الفصل الثالث "جنية!"

الفصل الثالث "جنية!"

12 0

الفصل الثالث "جنية!"

قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم

صلوا على نبي الرحمة

______________________________________

رفع خصلاته عن وجهه، نزع المفتاح واستدار يعدل المرآة قبل أن يطلق صرخة قوية تردد صداها في المرآب بأكمله قائلاً بصدمة:

_ أنتِ مين يا ست أنتِ، ودخلتِ عربيتي إزاي؟

صاح "أريان" بفزع وهو يلتصق بباب السيارة يُطالعها باستغراب وهلع، بينما تشدقت "مياسين" بسعادة غبية تقفز من وجهها:

_ أنا أدعى مياسين، أنا الأميرة مياسين، وأنا جنية أيضًا.

أغلق "أريان" عيناه لوهلة يعبث في أذنيه بأصبعه الصغير، لعله استمع إلى شيء خاطئ، أو ربما أذناه بهما شيء ما؟ نظر إليها بسخرية وهو يرفع حاجبيه بضيق من إزعاجها له وهي تتحدث بلغة لا يعلمها:

_ أنتِ مين يا ست أنتِ، وبتقولي إيه؟ أنا مش فاهم حاجة، أوعي تكوني بترمي عليا تعويذة ولا حاجة، أنا مش ناقص.

تراقص العبوس على وجه "مياسين" وهي تضرب جبينها ضربة خفيفة وتهمس بضيق:

_ أوه، أنا أعتذر، أنا حقًا حمقاء، أنتَ لا تستطيع أن تدرك حديثي الآن، حسنًا سألقي بعض التعاويذ لكي تستطيع أن تفهم لغتي يا بشري.

صمتت وهمهمت بينما تقطب حاجبيها باستغراب:

_ ولكن كيف استطاع رؤيتي الآن؟ أنا لم ألقِ تعويذة الإظهار بعد؟

توقفت عن التفكير وبدأت بتلاوة بعض التعاويذ على "أريان" لكي يستطيع أن يدرك حديثها، وبعد مرور دقيقة كاملة، تحدثت "مياسين" مجددًا:

_ الآن، أنا أدعى مياسين، وماذا عنك؟ ماذا تدعى؟

_ ما... إيه؟ مياسين إيه ده يا بنتي! هو أهلك مش لاقيين اسم أغرب من ده شوية؟ وبعدين أنتِ بتعملي إيه هنا، ودخلتِ عربيتي إزاي؟ وكنتِ بتقول إيه من شوية؟

_ ماذا يا بشري، هل هكذا ترحبون بالآخرين؟ أنا حقًا مستاءة.

صمتت لوهلة قبل أن تردف بكل حماس يتغلغله البلاهة:

_ حسنًا يا أيها البشري، أنا مياسين، وأنا جنية من عالم الجن العلوي وماذا كنتُ أتحدث منذ قليل؟ كنتُ ألقي عليك بعض التعاويذ لأجل أن تعي حديثي، مثلما يحدث الآن وها أنا هنا لكي أستكشف عالم البشر وأستمتع بالكثير من المغامرات.

شهقت بصوتٍ منخفض وهمست وهي تقترب منه، تنظر إليه بكل براءة وهي ترفرف بأهدابها الكثيفة:

_ يوجد لديكم مغامرات كثيرة، صحيح؟

_ لا مؤاخذة، بس أنتِ شاربة حاجة صح؟ قولي حاحا كده.

رمقها "أريان" بريبة قبل أن يهمس بمرح يشوبه السخرية:

_ وبعدين أنتِ شاربة إيه عامل معاكِ الدماغ دي؟ قال أنا جنية وتعاويذ وبتاع! هي ناقصة عفاريت كمان! قوليلي على نوع الصنف بس عجبني أوي هعمل بي شغل عالي.

توقف "أريان" عن الحديث يتمتم بغباء وهو يحك رأسه:

_ ليكون ده مقلب الكاميرا الخفية وهكسب ألف جنيه! حلو أوي، والله! وهتلعب معاك يا أريان وهتكسب حاجة بدل النحس اللي ماسك فيك زي ظلك ده! طب فين الكاميرا؟!

_ ماذا عن أي مقلب تتحدث يا بشري؟ وماذا يكون هذا المقلب؟ هل هو شقيقك؟ كيف هي هيئته؟ أخبرني.

نظر "أريان" إليها بحزن وعيناه تترقرقان بالدموع يثرثر بنبرة يشوبها البكاء المصطنع:

_ يعني إيه مفيش مقلب؟ طب الكاميرا الخفية طيب؟

_ ماذا؟ عن ماذا تتحدث أنتَ يا بشري؟ أخبرني.

_ طب أي حاجة طيب، إن شالله مية جنيه حتى! وبعدين إيه جنية وأميرة! ده هبل! أنا ما اسمحلكيش! أنا آه معروف بالمقالب بتاعتي الكتير، مش هتيجي أنتِ على آخر الزمن وتعملي فيا مقلب! انزلي يا بنتي، اضحكي على حد تاني! أنا مش أهبل، اللي بعمله في الناس مش هيتعمل فيا أبدًا!

غمغم بكل ثقة وهو يرفع رأسه وكأنه حقق انتصارًا أو ما شابه بكل ثقة.

_ أنت حقًا لا تصدق حديثي! حسنًا، تستطيع أن تنظر إلى المرآة هنا وسوف ترى انعكاسك أنت فقط بها، وأنا لن أظهر من خلالها إذا لم أهمس بتعويذة الإظهار وهناك شيء آخر، لا أحد يستطيع أن يراني أو يسمعني سواك أنتَ، ألا تصدق حديثي إلى الآن؟ انظر هيا إلى المرآة وستعلم أنني أقول الصدق.

نطقت بهذا وهي تدير رأس "أريان" إلى المرآة، فانتفض بفزع وهو ينظر إليها، يفرك عينيه جيدًا، ولكن لا شيء! هو يرى ذاته فقط! صاح بفزع وهو يضع يديه على قلبه ويلتصق بالباب أكثر:

_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرفي! انصرفي يلهوي عفريته! يا ماما، الحقيني!

أشار بيديه إليها بحركات بلهاء وهو يتمتم بسورة الجن بهمس قبل أن يصرخ بطريقة مضحكة:

_ آه يا ناس الحقوني! بقى! أنا على آخر الزمن اتلبس بعفريته!، أكيد دي من بلاوي أحمد الغول!، يا أخي منك لله! كل ده عشان رميت تلفونك من الشباك وإحنا في الدور العاشر؟ يعمل فيا كده! يتقف مع العفاريت عليا! مكنش العشم!

شهق بصوتٍ مزعج وضيق عينيه بشك، يرمقها بنظرات مخيفة:

_ أنتِ بتبصيلي كده ليه؟ الله! مش هعرف أعيط براحتي كمان؟ حرام عليكم والله! يحصل معايا ليه كده بس؟ اتلبست من غير ما أترقى حتى؟ أكيد دي عين الواد حماص ابن الجيران عشان فتنت عليه إنه كسر أزاز العربية بتاعت صاصا! أكيد هو اه!

_ أو يمكن حمدي عشان رميت مفاتيح العربية بتاعته في النيل ورجع بيته مشي! ولا الواد زكريا عشان فتنت عليه إنه اللي بيسرق الجزم من قدام الجامع يوم الجمعة؟ آها! يمكن زعل مني عشان الناس ضربته ضرب جامد! ولا مين بس؟ يعني أنا كده خلصت! اتلبست بعفريته! لا بس عفريته قمر الصراحة!

نطق "أريان" بكل غباء وهو ينظر إلى "مياسين" بذهول من هيئتها الجذابة.

_عفوًا أيها البشري، ولكن أنا لستُ عفريتة، أنا جنية وأيضًا أميرة مملكة الجِن، لهذا لن أسمح لك بأن تقلل من مكانتي وتطلق عليّ لقب عفريتة، هذا اتفقنا! ثم لماذا تتحدث هكذا وتبكي؟ هل أنا بشعة إلى هذا الحد لكي لا تحبني؟ هل مظهري لا يعجب البشر؟ يخيفهم أم ماذا؟

صاحت "مياسين" بنبرة يشوبها البكاء، وعيناها تسقط قطرات من بحورها الكثيفة، تشدق "أريان" بفزع وسخرية وهو يجدها تبكي من كلماته البلاهة:

_ يعني أنتِ سبتي كل اللي قلته ومسكتي في عفريتة؟ وبعدين بس! وحشة إيه؟ استغفر الله، ده الواد سيف هو اللي وحش! أنتِ قمر يا بنتي والله، وبعدين جنية وعفريتة مش هتفرق، كله من نفس العالم السفلي.

تشدق "أريان" بنبرة ساخرة يشيح بيديه، فهو إلى الآن يعتقد أن هذا مجرد مقلب يُدبِّره أحدهم له، لا يصدق أنه يجلس ويتحاور مع أميرة من عالم الجن العلوي!

_ أعذرني يا بشري، هناك فارق بين الجنية والعفريتة، وأنا لا أسمح أن أنزل إلى مستوى العفريتة تلك! أنا الجنية، الأميرة مياسين، ابنة الملك سيفاك، ملك مملكة سِمديُس، لهذا لا تتحدث عن العفريتة أمامي مرة أخرى، حسنًا؟!.

صاحت "مياسين" بنبرة غاضبة، تشيح بوجهها إلى الجهة الأخرى، بينما "أريان" يهز رأسه بذهول، يضرب وجهه برفق كي يستيقظ من هذا الحلم المزعج:

_ لا... لا، أكيد أنا بحلم! ما هو ده مش حقيقي، مفيش حاجة اسمها جنية أصلًا! فوق يا أريان، يلا وبطَّل هبل قوم!، بس إزاي وهي قدامي كده؟! يا ربي، دماغي هتتفرتك! أنا ليه بيحصل معايا كده؟!.

توقف عن الحديث، اعتدل في جلسته، نظر إلى "مياسين" بإمعان، ثم همس بارتباك وهو يرفرف بأهدابه:

_ لو سمحتي يا أخت، ولا أخت إيه بقى، ده أنتِ جنية! بصي يا أستاذة، يا عفريتة... قصدي يا جنية هانم!

ياختي...يا مياسين، أيوه... مياسين، بطلي تقولي يا بشري يا بشري، أنا ليا اسم وهو أريان، تمام؟ لحد ما أشوف هصرفك إزاي!

همهم بحديثه وهو يهبط من السيارة، يسير إلى منزله، دخل إلى غرفته بعدما أخبر والدته أنه سيغفو قليلًا إلى أن يحين وقت الغداء، بينما تسير "مياسين" خلفه بفضول يشع من عينيها.

قام بخلع كنزته التي يرتديها، فانتفض بهلع على صراخ "مياسين":

_ في إيه؟ بتصرخي ليه دلوقتي؟!

قال ذلك بتساؤل وهو يراها تدير رأسها إلى الجهة الأخرى ولا تنظر إليه، بينما همست "مياسين" بخجل وهي تشير إليه بيديها:

_ ارتدِ ثيابك يا بشري! ألا تخجل أن تقف أمامي هكذا؟!

صمتت، ثم أكملت بمشاغبة وبسمة عابثة تتراقص على وجنتيها الحمراوين:

_ ماذا؟! أليس لديك شقيقات فتيات أم ماذا؟!

_ ها!... آسف، مَخدتش بالي! أنا متعود أعمل كده أول ما أدخل الأوضة! لا والله، معنديش أخوات بنات، عندي جحش صغير بس! ثواني، هغيّر هدومي وهاجي على طول.

انطلق يحضر ثيابه من الخزانة السوداء، دلف إلى المرحاض في غرفته، بينما بقيت "مياسين" تتجول في الغرفة، تستكشفها بذهول. توقفت أمام الخزانة تعبث بها باستغراب من هيئة الثياب:

_ يا ويلي هل هذه هي ثياب البشري إذًا؟! هي حقًا جميلة.

صمتت قبل أن تغمغم بخبث إلى ذاتها، ببسمة خجولة تزيح خصلة من شعرها خلف أذنها:

_ ماذا يا مياسين؟ هل هي حقًا جميلة إلى هذا الحد، أو أن ثيابه هو فقط هي الأكثر جمالًا في عينيكِ؟! أوه

يا ويلي! الغرفة رائعة حقًا مثلما رأيتها من مرآتي!، هذه رائحة جميلة حقًا! يا لي من محظوظة، كل شيء هنا رائع كثيرًا!

جلست "مياسين" على الفراش، تحرك قدميها بملل، تنتظر "أريان" وهي تدندن بكلمات بصوتٍ هامس، أدارت رأسها تبصر "أريان" يدلف من المرحاض، ومنشفة بين يديه يحركها على خصلاته، وهو يقف أمام المرآة، أمام أنظار "مياسين" التي غرقت في شرودها، وهناك شبح بسمة مرسوم على وجهها.

اقترب "أريان" ينحني أمامها وترقع أصابعه أمامها:

_ ألو... حاول من أريان إلى مياسين، من الأرض إلى مياسين!

_ ماذا؟! ماذا حدث؟!

_ لا مفيش، لقيتك سرحانة كده، قولت أفوّقك! بس سؤال... أنتِ عينيكِ دي حقيقية ولا عدسات؟!

همس بحديثه بفضول، وكأنه لم يبصر في حياته أعينًا باللون الأزرق! أوليس هو وشقيقه ورثا هذا اللون من أبيهما؟!

صاحت "مياسين" وهي تربّع قدميها على الفراش، تستند بيديها على قدميها، في مظهر غاية في الظرف:

_ ماذا تقصد بالعدسات؟! ما هي؟ لا أعلم عن ماذا تتحدث، ولكن هذه هي عيناي، هكذا هما... لقد أخذت لونهما من أمي.

حَمْحَمَت، والحزن يغلف صوتها، بينما انتبه "أريان" إليها يتسأل بفضول:

_ طب أنتِ بتقولي كده ليه وأنتِ زعلانة؟!

صاح قائلًا وهو يجذب مقعدًا خشبيًا صغيرًا يجلس عليه، لأجل أن يستمع إليها وهي تسرد قصتها المشوقة.

_ آسف على اللي هقوله، بس أنتِ غبية! أيوه، ما تبصيش كده! غبية لو فكرتِ أنك السبب في موت والدتك، تبقي فعلًا كده! مفيش أم هتقف تتفرج على ناس هيقتلوا بنتها ومتعملش حاجة! أي أم هتضحي بحياتها عشان أولادها، أياً كان الأم دي مين، بني آدمه، جنية، أو حتى قطة! كل أم بتعمل أكتر من كده لو أُطُلب الأمر! ملخص الكلام أنتِ مش السبب في موت والدتك، متحمليش نفسك الذنب!.

تحدث بصوتٍ هادئ، وهو يجذب محرمة من جواره لأجل أن تجفف دموعها، استفاق من شروده بعينيها على صوت والدته تحثه على القدوم لتناول الطعام، استدار ليذهب وهو يستغفر ربه، وخلفه تسير "مياسين" بفضول لرؤية عائلته.

••••

بينما في مملكة "سِمديُس"، داخل القصر الملكي، تسير الأمور كالمعتاد، لم ينتبه أحد إلى غياب الأميرة "مياسين" بفضل النسخة الأخرى المتواجدة.

نذهب بعيدًا إلى مكان لم نذهب إليه من قبل داخل "سِمديُس"، حيث توجد غرفة مظلمة لا يتسلل إليها ضوء الشمس، تجلس فتاة على مقعد وعيناها الزرقاء قد انتشر بهما اللون الأحمر الدامي، وخصلاتها السوداء تتأرجح بفعل الهواء.

أجنحتها السوداء منقطة باللون الأحمر على هيئة لهب متفرق، همهمت الفتاة وهي تستمع إلى صوت شخص دلف إلى الغرفة:

_مولاتي، تسير الأمور كما أمرتِ، ولا أحد انتبه إلى شيء.

هزّت الفتاة رأسها ببطء، وعيناها تشعّان بالغموض والشر:

_أحسنت، كوزيلس، تابع ما يحدث، يجب أن يسير كل شيء كما أخطط أنا، هذه المملكة من حقي أنا، وليست من حق مياسين الغبية ويجب عليك مراقبتها جيدًا، ومتابعة ما يحدث مع الملك سيفاك، كوزيلس، لا أريد أن يحدث خطأ، وإلا ستكون رأسك هي الثمن، أتفهم؟

انحنى" كوزيلس" بطاعة وهمس بصوت منخفض احترامًا لها:

_أمركِ، مولاتي لن يحدث أي خطأ مطلقًا.

أشارت إلى باب الغرفة وهي تهمهم بغموض:

_حسنًا، غادر الآن، ونفّذ ما قلته لك، راقب مياسين جيدًا.

••••

في الحديقة، تجلس نسخة "مياسين" المزيفة، تشرُد في الأزهار وتطالع السحاب المتراقص في أفق السماء بكل شغف، بينما يراقبها الحراس بحذر شديد حتى لا يحدث أي اغتيال للملكة المستقبلية.

اقترب" أوزجكان" وجلس بجوارها، ثم أردف ببرود:

_أحسنتِ في إتقان ما تفعله مياسين، لا يجب أن يشعر أحد بعدم وجودها هنا، أفعلي ما امرتك به أوريسكه؟

_حسنًا، سيدي، سأحرص على فعل ذلك.

_أحسنتِ سأتابع بعض المهام التي كلفني بيها الملك، لا تفعلي شيء غبي قد يكشفك، حسنًا؟

أنهى حديثه، ثم نهض وحلّق في السماء لإنهاء مهامه، تاركًا إياها جالسة كما كانت، وخصلاتها يداعبها الهواء بشغب.

••••

على كوكب الأرض، نتسلل بحذر إلى منزل "أريان" فنراه يجلس مع عائلته على طاولة الطعام، بينما" مياسين" تراقب طعامهم بفضول، تدير رأسها نحو الجميع، وهي ترى عائلة رائعة جدًا.

أما" أريان"، فقد كان يلوك الطعام في فمه بتوتر، ومن حين إلى آخر ينظر إلى "مياسين" بعدم تصديق، فهو حتى الآن لم يعتد على وجود العفريتة... أقصد الجنية، في منزله، أوه يا ويلي، لو أخبر أحدًا، فسيظنونه مجنونًا أو مصابًا بشيءٍ في رأسه.

غرق" أريان "في دوامة شروده، بينما " مياسين" كانت تعلم جيدًا بماذا يفكر، فهي تستطيع قراءة أفكاره.

تنهدت بحزن، وهمست لنفسها بصوتٍ حنون:

_أعلم ما يدور في عقلك يا عزيزي، لكني سأعمل جاهدًة لأجعلك تقع في حبي، كما وقعتُ في حبك منذ سنوات دون أن تعلم..

_ أريان يا حبيبي، مش بتاكل ليه؟ ده أنا النهارده عاملة مكرونة باللحمة وشربة لحمة، أنما إيه، حاجة عسل كده عشان أنتَ بتحبها! مش عاجبك الأكل ولا إيه؟

_ أبدًا يا ست الكل، ده الأكل تحفة! وبعدين يا ماما، هو ينفع تعملي حاجة وتطلع وحشة؟ ده الأكل مش حلو، ده تحفة! ولا إيه رأيك يا ياض يا سيف؟

نطق وهو يلكز شقيقه في ذراعه، ليصيح الصغير بمشاغبة:

_ الله! هو مش باين إن الأكل حلو ولا إيه يا ماما؟ ده بابا من ساعة ما الأكل اتحط على السفرة وهو عمال ياكل وياكل، وماتكلمش ولا كلمة، صح يا أريان؟

أردف" أريان" مؤيدًا حديث شقيقه وهو ينتبه إلى تفاقم غضب والده:

_أيوه... أيوه، شوف شوف يا سيف، أبوك بيبصلي إزاي! الحقيني يا ماما، جوزك هيتحول لزومبي ويقتلني ولا إيه!

_ماشي يا كلب البحر، انت وهو! حسابكم بعدين!، الأكل تحفة يا سما، تسلم إيديكِ بجد.

همس وهو يقبّل يد زوجته بامتنان، بينما يرمقها بحبٍ كبير، مال" سيف "نحو" أريان "وهمس بخفوت:

_أبوك هيموتنا ولا إيه يا أريان؟ لو حصلي أي حاجة، اوعي تاكل صينية البسبوسة اللي في التلاجة!.

_يا أخي أوعى بقى! بطل أكل، يعني كل اللي همك الأكل وبس؟ ده أنا هطلع عينك في ماتش الكورة بعد الأكل، بس استنى عليا!.

صاح" سيف" بغرور متصنع وهو يعدل من ثيابه بثقة:

_ مش هتعرف تدخل جول واحد، بعون الله! انتَ معاك لعيب كورة محترف، أحسن من ميسي كمان!

_ هنشوف يا ميسي باشا، هنشوف مين اللي هيكسب، يا شبر ونص انتَ!

كان كل ذلك يحدث أمام أعين "مياسين" التي كانت تحدّق بهم بحب، بينما علقت بعض الدموع في مقلتيها، وهي تتذكر مشاغباتها مع والدها ووالدتها، هي تشتاق لوالدها وشقيقتها، لكنها تريد الحرية، تريد أن تحقق أحلامها بطريقتها، تريد أن تحيا كما تحب.

••••

بعد مرور نصف ساعة، كان "أريان" يلعب مع شقيقه كرة القدم في حديقة المنزل، والمرح يملأ الأجواء، بينما الضحكات تتردد في الأرجاء.

_على فكرة، ده غش! انتَ بتغش عشان انتَ طويل، مليش دعوة!

تذمّر" سيف" بانزعاج وهو يرى شقيقه يفوز عليه باستمرار، بينما كان يتنفس بعنف من شدة الركض.

_ نعم يا خويا، إيه علاقة إني طويل وإني بغش؟ هغش إزاي بطولي أنا؟ فوق يسطا، إحنا بنلعب كورة قدم مش سلة، في إيه! وبعدين هو عشان انتَ مش بتعرف تلعب، هتخليني أنا الغلطان؟

_أيوه! انتَ بتغش، مليش دعوة! ولا على رأي أبو حميد، عشان ربنا مديك طول، هتفتري علينا ولا إيه؟

تفوه الصغير بمشاغبة، ثم فرّ هاربًا، لكن" أريان" ركض خلفه وهو يصيح:

_ تعالي هنا ياض، بقى أنا أبو طويل؟ ده أنا طولي 165 بس! انتَ مشفتش سامح؟ ده 185، يعني الطول كله! تعالي هنا، مش هسيبك!

وهكذا استمر المرح، بينما مياسين تتابعهم بحب، وتبتسم بحرارة، لكن في داخلها، كان هناك حزنٌ دفين، وحنينٌ لعائلتها التي لم تحتضنها كما كانت تتمنى.

شرَدت بحزن وهي تتذكر بغض شقيقتها لها، وتجنبها رؤيتها طوال الوقت، منذ وفاة والدتهما، لم تعد تتحدث معها، وإن حدث وتكلمت، تهمس بكلمات بسيطة ببرود، ثم تغادر مسرعة وكأنها تراه شبح مخيف، هي تريد أن تشعر بحب شقيقتها، تؤامها العزيزة.

_لا أحد يحبني هناك، شقيقتي تكرهني، وأبي طوال الوقت يهتم بأمور المملكة ويضع الحراس لحمايتي، ليس ليَّ أحد سوى أوزجكان والطيور أنا هناك حبيسة داخل حوائط المملكة فقط، كنتُ أتمنى أن أحصل على عائلة مثل أريان أوه يا مياسين، يالكِ من فتاة مثيرة للشفقة.

استفاقت من مستنقع ذكرياتها الحزينة على صوت "أريان" و"سيف"، الذي كان يصيح مجددًا بسبب فوز شقيقه عليه.

_ ماذا سيحدث إذا فعلتُ شيئًا لهذا الصغير؟

همست "مياسين" بصوتٍ مفعم بالنشاط، والمرح يلهو مجددًا على وجهها، يزيح الحزن بانزعاج، تمتمت بأحد التعاويذ، لينطلق ضوء خافت باللون الذهبي متجهًا نحو "سيف" في خط مستقيم، وها هو يحرز هدفًا!

هتف بشقاوة وهو يتراقص بمشاكسة، يثير غيظ أخيه:

_ جول! وجول! جبت جول فيك، يا سيف يا جامد! مش قلتلك إني أحسن من ميسي؟

_ اسكت يا عم، الجول ده غلط أصلاً، دقيقة كده...

تمتم بغيظ وصدره يعلو ويهبط، ثم سار إلى "مياسين" وهمس بصوت خافت حتى لا يراه شقيقه ويصفه بالمختل:

_ أنتِ اللي عملتي كده، صح؟ أنتِ اللي خليتي الشبر ونص ده يدخل جول فيا؟

_ أجل، فعلتُ هذا لأجل أن لا يحزن الصغير، إنه يبدو لطيفًا حقًا، لذلك جعلته يفوز في هذه اللعبة هل فعلتُ شيئًا خاطئًا؟

همست قائلة وهي تُطالع "أريان" بكل براءة، لا تعلم إن كانت قد أزعجته أم لا.

_ لا مؤاخذة، بس هو أنتِ بتتكلمي بصوت واطي ليه؟ مش أنتِ قلتلي إن محدش هيشوفك ولا يسمعك غير لما تقولي تعويذة ولا مش عارف إيه؟

نطق "أريان" بتساؤل وهو يرمقها، والفضول يتراقص داخل عقله على أنغام موسيقى رائعة.

_أجل، لا أحد يستطيع أن يراني أو يستمع إليَّ، لكن لماذا تسأل؟ لقد أخبرتك مسبقًا.

ضرب "أريان" جبهته وهو يهمهم مستغفرًا، ثم نظر إليها ببسمة ساخرة:

_ إيه الغباء ده! طب لو محدش هيسمعك، بتتكلمي كده ليه؟ أنا بتكلم بصوت واطي عشان الشبر ونص ده ميخدش باله مني وأنا بكلمك، أصلاً هيشوفني وأنا بكلم نفسي وهيذل أمي طول حياتي!

صمتَ قليلًا، ثم تابع قائلاً وهو يحاول التذكر، يعض وجنتيه من الداخل، وهي حركة معتادة يفعلها عندما لا يتذكر شيئًا:

_دقيقة بس... هو إحنا كنا بنقول إيه أصلاً؟

أرجعت "مياسين" خصلاتها بدلال إلى الخلف، ثم أخبرته بابتسامة عبثية:

_لا شيء، كنتَ فقط تتغزل بي.

_أت إيه يا أختي؟! أَتْغزَل بيكِ.... أنا؟ أنا عملت كده؟!

صاح بانفعال، بينما وجهه أنتشر به اللون الأحمر، ليصبح مثل حبات الفراولة، سقطت "مياسين" تضحك بهستيرية على وجهه الشاحب، تهز رأسها، وخصلاتها تشاكسها بدلال:

_ حسنًا، توقف، كنتُ أمزح فقط. انظر الآن، عليكَ الذهاب، ذلك الصغير أتى إليك.

_هو في إيه؟ بتعمل إيه هنا؟ ولا عشان كسبتك هتخاف؟ عارف إني جامد، بس متخافش أوي كده، هخليك تكسب مرة واحدة بس!

أردف "سيف" وهو يرفع حاجبه بعبث محبب إلى القلب، بينما يرى شقيقه ينظر إليه بنظرات قاتلة، قبل أن يركض خلفه، وضحكاتهما تغزو المكان بخبث.

مرّ الوقت بسرعة فائقة، وغابت الشمس لتذهب إلى النوم، وجاء القمر ليشعل الحفلة في السماء ليلة رائعة.

••••

بعد مرور شهرين، مضى الوقت في سباق الحياة بسرعة فائقة لا تُصدق كيف مر كل هذا في غمضة عين، حتى إن "مياسين" لم تصدق أن شهرين كاملين بالفعل قد مرّا عليها في منزل "أريان".

انتشر خبر هروب الأميرة "مياسين" إلى عالم البشر، ووصل إلى جميع أرجاء مملكة "سِمديُس".

وحين بلغ الخبر الملك "سيفاك"، اشتعل غضبه بشدة، وأمر بإحضار الأميرة ومعاقبتها أشد عقاب، هي والبشري الذي وقعت في حبه، وتخلّت عن المملكة من أجله.

أما من جعل انتشار الخبر يسير بهذه السرعة، فكانت تلك الفتاة الغامضة، والحارس "كوزيلس".

انتقل بعض الحراس إلى الأرض بغضبٍ، لإحضار الأميرة الخارقة لقوانين المملكة، ووصل الحارس إلى منزل "أريان"، ثم همس وهو يشير إلى مكانٍ ما بصدمة...يتبع

دمتم سالمين،

إلهام صبحي الدالي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة أرجِمديُس

المؤلف إلهام صبحي الدالي
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: المقدمة
2025/10/20
الفصل 1: الفصل الأول "خطة مثالية"
2025/10/20
الفصل 2: الفصل الثاني "مصيبة حياتي"
2025/10/20
الفصل 3: الفصل الثالث "جنية!"
2025/10/20
الفصل 4: الفصل الرابع "عقاب قاسٍ"
2025/10/20
الفصل 5: الفصل الخامس "فخ معبق بالصدمات"
2025/10/20
الفصل 6: الفصل السادس "عودة البداية"
2025/10/20
الفصل 7: الفصل السابع"مكر الثعلب"
2025/10/20
الفصل 8: الفصل الثامن "خطوة الأولى للنهاية"
2025/10/20
الفصل 9: الفصل التاسع"هل كشف الأمر"
2025/10/20
الفصل 10: الفصل العاشر "الخطر يقترب"
2025/10/20
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "خطة مثالية"
2025/10/20
الفصل 12: الفصل الثاني عشر"غضب مدمر"
2025/10/20
الفصل 13: الفصل الثالث عشر"الأسرار تكشف رويدًا رويدًا"
2025/10/20
الفصل 14: الفصل الرابع عشر"خيانة"
2025/10/20
الفصل 15: الفصل الخامس عشر"بداية الأنتقام"
2025/10/20
الفصل 16: الفصل السادس عشر"صدمات متتالية"
2025/10/20
الفصل 17: الفصل السابع عشر"قتلته! "
2025/10/20
الفصل 18: الفصل الثامن عشر"بداية أو نهاية"
2025/10/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر" نهاية! "
2025/10/20
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير" الشر لا يموت"
2025/10/20

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة