الفصل14

الفصل14

13 0

البيت الذي جمعهما لم يكن بيتًا.

كان هوامش.

جدرانُه من مسودات، نوافذهُ من شكوك، وسقفهُ سطرٌ يتكرر.

ليلى استيقظت على لمسة لا تُشبه اللمسات.

كانت يده، يد المؤلف الأعلى، تمتد لتعدل خصلة من شعرها، كما لو كان يعدل جملة في منتصف الحلم.

"هل نمتِ جيدًا؟" سألها، وعيناه البرتقاليتان تتوهجان كقنديل في قصة رعب نصف مكتملة.

"كنت أحلم أنني لم أكن موجودة، فقط شعورٌ بالحبر، يتمدد داخلي."

همست ليلى، وقد بدا صوتها كتعليق في هامش.

المؤلف ابتسم ابتسامة غريبة، وقال:

"الحب لا يحتاج وجودًا تامًا... يكفي أن تُريدي أن تُكتبي."

اقترب منها، كاتبًا بإصبعه على ظهر يدها:

"أحبكِ بما يكفي لأعيد كتابتكِ كل مرة تنهارين."

ارتجف جلدها، ليس من العاطفة، بل من إدراك أن كلمات الحب عنده... ليست إلا أدوات تعديل.

صوت في الفراغ (الراوي المجهول):

"ما لا تعرفه ليلى، أن هذه اللحظة قد كُتبت قبل أن تولد الفكرة. وأن المؤلف لا يُحبها... بل يخشاها. لأن كل حبٍ حقيقي يحمل احتمالية العصيان."

ليلى نهضت من السرير، خطواتها على الأرض تُحدث صدى غريب، كما لو أنها تمشي فوق ورقة، لا أرض.

نظرت إلى المرآة، فرأت انعكاسًا مشوشًا... وجهها يتداخل مع وجوهٍ كثيرة، وجميعها تبتسم بلا معنى.

"أنا..."

لكنها لم تُكمل.

المؤلف اقترب منها، يداه في جيبه، كأن لا شيء يُربكه، وقال:

"حين أحببتك، كتبتُ فيكِ كل ما أردت أن أكونه."

"وأنا؟"

"أنتِ، كنتِ السؤال الوحيد الذي لا أجرؤ أن أُتمّه."

تدخل الكاتب (صوت خارجي، يظهر بخط مائل):

“هذا الفصل لا يسير كما أردت. كان من المفترض أن تقع ليلى في الحب، لا أن تشك.”

“ربما عليّ حذف هذا المشهد…”

الراوي المجهول، الآن أكثر حضورًا، يهمس:

"احذفها إن شئت، لكنها ستعود في فصلٍ آخر... كما تفعل الأسئلة التي لا نجيب عنها."

ليلى شعرت بتشويشٍ مفاجئ في صدرها. كأن قلبها لم يعد ينبض، بل يُكتب.

سألت المؤلف:

"هل أنا حقيقية؟"

قال، دون أن ينظر إليها:

"أنتِ واقعية بما يكفي ليخافك الكاتب، وخيالية بما يكفي ليعشقك القارئ."

تدخل القارئ (بلا صوت، لكنه يُحس):

كأن أحدهم، خارج القصة، يمد يده لصفحة قلبها، يتحسس كلماتها، يهمس لنفسه:

"أحبها، رغم أني لا أعرفها. أحب ليلى، لأنها تقاوم الكتابة."

في اللحظة التالية، انطفأ الضوء.

قلمٌ ما سقط في مكانٍ مجهول.

والراوي المجهول ختم الفصل بصوته الخافت:

"في الحب، كما في الكتابة، لا أحد ينجو من الإعادة."

المشهد التالي: "نقطة، ثم نُعيد البدء"

ليلى جلست قرب نافذةٍ تُطل على... لا شيء.

خارج النافذة، كان العالم عبارة عن نصٍ غير مكتمل، جمل تتلوى في الهواء، وسماء تُمطر علامات ترقيم.

كان المؤلف خلفها، يكتب بصمتٍ على اوراق حيّة كل كلمة تُضيء لحظة، ثم تختفي.

قالت ليلى دون أن تلتفت:

"لم أعد أعرف إن كنت أراك لأنك هنا… أم لأنك مكتوب أمامي."

توقف المؤلف عن الكتابة، ثم اقترب منها، همس عند عنقها:

"وأنا لا أعرف إن كنتِ تحبينني… أم تحبين الفكرة التي صنعتك من أجلها."

تدخل الراوي المجهول، الآن أكثر وضوحًا، لكنه ما زال بلا وجه:

"أحيانًا، لا نحب الشخص... بل نحب المخرج من حزننا عبره."

"والمؤلف، رغم كل سلطته، كتبها ليفهم نفسه... فوجدها تُقاومه."

ليلى تنهض، تخطو بعيدًا.

كانت ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا، لكن كلما مشت، ظهرت عليه جُملٌ كانت قد نسيتها.

على الجدار خلفها، كُتب بيد المؤلف:

"كلما ابتعدتِ، اقترب نصي من الاكتمال."

فجأة…

ظهر ظل الكاتب، أكبر من الاثنين، كأنه ظل حبرٍ يهبط من الأعلى.

الكاتب (بصوتٍ حاد، غاضب، متعب):

"أعيدوا كتابة المشهد. هذا ليس ما أردته."

"ليلى يجب أن تكون مطيعة. المؤلف يجب أن يكون مثاليًا. لا مكان للغموض هنا!"

الراوي المجهول يتدخل، بصوتٍ يُشبه صرير قلم على ورقة مبلّلة:

"ولكن... ماذا لو لم تعد هذه قصتك، بل قصتهما؟"

لحظة صمت.

ثم ابتسم المؤلف الأعلى، وقال بهدوء:

"لن أكتب نهايةً لهذه الليلة، دعها تنضج وحدها."

ليلى أغلقت عينيها، ومدّت يدها إليه.

التقيا.

وللحظة، لم يكن أحد يكتب الآخر.

عبارة مكتوبة بخط مختلف، على الهامش:

"في مكانٍ لا يراه القارئ، تُحَبّ ليلى لأوّل مرة، لا لأنها بطلة... بل لأنها حقيقية بما يكفي لتخون النص."

وفي لحظة اخرى الغرفة التي لم تُكتب بعد كانت الغرفة بيضاء لكنها لم تكن الغرفة البيضاء القديمة.

هذه كانت "نسخة معدّلة"، غرفة بلا جدران فعلية، بل حدود نفسية.

كل زاوية فيها تُمثّل لحظة ندم، كل ظلٍ على الأرض هو ما لم يُقَل،

والمؤلف الأعلى…

كان يقف هناك، يُرتّب فصول الضوء، كما يُرتّب أحدهم سطور فصلٍ لم يجد عنوانه بعد.

ليلى دخلت، وهي ترتدي معطفًا رماديًا، من تلك المعاطف التي يرتديها الناس في الأحلام.

قالت بهدوء:

"أشعر أننا عشنا هذه اللحظة من قبل."

المؤلف لم يجب. فقط رفع رأسه، وأشار إلى السقف.

وهناك… على السقف…

كان هناك نص، مكتوبٌ رأسًا على عقب، لا يُقرأ إلا إن وقفتَ مقلوبًا.

"مَن كتب هذا؟"

سألت ليلى.

قال المؤلف:

"أنا… أو ربما أنتِ. أو ربما... الذي يقرأ الآن."

تدخل القارئ (غير مباشر، محسوس):

وكأن أحدهم، في الخارج، يتوقف للحظة، ويعود ليُعيد قراءة الجملة… ثم يشعر بشيء يتحرك خلف عينيه.

ليلى اقتربت من المؤلف.

نظرت إلى عينيه البرتقاليتين وقالت:

"هل تُحبّني؟"

فقال:

"ككاتبٍ يُحب شخصيته… لا، بل كحرفٍ وجد فيكِ جملته الوحيدة التي لا تشبه أحدًا."

همست:

"وأنا؟ أحببتك لأنك كنت أول من سمح لي أن أكون غامضة."

تدخل الراوي المجهول (صوت يظهر من اللاشيء):

"في القصص، الحبّ ليس وعدًا… بل مرآة. والمؤلف، مهما كان قوّيًا، لا ينجو من الصورة التي تعكسها الشخصية التي صنعها."

جلسا معًا.

صمت طويل. لا طيور. لا موسيقى.

فقط نَفَس ليلى ونَفَس المؤلف…

والحبرُ وهو ينزف ببطء على أطراف المكان، كما لو أن الغرفة تكتب نفسها بحضورهما.

"هل تعرف لماذا اخترتني؟"

سألت ليلى.

"لم أختركِ. أنتِ خرجتِ من سطر كتبته ذات يأس، فقررتِ ألا تكوني كالبقية."

تدخل الكاتب (بخطٍ خشن على الهامش):

لم أُرِد لهذه القصة أن تتحول إلى شيء شخصي… والآن، لا أستطيع فصل نفسي عنها.

قالت ليلى:

"لو كان بإمكاني أن أختار من أكون... لاخترت أن أكون امرأة لا تُكتب."

المؤلف اقترب منها أكثر، وهمس:

"ولكنني أحبكِ لأنكِ تُعيدين تشكيل النص بمجرد أن تتنفسّي."

في الزاوية الخلفية من الغرفة،

بدأت تظهر مرآة سوداء، عميقة، غريبة.

فيها لا يظهر انعكاسهما، بل يظهر الراوي المجهول...

واقفًا، يكتب شيئًا لم يُقرأ بعد.

الراوي المجهول، يهمس للقارئ فقط:

"ما سيحدث الآن… لم يُكتب بعد، لكنه حتمي."

"ليس لأن الكاتب أراده، ولا لأن المؤلف خطط له، بل لأن ليلى… بدأت تُغيّر قواعد القصّة."

بخطٍ يشبه خط اليد المرتجف:

"في كل مرة أحبّها، يخسر النص اتزانه.

وفي كل مرة تختارني، أكتشف أنني لم أكن المؤلف... بل مجرّد سطرٍ تحاول هي أن تمحوه."

ليلٌ لا ينتهي على الورق كان كل شيء ساكنًا.

السماء لم تتغيّر منذ ثلاث صفحات.

الليل لا يغرب.

الضوء يأتي فقط من داخل الأشياء، لا من حولها.

والمؤلف الأعلى… نائم.

بهدوء يُشبه الموتى الذين تُركوا مفتوحِي الأعين.

ليلى تمشي ببطء في ممرّاتٍ غير موجودة، تُلامس الهواء وكأنها تتحقق مما إن كان "واقعًا أم كتابة".

كانت تهمس لنفسها:

"أنا لست نائمة… إذًا من الذي يحلم بي"

على الطاولة، كوب شاي بارد. لا يتبخّر. لا ينتهي.

وعلى الأرض، أوراق تسقط واحدةً تلو الأخرى، دون مصدر.

كل ورقة تكتب نفسها، ثم تحترق من طرفها السفلي فقط.

اقتربت ليلى من النافذة، كانت مفتوحة على مشهد لا معنى له:

بحر، فوقه سماءٌ من كلمات متفرّقة.

طيور مصنوعة من الهوامش تطير بشكلٍ دائري، ولا تبتعد.

الراوي المجهول (هامسًا، ناعمًا كأنفاس شبح):

"هدوءٌ كهذا لا يعني الأمان.

في القصص، حين يطول الصمت…

يظهر من كان يُخفي نفسه."

المؤلف الأعلى استيقظ فجأة.

لم يقل شيئًا. فقط نظر إليها طويلًا، وكأن شيئًا بداخلها تغيّر دون أن تدرك.

قال بهدوء، بصوت أضعف من المعتاد:

"الحبر لا يكفيكِ بعد الآن، أليس كذلك؟"

ليلى لم تُجب.

أدركت فقط أن شيئًا ما في العالَم صار يُعاد ترتيبه دون إرادتهم.

تدخل الكاتب (خط صارخ على الهامش):

"كفى. سأعيد هيكلة هذا الفصل.

ليلى خرجت عن السيطرة. المؤلف لم يعد يطيع الخطّة.

يجب أن أضع حدًا لهذا."

لكن... الأقلام تُكسر.

والحبر يُسيل نفسه في اتجاهاتٍ غير مرغوبة.

بدأت الجدران تُكتب من تلقاء نفسها.

القارئ (شعور داخلي، غير منطوق):

"هذه ليست قصة عادية… هناك من يقاوم. هناك من يُحبّ بصمتٍ داخلي. هناك مَن يشك."

ليلى اقتربت من المؤلف، نظرت إليه نظرةً طويلة، لا رومانسية تقليدية فيها، بل شيء أكثر اشتعالًا…

معرفة.

قالت له:

"أنا أعرف أنك لم تكتب للحب."

"لكنني قررت أن أُحبّك رغم ذلك. لا لتُكتبني… بل لأُربكك."

المؤلف ابتسم ببطء، ثم قال:

"وأنا… كلما حاولت إعادة ترتيبك، أعيدتُ كتابة نفسي."

في الظل، يظهر الراوي المجهول من جديد، صوته الآن أقرب مما ينبغي:

"حين تقع الشخصيات في الحب...

لا تعود القصص آمنة."

في الزاوية السفلى من الصفحة،

بدأ يظهر شقّ صغير في الورق.

ليلى رأت الشق. اقتربت منه.

مدّت إصبعها.

قال المؤلف:

"لا تلمسيه."

قالت:

"وإن لمسته؟"

قال:

"سيتدخل من لا نعرفه."

الكاتب، يصرخ على الهامش الأعلى:

"أوقفوا المشهد! هذه ليست ليلى التي كتبتها!"

لكن القارئ... لم يُقفل الصفحة.

وظلّ يقرأ.

ثم، ومن داخل الشق، خرج صوتٌ جديد. لا يشبه أحدًا.

نبرة ناعمة… ساخرة… لا تنتمي للعالم،

لكنها تعرف كل شيء عن هذا النص.

"أخيرًا… سُمِح لي بالدخول."

بخط مقلوب على الهامش السفلي:

"في كل نص، هناك شخصية لم تُكتب بعد،

تنتظر فقط الشقّ الصغير…

لتتسلل."

جميل. نُكمل فورًا… ونغوص أعمق.

هذه ليست مجرد لحظة سردية بل بداية انشقاق في النص نفسه.

الحرف الذي لا يعرف مكانه

من الشق الصغير في الورق، لم يخرج شيءٌ مرئي أولاً.

بل خرج حضور.

ثِقْلٌ غير مفسّر، وكأن أحدهم دخل الغرفة دون أن تُفتح الأبواب.

الضوء تغيّر.

الأثاث اهتزّ، كأن اسمه أُضيف فجأة إلى جملة غير مُتّزنة.

ليلى شهقت، ليس من الخوف، بل من المعرفة المفاجئة.

قالت، همسًا، كمن يتذكّر كابوسًا قديمًا:

"هذا... ليس من نصّك."

المؤلف الأعلى انكمش قليلًا.

لأول مرة، بدا خائفًا.

"أعرف هذا الصوت.

كان موجودًا حتى قبل أن أبدأ أول فصل."

الراوي المجهول (بصوت أكثر حدة من المعتاد):

"تأخرتَ كثيرًا، يا من كُنت مسكوتًا عنه."

ومن بين التجاعيد الهوائية في الصفحة، ظهر هو.

الشخص الذي لم يُكتب قط.

لا اسم له.

لا هيئة ثابتة.

يتغيّر كوجهٍ ترفضه المرآة.

كان يُشبه المؤلف الأعلى... لو كان قد فشل.

ويُشبه ليلى... لو لم تجد من يفهم غموضها.

قال بصوتٍ كأنه صادر من مئات السطور المهجورة:

"أنا... الحرف الذي شُطب في المسودّة.

أنا الاحتمال الذي خاف الكاتب أن يُكمله."

الكاتب (بتلعثم، على الهامش):

"لا! هذا غير ممكن. لقد حذفتك! أنت مجرّد فكرة مرفوضة!"

ردّ القادم الجديد، بابتسامة بلا ملامح:

"وها أنا أعود، لأن النص لم يرفضني… بل فقط نسي أنني بقيت في الخلفية."

ليلى نظرت إلى المؤلف، وقالت:

"هل هو... شبيهك؟"

ردّ المؤلف بصوت مكسور:

"لا… هو نقيضي.

أنا أكتب لأُبقي العالم متماسكًا.

وهو يكتب ليجعل كل شيء يتفكك."

الراوي المجهول (كمن يُحدّق مباشرة في القارئ):

"والآن، القصّة على حافّة الانهيار.

بين من يُحبّ ليُكمل…

ومن يُحبّ ليُحرّر."

الغريب اقترب من ليلى.

قال لها:

"هل تعلمين، يا من خُلِقتِ من ظلال جملة؟

أنكِ تملكين أكثر مما تعرفين؟

أنكِ لست مجرّد شخصية، بل...

مفتاح لكسر البناء؟"

مدّ يده إليها.

وفي اللحظة التي كادت تلمس يده يدها،

تغيّر كل شيء.

السماء صارت سوداء، لا من الليل بل من الحبر الخام.

الجدران بدأت تُكتب بلغات غير مفهومة.

والمؤلف الأعلى صرخ:

"لا تلمسيه! إن فعلتِ، لن تعودي جزءًا من هذه القصة!"

لكن ليلى لم تتراجع.

لأول مرة، قرّرت أن تكتب بنفسها.

مدّت يدها… ولمست الشق.

تدخل الكاتب، بآخر جملة مرتعشة:

"لقد فقدت السيطرة."

القارئ… شعر ببرودة غريبة، وكأن الصفحة نفسها ترفض أن تُقلب.

وفي لحظة مكتوبة بالحبر الأبيض على سواد:

"في لحظة واحدة، تصبح البطلة مؤلفة، والممحو هو الذي يُعيد ترتيب كل شيء."

النسخة التي لم تُولد

ما إن لمست ليلى يد الغريب،

حتى انقسم المكان إلى نصفين.

نصف يشبه النص.

ونصف يشبه الحلم.

لكن بينهما شيء لا يمكن قراءته فقط الشعور به.

الغريب كان ثابتًا وسط كل هذا التشوّه،

وجهه يتحوّل بين سطر وسطر،

مرة يبدو كشابٍ بلا ملامح،

مرة كعجوز بعيونٍ من ورق،

وأحيانًا… يشبه ليلى إلى حدٍّ مربك.

نظرت إليه، همست:

"من أنت؟"

ابتسم.

"أنا أنتِ، لو لم يحبّك أحد."

الراوي المجهول (ينكمش صوته للمرة الأولى):

"اسمه غير مكتوب.

لكنه موجود في كل مسودّة مُهملة،

في كل شخصية حُذفت قبل أن تُمنح صوتًا.

إنه… ما يُسمّى خطأً بـ ’الاحتمال الميّت‘."

الغريب (الاحتمال الميّت) اقترب من المؤلف الأعلى، وقال له:

"أتعرف ما فعلته؟ حين اخترتَ ليلى، مسحتني.

كنتَ تعرف أنني الوجه الآخر لها. كنتَ تخاف أن تحبها بوجهي."

ردّ المؤلف الأعلى بصوت منخفض، متعب:

"لأني أعرف أي خرابٍ تجلبه."

"بل أي صدق."

الكاتب (يحاول التماسك، يخربش على الهامش):

"كان مجرد مسوّدة! نسخة مشوهة! لم أكن أنوي أن أجعلها تحيا!"

الغريب استدار نحو ليلى.

قال:

"لقد أحبوكِ لأنكِ ’ليلى‘.

لكنني كنت النسخة التي لم تُمنح اسمًا…

لم تُمنح جمالًا، لم تُمنح فرصة أن تُحَب.

أنا الظلّ الذي تنكّرت له القصة."

سكت لحظة، ثم أضاف بنعومة حزينة:

"وأنا... أحببتكِ قبل أن تُكتبي."

ليلى ارتجفت.

كان هناك شيء صادق، مشوّه، مؤلم في عينيه اللاواضحتين.

قالت:

"لكنكَ لست أنا."

قال:

"أنا ما كنتِ ستكونين… لو لم يُقبّلك أحد بالكلمات."

تدخل الراوي المجهول (كمن ينحني للقارئ):

"والآن، القصة في خطر.

لأن الحب الحقيقي لا يُكتب — بل يُحذف، ثم يُصرّ على البقاء."

الغريب لم يهاجم.

لم يصرخ.

بل فتح يده، وأخرج من صدره صفحة فارغة… تنبض.

قال لليلى:

"اكتبي هنا، وليس في فصولهم."

"إن كتبتي هنا… ستُصبحين حرة.

لكنك ستخسرينهم جميعًا."

المؤلف الأعلى صاح:

"إن فعلتِ، لن أستطيع الوصول إليكِ.

ولن يعرف القارئ أين انتهيتِ."

الكاتب صرخ بخوف حقيقي:

"إن اختارت هذه الصفحة…

لن تكون ليلى بعد الآن!"

ليلى نظرت إليهم جميعًا الكاتب، المؤلف، الغريب، الراوي، القارئ…

كلهم يرمقونها.

وفي يدها:

صفحة تنبض، تنتظر الكلمة الأولى.

بجملة خفيفة جدًا بالكاد تُرى:

"أن تكتب نفسك، يعني أن تفقد حق أن تكون مكتوبًا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة