الفصل الثاني عشر "غضب مدمر"
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
______________________________________
استمع الجميع إلى صراخ الفتى، ينتفض بهلع، يدور بهستيريا في أنحاء المنزل، تحت استغراب الجميع. أخذ "أوزجكان" يحاول إيقافه وردعه عن حالته الغريبة تلك، ولكنه لم يستطع، وفشل فشلًا ذريعًا.
كل هذا يحدث أمام أنظار "أرجِمديُس"، الذي لا يزال جالسًا ببرود، وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا مملًا، لكن إذا اقتربت منه أكثر، تسجد مقلتاه تلمعان بفضل حبسه ضحكاته على نجاح خطته وإيقاع ذلك الأحمق تحت تأثير تعويذة خاصة لا يعلمها سواه.
انتفض جسد "أرجِمديُس" بفزع، وهو يشاهد اقتراب الفتى من "أُلِفياه "، وهو يضرب بيديه يمينًا ويسارًا، يدور حول ذاته في حركات دائرية، جفونه ترفرف بسرعة البرق، لا يُبصر مَن أمامه، أنفاسه مرتفعة، يشعر بحكة قوية في جسده، لا يستطيع التحكم في جسده، يصارع شيئًا غير معلوم يحدث به.
توقف "أرجِمديُس" أمامه كالحصن المنيع، يمنعه من التقدّم نحو "أُلِفياه "، يده أمام وجه الآخر، أو أمام أنظاره، يتمتم بصوتٍ هامس، فرَق جفونه، يطالعه الآخر بأعين يَشُع منها ضوء بكل أناقة، رفع كفّ يده أمام أعين الفتى، وانطلق شعاع من الضوء الأحمر. خلال دقائق فقط، سقط ذلك الشخص فاقدًا الوعي تمامًا، لا يعي شيئًا.
استدار "أرجِمديُس" إلى "أُلِفياه "، يتفحّصها بفزع، بأعينه المرتعبة، أنفاسه مضطربة، القلق يتراقص كالنيران المشتعلة في الأثاث، وذرات العرق غزت جبينه من فرط الخوف عليها:
_هل... هل أنتِ بخير؟ هل أصابك شيء؟ أخبريني.. أُلِفياه؟
فأجابته وهي تهدّئه من روعه، تنظر إليه برقتها المعهودة، تطمئنه بأنظارها الدافئة، وضعت يديها على موضع قلبه النابض، الذي تشعر أنه يصرخ مطالبًا بحقٍّ لن يتخلّى عنه:
_أنا... بخير، أرجِمديُس، لا تقلق... اهدأ قليلًا، أنا بأفضل حال.
نبست وهي تضع يديها على ثوبها، تضغط عليه بقوة، ترمقه بامتنان، محاولة إزالة الخوف من وجهه المرتعب، هي تعلم أنه إذا أصابها شيء، سيتدمّر إلى الأبد. هي نقطة القوة التي تمنعه من الانهيار.
استدار "أرجِمديُس" بغضب ينطلق من أعماقه، مشاعر كثيرة تنبثق منه الآن، الخوف من فقدانها، يمتزج مع الخذلان من عمه، والغضب من ذلك الفتى المزعج لفعله ما لا يستطيع هو فعله الآن، وهو "أُلِفياه "، صدح صوته ساخطًا، ووجهه قنبلة تستعد للانفجار في وجوه الجميع:
_أهذا هو مَن سيتزوج أُلِفياه وتضع حياتها معه بأمان؟ هل يبدو لك قادرًا على حمايتها؟!
أضحكتني... هو لا يستطيع حتى السيطرة على نفسه! عذرًا يا عمي، أعذرني على وقاحتي، ولكنني لن أسمح بحدوث هذا، لأحد يستطيع الاقتراب من أُلِفياه وأذيتها هكذا! وأنا ما زلت أتنفس الهواء.
صمت لثوانٍ قليلة قبل أن يُكمل بنبرة حانقة وهو يرسل نيرانًا متطايرة:
_أهنئك على اختيارك المثالي! أنت تعلم أنني أحب أُلِفياه، بل أنا أهيم بها عشقًا، ورغم حبي وتمزق قلبي إلى نصفين، تحمّلت أمر خطبتها لشخص آخر فقط من أجلك... لكنني لن أسمح لك أن تخاطر بحياتها مهما كان الثمن، لن أقبل بذلك! أُلِفياه لي... ومنذ الصغر والجميع يعلم هذا.
قذف حديثه دفعة واحدة في وجه "أوزجكان" المنصدم، وأمسك بيد "أُلِفياه " وصعد إلى غرفتها، بمشاعر مبعثرة.
••••
في الأسفل، استيقظ الفتى الملقى على الأرض أخيرًا من تأثير التعويذة. نهض والدور لا يزال يتمسك برأسه بقوة، وجسده يهتز بعدم اتزان، وهمهم قائلًا باستغراب:
– ماذا حدث هنا؟ أين أنا؟
التفت إليه "أوزجكان" يطالعه بعينين ذهبيتين تلمعان بالغضب بعد أن أهان "أرجِمديُس" قراره المخضرم، واقترب منه قائلًا بغيظ، وكأنه يضع اللوم عليه لفشل خطته الثمينة:
– إلى الخارج الآن! لا ترني وجهك مجددًا، ليس لدي فتيات للزواج!
– ماذا؟ لماذا؟ كيف ذلك؟!
ابتلع حديثه بحرج وهو يستمع إلى انفجار "أوزجكان" في وجهه:
– قلتُ لك، إلى الخارج، ولا تدعني أراك مطلقًا!
أنهى حديثه، ووجد الفتى يفرّ هاربًا، وكيف لا، وهو أمام أحد وزراء مملكة جُرديچان! فهو يعلم جيدًا أن معارضة أوامر "أوزجكان" تعني الهلاك، سواء كان أميرًا أم لا.
أما "أُوزيِ" فقد نظرت إليه منزعجة قبل أن تذهب إلى غرفتها، تمتم "أوزجكان" حانقًا وهو يجلس متذمرًا، يكبّ وجهه بين يديه:
– ماذا؟ أنا لم أخطئ... هو المخطئ، وليس أنا!
انتفض جسده فجأة ورفع رأسه بصدمة وصاح، مشتعلًا:
– مهلًا لحظة واحدة! كيف يجرؤ ذلك الصبي على توبيخي هكذا؟! أنا الأكبر هنا! وكيف أصمت أنا عن ذلك؟! لحظة... هل ذهب بها إلى غرفتها؟ هل هما الآن في الغرفة بمفردهما؟! تبًّا لك، أرجِمديُس!
انتفض من على الأريكة وهو يسبّه مرارًا وتكرارًا، ثم انطلق مسرعًا إلى الطابق العلوي، حيث غرفة صغيرته.
•••
في الغرفة، جلست "أُلِفياه " على الفراش تثني قدميها، وتضع يديها على وجنتيها، تطالعه بترقّب يشوبه الحماس، وقالت بتساؤل كبير يلمع من مقلتيها:
– كيف فعلتها يا أرجِي؟ كيف استطعت إنهاء كل شيء؟ ولماذا تصرّف ذلك الشاب بهذه الطريقة الغريبة؟
ابتسم "أرجِمديُس" وهو يجلس بجوارها على الفراش، يطالعها بخبث، يعلم أنها تشتعل فضولًا لتعلم ماذا فعل، ورفع حاجبيه بتحذير:
– سأخبركِ كيف، لكنه سرّ، يا أُلِفياتي.. حسنًا؟ لا أحد يعلم به غيركِ اتفاق؟
هزّت رأسها موافقة بسرعة البرق، والحماس يتآكلها:
– حسنًا، أرجِي! إنه سرّنا الصغير لكن أخبرني! هيا!
بدأ "أرجِمديُس" بسرد ما فعله، وكيف استطاع تنفيذ خطته بفضل تعويذة خاصة اكتشفها، وبعد أن انتهى من حديثه، اقتربت منه "أُلِفياه " وضربته بخفة على كتفه، وقالت بحماس فائق:
– يا ويلي! كيف استطعت فعلها؟ إنه أمر رائع، أرجِي! لكن... لماذا لم تخبرني من قبل؟
صمتت، والحزن تملّك قلبها بعدما كان يتراقص على أنغام موسيقى رائعة، أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى بعبوس، وهناك صوت خبيث يصدح في رأسها يخبرها أنه لم يخبرها ليراها تتألم، وكأنه يتلذذ بتعذيب قلبها الضعيف.
نظر إليها "أرجِمديُس" يخرج زفيرًا محمّلًا بمشاعر مبعثرة، لكن أهمها أنه يخشى عليها، أدار وجهها إليه لتنظر إلى أعمق نقطة في محيطات عينيه، وقال بأسف معبّق بالندم:
– أنا أعتذر منكِ، أُلِفياه... لو أخبرتكِ بخطتي، كان سيظهر عليكِ الأمر، وكنت أريد أن يبدو كل شيء طبيعيًا أمام عمي أوزجكان، حتى إذا فشلت الخطة، لا أحد يربطكِ بها... أعتذر... ألن تسامحي أرجِي المسكين؟
ابتسمت "أُلِفياه " بسعادة بالغة وهي تراه يقدّم لها منديلًا لتجفيف دموعها، وقالت بخفوت وهي تأخذه منه، تزيل دموعها "الغبية" التي تُظهرها ضعيفة:
– حسنًا... لكن هذه آخر مرة تخفي عني شيئًا، أرجِي! عليك أن تعدني الآن ألا تخفي عني شيئًا، إن كان هامًا أو سخيفًا هيا، عدني!
أمسك بيديها بلطف، ووعدها لكن قبل أن تنهض "أُلِفياه "، اقتحم "أوزجكان" الغرفة فجأة وقال وهو يطالعهما باستغراب:
– ماذا يحدث هنا؟
شاكسه "أرجِمديُس" بأنظاره قائلًا بوقاحة قد اكتسبها حديثًا واستفزاز ينمو فيه منذ الصغر:
– لا شيء مطلقًا يا عمي! أُلِفياه فقط كانت ستضمني وتُقبّلني!
سقط فك "أوزجكان"، وجحظت عيناه بصدمة من وقاحته:
– ماذا؟! كيف تفعل هذا؟!
رمقه "أرجِمديُس" بمكر يتراقص في عينيه المشاكستين، وقال بنبرة منتشية:
– عفوًا... أنا لم أفعل شيئًا حتى الآن! بل ابنتك هي من تفعل بي! دون أن تراعي أنني جني ضعيف، لا يستطيع منع الفتيات الجميلات من تقبيلي واحتضاني، فأنا سأكسر قلوبهن إن رفضت! وأنا جني رقيق القلب، لا أرتكب مثل هذه الأفعال الشنيعة مطلقًا!
صرخت "أُلِفياه " بخجل، وهي تكاد تشتعل من أنظار والدها، وقامت بضربه على ذراعه، تقول بتحذير وعيناها تطلقان تهديدات قاتلة:
– أرجِمديُس، توقّف! أبي، أنا لم أفعل ذلك! إنه يكذب!
شهق "أرجِمديُس" بصدمة مصطنعة، يضع يديه على قلبه، وينظر ببراءة قطة حديثة الولادة إلى والدها، قائلًا:
– أنا... أكذب إذن؟ عفوًا يا عزيزتي، لكن هذا يخص سمعتي كجني محترم، وأنا لا أقبل بمثل هذا الاتهام الخطير!
– أخبرني، كيف أصبحت وقحًا هكذا يا فتى؟!
ضحك "أرجِمديُس" بينما كان يختفي تدريجيًا، قائلًا بمكر وصوت ضحكاته تصدح في أرجاء المنزل:
– منك تعلمت الوقاحة، يا عمي العزيز! إلى اللقاء، أُلِفياه!
ظل "أوزجكان" يحدّق في الفراغ حيث كان "أرجِمديُس" قبل أن يختفي، يشير إلى نفسه متمتمًا بتذمّر:
– أنا... وقح؟! أيها الكاذب... أنا جني بريء لا يفعل هذه الوقاحة...
صمت وهو ينتبه إلى صوت ضحكة زوجته "أُوزيِ " خلفه، جعله يلتفت، رافعًا أحد حاجبيه وكأنه سينقض عليها، فقالت بمكر وهي لا تهتم بنظراته:
– حقًا، أوزجكان؟! الوقاحة خُلقت لأجلك أنت عزيزي.
قالتها وفرت هاربة يتبعها "أوزجكان" يتذمّر وينفي تلك التهمة الشنيعة عنه، كي لا تلتصق به.
بينما سقطت "أُلِفياه " على الفراش تضحك بخفّة، وهي تتمتم لنفسها:
– أوه، أنا أحب عائلتي كثيرًا... وأحبك، أرجِمديُس، كثيرًا.
