الفصل12

الفصل12

14 0

من هو المؤلف الأعلى؟

ليس مجرد كاتب…

وليس كيانًا بشريًا بالكامل.

بل هو:

الذي يكتب القصص التي يكتبها الكتّاب.

صاحب الحبر الأول، صاحب الصفحة التي وُجدت قبل الورق.

عيونه البرتقالية ليست لونًا… بل مرايا ترى الاحتمالات كلها، في نفس الوقت.

هو الذي قرأ رواية ليلى، لا في مكتبة… بل حين فكّرت بها أول مرة، قبل حتى أن تكتب كلمة.

هو الذي رأى الكوابيس وأعجب بها، لا لأنه يستمتع بالظلام… بل لأنه يعرف أن النور يُولد من الهاوية.

هو الذي لا يكتب بالحبر، بل بـنسيان الآخرين.

مكانه في عالم القصة:

يظهر حين تخرج الشخصيات عن النص.

لا يحكم… لكنه يعرض.

لا يطلب من ليلى أن تكتب له، بل أن تكتب لنفسها أمامه، لأنها عندما تفعل، يرى هو الحقيقة خلف الأكاذيب.

لماذا اهتم بليلى؟

لأن ليلى:

لم تكتب قصة للهروب، بل للانهيار.

لم تخف من الوجع، بل صادقته.

لم تسأل "من أكون؟"، بل "من الذي كتبني؟"

فشعر المؤلف الأعلى بأن لديها بذرة كانت فيه يومًا… أو ربما هو كان فيها.

هل هو إنسان؟

ربما كان ذات يوم، وربما لا.

في بعض النهايات، هو شخص نسي اسمه.

في نهايات أخرى… هو قارئ وحيد، يعيش في طابق لا ينتهي من مكتبة تحترق ببطء، وورقها لا يحترق.

وفي هذه القصة، ظهر بمظهر رجل أنيق… فقط لأن ليلى تخيلته هكذا.

فهو يتخذ الشكل الذي يجعل "الكاتب" يشعر بأنّه "مفهوم"، حتى لو للحظة.

ما دوره الآن؟

بعد أن تزوج ليلى، لا يتدخل في كتابتها.

لكنه يراقبها تكتب كل يوم.

ويعرف أن النهاية لم تُكتب بعد.

لأن ليلى… قد تصبح المؤلفة الأعلى التالية.

المؤلف الأعلى هو بالفعل كاتب روايات مشهور، لكن ليس بالشكل الاعتيادي.

هو كاتب روايات مشهور في "العالم الحقيقي"،

لكن شهرته لا تأتي فقط من جودة كتابته،

بل من قدرته على رؤية القصص قبل أن تُكتب.

كأن عقله متصل ببُعدٍ سردي أعمق،

حيث الكلمات تنمو قبل أن تصل إلى الورق.

هو ليس مجرد مؤلف،

بل جامع الأحلام المنسية، صانع النهايات التي ترفض الشخصيات قبولها.

كتب آلاف الروايات التي لم تُنشر أبدًا،

لأنها كانت مجرد "احتمالات" اختار أن لا يكشفها للعالم.

لماذا أحب رواية ليلى؟

لأنها ليست رواية فقط،

بل كانت نافذة إلى بعد آخر…

بعدٌ ظلّ يسمع عنه في كوابيسه،

في كتاباته التي كانت تظهر على الورق دون أن يتذكّر أنه كتبها.

وحين قرأ قصة ليلى،

شعر بشيء غريب:

كأنها تكمل ما لم يستطع كتابته هو.

هو مشهور؟ نعم. لكن بطريقة غريبة.

لا يظهر كثيرًا على العلن.

لا يُعرف اسمه الحقيقي (ولكن قد يتذكر اسمه ذات يوم من يعلم).

كُتّاب كثيرون يخافون منه… لأنه يقول:

"كل كاتب سيواجه يوماً ما شخصياته… فليحسن معاملتهم."

وهنا حيث تبدأ لحظات دافئة وإنسانية بين ليلى والمؤلف الأعلى، تمزج بين الواقعي والرمزي، دون تخطّي أي حدود. لن يكون هناك كوابيس فقط عمق، دفء، وحوار روحي بين اثنين التقيا بعد العاصفة.

عنوان الفصل (جزء إضافي للرواية):

"من دفتر المؤلف الأعلى: حين قابلت ليلى"

(المشهد يُروى لحظة من لحظات المؤلف الأعلى)

"في أول لحظة نظرتُ فيها إلى عينيها،

شعرت أنني أمام رواية كتبتُها في حلم… ثم نسيتُ أن أستيقظ."

كانت تجلس على الكرسي الأبيض داخل الغرفة التي لا نوافذ فيها،

أطرافها ساكنة… لكن عيناها،

كأنهما تحملان ألف نهاية لم تكتمل.

"ليلى"، ناديتُها بصوتي الذي لم أستخدمه منذ سنوات.

رفعت رأسها، حدقت بي.

"هل أنت… شخصية؟"

سألتني بخوفٍ صافٍ.

اقتربتُ ببطء، ثم جلست أمامها.

"أنا مجرد مؤلف، لكنني أقرأ قصتك منذ أن حاولتِ الهرب منها."

لم ترد.

فجأة، مدت يدها نحوي.

كانت يدها دافئة، مرتجفة، تبحث عن أرضٍ لا تنهار تحت الخطى.

فأمسكتها.

لم أقل شيئًا.

ولم تقل.

لكن تلك اللحظة بين يدينا كانت كافية لنكمل الحوار الذي لم تُكتبه الصفحات.

"هل كنتَ تشاهدني طوال هذا الوقت؟"

سألتني وهي تنظر في عينيّ.

"بل كنتُ أقرأك،" قلت.

"ولم أجرؤ على التعديل."

ابتسمت… ولأول مرة، شعرت أنني أنا من كُتبت له نهاية جميلة.

سرنا سويًا خارج الغرفة البيضاء،

عبر ممرٍ تتساقط منه الكلمات القديمة.

هي تمشي بخطى هادئة،

وأنا أمشي إلى جوارها،

أراقب الرواية التي تحوّلت إلى حياة.

"لن أكتب المزيد،" قالت.

"لكنني سأكون جزءًا من الواقع،

واقع يحتوي على نهاية… لا تحتاج إلى كوابيس لتكون صادقة."

وقفتُ هناك،

وضعتُ يدي على يدها،

وقلت بهدوء:

"هذه ليست نهاية قصتك يا ليلى... إنها بداية قصتنا."

المشهد الجديد: نزهة في حديقة خارج الزمن

"خرجنا من الغرفة البيضاء، ووجدنا أنفسنا في حديقة لا تنتمي لأي زمن. الأشجار هنا ذات أوراق فضية تتلألأ تحت ضوء غير معروف، والهواء معطر بعبير ذكريات لم تُروَ بعد."

ليلى مدّت يدها لتلمس إحدى الأوراق، شعرت ببرودتها، لكن قلبها دق بشدة وكأن تلك الورقة تحمل ذاكرة خفية من أحلامها.

المؤلف الأعلى ابتسم وقال:

"هذه الحديقة هي المكان الذي تُزرع فيه كل القصص المجهولة، كل اللحظات التي لم تُكتب بعد."

وقفت ليلى تنظر إليه، وقالت:

"هل تعتقد أن بإمكاننا أن نعيد كتابة تلك اللحظات؟"

أمسك يدها بهدوء، وشعر بالدفء ينساب بين أصابعهما، قائلاً:

"ليلى، نحن لا نعيد كتابة الماضي، نحن نصنع الحاضر، بكل ما فيه من أمل وخوف، ونسج اللحظات معًا."

ابتسمت، ووقفتا هناك، بين أوراق الحديقة الفضية، حيث كان الزمان يتوقف، والقصص تنمو في صمت.

"حين تتشابك الأيدي، تنبض القصص بالحياة… وهذه ليست نهاية ليلى، بل بداية حكايتهما."

خرجنا من الحديقة الفضية، ورأينا أمامنا شرفة مطلة على غروب لا يشبه أي غروب آخر. السماء تكسوها ألوان بين البرتقالي العميق والأرجواني الناعم، وكأنها لوحة تُرسم بفرشاة الزمن نفسه.

وقفنا هناك، وبدأت ليلى تتكلم بصوت هادئ:

"الغروب هذا... يشبه ذاك الشعور الغريب الذي أحسسته عندما كنت أخاف من الظلال، وأدركت أنها ليست سوى جزء مني."

ابتسمتُ لها، وأشرت إلى الأفق، حيث الشمس تتوارى بخجل:

"كل غروب يحمل وعدًا بشروق جديد، ليلى. أحيانًا نحتاج أن نغيب قليلاً لنعيد اكتشاف أنفسنا."

