًا؟"

لم تجب.

فقط أعادت الورقة برفق إليه، وقالت:

"ربما… يعني لي كل شيء."

في تلك اللحظة، بدأ قلبها يخطّ شيئًا لم تكتبه بعد.

كأن وجود هذا الشاب لم يكن مصادفة.

كأن شيئًا من ماضي والدها يتردّد صداه من خلال هذا الغريب.

وربما… لم يكن غريبًا كما ظنت.

الرواي يتحدث:

  اشعر ان هناك خيط من خيوط  الشك ماذا تعتقد ايها القارئ هل هذا الشاب مجرد كاتب؟ أم له صلة ما بأوريس غسق؟ 

ربما  عند تلك الشرارة الصغيرة من الشك التي بدأت تومض في قلب أريسيا، بعد أن كتبت جملة خيالية… وحدثت كما هي.. 

لنعود للقصة.. 

 الفصل : "صوت الصفحة قبل أن تُكتب"

في صباحٍ رمادي هادئ، جلست أريسيا على طاولة الإفطار، تمسك كوب الشاي بكلتا يديها وكأنها تُدفئ شيئًا أعمق من راحتيها.

كانت ليلى تعد شيئًا بسيطًا في المطبخ، بينما أوريس غسق يقلب صحيفة لم يقرأها بصدق.

لكن كِلا الوالدين كانا يُراقبان ابنتهما...

بنظراتٍ خفيفة، صامتة، مشوبة بالحذر والحنان.

 "ماما؟"

قالتها أريسيا فجأة، تنظر إلى والدتها بجدية ناعمة.

"هل… هل كنتِ تكتبين عني قبل أن أولد؟"

ليلى تجمدت. ثم التفتت ببطء، تبتسم لكنها لا تجيب فورًا.

أوريس أنزل الجريدة، يحدق إلى الفضاء، وكأن السؤال لم يُسأل لهم فقط، بل لشيءٍ أعمق.

 "ربما..."

قالت ليلى بهدوء،

"كنا نكتب كثيرًا... لكنني لا أذكر ما كنت أكتبه بدقة. لماذا؟"

أريسيا لم تجب. فقط رفعت دفترها، وفتحت الصفحة التي كتبتها في المقهى.

كانت الجملة هناك:

"قال لي، بخجلٍ هادئ: أنا أراك حتى حين لا أقرأك."

ثم تذكرت تمامًا كيف قال الشاب ذو الشعر الأسود تلك الكلمات، بنفس الطريقة.

أوريس اقترب، قرأ الجملة، ثم نظر إلى ابنته، ولم يعلّق.

ليلى فقط تمتمت:

 "لا بأس يا صغيرتي… أحيانًا نكتب الأشياء لأننا خائفون أن تحدث… وأحيانًا لأنها تحدث أصلًا في قلوبنا قبل الواقع."

أريسيا نظرت إليهما… ثم أغلقت دفترها.

 "أريد فقط أن أكون أنا. ليس ظل قصة، ولا حلمًا كان. هل تفهمون؟"

أجاب أوريس، بابتسامة لم تخلُ من حزن:

"أنتِ أجمل من كل القصص التي كُتبت…

لأنكِ لستِ مكتوبة، بل تعيشين."

 بعد لحظات هادئة

استعدوا للخروج  نزهة عائلية صغيرة تحت سماء رمادية، والثلج الناعم بدأ يتساقط.

أمسك أوريس بيد ليلى، وهما خلف أريسيا التي كانت تمشي أمامهما بخطوات خفيفة.

كانت تضحك، تعبث بلسانها تمسك ببلورات الثلج، ثم التفتت إليهما فجأة:

"هل أخبركم بشيء؟"

"القصص لا تكتبني… لكن ربما، سأكتب واحدة لكم."

ليلى تضحك، أوريس يومئ لها،

ثم يقول:

 "فليكن اسمها: قلب النور."

نعود إلى المقهى بعد يومين

أريسيا تجلس من جديد، تكتب بهدوء…

لكن هذه المرة، لا تكتب عن الشك، ولا الغموض، بل عن أب وأم يعرفان كيف يحبّان، حتى حين يُحاصرهم الغموض.

وفجأة، يُفتح الباب…

نفس الشاب ذو الشعر الأسود يدخل يحمل كوبًا وقلمًا، ويتجه إلى الطاولة المجاورة.

يلتفت إليها، يبتسم.

 "هل تكتبين من جديد؟"

أريسيا تبتسم بخفة، لا تجيب…

ثم تدون:

"اللقاء الثاني ليس صدفة… بل صفحة كُتبت على مهل، وانتظرت بصبر أن نفتحها معًا."

 الفصل : "صفحتان متقابلتان"

كان صوت آلة صنع القهوة ينساب خلفهما، وتفاصيل المقهى كأنها صورة ثابتة، بينما الزمن يتحرك فقط حول طاولتيهما.

أريسيا، بدفترها المفتوح وقلمها الطويل.

وهو، بكوبه البخاري وكتابٍ لا عنوان له.

لحظات تمر، لا حديث يُقال.

ثم ببطء، بجرأة لم تكن مريحة لكنها صادقة، سألها:

"هل تكتبين شخصيات لتكتبي نفسك؟

أم تكتبين لتخفي شيئًا؟"

أريسيا، دون أن تنظر إليه مباشرة، أجابت:

 "أكتب لأتأكد أنني لا أحاول الهرب… بل أفهم فقط من أكون."

كان ذلك كافياً.

ابتسم، ثم أخرج من حقيبته دفترًا قديم الغلاف، ومغطى بطبقة خفيفة من غبار الشتاء.

 "أنا أكتب لأنني لا أعرف كيف أتحدث أحيانًا."

رفعت عينيها له… لأول مرة بتأنٍ.

رأت في تلك النظارات الرمادية لمحة مألوفة، ليست شبهاً… بل تجاوب. كأن هذه اللحظة سبق أن كُتبت لهما في وقت ما.

 في البيت: مساء دافئ

كانت ليلى تغلق النوافذ والبرد يتسلل.

وأوريس يُحضّر شرابًا ساخنًا، ويقرأ مقطعًا قديمًا من إحدى رواياته، وهو يتمتم:

 "الوالدين… أن ترى ظل ابنتك يكبر خارج صفحاتك، وتصمت."

دخلت أريسيا، نظرت إليهما.

مزيج من الامتنان، والانفصال الذي يشعر به كل من يحاول أن يجد طريقه.

 "أحبكما…"

"لكنني أحتاج أن أكتب هذه القصة وحدي."

أوريس لم يجب، فقط اقترب ووضع راحته على رأسها:

 "كتابتك لن تخرجك منا… بل تعيدك إلينا بطريقة لم نعرفها من قبل."

 بعد أيام

كان اللقاء الثالث مصادفة… أو على الأقل بدا كذلك.

هذه المرة، كانت أريسيا تحمل دفترًا مختلفًا، وقد كتبت في مقدمته:

 "هذه ليست قصة عن حب… بل عن مَن يراك حين لا تكون مضطرًا لتكون شيئًا آخر."

جلس الشاب على طاولته المعتادة، لكنّه هذه المرة بادر دون تردد:

 "أريد أن أقرأ لكِ شيئًا. لكن فقط إن سمحتِ لي."

فكرت لحظة… ثم أومأت برأسها.

فتح دفتراً، وقرأ:

"في مقهى صغير، التقيا دون أن يعرفا إن كانت الكلمات ستكفي…

لكنه عرف أنها كانت تكتب منذ زمن، تنتظر فقط أحدًا لا يخاف من المسودات."

نظرت إليه  هذه المرة بعين القلب، لا القلم.

 "من أنت؟"

ابتسم وقال:

 "ليس بعد، أليس كذلك؟ دعيها تظهر في الفصل الرابع."

 الفصل : "ظل الصفحة البيضاء"

في الليلة نفسها، حين عادت إلى البيت، جلست أريسيا قرب النافذة.

الثلج يتساقط برقة… كما لو أن السماء تغلف العالم بطبقة من الهدوء لتتيح لها الكتابة بسلام.

أضاءت شمعة صغيرة، فتحت دفترها.

في الصفحات السابقة كانت تكتب عن فتاةٍ تشعر أن ملامحها ضائعة بين الواقع والقصص.

لكن الآن، لأول مرة، شعرت أن تلك الفتاة بدأت تنظر إلى المرآة.

كتبت:

 "الشيء الوحيد الذي يربكني…

أنه لا يحاول فكّ ألغازي، بل ينصت دون استعجال.

كأن صمتي ليس عبئًا، بل لغة بيننا."

ثم أغلقت الدفتر.

في الخارج، كان أوريس يغلق المصابيح، وليلى تقرأ كتابًا قديمًا على الأريكة، تبتسم كلما قرأت اسمًا مألوفًا.

دخلت أريسيا وقالت:

"أمي، هل كان أبي غريبًا عندما التقيتما؟"

ضحكت ليلى، ثم نظرت إليها بعينٍ عميقة:

"كان يشبه مشهدًا قرأته كثيرًا…

لكنني لم أره يُكتب لأجلي حتى وقف أمامي."

أوريس رفع رأسه وقال:

 "الغريب ليس من لا تعرفينه…

الغريب هو من يشعر بكِ قبل أن تشرحي."

أريسيا ابتسمت بهدوء، ثم قالت:

 "أعتقد… أنني بدأت أفهم."

 صباح جديد المقهى مجددًا

اليوم بدا مختلفًا.

الرجل ذو الشعر الأسود كان جالسًا، لكن لم يكن يكتب.

بدلاً من ذلك، وضع أمامه شيئًا صغيرًا.

صندوق خشبي قديم، يعلوه غبار خفيف.

حين جلست أمامه، قال:

 "أريد أن أعطيكِ شيئًا، لكن ليس الآن.

فقط عندما تنتهي من كتابة هذه القصة."

نظرت إليه، حائرة.

"من قال إنني سأعرف متى تنتهي؟"

قال وهو يبتسم، تلك الابتسامة التي لا تكشف كل شيء:

 "عندما تكفين عن السؤال، وتبدئين بالاختيار."

أريسيا رفعت كوب قهوتها، ثم كتبت سطرًا جديدًا:

 "في الصفحات القادمة…

لن أبحث عن النهاية.

بل عن اللحظة التي أقول فيها: هذه أنا."

الفصل : "الصفحة التي لم تُكتب بعد"

في المساء، كانت العائلة مجتمعة حول المدفأة.

ليلى كانت تمشط شعر أريسيا بحنان، بينما كان أوريس يكتب شيئًا على دفتره القديم… لكنه لم يكن دفترًا للنشر، بل دفتر الذكريات، الذي يملؤه فقط عندما يشعر بأن اللحظة لا يمكن نسيانها.

سألت أريسيا:

 "أبي… هل هناك شيء تندم على عدم كتابته؟"

أوريس رفع رأسه، وابتسم ابتسامة لا تحمل ندمًا بل شيئًا أعمق:

 "هناك أشياء لا تُكتب لأننا نخشى ألا نكون مستعدين لها… لكنكِ يا أريسيا، تملكين شجاعة من نوعٍ نادر…"

ليلى تمسح على كتف ابنتها وتهمس:

 "لذلك نحن نؤمن بك… مهما كان ما تكتبينه، هو حقيقي بما يكفي ليُحب."

في اليوم التالي، عادت أريسيا إلى المقهى.

لكن الصندوق الذي وضعه الشاب الغامض بالأمس… لم يكن على الطاولة.

وهو، لم يكن موجودًا أيضًا.

رفعت عينيها إلى السقف، كأنها تفتش في اللاوجود عن أثره.

لكن النادلة اقتربت منها، ووضعت ورقة مطوية بجانب فنجان القهوة.

