الفصل التاسع عشر "نهاية"
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
______________________________________
صدمة كبيرة تحلق فوق رأس "أُلِفياه"، حيث شحب وجهها وجسدها ينتفض بعنف، وعينها جحظت على المجهول، عقلها يخبرها بعدم الاستدارة، لكنها لم تستمع واستدارت هي و"أرجِمديُس" للخلف حيث مصدر الصوت، انتفضت، تصرخ بهلع وتتراجع للوراء بحذر، تشير إلى شيء أمامها:
_ شبح... شبح يا ويلي! هناك شبح! ابتعد أرجِي، سيقتلك! ابتعدي يا أبله، يا ويلي! شبح... أمي، أنا أريد أن أذهب إلى أمي!
_ أُلِفياه، هل ترين ما أراه أمامي الآن؟
_ أنا أرى أمامي الآن شبحًا، لا بل يتحدث باستغراب أيضًا! عجيب أمر ذلك الشبح المخيف.
تسلل صوتها المرتجف إلى مسامع الآخرين، حيث تشنج وجه الآخر باستنكار، يشيح بيديه في الهواء وهو ينظر إلى من جواره:
_ شبح إيه؟ هي بتقول عني شبح؟ طب خليها تشوف نفسها الأول وبعدين تتكلم!، وبعدين إحنا فين أصلاً؟ وفين الشرطة اللي هنا؟ إزاي سيبنكم كده بتعملوا فعل فاضح في الغابة؟...غابة؟ هي مش كانت في الطريق العام؟ أنتم غيرتوها!... والواد ده كان قفش في البنوتة دي أنا شوفته وهعترف بكل حاجة، فين بس الظابط؟
_ أهدي عزيزي، لا عليكَ أريان، اهدي قليلًا، نريد أن نعلم من هم وماذا نفعل هنا، أو كيف نتواجد هنا مجددًا بعدما فرقنا الموت.
كل ذلك يحدث و"أُلِفياه" تقف خلف "أرجِمديُس"، تمسك بثيابه بهلع، تشب برأسها لتعلم ما يحدث بينما الصدمة قد سيطرت على عقله.
لا يستطيع أن يصدق ما حدث، هل حقًا نجحت تلك التعويذة في إعادة والداي إلى الحياة مجددًا، أم أن هذا مجرد حلم من صنع خياله لكثرة تمنيه أن يعود؟ قرر عقله الضعيف، رحمه، وجعل ما يراه حقيقة؟
_ أبي، أمي، هل... هل أنتم حقًا أمامي هنا، أم أنني فقط أحلم بحلم جميل؟
همس بصوتٍ مرتجف وعينيه مليئة بالدموع، قلبه ينتفض بقوة، يتراقص على إيقاع الحياة مجددًا، والعقل يكاد يجن مما يحدث.
اقتربت "مياسين" منه، رفعت يديها ووضعتهما على وجنتيه برفق، والدموع تتساقط بعنف من بحور مقلتيها، صدح صوتها الرقيق المليء بالحنان الذي يفتقده:
_ أوه، صغيري أرجِمديُس، آهٍ يا صغير، اشتقت إليك كثيرًا، أوه يا الله، لا أصدق أنني أراك الآن، بل وأمسك بوجهك بيدي هاتين، يا ويلي قلبي يا صغير، آهٍ، أنت لا تعلم بما أشعر به الآن.
تأثرت بشدة، وصوتها كان محشرجًا من البكاء والعاطفة استولت على الأجواء حولهم، وكأن الطبيعة تأثرت بهم، لتبدأ السماء في إظهار دموع الفرح، كان اللقاء غير المتوقع محاطًا بمشاعر الفقد والحنين.
اقترب "أرجِمديُس" ليضمها، يستمتع بدفء أحضانها مرة أخرى، بعد سنوات من القسوة، ليُسمع صوت شهقاته تمزق القلوب:
_ أمي، أوه أمي، اشتقت إليكِ حقًا، اشتقت إليكِ كثيرًا لم أستطع تخطي الماضي، يا أمي، لم أستطع، بالله، لم أستطع إرغام قلبي على نسيانكم، أنا ضعيف كثيرًا دونكم... أرجوكِ لا تتركيني وحيدًا مجددًا يا أمي.
ضمها بقوة، لا يريد أن يستيقظ من هذا الحلم، إن كان حقًا حلمًا، لا يريد العودة إلى وحدته مجددًا، لا يريد العيش في العتمة، قطع بكاءه صوت "أريان" الذي قال بتذمر ساخر:
_ هو إيه اشتقت ومش اشتقتش؟ ده، هو إحنا في قناة سيبستون ولا إيه؟ بعدين تعالي يا هانم هنا هو أي حد يقولك يا أمي هتحضني؟ أنتِ إيش عرفك أن ده أرچيت؟ لو نقصك حنان قوليلي وأنا مش هقصر معاكِ في أي حاجة.
أنتهى من حديثه، بأبعد "أرجِمديُس" عن زوجته، ورمقه بنظرات قاتلة، انفجر "أرجِمديُس" في الضحك على تصرفات والده المشاغب، هز رأسه بيأس وهو لا يصدق أنه إلى الآن لا يدع يقترب من والدته، يغر عليها منه منذ الصغر، اقترب منه ووقف أمامه، ضمه برفق، يربت على ظهره، وبسمة جميلة رسمت على وجهه:
_ أحبك أنت أيضًا أبي، أنا لا أتحدث بالفصحى لعلمك، هذا بفضل التعويذة فقط. غير ذلك، لم تكن لتعرف ماذا أتحدث... لقد اشتقت إليك كثيرًا، يا أبي، وأشتقت لأزعاجك لي... لقد اشتقت إليكم كثيرًا.
_ هو أنتَ مفكر أن بعد الكلام ده هسمحك لأنك خدت مياسين في حضنك؟ سوري، تبقى أهبل! ده أنا مكنتش بخليها تشيلك وأنتَ صغير علشان متقربش منها تيجي أنتَ يا شحط تحضنها دلوقتي وقدامي كمان؟ أنا اللي مسكتني عليك، والله أني مش فاهم حاجة، بس غير كده كنت نفختك.
ابتعد "أريان" عنه وقال باستفزاز، بينما ابتسم الآخر بيأس، اقتربت "أُلِفياه" ووقفت بالقرب من "أرجِمديُس"، همست له وهي تمسك بذراعيه تستمد القوة منه:
_ هل هذا هو أباك حقًا وليس شبحًا متنكرًا في هيئته؟ أَمْتَأَكِّد أرجِي؟
تحدثت بمنتاهة الغباء وهي تحرك أهدابها برقة شديدة، بينما ابتسمت "مياسين" على حديثها الذي استمعت إليه باستخدام قوتها اقتربت منها بخطوات بطيئة، أمسكت بيدها بين يديها، وعيناها تلمع ببريق السعادة:
_ أوه، يا مشاغب، تعال هنا، من هذه الفتاة الجميلة، أرجِمديُس؟
_ إنها ابنة عمي أوزجكان، يا أمي.... إنها أُلِفياه وزوجتي.
_ أوه، يا صغيرة، أنتِ إذًا هي ابنة أوزجكان؟ يا إلهي، لقد كنتُ صغيرة كثيرًا عندما رأيتكِ أول مرة، أنتِ جميلة حقًا، تشبهين أُوزيِ في جمالها الخلاب، لكنكِ أخذتِ أعين أوزجكان.... آه يا ويلي، لقد اشتقت له كثيرًا.
أخذت تزيل دموع "أُلِفياه" التي تتسابق لسقوطها، تضمها وتربط على رأسها برفق، لا تصدق أنها أصبحت شابة جميلة لقد رأتها عندما كانت صغيرة كثيرًا، بينما "أُلِفياه" لا تصدق أنها تضم الأميرة "مياسين" الآن لا تصدق أنها تقف أمامها، تضم شقيقة والدها التي دائمًا كان يخبرها عن لطفها ورقتها. الآن تقف أمامها... والدته زوجها تلك المرأة الرقيقة يا للروعة!
في المساء، كانت السماء رائعة، مضيئة بضوء القمر المنير، النجوم تتراقص على لحن الحياة، بينما السحب تتمايل برقة على أنشودةٍ يطلقها الشعب احتفالًا بتتويج الملك الجديد.
لا تزال النغمات تُنشد حتى بعد انتهاء التتويج
يحتفلون بعد عهود من القهر والذل الذي تجرعوه، داخل القصر في الغرفة الاجتماعية الداخلية.
نجد الجميع، عائلة "أوزجكان" وعائلة "أرجِمديُس"، يجلسون يستمعون إلى ما فعله "أرجِمديُس" بـ"أُوره" ليكشف مخططها أمام الجميع.
اعتلت الصدمة ملامح "أريان"، لا يصدق مقدار الشر الذي يحتل القلوب، هل سيطر الشيطان على عقلها لهذا الحد؟ قتلت أبها وشقيقتها، تقتل الجميع من أجل المال والحكم؟ فليذهب كل شيء إلى الجحيم.
كل هذا لا شيء بقدر حب العائلة، لو كانت "أُوره" تمتلك قلبًا صادقًا، لكانت كسبت قلوب الجميع ولم تكن بحاجة لفعل مخططاتها، لم تكن بحاجة لقتل والدها، كانت ستحكم في النهاية.
لم تكن بحاجة لقتل عائلتي وتعذيبي أنا وشقيقتها، وتحرم طفلًا صغيرًا من عائلته، ماذا كانت تأمل من تفريق الجميع وتدمير العلاقات؟ كانت وحيدة بائسة، وأضحت خائنة وقاتلة، لتلقى عقابها في النهاية.
شرد "أريان" في بئر أفكاره، لا يستمع إلى شيء مما يحدث حاول وجهه يعلو الضيق، هو يعلم أن النفس أمارة بالسوء، لكن لو كانت قوية لحاربة شيطانه وتغلب عليه، مشاعر مبعثرة تقتحم عقله بكل تلذذ، تنعم بتشتيت عقله هكذا.
غادر الجميع للذهاب للنوم، والراحة تحتل القلوب، السكينة تنتشر في الأجواء، والفرح يطير بحرية في السماء.
النجوم والقمر يحيون حفلة الانتصار بعد الهزيمة، "سِمديُس" كانت دائمًا قوية، تستمد قوتها وضوءها من الحب بين الجميع، "سِمديُس" هي ضوء الشمس الذهبية، ليصبح اللون الذهبي لونها بكل جدارة، ويولد الأمل من شعاع الشمس، كذلك يولد الأمل من رحم المعاناة "سِمديُس"، الأمل هو الدفء والنور الذي يضيء حياة الجميع؟ عادت المملكة لسابق عهدها مجددًا، عاد لتألقها من جديد.
•••••
أسبوع آخر مر كمرور نسمة هواء لذيذة تدغدغ حواسك قبل أن تستمتع بالأمطار المحملة برائحة الشتاء الجميل، في مرور هذا الشهر، تم ترتيب زفاف ضخم للملكة "صوفينيا" على ملك مملكة الجنوب، الذي صارع كثيرًا لسنوات.
ذلك الرجل الذي طلب الوصال لقلبها لم ييأس ولم يستسلم أبدًا، كان يعلم أنه يستطيع الحصول على قلبها مسبقًا، كان على استعداد تام لاحتلال مملكة "جُرديچان" من أجل الحصول عليها فقط، والله قالها أمامها بكل شجاعة: "إذا لم تكوني ليَّ، سأحتل مملكتك وأحصل على قلبكِ بإرادتكِ الكاملة أيضًا." شجاع ذلك الملك حقًا، فقد حصل على مفتاح قلبها.
احتفال كبير، الموسيقى تنشد بنغمات الاحتفال الرائعة، يقف الملك "سينان"، ملك مملكة الجنوب، مع الرجال، قائد جيوشه الخاص، و"أوزجكان"، "أريان"، و"أرجِمديُس"، والحراس، ينتظر بحماس أن تطل عليه ملكة قلبه، ينتظر بشوق كبير، قلبه يعلن العصيان ويضرب داخل صدره بقوة كبيرة، لا يستمع إلى حديثهم بل أخذ يبعد خصلاته الذهبية عن وجهه الحنطي، وعيناه الأورجوانية تتلألأ في بحور الانتظار.
التفت للخلف ببطء، يصارع لتحكم في جسده لكي لا يركض إليها ويأخذها بين أحضانه، ينتظر فقط أن تكتب على اسمه لتنير حياته المظلمة، اتسعت عيناه بذهول وهو يجدها تسير بخجل، وبسمة رائعة تحتل وجهها، يمسك يديها شقيقها الأمير "سنمار". وثوبها الأزرق المرصع بالجواهر النادرة يبدو رائعًا عليها، بل تبدو خلابة وكأنها حورية سقطت من المحيط لتصبح زوجته هو.
_ يا ويلي! زوجتي! تلك الفتنة زوجتي أنا... ما بكِ سينان؟ تحكم في حالك يا رجل، اهدأ فقط بضع دقائق، وتصبح بين يدي وفي مملكتي أيضًا.
حدث ذاته بهمس، وهو يضع يده على صدره، موضع قلبه النابض الذي ينبض وكأنه يطير فرحًا بكل شوق للقاء حبيب طال انتظاره، اقترب منها، أخذ يديها بين يديه، وجلسا أمام العريف حيث يطلق على الشيخ لقب عريف هنا، ليكتب عقد القرآن خاصتهما في أجواء يملؤها الحماس والفرح.
أصوات الرقص وقرع الطبول رائعة، وأصوات الرجال وهم ينشدون الأغاني احتفالًا بزفاف مبهج بحق، الأجواء تمتليء بالحب والفرح، مشاعر كثيرة تندمج داخلك بكل تلذذ، وكأنك تحيا معهم منذ الأزل.
هكذا كان حال "أريان"، الذي أخذ ينظر بنبهر كبير، يحرك يديه وجسده في حركات راقصة مثلما يفعل الرجال، وابنه أخذ يتراقص معه، في هذا الوقت، نجد الملوك يرقصون مع الجنود والخادمات يحتفلون بسعادة بالغة وبصدق.
وكيف لا؟ والملكة كانت محبوبة من الجميع، والجميع يحبها، فعلت الكثير من أجل المملكة منذ الصغر، وهي تحب الاعتناء بالجميع، لا يغرك ملامحها القوية التي تظهر في قاعة الاجتماع، فهي رقيقة ولطيفة جدًا.
أخذت "صوفينيا" تراقص بفرح كبير بين أصدقائها وشعبها بعد أن انتهى العريف من كتابة عقد القرآن خاصتها، قلبها يتطاير، لم تكن تعلم أنه ينتظرها سعادة كبيرة بعد الشقاء. تتمايل في غرفة النساء حيث الرجال يحتفلون ويرقصون في الساحة، بينما في الداخل النساء.
اقتربت من "مياسين" وهي تتمايل برقةٍ بخصرها، وتنشد أنشودة خاصة بالممالك جميعًا بصوتها العذب، وضمّتها بقوة.
_ لا أصدق إلى الآن أنني أقف أمامك، مياسين أوه يا ويلي، قلبي لا يصدق! انظري، مياسين، لا أصدق أن هذا حفل زفافي!، أنا لا أصدق أنني لن أظل في مملكتي مع أخي وأصدقائي، لا أصدق أن أنتِ وأرجِمديُس ستذهبون وتتركونني وحدي وأيضًا "أوزجكان" سيرحل، هذا ليس عدلًا، مياسين! الجميع يغادر أرجِمديُس قائد جيوشي الشجاع، وأوزجكان الوزير الخاص بمملكتي، وأنا سأغادر أيضًا! مَن إذًا سيتولى المملكة مع أخي؟ هل يجب أن تعود لعالم البشري حقًا؟
_ أوه يا صوفينيا، عزيزتي، أنتِ تستحقين السعادة يا رفيقتي، أنا أعلم أن والدك كان يعاملك بقسوة لتحكمي المملكة، ولم تنعمي بالهناء، جميع مشاكل المملكة كانت على عاتقك وقتها، أما الآن فستغادرين إلى مملكة أخرى مع زوجك، الرجل الذي حارب كثيرًا لأجلك، هيا يا فتاة، تمتعي بحياتك الآن، فقد مر وقت طويل، عيشي صوفينيا، أتركي كل شيء، كل شيء سيصبح بخير، الأمير "سنمار" قوي، هو في النهاية سيتجاوز صدمته ولن يظل بها للأبد.
صمتت، تضمها برفق قبل أن تزيل دمعة هاربة من محيطات عينيها وتخبر بامتنان:
_ أشكركِ حقًا على الاعتناء بصغيري، صوفينيا لقد كنتِ صديقتي وفيَّة وأفضل من شقيقتي التي من دمي حتى، أحبكِ صديقتي أتمنى أن ترافقكِ السعادة طوال حياتكِ، عزيزتي..... أوه، حان وقت رحيلك هيا عزيزتي، حنا وقت الرحيل وصنع ذكريات في مملكة أخرى وعائلة جديدة.
أخذتها من يديها، تسير بها، وفي الخلف يسير الجميع وراءها، يلقون الورود عليها، يسيرون في مظهر غاية في الروعة، يسلب الأنفاس أميرة كانت أو خادمة، الجميع يسير جنبًا إلى جنب في خط مستقيم. الرجال يطلقون أبواق الاحتفال لتغادر الملكة بعد وداع شقيقها ابتسمت وهي تجد زوجها يساندها لصعود فوق الحصان والجلوس أمامه ويدي زوجها تلتف على خصرها بحماية.
جلست تتذكر ما حدث بالأمس، حديثها مع شقيقها في غرفتها، تقف هي والأمير "سنمار" الذي يعانقها بقوة، لا يريدها أن تغادر، لا يريد أن يظل وحيدًا مجددًا هو ليس أنانيًا لرحرم شقيقته من السعادة التي تحتل حديقتها، لكنه سيفتقدها كثيرًا.
_ هل يجب أن ترحلي حقًا، صوفينيا؟ أتركي ذلك الوغد وظلي معي. أنا أحبكِ. لا تتركيني وحدي.
_ أوه يا شقيقي، أنا لا أريد الرحيل والله لن أستطيع تركك والمغادرة وأنت حزين... إذا حقًا ستظل هكذا، سأخبر "سينان" أنني لا أريد أن أتزوجه.
_ ليأتي هذا الوغد ويقتلني، صحيح؟ لا! يا عزيزتي لا، اذهبي أنا لستُ أنانيًا لأقف في وجه سعادتكِ يا أختي، ولكن انظري، لا تتوقفي عن الاشتياق ليَّ حسنًا وأنا سأقتحم قصركِ كلما اشتقتِ لكِ.
_ أنا أحبك أخي، رجاءً اعتنِ بنفسك جيدًا ولا تترك ذاتك لتسقط في الآم الماضي يا أخي، امضِ، "سنمار"، أكمل حياتك ولا تقف على ذكرى الماضي. أنت لست السبب في مقتلهم، يا شقيقي لا!
_ لا، صوفينيا، لا أستطيع أن أعيش مثل الجميع، وأنا لم أستطع إنقاذ زوجتي وطفلي من الموت، لم أستطع يا صوفينيا، إذا عقلي فقد ذكرياته ومحى الماضي، قلبي سيذكرني بها دائمًا، آهٍ يا شقيقتي يا ليتني كنت معهم وقتها، وقتلت بدلًا من أن أعيش في ذنبهم طوال حياتي.
اقتربت منه، تهزه بقسوة، وهي تطالعه بنظرات حارقة:
_ يا أخي، أنت لست السبب في موتهم! ماذا ستفعل أنت؟ هل كنت تعلم أن هؤلاء الحقراء سيغتالونهم؟ لا، لم تفعل! والله، لو كنت تفعل ولم تنقذهم، لكنت أنا من قتلك وقتها، ولكنك لم تفعل، أفق، يا أخي! أنت لا تستطيع إيقاف أمر الله... أنظر لي، هيا أنظر لي! أنت ستحكم المملكة بقبضة من حديد، وتري الجميع أن ابن الملك "تيچان" قد عاد ليحكم بكل عدل وقوة، أنت لست ضعيفًا، يا أخي، أنت قوي فقط ثق في نفسك، ولا تخذلني... أنا أثق بك... أنت ستصبح ملكًا يتحاكى عنه الجميع بعدله وحكمته.
انتهت من حديثها، تذهب معه لحفل تتويج الملك "سنمار تيچان" أخذت تشجعه، فهو فقط يحتاج دفعةً صغيرةٍ ليقدم على المضى، هي تعلم أنه لن يستطيع محو الماضي ومحو ذنب لم يفعله، لهذا ستجعله منشغلًا بأمور المملكة، لدرجة أنه لن يجد الوقت لتذكر الماضي مجددًا.
استفاقت من شرودها، هي تقف في مملكة الجنوب تحيي الشعب بابتسامة جميلة، تعلو ثغرها بكل رقة، والملك يمسك يديها بين يديه، يضغط عليها برفق، يراها تحيي الجميع بكلمات صغيرة بكل ثقة وكبرياء. يعشقها بكل ما فيها.
_ تلك المرأة هي فتنة، فتنة قلبي، ليسقط في فتنتها بكل غباء، ولكن نوعًا ما تلك الفتنة محببة لقلبي كثيرًا.
نبس بحديثه همسًا، وهو يرى، الشعب يلقي الورود عليهم في احتفال رائع، انتهت قصة الملكة والملك العاشق الذي قضى سنوات كثيرة يحاربها لزرع حبه في صحراء قلبها، وها هو حصد ثمار حبه.
هي زوجته وملكة قلبه، من كان سيغامر بمملكته واحتلال مملكتها ونزعها منها لتصبح له؟ كتب سطور الحب الملك "سينان" على ورقةٍ من ذهب لختم قصة كانت شبه مستحيلة ليصبح المستحيل ممكنًا.... يتبع.
دمتم سالمين
إلهام صبحي الدالي
إلهام صبحي الدالي