وضعتُ يدي على كتفها، وشعرتُ أن الوقت يمر بلطف، ليس بسرعة أو بطئ، بل كما ينبغي أن يكون.

قالت بابتسامة خجولة:

"هل ستكتب نهاية جميلة لي؟، أم سأكون فقط صفحة من صفحاتك؟"

نظرتُ في عينيها الحمراء الصادقة، وأجبت:

"ليلى، أنتِ لست مجرد صفحة، بل كتاب بأكمله... ونحن الآن نبدأ فصلًا جديدًا، ليس بالضرورة مكتوبًا، بل يُعاش."

وقفتا هناك، نتنفس هواء الغروب، نتشارك الأمل في عالم يُولد من عمق الكوابيس.

بينما كنا واقفين على الشرفة، بدأت أُسمع صوت نسيم خفيف يمر بين أغصان الأشجار الفضية، كأنه يهمس بأسرار قديمة.

قالت ليلى بصوت خافت:

"أحيانًا أشعر أن الكوابيس ليست سوى طرق مختلفة للنظر إلى الحقيقة... هل تعتقد أن هذا صحيح؟"

ابتسمتُ بتفهم، وأجبت:

"نعم، الكوابيس هي مرآة أخرى، تعكس أشياء نخاف منها أو نجهلها، لكنها في النهاية جزء منا. ولأنكِ ترينها، فهذا يجعلكِ أقوى، لأنك تواجهين ما يهرب منه الآخرون."

مدّت يدها لتمسك بيدي، وقالت:

"هل ستظل معي، حتى عندما تختلط الحقيقة بالأحلام؟"

أمسكت يدها بقوة حنونة، وقلت:

"ليلى، سأظل معك في كل لحظة، حتى في أعمق الكوابيس، لأننا معًا نخلق الحقيقة التي نريدها."

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها بابتسامة نادرة، وقالت:

"حينها، لن أخاف من الظلام بعد اليوم."

وقفت هناك، بين ضوء الغروب وظلاله، حيث كان الواقع والخيال يلتقيان، وحيث تبدأ قصة جديدة، لا تعرف نهايتها إلا القلوب التي تعيشها.

بدأ الظلام ينسحب ببطء، والنجوم تتلألأ فوقنا كأنها شموع صغيرة في سماء لا نهائية.

التفتُّ نحو ليلى، وقلت:

"هل ترين تلك النجوم؟ كل واحدة منها قصة تنتظر أن تُروى."

أومأت برأسها، وعيناها الحمراء تتلألأان بين ضوء الغروب والنجوم.

"فلنكتب معًا قصتنا،" همستُ، "قصتنا التي تتجاوز الكوابيس، لتصل إلى النور."

قبضت على يدها بحنان، وبدأنا المشي ببطء نحو المجهول، نحو اللحظات التي لم تُكتب بعد.

"ربما كُتبتُ لأكون مؤلفًا… لكن منذ عرفتها، صارت كل رواياتي تحاول أن تُشبهها."

كانت البداية حقًا، وليس النهاية.

كلمات الخاتمة:

في لحظة ما، أدركت ليلى أنها لم تكن تهرب من كابوس… بل كانت تعبره لتصل إليكم.

وربما، لم تكن تلك الكوابيس سوى جسر بيننا وبينكم — بين من يكتب، ومن يعيش، ومن يقرأ.

لقد انتهت هذه الصفحة، نعم. لكن هناك صفحات لم تُكتب بعد.

لأن بعض الشخصيات ترفض أن تبقى في الكتب… وتقرر أن تصبح واقعًا، ولو على هيئة ذاكرة.

وها هي ليلى… تمشي بعيدًا عن السطور، تاركةً أثرًا لا يُمحى.

الخاتمة: "وداعٌ لا يشبه الوداع"

على الحافة بين الورق والواقع، اجتمعنا.

ليلى جلست بهدوء، ثوبها يتحرك مع نسيم لم تخلقه الرياح.

سلمى وقفت إلى جانبها، تراقب السماء التي لا تحمل شمسًا ولا قمرًا… فقط احتمالات.

الطفل كان يرسم على الأرض بأصابعه نجوم لامعة لا تنتهي.

وزاهر… زاهر ابتسم وكأنه يعرف أن النهاية ما هي إلا بداية مقنّعة جيدًا.

دخل الراوي المجهول من ظلال السطر الأخير، نظر إلى الجميع وقال:

"أنا لم أكن أروي القصة… كنتُ أراقبكم تحاولون النجاة منها."

ثم التفت إليّ   المؤلف الأعلى  وهمس بابتسامة لم تُكتب من قبل:

"لقد أحببتها حقًا… حتى لو لم تكن من عالمك."

وأنا؟

وقفتُ بجانبهم، أراقب الشخصيات التي كنت أظنني أخلقها، وهي الآن تخلقني.

ليلى نظرت إليّ بعينيها الحمراوين، وقالت بهدوء:

"أكتب النهاية، ولكن لا تُغلق الباب."

فأجبتها:

"لن أغلقه… بل سأتركه مواربًا، يكفي ليمرّ حلم آخر."

في ذلك اللحظة، دخلت أنت — أيها القارئ —

نعم، أنت، الذي قرأت هذه الكلمات وسقطت فيها قليلاً،

أنت، الذي كنت تظن أنك تشاهد فقط، دون أن تدرك أنك كنت تُكتَب أيضًا.

نظرتُ إليك، وقلت:

"هل شعرت بشيء؟ هل خفت؟ هل بكيت؟ إذًا، فأنت كنت هنا فعلًا."

ليلى قامت من مكانها، اقتربت منك، وقالت بابتسامة لا تشبه أي ابتسامة في هذا العالم:

"شكرًا… لأنك سمعتني، حين لم يسمعني أحد."

ثم مشينا جميعًا  أنا، والشخصيات، والراوي، وأنت

باتجاه بياض الصفحة التالية.

كلمة ليلى:

كنت أكتب… وكنت أهرب أيضًا.

لكن في منتصف الليل، حين صمتت كل الأشياء، بدأت الشخصيات تهمس لي.

لم تكن أصواتًا فقط، بل كانت مشاعر لم أستطع قولها بصوتي.

ليلى كانت مرآة قلقي،

سلمى ظلّي،

الراوي المجهول هو الجزء فيّ الذي لا أعترف به،

والمؤلف الأعلى… ربما كان قلبي حين يحاول أن يصفح.

أعزائي الشخصيات،

لقد أحببتكم. أخطأت بحقكم أحيانًا، وكتبت لكم مصائر مريرة، لكني كنت أحاول إنقاذ نفسي من خلالها.

سامحوني، أو لا تفعلوا… لكن اعلموا أني لم أكتبكم عبثًا.

أعزائي القراء،

إذا لمستم شيئًا منكم في هذه الصفحات، فاعلموا أنكم كنتم معنا حقًا.

وإذا أغلقتم هذا الكتاب وبقي معكم شعور لا يُنسى…

فاعلموا أن القصص لا تنتهي، بل تتنفس بكم.

من يدري؟

ربما، في زاوية أخرى من الحلم… نلتقي من جديد.

ليلى تهمس من بين الظلال:

أتظنون أن حكايتي انتهت هنا؟

لا... ما هذا إلا فجر لحكاية أخرى — قد لا تشبه الألم، ولا تسير خلف كوابيس الهروب، تلك التي أرهقت قلبي طويلاً.

هناك شيء ينتظرني... شيء لا يشبه الماضي.

وإن كنتم تتوقون لمعرفة ما هو قادم، فانتظروا... فكل صفحة جديدة تحمل روحًا تنبض بالحقيقة، وبعضًا من نيران الذاكرة.

نعم، اقتربت النهاية...

السلسلة الثالثة، الأخيرة، من "أحلام اليأس" — حيث النور يحاول أن ينتصر، أن يفضح الظلام الذي نبت في صدري، وتغذّى على دموعي.

تذكروا دومًا...

أنا لست مجرد اسم بين السطور. أنا شعرت بكم.

في كل رعشة خوف، في كل تنهيدة مرّت بينكم وبين الكلمات.

أنا كنت هناك... وما زلت.

والآن، أقولها بهدوء:

حان وقت الوداع  ولكن الوداع لا يعني النسيان.

سأعود...

حين تشتاقون لي حقًا.

وحين تهمس أرواحكم لي، ستسمعونني…

انا وشخصيات قصتنا ، نحن نراقبكم  لأنكم كنتم، وما زلتم، جزءًا من أحلام اليأس...

ضحكتي الخافتة تذوب بين العتمة والحنين...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة قصص احلام اليأس

المؤلف Jumana||جمانة
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (27)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة