كان ذلك اليوم مختلفًا عن كل الأيام...
منال كانت واقفة أمام المرآة منذ الصباح، ترتدي ملابس الفروسية، وشعرها مربوط بعناية، والميداليات القديمة معلقة في غرفتها.
كانت تنظر إلى الكؤوس الكثيرة أمامها، ثم قالت لنفسها:
— اليوم لازم آخذ الذهبية.
كانت هذه المسابقة مهمة جدًا بالنسبة لها.
منال لم تكن تحب المركز الثاني.
كانت تريد دائمًا أن تكون الأولى، خصوصًا أمام والدها جيهان.
دخل مشعل الغرفة، ووقف عند الباب مبتسمًا.
— جاهزة؟
منال التفتت له:
— من زمان.
مشعل:
— متأكدة ما راح تخافين؟
منال رفعت حاجبها:
— أني؟ أخاف؟
ضحك مشعل:
— إي والله، نعرفچ قوية.
اقترب منها وقال:
— بس مهما صار، أني فخور بيچ.
ابتسمت منال.
— وأني أحبك يا مشعل.
مشعل:
— يلا قبل لا تتأخرين، بابا ينتظرچ.
***
في السيارة، كان جيهان يقود، وديلا بجانبه، ومنال ومشعل في الخلف.
جيهان كان فرحان.
كل شوي يلتفت إلى منال من المرآة.
— حبيبة أبوها، اليوم شنو؟
منال:
— الذهبية.
جيهان ضحك:
— إن شاء الله.
ديلا قالت:
— لازم تركزين أكثر من المرات السابقة.
منال سكتت.
مشعل تدخل:
— ماما، خليها تستمتع بالمسابقة.
ديلا:
— أني بس أريدها تحقق نتيجة أفضل.
جيهان نظر إليها، لكنه لم يرد.
كان يعرف أن ديلا دائمًا تريد الكمال من منال.
أما هو، فكان يرى أن ابنته تكفيه كما هي.
***
وصلوا إلى مكان المسابقة.
كان المكان مليئًا بالخيول والمتسابقين وأهاليهم.
منال نزلت من السيارة.
جيهان ناداها:
— منال!
التفتت.
فتح ذراعيه.
— تعالي يا روح أبوها.
ركضت إليه وحضنته.
قال لها:
— لا تفكرين بالنتيجة، سوي اللي تعرفين تسوينه، وأني فخور بيچ قبل لا تبدين.
منال ابتسمت.
— أحبك بابا.
— وأنا أموت عليچ.
ديلا كانت واقفة تراقبهم.
أما مشعل فقال:
— يلا بطلة، ورينا شطارتچ.
منال ركبت حصانها.
بدأت المسابقة.
كان جيهان يتابعها بكل تركيز.
كل حركة كانت تسويها، كان قلبه يتحرك وياها.
وعندما انتهت الجولة، وقف الجمهور يصفق.
منال نزلت من الحصان وهي تلهث من التعب.
انتظرت النتيجة.
وبعد دقائق، أعلن المذيع:
— المركز الأول...
صفق الجميع.
ثم أعلن اسم الفائزة.
منال لم تكن هي.
وبعدها:
— المركز الثاني... منال جيهان.
الناس صفقوا.
منال وقفت للحظة.
كانت تحمل ابتسامة صغيرة، لكنها من داخلها كانت منزعجة.
هي كانت تريد الذهبية.
لكنها أخذت الفضية.
***
بعد انتهاء المسابقة، ركضت منال باتجاه عائلتها.
جيهان فتح ذراعيه.
— تعالي يا روح أبوها!
حضنها بقوة.
— أحسنتِ، والله رفعتِ راس أبوچ.
منال ابتسمت:
— بس ما أخذت الذهبية.
جيهان:
— الذهبية مو أهم منچ.
ثم مسح على رأسها.
— دائمًا رافعة راسي يا عمر أبوچ.
منال ابتسمت، وشعرت بشيء من الراحة.
جيهان نظر إلى ساعته.
— أني لازم أروح، عندي شغل مهم.
منال:
— هسه؟
— إي يا قلب أبوچ، بس شفتچ، واطمنت عليچ.
قبلها على رأسها.
— أحبچ.
ثم التفت إلى مشعل:
— انتبه على أختك.
مشعل:
— من عيوني.
غادر جيهان.
وبقيت منال مع ديلا ومشعل.
بدأت بعض الأمهات والآباء يتجمعون حول بناتهم.
كل واحد يمدح ابنته ويحضنها.
منال كانت تنظر إليهم.
ثم نظرت إلى ديلا.
كانت تنتظر كلمة جميلة.
ديلا اقتربت منها وقالت:
— لو تدربتي أكثر، جان أخذتي الذهبية.
منال تغير وجهها.
— يعني ما عجبچ اللي سويته؟
ديلا:
— ما قلت هيچ.
— بس هذا اللي فهمته.
— أني أريدچ تكونين أفضل.
منال بدأت تنزعج.
— إي، إنتِ ما يعجبچ أي شي أسويه.
ديلا:
— منال، لا تكبرين الموضوع.
منال انفجرت:
— روحي جيبي بنت ثانية تكون أحسن مني!
سكتت ديلا.
منال كملت والدموع بدأت تتجمع بعينها:
— جيبي بنت تجيب الذهبية وما تفشلچ!
ثم ركضت.
— منال!
ديلا ركضت وراها.
— وقفي!
لكن منال لم تسمع.
خرجت إلى الشارع وهي تبكي.
وفي لحظة...
سمعت صوت سيارة قادمة.
التفتت.
لكن الوقت كان قد فات.
حدث اصطدام جعلها تسقط أرضًا.
صرخت ديلا:
— منال!
***
بعد دقائق، كانت سيارة الإسعاف تنقلها إلى المستشفى.
جيهان وصل مسرعًا بعد أن أخبرته ديلا.
كان وجهه شاحبًا.
— وين بنتي؟
ديلا كانت تبكي:
— دخلت للطوارئ.
جيهان:
— شلونها؟
— ما أعرف.
مشعل كان واقفًا في الزاوية، وجهه مليء بالخوف.
— بابا...
جيهان ضمه.
— لا تخاف، أختك قوية.
لكن صوته كان يرتجف.
مرت فترة طويلة قبل أن يخرج الطبيب.
— وضعها مستقر، لكن تحتاج إلى متابعة وعلاج، ونحتاج أيضًا إلى نقل دم.
جيهان فورًا:
— خذوا مني.
ديلا:
— وأنا.
مشعل:
— وأنا هم.
أُجريت الفحوصات اللازمة.
وبعد وقت قصير، جاء الطبيب.
كان وجهه غريبًا.
قال:
— أكو مشكلة.
جيهان:
— شنو؟
— فصيلة دم منال ما تطابق فصائل دمكم.
جيهان عقد حواجبه.
— شلون؟
الطبيب:
— راجعنا الفحوصات أكثر من مرة.
ديلا:
— يمكن أكو خطأ.
الطبيب:
— لهذا السبب طلبنا نراجع ملف الولادة.
فتح الملف.
ثم قال:
— منال ولدت في هذا المستشفى قبل سنوات.
جيهان:
— إي.
الطبيب:
— وفي نفس اليوم والوقت تقريبًا، كانت هناك امرأة أخرى ولدت طفلة.
سكت.
— يبدو أن صار خطأ في تسليم الطفلتين.
ديلا تجمدت.
— شنو يعني؟
الطبيب قال بهدوء:
— منال... على الأغلب مو ابنتكم البيولوجية.
جيهان ما قدر يتحرك.
ديلا وضعت يدها على فمها.
مشعل قال بصوت مكسور:
— يعني منال مو أختي؟
جيهان لم يجب.
كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبها.
***
بعد ساعات، خرج جيهان من المستشفى.
جلس في سيارته وحده.
كان يباوع إلى صورة منال في هاتفه.
وقال:
— لا...
ثم بدأت دموعه تنزل.
— هاي بنتي.
كان يعرف أن الدم لا يقدر يمسح خمسة عشر عامًا عاشها معها.
لكن سؤالًا واحدًا كان يعذبه:
«وين بنتي الحقيقية؟»
***
ديلا كانت رافضة تمامًا فكرة البحث.
قالت:
— جيهان، خلينا ننهي الموضوع.
— شلون ننهيه؟
— منال بنتنا.
— أعرف.
— إذن ليش نبحث؟
جيهان:
— لأن عندي بنت ثانية عايشة بمكان ما أعرفه.
ديلا:
— يمكن حياتها طبيعية.
جيهان:
— ويمكن مو طبيعية.
ديلا سكتت.
قال:
— يمكن مريضة.
— يمكن محتاجة علاج.
— يمكن محتاجة أبوها.
ديلا قالت بتوتر:
— وإذا طلعت فقيرة؟
جيهان نظر إليها.
— شنو المشكلة؟
ديلا:
— وإذا ما كانت متعلمة؟
سكتت.
— وإذا ما كانت جميلة؟
جيهان انصدم من كلامها.
— ديلا!
قالت:
— أني أخاف من كلام الناس.
— الناس؟
— إي. شراح يكولون إذا عرفوا أن بنتنا الحقيقية عايشة ببيت فقير؟ وإذا كانت ملابسها بسيطة؟ وإذا ما تعرف تتصرف مثلنا؟
جيهان وقف.
— هاي بنتي، مو قطعة أثاث حتى نهتم بشكلها.
ديلا:
— أني ما أقصد...
جيهان:
— لا، قصدچ واضح.
ثم قال:
— أني ما يهمني شكلها ولا مستواها ولا تعليمها.
— يهمني أعرف إذا محتاجة إلي.
ديلا سكتت.
جيهان قال:
— إذا كانت مريضة وتحتاج علاج، منو يساعدها؟
— إذا كانت تبچي وما عندها أحد، منو يمسح دمعتها؟
— إذا احتاجت أبوها، منو راح يكون يمها؟
ديلا لم تجد جوابًا.
***
في اليوم التالي، ذهب جيهان إلى صديقه المقرب حازم.
جلس أمامه وقال:
— أريد منك تساعدني.
حازم:
— بأي شي؟
جيهان:
— أريد أعرف بنتي الحقيقية وين.
حازم سكت.
جيهان قال:
— أني خايف عليها يا حازم.
— خايف تكون عايشة حياة ما تستحقها.
— أخاف تكون مريضة وما عندها فلوس للعلاج.
— أخاف تكون محتاجة مدرسة، ملابس، أكل، أي شي... وما عندها أحد.
ثم مسح وجهه.
— أريد أعرفها، حتى لو ما قبلتني.
حازم وضع يده على كتفه.
— راح نلقاها.
***
بعد أيام من البحث، وصل جيهان إلى اسم.
**ليلى محمد.**
عمرها نفس عمر منال.
وتعيش مع والدتها ياسمين وعمتها.
جيهان ظل يقرأ المعلومات أكثر من مرة.
ثم قال:
— ليلى...
ذهب إلى المنطقة التي تعيش فيها.
كان كل شيء مختلفًا عن حياته.
بيوت صغيرة، شوارع بسيطة، وأناس يعرفون بعضهم.
ومن بعيد، رأى فتاة تمشي وحدها.
كانت هادئة.
تحمل حقيبتها بيدها.
توقف جيهان.
قلبه بدأ يدق بسرعة.
حازم قال:
— هاي هي.
جيهان ظل يباوع إليها.
— بنتي؟
ثم نزلت دمعة من عينه.
***
اقترب منها.
— عذرًا...
ليلى توقفت.
— نعم؟
جيهان حاول أن يكون رسميًا حتى لا يخيفها.
— اسمچ ليلى؟
— إي.
— ليلى محمد؟
هزت رأسها.
— إي، ليش؟
جيهان:
— أريد أحچي وياچ بموضوع مهم.
ليلى خافت قليلًا.
— شنو الموضوع؟
جيهان:
— أول شي، لا تخافين.
ليلى:
— أني ما أعرفك.
— أعرف.
ثم قال:
— اسمي جيهان.
ليلى:
— تشرفنا.
جيهان ابتسم بحزن.
— وأني... يمكن أكون أبوچ.
ليلى تجمدت.
— شنو؟
— صار خطأ بالمستشفى يوم ولادتچ.
ليلى تراجعت خطوة.
— لا...
— أريد أسوي تحليل DNA حتى نتأكد.
ليلى كانت مرتبكة.
— بس... أبوي محمد.
جيهان سكت.
ثم قال:
— أعرف أن محمد هو الشخص اللي رباچ؟ أو...
ليلى قاطعته:
— لا.
نزلت عيونها.
— هو أبوي بالاسم فقط.
جيهان شعر بغصة.
— آسف.
ليلى:
— على شنو؟
— لأنچ عشتِ كل هالسنين من غير أب.
ليلى رفعت عيونها إليه.
— إنتَ مو مذنب.
جيهان تأثر.
— بس إذا طلعتِ بنتي... أتمنى تسمحين لي أعوضچ.
ليلى:
— أول شي أريد أتأكد.
جيهان ابتسم.
— طبعًا.
— نسوي التحليل.
***
بعد أيام ظهرت النتيجة.
جيهان فتحها ويداه ترتجفان.
قرأها.
ثم بكى.
كانت ليلى ابنته الحقيقية.
وقف أمامها.
— ليلى...
هي كانت تنتظر.
جيهان قال:
— إنتِ بنتي.
ليلى ظلت ساكتة.
لم تعرف كيف تتصرف.
لم تكن تعرف ما معنى أن يكون عندها أب.
جيهان اقترب منها، لكنه لم يلمسها.
— ما راح أجبرچ تحبيني.
— وما راح أطلب منچ تناديني بابا من أول يوم.
— أعرف أني غريب عنچ.
ليلى بدأت تبكي.
— أني ما أعرف شلون أتعامل وياك.
جيهان دمعت عينه.
— ولا أني أعرف شلون أكون أبوچ بعد خمسة عشر سنة.
ابتسم وسط دموعه.
— بس نتعلم سوا.
ليلى نظرت إليه.
— ليش ما جيت قبل؟
السؤال كسره.
جيهان قال:
— لأنني ما كنت أعرف بوجودچ.
— ولو أعرف... والله ما خليت يوم يمر بدون ما أدور عليچ.
ليلى بكت.
— كنت أتمنى يكون عندي أب.
جيهان لم يتحمل.
اقترب منها ببطء.
— إذا تسمحين...
ليلى ترددت.
ثم اقتربت منه.
احتضنها جيهان بقوة، وبدأ يبكي.
— سامحيني يا بنتي.
ليلى كانت تبكي بحضنه.
— أني ما أعرفك...
— أعرف.
— بس... أحس بشي غريب.
جيهان مسح على شعرها.
— هذا يمكن لأنچ بنتي.
ابتسمت ليلى وسط دموعها.
— بابا...
جيهان تجمد عند الكلمة.
ثم ضمها أكثر.
— عيوني.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ جيهان يحاول يعوض ليلى عن خمسة عشر عامًا كاملة.
كان يسألها عن دراستها، عن الأشياء التي تحبها، عن أكلها، عن حياتها.
وفي أحد الأيام، لاحظ أنها تتعب بسرعة.
سألها:
— ليلى، عندچ شي؟
سكتت.
— شنو؟
قالت بهدوء:
— عندي ربو.
تغير وجه جيهان.
— ربو؟
— إي، من وأنا صغيرة.
جيهان انخاف عليها.
— وماما تعرف؟
— إي.
— والعلاج؟
— موجود، بس مرات...
توقفت.
جيهان فهم.
— مرات ما تگدرون توفرونه؟
ليلى سكتت.
جيهان أخذ نفسًا عميقًا.
— من اليوم، أي شي تحتاجينه، لا تسكتين.
— علاج، مدرسة، ملابس، أي شي.
ثم مسح على رأسها.
— أني أبوچ.
ليلى ابتسمت.
— بعدني ما متعودة على هاي الكلمة.
ضحك جيهان والدموع بعينه:
— وأنا بعدني ما متعود أسمعها منچ.
ضحكت ليلى.
وفي تلك اللحظة، لم يعد جيهان يرى أمامه طفلة ضاعت منه...
بل ابنة وجدها أخيرًا.
ابنة لم يكن يعرف أنها موجودة، لكنها كانت تنتظره دون أن تعرف حتى اسمه.
وكانت هذه فقط بداية الحكاية...
لأن في الطرف الآخر من المدينة، كانت منال لا تزال في المستشفى...
ولا تعرف أن الرجل الذي كانت تناديه طوال حياتها:
**«بابا»**
بدأ يبحث عن الحقيقة...
وأن الفتاة التي ستصبح أختها يومًا ما، كانت قد بدأت تتعلم لأول مرة معنى كلمة:
**أب.**
**يتبع...**
الكاتبة لميس