كان عليها فقط كلمة واحدة:

 "اختاري."

تجمدت أصابعها. قلبها خفق، ليس خوفًا، بل ترقبًا غريبًا.

فتحت دفترها، هذه المرة دون تردد.

وكتبت:

 "أنا لا أريد نهاية.

بل بداية لا تشبه أحدًا.

لا أبي ولا أمي ولا هو…

بداية أُصنع فيها من لغتي، لا من ظل أحد."

ثم خرجت من المقهى، ووجهها مرفوع.

لم تكن تعرف إلى أين تتجه، لكنها كانت تعرف من تكون.

 في المنزل لحظة دافئة من جديد

ليلى تضع كتابًا في الرف، بينما أوريس يلاحظ دفتر أريسيا على الطاولة.

 "تركت دفترها؟ هذا ليس من عادتها."

ليلى تبتسم وتقول:

 "ربما لأنها اخذت صفحتها معها."

أوريس صمت لثوانٍ… ثم همس وكأنه يحدّث ذاكرة قديمة:

 "إنها تشبهكِ كثيرًا… لكنها تنسج ظلها الخاص."

ليلى نظرت من النافذة… والثلج بدأ يذوب.

الشتاء ينحسر، والدفء الأول للربيع يتسلل في تفاصيل البيت.

أريسيا في مرحلتها الجديدة، حيث يبدأ قلبها في البحث، لا هربًا من ماضيها أو ظل والديها، بل من أجل أن تكتشف ما يجعلها "هي فقط".

 الفصل : "منزل تحت الثلج… ظلٌ ينتظر"

كان الغروب يُلقي بضوءه على الشوارع المبتلّة بذوبان الثلج. وأريسيا، بحقيبتها ودفترها، تمشي بهدوء دون وجهة محددة. عيناها البرتقاليتان تتابعان كل شيء، كأنها ترى الحياة لأول مرة خارج دفء المنزل والمقهى المعتاد.

وفي زاوية شارعٍ قديم، توقفت فجأة.

كان هناك منزل صغير شبه مهجور، لكنها تعرفه.

لم تكن تعرف كيف، أو لماذا… لكنها تشعر به.

خشب الباب، زجاج النافذة المتصدع، حتى صوت الريح التي تعزف حوله… كلها أشياء منسية في قلبها.

فتحت الباب ببطء، فصرخ الخشب تحت يدها، كأنه يرحب بها.

دخلت… وكان الدفء هناك.

رغم الغبار، ورغم أن الغرفة لا تحتوي إلا على كرسي وطاولة، كان هناك شعور لا يمكن إنكاره:

كأنها مرّت من هنا في حياةٍ سابقة. أو كأن هذا المكان كتب عنها قصة قبل أن توجد

جلست على الكرسي الخشبي، وأخرجت دفترها.

 "كيف تكتبين شيئًا… لا تعرفين مصدره؟

هل أنا من يكتب… أم أن هناك من يكتبني؟"

همست الكلمات دون أن تلاحظ.

لكن عند تلك اللحظة  سُمِعَ صوت خطوات خفيفة على الأرضية القديمة.

التفتت فورًا… وكان هو.

الرجل ذو الشعر الأسود.

لكن هذه المرة… لم يكن مجرد مارٍّ عابر.

كان يحمل في يده كتابًا  عليه اسمها.

عنوانه: "عندما نسيتِ أن تكوني ظلًّا."

قال بصوت هادئ:

 "لم أكن أكتب قصتكِ… فقط حرّضتكِ على كتابتها."

نظرت إليه، ولم تعرف ما تقول.

لكنه جلس مقابلها، ووضع الكتاب بينهما.

وأضاف:

 "هذا ليس منشورًا. ليس علنيًّا.

لكنه… قصتكِ كما رآها الآخرون."

قالت بصوت مرتجف:

 "من الآخرون؟"

أجاب:

 "أحيانًا… نحن من نكتب بعضنا.

وأحيانًا… نظل نبحث عمّن يرسم الصفحة التي لا نجرؤ أن نبدأها."

في تلك اللحظة، سمعا ضحكة خفيفة من الخارج.

كان أوريس وليلى… واقفين في الخارج، يراقبان من النافذة بصمتٍ حنون.

ليلى تهمس:

> "ستُخطئ وتتعثر… لكنها تعرف أن بيتها سيبقى هنا."

أوريس شدّ يدها بلطف:

 "وهذا يكفي، أليس كذلك؟"

هي أومأت بصمت، بينما الثلج بدأ يهطل من جديد… ناعمًا، كأنّ الذكرى تحاول أن تصنع من جديد، لا لتُنسى، بل لتُعاش.

 الفصل : "على طاولةٍ لا تعرف النهاية"

عاد الضوء إلى المقهى… لا ضوء الشمس، بل ضوء المكان ذاته.

كأن جدرانه الخشبية الدافئة، والأبخرة الصاعدة من فناجين القهوة، كانت في انتظارها دائمًا.

أريسيا جلست في مكانها المعتاد، قرب النافذة، تحمل دفترها الذي أصبح أكثر امتلاءً، لكنه لم يُشبعها بعد.

وضعت القلم جانبا.

اليوم، لن تكتب.

اليوم… ستقرأ.

أخرجت الكتاب الذي أحضره لها، ذلك الذي كتب فيه قصتها كما "يراها الآخرون".

صفحاته كانت مألوفة، لكن الصياغة مختلفة، فيها صوتٌ جديد، كما لو أن مرآة وُضعت أمام صوتها، وراحت تعكسه من زوايا لم ترَها سابقًا.

فتحت الصفحة الأولى…

 "إلى من تنتمي لظلّها، لكن عيونها تعرف النور.

إلى من لا تزال تبحث، رغم أنها كانت المفتاح طوال الوقت.

هذه الحكاية ليست تملكها… لكن فقط هي من تستطيع إنهاءها."

أغلقت الصفحة، ببطء، ورفعت عينيها… وهناك كان هو، مرة أخرى.

نفس الشعر الأسود القصير، النظارة التي وضعها هذه المرة على طرف قميصه، والابتسامة التي لم تكن عريضة، لكنها كانت صادقة بطريقة تُربك القلوب.

اقترب منها، دون أن يستأذن، وجلس:

"هل أعجبكِ ما كتبت؟"

أجابت بعد تردد:

 "أعجبني ما لم أفهمه بعد."

ضحك بخفة، ثم أضاف وهو يشير إلى الدفتر:

 "هذا يعني أنكِ اقتربتِ من الكتابة الصادقة."

كان لقاؤهما هذه المرة مختلفًا.

أقل ارتباكًا، أكثر دفئًا.

لم تكن أريسيا خائفة من سؤاله، ولم يكن هو مختبئًا خلف الغموض.

تبادلا بعض الحديث عن الكتب، عن المقاهي، عن الطقوس الصغيرة التي لا يلاحظها أحد سوى من يكتبون.

ثم سألها:

 "هل والدتك لا تزال تحتفظ بتلك الوردة؟"

توقفت فجأة، تنظر إليه.

 "أتعرف أمي؟"

أجاب بهدوء:

 "القصص تمرر نفسها أكثر مما نعتقد يا أريسيا… وبعض الذكريات تترك أثرًا حتى في مَن لم يعيشها."

هي ابتسمت، تنظر إلى فنجانها، بينما في الخلفية كانت ليلى تراقبها من بعيد بابتسامة دافئة، وأوريس يقف بجانبها، يضع يده فوق كتفها.

مشهد بسيط… عائلة ما تزال متماسكة، حتى إن بدت متفرقة.

ثم عاد الحديث بينهما.

وهنا، أخيرًا… شعرت أريسيا أن الوقت قد حان.

 "لم تخبرني باسمك."

ابتسم، تلك الابتسامة الهادئة الواثقة، ثم قال:

 "اسمي…"

بهمس خافت، كما لو أن صوته لم يُخلق للضجيج، قال:

"اسمي… إيلار نوڤا."

الراوي يهمس :

حسناً ايها القارئ  لنتحدث معاً عن ايلار نوفا قليلا.. 

"إيلار نوڤا" اسمه يحمل طيفًا نادرًا من الهدوء الممزوج بالدهشة، يليق تمامًا بالشخصية الغامضة التي تلوّن قصتنا.

 إيلار:

صوت ناعم، يشبه نسمة في مقهى دافئ.

يمكن أن يُفهم كـ"ضوء" أو "سكينة"، يوحي بشخص غير صاخب، لكن وجوده لا يُنسى.

يحمل رنيناً أنيقًا وغريبًا قليلًا  مما يفتح مجالًا لقصته الغامضة.

نوڤا:

تشير إلى انفجار نجمٍ في السماء… نور مفاجئ ينبثق وسط العتمة.

اسم يلمس المشاعر يحمل معاني الانبعاث، التحول، وربما… الكتابة التي تحدث عندما تنفجر المشاعر على الورق.

اذن من يكون  إيلار نوڤا؟

رجل يظهر في حياة أريسيا بينما تكتب عن نفسها، فيغير قوانين الدفتر دون أن يمسّه…

صامتٌ حين يتكلم، وحين يصمت، يبدو أن كل شيء آخر ينصت له.

عيونه رمادية، تشبه انعكاس المطر على نافذة مكتبة قديمة، وكأن العالم من خلالها قابل لإعادة الكتابة.

أريسيا  نظرت إليه كما لو كانت تتذوق الاسم في عقلها، تراقب كيف يستقر، كيف يترك صدى خفيفًا في صدرها.

لم تردّ مباشرة. فقط ابتسمت بخجل، وأعادت النظر إلى فنجان القهوة الذي بدأت حرارته تتبخر.

إيلار، بهدوء ثابت، حرّك كوبه قليلاً وقال:

"أنا دائمًا أختار هذا المقعد… حتى قبل أن تأتي."

نظرت إليه، ورفعت حاجبًا بشيء من الفضول:

"ولماذا الآن قررت أن تتحدث؟"

ضحك بهدوء، ابتسامة شبه خجولة لكنها عميقة، وقال:

"ربما لأنك كتبت شيئًا جعلني أشعر أنني أعيش سطرًا من دفترك."

تجمدت أنامل أريسيا قليلاً… لم تكن تتوقع أن يذكر شيئًا كهذا.

"أنت قرأت؟"

"لا. لكنني أعرف الكتّاب حين يكونون على وشك أن ينفجروا من الداخل."

كانت تلك الكلمات مثل مرآة داخلها… مرآة لا تُكسر.

أخرجت دفترها من الحقيبة الجلدية البسيطة، ووضعته أمامها.

قلبت الصفحة ببطء… ثم كتبت:

 "إيلار نوڤا…

الاسم الذي نُطق به مثل كشفٍ صامت، دون دخان أو عاصفة.

فقط حضوره… يكفي ليجعل العالم مكانًا يمكن إعادة ترتيبه."

كانت تكتب وهو ينظر إليها، دون أن يطلب تفسيرًا.

كان فقط يبتسم، يقرأها كما لو أن ما تكتبه قد كُتب من أجله مسبقًا.

لاحقا لحظات عائلية بعد عودتها من المقهى 

في تلك الليلة، حين عادت إلى المنزل، كان الدفء لا ينبعث فقط من المدفأة… بل من الضحكات.

ليلى كانت تجهّز عشاءً بسيطًا، بينما أوريس غسق كان يقرأ بصوت منخفض من إحدى رواياته القديمة، ولكن بطريقة درامية تُضحك ليلى وتجعلها تعيد تأليف نهاية القصة على الفور.

عند دخول أريسيا، نظرا إليها.

ليلى بادرت بالسؤال: "كيف كان يومكِ في المقهى؟"

قالت أريسيا بنبرة أخفت الكثير لكنها أضاءت أكثر: "هادئ… لكن مختلف."

أوريس أغلق الكتاب، وابتسم تلك الابتسامة التي يملكها الأب حين يشعر أن هناك قصة جديدة تُولد في ابنته.

"وهل كتبتِ شيئًا؟"

هزّت رأسها إيجابًا، ثم أخرجت دفترها، لكنها لم تفتحه.

قالت ببساطة:

"أريد أن أقرأه لكم قريبًا. لكن ليس الآن… لازلتُ أكتبه."

ليلى اقتربت منها، ولمست خدها بلطف:

"حين تكون القصة من القلب، لا حاجة للعجلة. دعينا ننتظرها مثل الربيع."

في صباح اليوم التالي، ومع أوّل ضوء يتسلّل عبر نافذة المقهى، كانت أريسيا تجلس في مكانها المعتاد. دفئ المعطف على كتفيها، وصوت آلة تحضير القهوة في الخلفية، كلّ شيء بدا مألوفًا… لكنه ليس عاديًا. لأن شيئًا جديدًا بدأ يتحرك داخلها، وكأن الكلمات التي كتبتها أمس، أصبحت تُنبت جذورها في صدرها.

فتحت دفترها، وكتبت:

 "حين نكتب، لا نصنع عوالم… بل نحاول أن نفهم لماذا نشعر أن شيئًا ما ينقصنا، رغم امتلاء العالم بكل شيء."

وصوت خفيف قطع أفكارها.

إيلار نوڤا جلس بهدوء، كما لو أن الريح هي من وضعه هناك. نفس المعطف الرمادي الداكن، نظارته شبه شفافة، وابتسامة صغيرة لا تكشف ما تفكر به عيونه الرمادية.

قال بهدوء وهو يضع كوبه على الطاولة: "أتعلمين؟ القهوة هنا لا تتغير، لكن كل شيء آخر يتغير… أنتِ، أنا، حتى الشتاء."

رفعت عينيها نحوه، وقالت بابتسامة طفيفة: "هل تقيس تغيّر الأيام من طعم القهوة؟"

ضحك، ثم أمال رأسه قليلًا: "ربما… أو من طريقة جلوسكِ، كيف أصبحتِ أكثر ثباتًا في الكرسي."

ثم، بعد لحظة صمت، أخرج ورقة مطوية من دفتر صغير ووضعها بجانبها.

"هذه بعض السطور… كتبتها البارحة بعد حديثنا. لا تقرئيها الآن، بل عندما تعودين إلى البيت."

 مساء في البيت

في المساء، كانت أريسيا تجلس في غرفتها، ضوء خافت يتسلل من مصباح القراءة. جلست على سريرها، وفتحت الورقة التي أعطاها إياها.

كان مكتوبًا:

 "حين قرأت ملامحكِ، شعرتُ أنني قرأت فصلًا ناقصًا من كتاب أعرفه جيدًا.

لا أريد تفسيرك، ولا أن أضيفك لقصتي، فقط أريد أن أراكِ تكتبين سطورك،

وربما، فقط ربما، أكتب بجانبك دون أن أُفسد الصفحة."

وضعت الورقة بجانب الدفتر، دون أن تقول شيئًا.

لكن قلبها… كان يكتب ألف كلمة.

في غرفة المعيشة، كانت ليلى تقرأ كتابًا جديدًا، بينما أوريس يدوّن ملاحظات في دفتر صغير.

دخلت أريسيا، وجلست على الأريكة أمامهما.

قالت ليلى وهي تبتسم: "يبدو أن هناك شيئًا جديدًا في عينيكِ."

أجابت أريسيا بهدوء: "بدأت أفكر… ربما الكتابة ليست فقط لحماية نفسي. ربما هي طريق للتعرف إلى من نكون… إذا بقينا صادقين."

أوريس قال دون أن يرفع رأسه: "وحين تكتبين بصدق، يجلس القدر بقربك ويستمع."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة