الفصل الرابع عشر"خيانة"
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
______________________________________
كما تحدثتُ سابقًا، عليك الحذر جيدًا، فهناك مَن يريد تحطيمك وأنتَ لا تعلم مَن هو. الانتظار... الانتظار هو الشيء الوحيد الذي عليك فعله، انتظر وراقب جيدًا ما سيحدث، فالجحيم يقترب كثيرًا، ترقب ذلك.
••••
شمس مشرقة ترفرف على "مملكة سِمديُس" بكل دلال، تفرد أجنحتها الواسعة في السماء بحرية كبيرة، صوت طائر العنقاء الذهبي يحوم في أفق السماء بكل قوة وعيناه الفضيتان كالصقر ترقب عن كثب ما يحدث، يصدر صوتًا شجيًا ولونه الذهبي يمتزج مع قلادة دائرية حمراء، العين التي بها تنظر إليك بترقب.
في غرفة فاخرة متسعة كحقول الذرة، حوائطها مسروقة من اللون الأسود بكل براعة، تلك النقوش الفرعونية ممتزجة مع لغة اليونانية مرسومة بالطلاء الناري بكل إتقان يتدلّى من السقف إضاءة ضوء فضي يأخذ هيئة العنقاء.
تقف "أُوره"، كانت تسير ذهابًا وإيابًا، والشر يتطاير من مقلتيها والثوب الحريري يدور بكل تألق حولها، لا يعبأ بغضبها اقتربت من المرآة العملاقة تقول بحنق، والدماء تتطاير من أوردة رقبتها:
_ماذا يحدث لكِ أُوره؟ كيف تقعين مثل الغبية؟ كيف يتجرأ كوزيلس على خيانتي؟
صمتت للحظات، تتنهد قبل أن تبصق الحديث بنبرة قاسية:
_كيف يتجرؤون ويخونونني؟ أولًا كوزيلس، وثانيًا أرچيت... أوه، أرچيت! هناك شيء لم أعلمه بعد عن هذا المحارب، هناك الكثير من الأسرار تقبع في جبعته، يخفي سرًا كبيرًا، وسأعلم ما هو.
ابتلعت لعابها بشرارة الانتقام التي تنطلق من عينيها السوداء:
_صوفينيا، هذه الحقيرة التي ترفض الهدنة! ولا تخشني... حسنًا، سأفعل الكثير، هيا يا أعزائي، لقد عاد جحيم أُوره، وذلك الجحيم ينتظر الكثير من ضحاياه! أتظنون أنكم قادرون على السخرية مني؟ الانتظار هو المصير المحتوم... انتظروني.
أنهت حديثها، قبَضت يدها بقوة، والشر يفيض من عينيها كالسحاب المتفجر في صحراء قاحلة.
فما الذي تخطط له أُوره؟ احترس كثيرًا يا عزيزي، فالقادم يبدو مرعبًا...
••••
بينما في مكان آخر في مملكة الموت، تلك المملكة التي لا يصل إليها نقطة ضوء واحدة، تحيا في ظلام، تتميز بجنٍّ شرس ينتقم ممن يحاول الاقتراب منه.
القصر الملكي، قصر عملاق أسود اللون يتنافس مع حلكة الظلام المحيط، نوافذه الكبيرة ترمقك بحذر، ترسل لك إنذارات للفرار من مملكتها الثمينة، الهواء يأرجح أوراق نباتات زهرة "الشجمون" الزئبقية، تتمايل الأزهار بكل دلال على أنشودة فرعونية قديمة.
صوت خطوات تصدح تكسر سكون الليل الهادئ، وشحه الأسود يرفرف بانطلاق خلفه، عيناه ترقبانك عن كثب خلف قناعه المذهل، توقفت أقدامه أمام بوابة القصر البيضاء لتصبح هي اللون السلبي في مملكة الأسود!
انتظر دقائق، سمح له الحراس بالدخول إلى القاعة الملكية.
تمتم بصوتٍ مليء بالمكر والدهاء، هو يعلم غاية قدومه إلى هنا:
_أعتذر كثيرًا، مولاي، على هذا اللقاء المفاجئ، لكن هناك أمرٌ هامٌّ جدًا وأعتقد أنكَ تود معرفته؟
أشار "ملك الموت" الذي لُقِّب بهذا الاسم لأنه يقتل من يحين موتهم، ونُسبت المملكة إلى براعته، يهز رأسه، يطالعه جيدًا بنظرات ثاقبة ليعلم هل هو عدو أم صديق؟ تاجه الألماسي المزخرف باللؤلؤ الأحمر يضيء بغزارة وكأنه قمرٍ يضيء عتمة السماء:
_تقدم للأمام وأفصح عما تريد.
اقترب بخطوات واثقة، يخفي خلفه غاية مخفية عن الأنظار، تشدق قائلًا، ونظراته تنقل حكايات عميقة تحتاج من يستكشفها:
_أُوره، ملكة سِمديُس، تريد تدمير جميع ممالك الجن، تريد السيطرة على مملكة جُرديچان، ومملكتك إنها تسعى للحصول على القوة عبر قتال جميع الملوك واستيلاء على جميع الممالك.
همهم "الملك" قائلًا بغموض، يشير له بأن يجلس، وداخل رأسه تصدح تساؤلات كثيرة:
_وكيف علمت بذلك؟ من أنت؟
قبل أن يجيب المحارب، قاطعه صوتٌ مألوف يقتحم القاعة:
'إنه محارب يسعى للانتقام، وأنتَ تريد ذلك أيضًا سيفويس، أليس كذلك؟
طالعها "الملك" بصدمة وعدم تصديق لتواجده هنا:
_ماذا تفعلين هنا، صوفينيا؟
قالت "صوفينيا" بعدم اكتراث، تجلس على المقعد وتضع قدمًا فوق الأخرى بغرور:
_أنا هنا للانتقام من أُوره هي تريد مملكتي، ولن تحصل عليها إلا بموتي! لن أستسلم! والآن هل أنت معنا أم أنكَ لا تزال جبان؟
بصقت حديثها بمكر لتشعل غضبه بكل خبث وتحصد نتائج خطتها، صاح "الملك" بغضب وهو ينظر لها بنظرات مشتعلة، وإذا كانت أحد آخر لكان مات رعبًا منها، ولكنها لا تعبأ به:
_كيف تتجرئين على قول حديثك الغبي هذا، صوفينيا؟ ملك الموت لا يخشى أحدًا، ولا حتى أُوره التي تتحدثون عنها!
صمت لحظات بهدوء، محاولًا كتم غضبه، صدره يعلو ويهبط، جسده المعضل القوي يكاد يمزق ثيابه من كثرة تدريبات القتالية العنيفة التي يهواها، زفر بضيق:
_هل هناك خطة أم لا؟
_أولًا، أنا أدعي أرجِمديُس.. ثانيًا، نعم، هناك خطة.
تابع بنبرة ساخرة، يعبث فوق مقلتيه الغائمة من الغموض القاتل:
_هل تراني غبيًا كي أتيت إلى ملك الموت دون وضع خطة؟
تدخلت "صوفينيا" بنبرة استخفاف، كأنه خادم يعمل لديه، ليس ملكًا يفوق جسده الضعيف:
_لا تغضب يا عزيزي أرجِمديُس، فليس كل الجن أذكياء مثلك.
_هيه، صوفينيا، ليس من الجيد لكِ كملكة التصرف بهذه الطريقة الطفولية.
ابتسمت "صوفينيا" ترفرف بأهدابها ببراءة مصطنعة، وهي تهز رأسها نافية:
_ولكني لم أفعل شيئًا مطلقًا! لم أكن أتحدث عنك، عزيزي سيفويس، أنت من تأخذ الحديث لنفسك، لا دخل لي بهذا.
تحمحم "أرجِمديُس"، همس بنبرة خافتة إلى "صوفينيا":
_أعتقد أنه لن يصمت طويلًا عن أفعالك هذه لماذا تثيرين غضبه منذ أن دلفتِ؟
_لقد هزمني في لعبة المصارعة عندما كنا صغارًا، ومنذ ذلك الوقت وأنا حاقدة عليه! كان يزعجني كثيرًا ويطلق عليَّ ألقابًا غبية! ماذا؟ لماذا تنظر إليَّ هكذا؟ سألقنه درسًا قاسيًا، فقط انتظر.
طالعها "الملك" بخبث، يتراقص فوق عينيه الزيتونيتين، قبل أن تتعثر في بشرة الحنطي الجذابة:
_أوه، أبهذه البساطة؟ ما زلتِ حاقدة عليه منذ ذلك الوقت؟ هيا، صوفينيا، لقد أصبحتِ ملكة الآن، دعي عنكِ هذه الأمور الطفولية.
تذمرت "صوفينيا" وهي تنظر إليه بانزعاج معبق بضيق خفي:
_ألن تتوقف عن استراق السمع؟ لقد أصبحت ملكًا الآن، لا يصح لك أن تستراق السمع لحديث الآخرين، توقف عن هذه الأمور!
كان "أرجِمديُس" يشاهد شجارهما الطفولي بملل، صمت لوهلة قبل أن ينفجر غضبًا من الآلام التي يعانيها رأسه:
_توقفا عن الشجار! هل نحن هنا لهذه الأفعال الطفولية أم ماذا؟!
صمت الجميع، تابع هو قائلاً، يحرك عينين نحوهما بدقة، يدرس تعبير وجوههم بحرفية، لعله يعلم ماذا يدور في خلده
_الخطة كالتالي...
بدأ "أرجِمديُس" بسرد الخطة، وبعد انتهائه، أبدى الملك إعجابه بذكائه، بينما كانت "صوفينيا" غاضبة بسبب صراخه.
••••
في مملكة سِمديُس، كانت "أُوره" تقف في منتصف القاعة وصدرها يعلو ويهبط، تكتم غضبها وهي تستمع إلى ما يحدث من وراء ظهرها، حدقت إلى الحارس الجديد الذي أنقذ حياتها من قبل، وهو يخبرها بمن يخطط لتدميرها.
قالت "أُوره" والشر يتطاير من عينيها، المحيطات الثائرة التي تبتلع السفن داخلها دون إنذار:
_ياللهول، الجميع يخطط ضدي... حسنًا، يمكنك الذهاب الآن.
بعد مغادرة الحارس، اقتربت "أُوره" من نافذة القاعة بخطوات بطيئة وهمست بنبرة مختلة:
_الجميع خونة... وهذه الممالك ستكون لي، ولي وحدي لم أفعل كل هذا لأُخذل! أنا الأقوى هنا!
صمتت قليلًا قبل أن تتابع بخبث ينبع من أعماق روحها المظلمة:
_لقد قاتلت أبي، وقتلت شقيقتي، وأطحت بالجميع لأحصل على المملكة، وقد حصلت عليها أخيرًا، عندما أضع شيئًا في رأسي، أنفذه ولذلك يا أعزائي، انتظروا قليلًا، فتلك الممالك ستكون لي مهما كان الثمن، سأنتقم من الجميع... فقط انتظروا انتقامي فهو قاتل.
••••
في مساء ذلك اليوم، ذهبت الشمس مودعة السماء بحرارة، تتركها بين يدي القمر الأمين. النجوم تحيي حفلة راقصة على شرف نجم الليلة، القمر المذهل. قرر "أرچيت" الذهاب إلى مكان ما، غير مدركٍ أن هناك من يراقبه.
ومن يتبعه خلسةً لم يكن سوى "أُوره" التي تخفت بوشاح أسود وثوبها الرمادي، لا يظهر منه سوى مقلتيها شديدة الزرقاء المعتمة كان يسير، وهو يشعر بشيء غريب، وهمس لنفسه قائلًا بريبةٍ:
_هناك من يتبعني... ولكن من؟
وبعد محاولات عديدة لتضليل المتعقب، انتهى به الأمر ليختفي عن الأنظار، بينما توقفت "أُوره" في المنتصف، لا تعلم أين تذهب أو ماذا تفعل بعدما ضاعت مَن كانت تتبعه.
••••
داخل حديقة منزل "أوزجكان"، تقدم "أرجِمديُس" نحو الأرجوحة، حيث كان "أُلِفياه " دائمًا تتواجد هناك، جلس على الأرجوحة بجوارها وهمس بصوتٍ مبحوح من الألم الذي ينهش به كل ثانية:
_ماذا تفعلين؟
نظرت إليه "أُلِفياه " باستغراب، مشيرة إلى وجهه بتساؤل:
_لماذا ترتدي القناع على وجهك؟ أنت لا تحب الأقنعة... هيّا، انزعه.
مدت يديها بلطف إلى وجهه، ونزعت القناع عنه، ابتسمت بحب وهي تضمه قائلة:
_هكذا أفضل... لا أريد أن أراك ترتدي أقنعة مرة أخرى، فهو يخفي وجهك الجميل، ولا أستطيع رؤيته بوضوح ذلك الوجه ملكي، ولا أحد يستطيع منعي من النظر إليه.
ضمّها "أرجِمديُس " إليه وهو يتنهد بخفوت، هامسًا بإصرار يمحي به خوفه من القادم:
_أنتِ تمتلكين وجهي، وجسدي، وقلبي أيضًا، عزيزتي "ألِفياه"، لقد أصبحتِ كل حياتي، ولا يستطيع أحد منعي عنكِ مطلقًا.
حدق أمامه بصمت، بينما أمسكت "أُلِفياه " وجهه بلطف لتجعله ينظر إليها وسألته بنبرة يشوبها القلق:
_لِمَ أراك منزعجًا هكذا؟ هل هناك أمر ما؟ هل حدث شيء تخفيه عني؟
تنهد "أرجِمديُس " بعمق وقال بصوت معبق بألم ماضٍ لن يزول طعناته:
_لا... لكنني تعبت كثيرًا، "أُلِفياه "، أريد أن ينتهي كل هذا، أريد أن أعود إلى ذلك الصبي الصغير مجددًا، أريد أن أرى أبي وأمي مرة أخرى... لقد اشتقت إليهم كثيرًا، أتمنى لو كنت معهم الآن، لا أريد أن أكون وحيدًا. لقد تعبت من الوحدة.
تساقطت الدموع من عيني "أُلِفياه " وهي تتابعه بنظراتها الحزينة:
_لا تقل هذا الحديث مجددًا، أرجِي... أنا هنا بجوارك، وسأبقى إلى الأبد، لا تتحدث عن الوحدة مجددًا، نحن عائلتك، الجميع هنا يحبك، أبي وأمي وأنا، الجميع يحبك... كيف تفكر في الذهاب وتركنا؟! هل تريد أن أتألم، أرجِي؟ رجاءً أنا أتألم كثيرًا حينما أراك هكذا، قلبي يؤلمني كثيرًا.
هزّ "أرجِمديُس " رأسه نافيًا، بينما تابعت "أُلِفياه " بإصرار:
_حسنًا، إذن لا تتحدث هكذا أبدًا إذا كنت لا تريد أن أتألم، فتوقف عن هذه الأفكار الغبية، أنت تعلم جيدًا أنني لا أستطيع العيش بدونك، وأنت تدرك ذلك تمامًا، فرجاءً لا تتركني ولا تفكر في الذهاب.
ضمته بحنان، تربت على رأسه برفق، تدندن له نغمات أغنية أسطورية يحبها، ودموعها تنساب من مقلتيها دون أن تدري، انحنت تقبّل رأسه، ولا زالت تهمهم بصوتها العذب.
كانت هناك أعين تراقب ما يحدث بابتسامة خبيثة ترتسم على وجهها، والشر يتطاير من عينيها... إنها "أُوره" التي وقفت على بعد قريب منهم، تشاهد ما يحدث بخبث، تمتمت ببرود يغلفه القسوة:
_هذه إذًا ابنة "أوزجكان" أوه، لقد حان إذن وقت انتقامي منه على ما حدث في الماضي، وابنته هي مَن ستدفع ثمن أخطائه، لكن من يكون هذا الفتى؟ لا أرى وجهه بوضوح، لكن ثيابه تبدو مألوفة لي... لا بأس، هذا لا يهم أنا سأفعل الكثير، "أوزجكان"، الانتقام والشر هما أنا... حيثما يوجد الشر، توجد "أُوره".
اختفت في الهواء بعد أن أنهت حديثها، وتمتمت بإحدى التعويذات الخاصة لتنتقل إلى غرفتها مجددًا، تاركةً خلفها موجة من الظلام تنتشر ببطء مخيف...يتبع.
دمتم سالمين.
إلهام صبحي الدالي
إلهام صبحي الدالي