الفصل الثامن عشر "بداية أو نهاية"
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
_____________________________________
"المياه تسير من حولك، لا تشعر بتغيّر الأجواء خلفك، العاصفة تُدمّر كل ما تراه، وأنت واقف في المنتصف لا تستطيع الحراك، وأمامك حلّان: إمّا أن تُكمل الطريق أو تتراجع حيث الدمار ينتظرك."
حدث كل شيء في غمضة عين، سرقت الملكة الخنجر وطعنت ابن توأمتها أمام مرأى ومسمع الجميع دون خوف، مستخدمة قوتها الخاصة في قتل نفس بريئة؛ تلك القوة التي تُمنح للأمراء والملوك من السلالة الحاكمة فقط، ليستخدموها في الخير، كل مملكة من ممالك الجان العلوي تملك قوة تختلف عن الأخرى.
أتت هي لتقتل دون أن يرتعد قلبها أو ترتجف يداها، الجميع يشاهد بصدمة، لا أحد يستطيع الحراك يتهامسون، هل قَتلت آخر ذرة خير في "أُوره"؟! عاصت الله وقتلت نفسًا بريئة، وخرقت قوانين الممالك باستخدام قوتها لقتل شخص أعزل!
بينما هي تضحك بصوت مرتفع، لا تعبأ بأنظار الجميع ولا بصوت التهامس الذي يخترق أذنيها كالطرب.
أول من انتفض من الصدمة هو "أوزجكان"، ركض إلى جسد "أرجِمديُس" المُلقى على الأرض بعدما دفعته "أُوره"، جلس على الأرض، وضع رأسه على قدميه، يهزه بعنف ليوقظه، يهمس بنبرة يشوبها الذهول، يحبس أنفاسه بتوتر، وقلبه ينبض ببطء مع كل ثانية تمر:
_ صغيري، انهض، رجاءً... هيا يا فتى، أرجوك استيقظ ولا تفعل بي هذا، لا يمكنك أن ترحل وتتركنا، أنا وأُلفياه، وحدنا!
صمت وهو يتابع بانهيار، وجسده يهتز بعنف، أخذ يهز جسد "أرجِمديُس" بلا وعي، يكاد يفقد عقله، لا يستطيع تحمّل فقدان شخص آخر من عائلته مرة أخرى، لا، لن أسمح، لقد وعدتُ شقيقتي بحماية ابنها، بحياتي، ووعدت ابنتي أن لا يصيبه مكروه... لا، رجاءً، يا الله.
_ أُلفياه، انهض من أجلها، أرجِمديُس! انهض يا فتى، من أجلها... ستفقد عقلها، رجاءً... استيقظ، يا صغير! انظر، سأدعك تفعل ما تشاء، سأجعلك تنتقم، فقط انهض... أرجوك، لا تتركني وتذهب، مثل والدتك... أرجِمديُس!
صرخ بصوت مرتفع وهو لا يترك جسده، يحميه من الجميع، بينما الجسد الآخر شاحب، سُرقة منه ألوان الحياة، لا يسمح لأحد بالاقتراب من "أرجِمديُس"، يبكي بعنف ذلك الرجل القوي الذي لم يُهزَم يومًا، والذي كان يأبى أن يُظهر ضعفه، مهما بلغت جروح جسده قسوة، ومهما اشتدّ التعذيب... من لا يخضع لأحد، حتى لو على موته!
يبكي أمام مرأى ومسمع الجميع، منهزمًا، يعلن انهزامه مرة أخرى، يفقد آخر ذرة قوة في داخله، يهذي بهمس، يرجوه أن لا يرحل، يقسم أنه سيسمح له بفعل كل ما يشاء، حتى لو كان تدمير المملكة بمن فيها... فقط ينهض ويضمه مرة واحدة، مرة واحدة فقط، يسمع فيها صوته الساخر، يقسم أنه يشتاق له، هو ابنه الثاني، طفله الصغير الذي اعتنى به... لا، لا يستطيع فقدانه هكذا.
_ليتني لم أستمع لك يا صغير... ليتني ربطتك بالأصفاد ولم أدعك تذهب وتتركني.
همس بصوت تملكه الضعف، وخصلاته تخفي وجهه كأنها تُخفيه عن الجميع، يُخفي ضعفه، لا يريد أن يرى أحد مالكه على هذه الهيئة، وعيناه الذهبيتان كالجمر، من الدموع المتساقطة.
قلبه ينزف دمًا، لا يُبصر أمامه، ولا يسمع شيئًا، كل ما يراه هو شقيقته، تنظر إليه بخذلان لعدم حمايته لروحها، يسمع صوتها، وصوت ابنته، يصدحان في رأسه مرارًا، يُئنبانه عن تقصيره، وأنظارهما مليئة بالكره والحسرة.
لم تحتمل "صوفينيا" ما يحدث، ركضت مسرعة نحو "أرجِمديُس"، وجلست قربه، وضعت شيئًا مجهولًا في الخفاء داخل فمه، ثم أبعدت "أوزجكان" عنه، وضربته على وجهه بعنف، وتحدثت بنبرة قاسية ملأها الغضب:
_ انهض، أوزجكان، أفق من جنونك! ليس وقت الضعف الآن! هيا، عُد إلى عقلك، وخذ ثأرك من تلك الحقيرة... انهض! الثأر أصبح اثنين! لن أسمح لك بالضعف الآن، ليس هنا، وبالطبع ليس أمامها!
_ لكن أرجِمديُس... رحل، رحل وتركني، صوفينيا! ترك خلفه قلوبًا تنزف لأجله، لا أستطيع تركه، صوفينيا، سيخاف إذا تركته! ومياسين؟ وأُلفياه؟! كيف سأنظر في عينيها بعد الآن؟ أنا المذنب هنا، أنا من سايرته في خطته! الذنب كله عليّ، لأنني لم أستطع حمايته من غدرها! اللعنة عليّ!
قالها بنبرة مغلفة بالألم، والماضي لا يتركه... يعيد نفسه أمامه من جديد، في السابق، لم يستطع إنقاذ شقيقته، والآن، لم يستطع إنقاذ ابنها أيضًا... يا لي من ضعيف.
_ لست هكذا، أوزجكان! الويل لك، انهض! لن أدعك هكذا، بهذا الضعف، أمام مرأى الجميع، هيا انهض وخذ قصاصك قبل أن يبرد!
كان حديثها كالضوء في عتمة الظلام، أتى لينتشله من بئر الذنوب، فنهض، وأبعد رأس الآخر برفق، يستعيد قوته، ينظر لها بعزم، وعيناه اكتساهما السواد، يحدق في "أُوره" التي لا تزال تضحك على انتصارها، ويتمتم ببعض التعاويذ قبل أن يكمل... فانتفض الجميع.
وهم يجدون حُراسًا يلتفون حول حراسهم، أشهر الجميع أسلحتهم، أشهر "أوزجكان" و"صوفينيا" وملك الموت والملك "كوچيند" سيوفهم، بينما وجّه الأمير "أرسين" أسهمه نحو الجميع.
دارت معركة عنيفة بين جنود "أُوره" والملوك والحرس، حيث كان كل حارس يقف بمحاذاة ملك أو أمير، يحاربون جنبًا إلى جنب بشكل مبهر، حيث لا فرق بين ملك وجندي، الجميع يحمي الآخر ضد حراس وجنود الملكة الأحقراء.
_ انتبه مولاي... هل أنت بخير مولاي؟ يا ويلي لقد أصابته.
_ لا تشغل بالك يا صديقي، انتبه أنت، أمّا هذا فما هو إلا جرذ صغير يتبع أوامر والدته.
نَبَس الأمير "أرسين" وهو يطلق أسهمه نحو من أصاب ذراعيه، متحدثًا مع قائد الجيوش خاصته الذي يحمي ظهره وهو يقاتل بالسيف، بينما على مقربة منهم نجد "صوفينيا" تسقط العديد من الحراس، وبنبرة شامتة تخبر ملك الموت وهي تحرك حاجبيها باستفزاز:
ــ هيييه، سيفويس، أراك تحتاج مساعدة، تريدها، ها؟
ــ أنتِ يا امرأة، لن تصمتي إلا عندما أقتلك بسيفي.
ــ أوه، حقًا؟ تجرؤ؟ اقترب خطوة واحدة، لتجد رأسك المقرف في جهة، وجسدك في جهة أخرى... ثم ماذا فعلتُ أنا الآن؟ أنا فقط أريد مساعدتك.
تشّدقت بنبرة خبيثة، تحرك أهدابها ببراءة مصطنعة، تدير رأسها لتُبصر اشتعال وجهه قبل أن تشق بسيفها رقبة شخص كان سيقتل الملك "كوچيند".
_ اللعنة، فقط توقفا أنتما الاثنان الآن، أنتما في حرب ولا وقت لشجار الآن.... الويل لك يا حقير، تريد اقتلاع رأسي!
صاح "كوچيند" بنبرة صارخة وهو يدير رأسه نحو "سيفويس وصوفينيا"، وأنظاره الفضية تشتعل بينما خصلاته تتراقص على قرع طبول الحرب:
_ انظروا ماذا حدث، كنت سأفقد رأسي بسببكما، أيها العجوزان!
_ هييه يا فتى، انتبه لحديثك لكي لا تجرح مشاعر عزيزي سيفويس، لأنه رقيق القلب.
_ اللعنة عليكِ، صوفينيا، سأقتلك حينما ننتهي، أنتِ وهذا الحقير الآخر.
صرخ الملك "سيفويس" بهما قبل أن يهجم على جندي كاد أن يصيب "كوچيند"، وهو يناظرهما بأنظار تحرق الأخضر واليابس، أدار رأسه للجهة الأخرى ليجد حارسًا كاد يصيبه من ظهره، يسقط إثر طعنة من "كوچيند"، وهو يطالعه بنظرات تدل على أنهما متعادلان.
قتال شرس بين الجميع، يقف "أوزجكان" يقاتل من أمامه بدم بارد لا يعبأ بهم، يُبصر أمامه فقط، لحظة طعنة صغيرة أمام عينيه وكأن هذا كان فقط الفتيل لإشعال الحرب داخله، وعودة أداة الحرب للقتال، لتصبح هذه الحرب هي الحرب المائة والخمسون التي يخوضها طوال سنوات حياته.
بينما هي تسير بتمايل لا تعبأ بما يحدث حولها، تعلم أن النصر حليفها، فهي، مهما يكن ذكاء ودهاء الآخر، لن يصل إلى عقلها في نهاية الأمر:
_ أوه، يا للمسكين، قد أنهيت حياته بسهولة كبيرة أوه، لا زلت أستمع إلى صوته وهو يقول سينتقم... وثرثرة فارغة... كنتَ تريد الانتقام مني؟ كيف هذا وأنت لم تستطع أن تحمي نفسك حتى؟ يا للسخرية، كان يريد الانتقام مني! ينتقم من أُوره؟ منتهى الغباء.
صمتت تبتلع لعابها، تحدق إلى جسد "أرجِمديُس " الملقى بإهمال، تقترب منه وتهمس بجوار أذنه بكل غل وشر يحترق داخلها، وأنظارها أظلمت أكثر من ظُلمها، لتصبح ثقبًا أسود يبتلع الجميع داخله:
_ أنتَ لا تستطيع أن تهزم أُوره يا صغير، لا أحد يستطيع فعل ذلك، هل تسمعني يا ابن مياسين الغبية؟
توقفت، تكشّر عن بسمتها المظلمة بظلم الماضي وجشع وحقد الحاضر، تهمس بنبرة حاقدة لن تتوقف حتى آخر أنفاسها، ستظل تحقد على شقيقتها:
_ ها أنتَ الآن، سوف تذهب إليها، وإلى أباك، ذلك البشري الأحمق، س...
لم تُكمل، وانطلقت صرختها بهلع، جسدها ينتفض انتفاضة الروح قبل الذهاب في رحلة بلا عودة، تراجعت إلى الوراء قليلًا بفزع، عندما وقف "أرجِمديُس" أمامها وقال بابتسامة غامضة مظلمة:
_ مفاجأة، صحيح؟ ماذا، لا تخبريني أنني أخفتك؟
_ اللعنة! كيف.... حدث هذا؟ لقد قتلتك! كيف تقف أمامي الآن وتتحدث هكذا؟ الخنجر لا يزال يحمل دماءك! كيف لا زلت حيًا؟
همست بنبرة مرتعدة، تتراجع للخلف دون وعي، لا تشعر بشيء، عيناها جاحظتان عليه، بينما هو يقترب منها بنفس الخطوات التي تتراجع بها، يُخبرها بكل ثقة، والكبرياء تاج يضعه على رأسه بكل فخر:
_ أنا أرجِمديُس يا أُوره، أنا الخير والشر في آنٍ واحد. أنا أعلم ما يدور داخل عقلك الآن، أنا أعلمك أكثر مما تعلمين نفسك، أعلم بما يخطر على عقلكِ الصغير من مؤامرات وخطط، وكيف توقعت ذلك الهجوم الغدر منكِ... هل تريدين معرفة ذلك؟
صمت، ثم أكمل قائلًا بمكر وابتسامته الساخرة تحلق فوق وجهه:
_ هذا ضمن خطتي أيضًا... هل تعلمين ماذا؟ أنا أعلم بما يدور داخل عقلك الآن.
صمت عن الحديث، ينظر للخلف لتتسع بسمته أكثر من ذي قبل وهو يجد أنهم هزموا حراس "أُوره" بكل شجاعة، وانتصروا عليهم، تابع قائلًا وهو يشير إلى صديقه:
_ أرسين، أمسك بها جيدًا، هي تريد الهرب أمسكها وضع ذلك السوار الذي أعطيتك إياه من قبل حول معصمها، سوف يمنعها من الاختفاء واستخدام قوتها مرة أخرى.
أدار رأسه لها، يطلق ضحكة صغيرة على رؤيتها تحدق به بذهول، وثغرها منفرج يكاد يسقط على الأرض، ووجهها شاحب تحدث بكل براءة يمتلكها، يحرك أهدابه الكثيفة:
_ أرأيتِ؟ أنا أعلمك كثيرًا، أُوره.
أردف بمكر الثعلب خاصته وهو ينظر إليها بحديقته الجذابة:
_ أيها الحُراس، ألقوا بهذه الخائنة التي قتلت الأميرة مياسين والملك سِيفاك، ألقوا بها في البئر الأبيض.
التفت ينظر إلى الشعب المحدق بذهول لا يستطيع تحمل ما يراه، قال بصوتٍ يتردد بجميع أنحاء المملكة بقوة:
_ شعب سِمديُس، جميعكم تعلمون ماذا فعلت أُوره بكم، قتلت الكثير وعذبت الكثير، قتلت شقيقتها وأباها الملك سِيفاك، قامت بتسميمه بسم خاص لتحصل على الحاكم وماذا فعلت جراء هذا الحكم؟ يا ليتها حكمت بعدل وصدق، لا! لقد قامت بتعذيبكم جميعًا، لم تترك امرأة أو طفلًا أو شابًا أو حتى عجوزًا.
صمت "أرجِمديُس" يتابع بعدما ابتلع لعابه وهو يتابع آثار حديثه على أوجه الجميع:
_ لم ترحمكم بل أخذت تعذبكم دون شفقة حتى تجعلكم تعملون دون مقابل، لا تكترث بكم ولا بمرضكم، حولت مملكة سِمديُس العريقة التي يتفاخر بها الجميع إلى دمار وخراب، إذا كان هناك أحد منكم يعترض على عقابها، فليتحدث بشجاعة، ولكنني لن أترك حقي وثأر عائلتي... من لا يرحم، لا يُرحم.
_ لا نريد العدالة... هي تستحق العقاب.
_ لا غفران لمن لا يغفر.
_ نريد حق الجميع، نريد العدالة... العدالة.
_ هذا العقاب قليل عليها، نريد ثأر الملك سِيفاك.
أخذت أصوات الجميع تتردد في القاعة، الجميع يريد تأيّد عقابها، وحديث "أرجِمديُس" أشعل النيران المحترقة داخلهم بكل شجاعة يتذكرون مقدار العذاب الذي عاشوا في حكمها.
لم ينتظر الحُراس أكثر، بعدما أشار لهم "صوفينيا" بأخذها، قاموا بسحب "أُوره" تحت مقاومتها إلى البئر الأبيض وسط صرخاتها التي تعلو بجميع أرجاء المملكة.
ولكن صوت صراخها كان طربًا بالنسبة لشعبها الثائر، استمعوا إلى صوت هذه الصرخات التي تشعرك بانتصار، إلقاؤها في البئر الأبيض كان عقابًا تستحقه بكل جدارة.
ذلك البئر هو الهلاك بالنسبة للجان، حيث يعمل البئر على تقطيع جسد الجني المعاقب إلى أشلاء، ويتم سحق هذه الأشلاء وتنسكب عليه حمم أشد قوة من الحمم البركانية لأجل إذابته وينتهي الجني إلى الأبد، حيث لا يستطيع العودة مرة أخرى بواسطة تعويذة أو إحيائه من جديد بقوة خاصة من جني آخر.
قبل أن تُلقى "أُوره" في البئر، استدارت وعيناها تتساقط دماء بدلاً من الدموع، دماء سوداء، أنفاسها تسحبها نيران حارقة تشتعل في قلبها، صدح صوتها متحدثة بنبرة حاقدة مليئة بالآلام:
_ أنا لستُ المخطئة، بل أنتم... أنتم من فعلتم بي هذا، حولتموني إلى هذه النسخة، أنا أكرهكم كثيرًا، أكرهك أوزجكان، أنت وأبي ومياسين التي تفضلونها عني دائمًا، أنا لم أخطئ، بل أنتم... أنتم فقط سبب هلاكي.. أنا لن أدعكم تنعمون في حياتكم أبدًا، أُوره لن تنتهي، لن أنتهي، أرجِمديُس، احترس يا صغير، فأُوره ستنتصر.
أنهت حديثها وأسقطوها في البئر، وصوت صراخها يطرب قلوب البعض والبعض الآخر يشفق عليها. مشاعر كثيرة تمتزج بها القلوب الحائرة.
••••
بعد مرور شهر على هذه المعركة، حيث أطلق "أرجِمديُس" جميع المكافآت للشعب الذين لم يحصلوا على أجورهم من أُوره منذ سنوات، وهم يعملون ويعملون بجهد دون مقابل.
في قاعة مملكة "سِمديُس" يجلس "أرجِمديُس" وعائلة "أوزجكان" في القاعة الداخلية بعدما حدث الكثير في هذا الشهر، عاد الحارس "سايفان" إلى منزله وتزوج بالممرضة التي تعتني بوالدته.
وأهم حدث هو قرار الملكة "صوفينيا" بالزواج أخيرًا من ملك مملكة الجنوب الذي صارع كثيرًا لإقناعها بحبه الكبير لها، فقررت الزواج به قريبًا في حفل زفاف ضخم.
_ مهلًا، أرجِمديُس، أنا لا أفهم إلى الآن كيف استطاعت أن تعلم بماذا تخطط أُوره وكيف استطاعت أن تعود مجددًا بعد أن أصابتكَ أُوره بالخنجر المسمم، أنتَ تعلم أن ذلك الخنجر يحتوي على سم قاتل يستخدمه الحُراس في الحروب.
صدح صوت "أوزجكان" بتساؤل وهو ينتظر الآخر ليجيبه، بينما انتفض جسد ابنته بهلع:
_ ماذا؟ أصابتك تلك الحقيرة؟ أرجِي، هل يوجد بكَ شيء؟ أأنت بخير؟ أخبرني لماذا أنتَ صامت هكذا؟
تنهد "أرجِمديُس" بضيق، منتظرًا الإجابة، بنظرات منزعجة، لم يستطع إيقافه، يحاول تهدئة الأخرى التي لم تصمت، إلا أن يجد نفسه يتصارع أمامها:
_ لا يوجد بي شيء يا أُلِفياتي، أنا بخير وأيضًا، لقد أعطتني الملكة صوفينيا ترياقًا مضادًا لذلك السم، والترياق قام بمعالجة جروحي جميعها عندما خطر لي ماذا ستفعل أُوره.
نهض، وكذلك فعل الآخرون، واقتربوا إلى الأمام، يحدقون إلى الشعب الذين يقفون أمامهم بعدما قام سابقًا بإخبار الحرس بجمعهم قد أعلن "أرجِمديُس" بصوت قوي أن ملك المملكة من الآن وصاعدًا هو الملك "أوزجكان"، وقد أمر الحراس بتحضير حفل التتويج.
_ مهلًا، مهلًا! من أخبرك أنني أريد أن أكون ملكًا يا فتى؟ أنا سبق وتركت مملكتي لأبن عمي عندما استعادها من المحتالين لأنني لا أهتم بأمور الحكم، لتأتي أنت وتقحمني في هذه الأمور يا وغد، أنا لا أريد أن أكون ملكًا، أفعلها أنت، أنت هو الوريث الحقيقي لهذه المملكة.
_ عمي، أنت تعلم جيدًا أنني لا أريد المملكة أو أهتم بهذه الأمور، أنت أفضل شخص لحكم المملكة، المملكة تحتاج إلى شخص مثلك يا عمي، ولا أحد يستحق حكم هذه المملكة غيرك، أنت تعلم كل صغيرة وكبيرة في هذه المملكة، أنت الأحق بالحكم وعن جدارة، صدقني، والآن أعذرني سأذهب أنا وابنتك لبعض الوقت.. وداعًا.
نبس حديثه ويداه تلتفان حول خصر "أُلِفياه" التي تمسكت به بقوة كي لا تسقط من سرعته المهولة حلق في الأفق ولم يستمع إلى صوت الآخر المتسائل إلى أين... غادر، وأجنحته تضيء من أشعة الشمس الذهبية.
••••
في مكان قريب من القصر، أمام تمثال أريان ومياسين، ظهر "أرجِمديُس" و "أُلِفياه" أمام التمثال أفلت "أُلِفياه" بعدما تأكد أن لا مكروه أصابها بسبب سرعته في التحليق، اقترب ووقف على بعد صغير من التمثال، وأمسك بيديها قائلاً بنبرة رجا وعيناه تفيض بالاشتياق:
_ أتمنى حقًا أن يحدث ما أخطط له.
_ مجددًا، أرجِمديُس، هذه المرة المئة التي تأتي بها إلى هنا كل عام في هذا الوقت، عندما يصبح الشمس والقمر رفيقين في سماء واحدة في ذات الوقت، تأتي وتمتم بإحدى التعويذات، وتفشل التعويذة، يكفي، أرجِمديُس، رجاءً، يكفى الآم بعد الآن، أرجوك، أرحم قلبك المسكين من الألم في كل مرة يفشل فيها الأمر تنهار مجددًا.
_ ولكنني أشتاق إليهم كثيرًا، أُلِفياه، أفتقدهم كثيرًا، أبي، أمي... أشتقت لهم، وإذا كان أمامي أمل صغير بنسبة ثلاثة بالمئة لإعادتهم مجددًا، سأحارب لأجل أن أراهم مرة أخرى... من أجل أن أستمتع بأحضان أمي مرة أخرى بعد... أنا لا أستطيع، أُلِفياه، قلبي يعلن عصيانه عليَّ إن لم أفعل ذلك.
_ حسنًا، ولكن عدني.. هيا، عدني، أرجِمديُس، إذا فشل الأمر مجددًا، لن تأتي إلى هنا مرة أخرى وتجلد ذاتك بألآم الماض يكفي، أرجِي... أنا لا أتحمل رؤيتك ضعيفًا أمامه، لا يمكن لقلبي أن يراك تتألم وليس بيدي فعل شيء لمعالجتك أنسى الماضي، أرجِي، وأكمل في حاضرك.
_ حسنًا، أُلِفياه، أعدكِ، إذا فشلت التعويذة في أعدتهم هذه المرة، لن أفعلها مجددًا وسأمضي في مستقبلي.
تمتم بنبرة هامسة، ولكنها استمعتها، هربت دمعه خافت من مقلتيه، وقد قامت "أُلِفياه" بأزالتها
أردفت بصدق وهي تنظر في أعماق عينيه التي يهرب بها عنها، وقفت وضعت يديها على وجنتيه:
_ هيه، أسمعني، أنا لا أريدك أن تشك أنني لا أريد رؤيتك سعيدًا بعودة عائلتك، أنا أثق بك، أنت تستطيع فعلها، هل تثق أنت بنجاح التعويذة هذه المرة، أرجِي؟ أنا أعلم جيدًا باشتياقك إلى عائلتك، ولكنني لا أريدك أن تتأمل بشيء لم يحدث من قبل.
أمسك يديها بين يديه برفق، ينظر داخل أبعد نقطة في حديقتها المذهلة، ودقات قلبه تتسارع لا يعلم أأبفضل قربها منه أم من أجل الحماس الذي يشع في أوردته:
_ أود ذلك، أُلِفياه أود حقًا أن ينجح الأمر.
_ هل ستفعل ذلك الشيء الذي قرأت عنه في كتب جدك الأكبر القديم الذي أخذته من مكتبة القصر خلسة؟
هز رأسه بأجل قبل أن يأمرها بالابتعاد عنه قليلاً لكي لا يصيبها شيء، هو لا يعلم ماذا سيحدث عندما يقرأ التعويذة الأخرى ويضيفها من بعض التعويذات، أخذ جسده يتشنج بعنف، يقاوم الألم الذي يسيطر على جسده، نصف ساعة قد مرت قبل أن يسقط جسد "أرجِمديُس" على الأرض، ضعيفًا، ووجهه شاحب، عروقه بارزة، وبشرته باردة كثلج.
ركضت نحوه "أُلِفياه" بسرعة كبيرة، تسانده وساعدته على النهوض، لكن قد تجمد كل شيء حولها، حبست أنفاسها وجحظت مقلتيها، الدماء جفت في عروقها، وهي تستمع إلى صوت يصيح بتذمر من خلفهم حيث يقبع التمثال:
_ فعل فاضح في الغابة؟ ... إيه اللي بيحصل هنا....يتبع.
سرٍ صغير قد كشفه، وأسرار لم تكشف بعد. يا عزيزي، هل أنت مستعد لمعرفة تلك الأسرار الآن؟!
دمتم سالمين
إلهام صبحي الدالي
إلهام صبحي الدالي