استندت ببسمة مشاغبة ترتسم على وجهها قبل أن تغرق في النوم، لتشاهد إحدى أحلامها الرائعة.
••••
سماء حالكة السواد، والصمت يطبق على الأجواء في منتصف الليل، عودة إلى المكان الخاص مجددًا، يقف الغامض "وأرچيت" في ظلام الليل الحالك، وقف الغامض ذو الوشح الأسود المتطاير يحدّق بصمت مريب إلى البحيرة.
انعكس خيال "أرچيت" في البحيرة وهو يقف بجواره، ينظر إليه والفضول يتأكله، قال متسائلًا:
_لِمَ أنتَ صامت هكذا؟
تنهد ذلك الغامض بعمق، تابع ببرود ينعكس من عيناه إلى البحيرة:
_لا أعلم، لا أريد الحديث الآن، أريد أن أستمتع بهذا الصمت القاتل قبل أن يحين وقت المعركة.
_هل هناك خطة جديدة تصنعها في رأسك وتشغل عقلك؟
توقف قليلًا، يتشدق بنبرة جادة، والطنين يزعج رأسه:
_تبدو شاردًا أكثر من المعتاد.
_الآن لا، لكن لاحقًا... بالتأكيد.
تفهم "أرچيت" ما يدور في رأسه، فعقد حاجبيه بغضب وصاح بانزعاج:
_ماذا تقصد بحديثك هذا؟... أخبرني بما يدور في داخلك! لماذا لا تخبرني؟ ألم تقل دائمًا إننا وجهان لعملة واحدة؟ إذاً لماذا تبقي الأمر سرًا عني؟
تمتم الآخر ببرود مخيف يخفي خلفه نيران جسده المشتعل، نهض مغادرًا بصمت أخاف الآخر أكثر:
_لا يهم... سأخبرك في الوقت المناسب.
قال ذلك ثم غادر مسرعًا نحو الخارج تاركًا خلفه "أرچيت" يتابع آثاره بذهول معبق بالصدمات، قبل أن يختفي في الهواء.
••••
في صباح اليوم التالي، توجه "أرجِمديُس " إلى منزل العم "أوزجكان" أو لنقل إلى "أُلِفياه "دخل إلى الحديقة مباشرةً حيث كانت تجلس على الأرجوحة بكل سلام، تغمض عينيها وتتمتم بإحدى الأغاني.
وقف "أرجِمديُس " خلفها يراقبها بحب، لكنها شعرت بوجوده مسبقًا همست بنبرة منزعجة:
_ماذا؟... هل ستخجلني مجددًا أمام والدي؟ أما ماذا؟
ابتسم مازحًا "أرجِمديُس " واقترب ليجلس بجوارها، وهز يبعد خصلاتها عن وجهها بكل رقة:
_لا، لا أريد أن أجعلك تخجلين، ولكن... ماذا أفعل؟ عندما تخجلين تصبحين أكثر جمالًا، حينما تتورد وجنتاكِ هكذا.
توقف يطالعه قبل أن يخبرها بمكر يلتمع في عينيه:
_أتريدين أن تعرفي ماذا يدور في عقلي عندما أراكِ هكذا؟
جعدت وجهها باستغراب، رفعت حاجبيها بفضول عميق سيقودها للهلاك:
_ماذا يدور في عقلك حينها؟
اقترب منها أكثر، همس لها بنبرة هامسة شيئًا جعل وجنتيها تتوردان بشدة، ضربته على يده بغيظ:
_وقح! كيف أصبحت وقحًا هكذا، أرجِي؟!
ضحك "أرجِمديُس " ونهض يجذبها معه لتنهض وهو يقول:
_هل تريدين أن تعرفي معنى الوقاحة الحقيقية؟ سأريكِ الآن!.. هيا.
نبس وهو يسحبها إلى الداخل، حيث كان "أوزجكان" و"أُوزيِ " يلعبان لعبة الشطرنج.
وقف "أرجِمديُس " أمام "أوزجكان" أمسك بيد "أُلِفياه " وقال بجرأة، أصاب الآخر بجلطة:
_عمي أوزجكان، أريد أن أتزوج ابنتك أُلِفياه... والآن!
نهض "أوزجكان" و"أُوزيِ " بصدمة، وصاح:
_هل فقدتَ عقلك يا فتى؟ عن أي زواج تتحدث؟ لن يحدث زواج هنا.
بعد الكثير من المحاولات التي بذلها "أرجِمديُس " لإقناع "أوزجكان"، وبعد جدال طويل دام ساعة كاملة، وافق أخيرًا على زواجه من "أُلِفياه " قفزت "أُوزيِ " بسعادة واحتضنت ابنتها، بينما اقترب "أرجِمديس " من "أوزجكان" واحتضنه هو الآخر بحماس، يتمنى لو كانت عائلته على قيد الحياة نظر إلى "أُلِفياه " بحب يخفى خلفه حزنه العميق، وقام بإلقاء قبلة في الهواء نحوها.
وبعد فترة، تم زواج "أرجِمديُس " و"أُلِفياه " في جو يملؤه الحب والسعادة يضم الأشخاص المقربين، قد حدث هذا بشرط أن لا تغادر "أُلِفياه" المنزل الآن، وقد وافق "أرجِمديُس " بأمر بعد جدال عميق.
•••
في المساء، في حديقة المنزل، كان "أرجِمديُس " و"أُلِفياه " مستلقيين على الأرض يحدّقان في السماء ذات اللون الأبيض، حيث تتميز سماء عالم الجِن في هذا الوقت خصيصًا بوجود قمرين ولونها المتغير من وقت لآخر.
اقتربت "أُلِفياه " منه، وضعت رأسها على صدره وتنهدت بسعادة كبيرة:
_لا أصدق أننا تزوجنا اليوم حقًا... هل أنا أحلم؟
صمتت قليلًا، قبل أن تهمس بعشق جارف يذيب قلبها:
_لا يهم حتى لو كان حلمًا، فأنا لا أريد أن أستيقظ منه أبدًا.
تنهد "أرجِمديُس " بقلق ينهش قلبه من القادم، اعتدل بجسده:
_أريد إخبارك بشيء، أُلِفياه، حتى لا تحزني عندما تعلمين. سأخبرك كيف وافق العم أوزجكان على زواجنا بهذه السرعة بعدما كان غير راضيًا.
جلست "أُلِفياه " نصف جلوس، تنظر إليه بجدية بينما بدأ يسرد لها ما يريد فعله، وكيف يخطط للانتقام من تلك الحقيرة، وكيف ستسير خطته في القادم. كل شيء يدور في ذهنه.
استمعت له بصمت وانصتت، وحين انتهى من حديثه، نظرت إليه بخوف خبيث يلمع في عينيها. أمسكت بيديه قائلة بنبرة مرتجفة:
_أرجِمديُس! كيف تفكر في فعل ذلك؟ ألا تعلم ما مدى قوتها؟ كيف تجازف بنفسك هكذا؟! ألم تفكر فيّ؟ كيف سأعيش إن حدث لك شيء؟!
نظر إليها "أرجِمديُس " بحنان، أخذ يشرح لها كل شيء محاولًا تهدئتها، وبعد قليل، حملها بين ذراعيه بعدما غفت بين أحضانه، واتجه بها نحو غرفتها.
في طريقه، تقابل مع "أوزجكان" الذي نظر إليه بحنق عندما رآه يحمل ابنته، أردف بغيرة على صغيرته الحبيبة:
_أوه، لقد غفت؟ حسنًا، لا بأس... أعطني إياها، سأضعها في الفراش.
لكن "أرجِمديُس " تجاهله، وصعد إلى غرفتها قائلًا باستفزاز:
_عفوًا، لكنني أمتلك يدين إن كنت لا تعلم، هذا أولًا... ثانيًا، لا أحد يحمل زوجتي غيري.
قال ذلك بغيرة واضحة، ثم دخل الغرفة، وضع "أُلِفياه " برفق على الفراش، قبّل رأسها، وغادر مسرعًا إلى منزله.
••••
في صباح اليوم التالي، تشرق أشعة الشمس الخلابة على مملكة "سِمديُس" بكل نشاط، تفرد أجنحتها في عنق السماء، والسحب تميل بخفة يخفي ضوءها، في القاعة الملكية، جلست الملكة "أُوره " على العرش بكل غرور وثقة، في عينيها كان الشر يلمع بوضوح.
تقدّم "أرچيت" إلى الداخل، وانحنى قليلًا وهو يقول ببرود:
_أمركِ، مولاتي، الجيش يتدرب على كل شيء، كما يمكنني تنظيم معركة وهمية لتري مدى تطورهم.
صمتت "أُوره " قليلًا، ابتسمت بخبث وهي تميل برأسها بمكرٍ:
_أحسنت، أيها المحارب.
نهضت تسير نحوه بخطوات بطيئة وأضافت بغموض يشتعل منها:
_ماذا تفعل عندما تريد ضم مملكة أخرى إلينا؟
_هناك حل لهذا الأمر، مولاتي.
أشارت له أن وهي تستمع له بأنصت كبير، فقال وهو يرى اهتمامها:
_يمكننا التفاوض مع الملك أولًا وعقد هدنة تفيد المملكتين، وإن رفض... سنريه قوة مملكة سِمديُس ونستولي على مملكته بالقوة.
ابتسمت "أُوره " وهزت رأسها باستحسان لأفكاره:
_حسنًا، أيها المحارب، استعدّ لمرافقتي إلى مملكة جُرديچان.
قالت ذلك ثم غادرت، بينما ظهرت ابتسامة خبيثة على وجه "أرچيت" وهمس لنفسه:
_مملكة جُرديچان، أوه.. حسنًا، لكِ ذلك، أُوره.
قال ذلك والشر يتراقص في عينيه، ثم غادر مسرعًا نحو الخارج.
••••
نصف ساعة مضت ببطء كأعوام بغيضة، داخل مملكة "جُرديچان" جلست الملكة "صوفينيا" على عرشها في القاعة الملكية، تنتظر وصول "أُوره " رغم أنها كانت تعلم مسبقًا سبب قدومها، على الجانب الآخر، لم تكن "أُوره " تدرك أن "صوفينيا" على علم بنيّتها الحقيقية.
وما إن أعلن الحارس دخول الملكة "أُوره " حتى رفعت "صوفينيا" رأسها بغرور، وحدّقت بها بسخرية قبل أن تقول:
_ما الذي حدث في عالم الجِنّ ليجلبكِ إلى مملكتي، أُوره؟
تقدّمت "أُوره " بخطوات واثقة، وابتسمت بخبث وهي تطالع وجه "صوفينيا" قائلة:
_جئت إليكِ بصفاء نية، أرغب في الاتفاق معكِ على أمرٍ ما.
رمقتها "صوفينيا" بنظرة احتقار، وردّت ببرود:
_وما هو هذا الأمر؟
صمتت "أُوره " للحظة، ثم بدأت في سرد عرضها المميز كما تعتقد هي، بينما استمعت "صوفينيا" بصمت. وعندما انتهت الأخيرة من حديثها، ابتسمت الملكة بسخرية تهز رأسها باستخفاف:
_عذرًا على تخيب أمالك، أُوره، لكنني لا أرغب في هذه الهدنة مطلقًا.
توقفت للحظة، ثم أضافت بنبرة ماكرة، تراى اشتعال وجه الأخرى بكل تلذذ:
_كما أنني لا أستطيع أن أثق بفتاة قتلت شقيقتها ومات والده بغموض.
انتفضت "أُوره " من مقعدها غاضبة ونهضت فجأة من مكانها، تصرخ بانفعال، وجهها أصبح دماء متدفقة:
_كيف تجرؤين على قول ذلك الحديث القذر عني؟!
استقبلت "صوفينيا" غضبها بابتسامة متعجرفة، وأخبرتها بصوت حازم يشع بالقسوة:
_لا تتجرئي وترفعي صوتكِ في مملكتي، أُوره، فأنا لستُ من يصمت طويلًا وأنتِ تعلمين هذا مسبقًا.
شاهدة "صوفينيا" باستمتاع الغضب المتفجر في عيني "أُوره " التي استدارت وغادرت القاعة بخطوات غاضبة تحرق الأخضر واليابس، وقبل أن تختفي تمامًا، التفتت إلى "أرچيت" وأمرته بانفعال:
_ماذا تنتظر؟ هيا، اتبعني!
في تلك اللحظة، التفتت "صوفينيا" نحو "أرچيت" تخبره بهمسٍ وهي تطالع بأسفٍ:
أحسنت... وأعتذر يا أرچيت عن كلماتي السابقة.
لكنه لم يرد، فقد كان منشغلًا بمتابعة "أُوره " بنظرة خبيثة، وكأنه يتوقع أن تكون هذه مجرد بداية لما هو أعظم......
يتبع
دمتم سالمين
إلهام صبحي الدالي
إلهام صبحي الدالي