الفصل السادس عشر "صدمات ممتالية"
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم
صلوا على نبي الرحمة
______________________________________
"الوقت يركض داخل حلبة حياتك... يفر هاربًا من مجهول مخيف أو ربما خطر كبير يقترب، احتراسًا فالقادم لا يبدو جيدًا لك..."
في ذات الوقت، داخل "مملكة سِمديُس"، أسفل أعماق القصر، يقبع سجن القصر حيث يُجمع أشد الجَن تمردًا في غرفة توجد بها فتحة صغيرة لضوء الشمس الهارب.
غرفة حوائطها مليئة بالغبار والدماء الجافة، يسودها الاتساخ ورائحتها مقرفة تثير الاشمئزاز نبصر "أرچيت" مقيدًا بأصفاد ضخمة تسحب قوة الجَن المتمرد ولأجل أن "أُوره" لطيفة القلب للغاية، ألقت به في هذه الغرفة المتسخة والمظلمة، تلتف الأصفاد حول جسده ويديه كالأفعى، تصعقه كلما تحرك خطوة صغيرة.
ملقى على الأرض القذرة فاقدًا للوعي دون شفقة، الآلام تقع على عاتقه، وضع كامل ثقته وآماله في شخص، وهذا الشخص أسرع لكسره بكل الطرق، يا للسخرية! تلقى ضربة غدرة من شخص خائن لم يُبالِ بقلبه وهو ينكسر مئة قطعة.
أخذ "أرچيت" يشاهد ما حدث له منذ ساعات في أحلامه التي تتحول رويدًا رويدًا إلى كابوس بشع اقتحم رأسه بلا مبلغة، أخذ جسده يتشنج بقوة، أنفاسه تتسارع، يصارع وهو يركض من وحش مخيف يزور رأسه.
رأسه تهتز بسرعة فائقة لدقائق قبل أن يفرك بين جفونه بلا إنذار، جلس القرفصاء يتنفس بعنف وكأنه كان يركض لأميال بلا توقف، وصدره يعلو ويهبط، أبعد خصلاته الملتصقة على جبينه بفضل حبات العرق التي احتلت جبينه كالص السارق الذي يسرق أغراضك بكل تبجح.
يحدق في الحائط الذي يتساقط منه الدماء، وصوت تساقط الماء داخل الدورق يثير غضبه أكثر، جحظت مقلتيه، وهي تسرق اللون الأزرق الغامق ليحتل مقلتاه بكل تألق... يزفر بغضب عميق ثانية واحدة فقط وظهرت بسمة خبيثة على ثغره، يدير رأسه بغموض، يرفع يده ويحركها نحو يده الأخرى أسفل الصاعقات التي تصيب جسده من الأصفاد ولكنه لا يشعر بشيء مطلقًا.
استقام بجسده المعضل، يسير إلى غايته بعدما فك قيوده بسهولة توقف أمام الباب مباشرة، ولكن مهلًا! ماذا يحدث؟ أخذ جسده يتقطع بتشوش، كإشارة التلفاز القديم حينما تنقطع الإشارة عنه تستطيع الرؤية ما يقبع خلفه من خلال جسده! عجبًا، أصبح ذو جسد شفاف رائع!
ثانية وعاد جسده من جديد إلى طبيعته تقدم ببطء بخطوات ثابتة نحو القاعة الخارجية التي امتلأت بشعب "سِمديس" الذين اجتمعوا لمشاهدة عقابه.
هز رأسه بسخرية، يسخر من قوانين المملكة التي تجبر الشعب على مشاهدة محاكمة أي شخص كان فمن يتخلف عن الحضور يُعاقب عقابًا قاسيًا أمام الجميع، هو وعائلته.
توقفت أقدام "أرچيت" بكل تلقائية أمام كرسي العرش الخاص بـ "أُوره"، وهو يبتسم بغموض، والخبث ينبعث من عيناه التي تطلقان شرارات بالخطر القادم. اجتمع حوله جميع الحراس في دائرة كبيرة لكي لا يهرب، يوجهون سيوفهم نحوه.
_ كيف... استطاعت الهروب من السجن؟ اللعنة، كيف فرّرت من الحراس والأصفاد؟
_ أوه... أحزنتيني يا "أُوره"، هل تعتقدين أن هذه الأصفاد ستمنعني من الفرار؟ أوه، أظن أن سموكِ لا تعلمون من هو المحارب "أرچيت"... أنا لا يستطيع أحد إيقافي، أنتِ فقط غدرتِ بي، ولأجل هذا استطعتِ القبض عليَّ، لولا غدركِ لما تمكنتِ بالأمس من الإمساك بي حتى في أحلامكِ لا أنتِ، ولا جميع حراسكِ الأعزاء، وأنتِ تعلمون هذا جيدًا، أليس كذلك؟
نبس بكل سخرية، يرفع حاجبيه باستخفاف، ونظراته الخفية تنطلق لتستقر في عينيها بكل طغيان، تشعرها بالرهبة والخوف، وربما الغضب الذي يحرقها حية الآن؟
_ أيها الحراس، أمسكوا به جيدًا، لا تدعوا يهرب، راقبوا كل حركة يفعلها لكي لا يهرب من قبضتكم، وإذا حدث هذا لن تظلوا على قيد الحياة بعدها!
نطقت "أُوره" بكلماتها والغرور يشتعل إلى أقصى درجة في رأسها، بينما خصلاتها تلتف حولها كالأفعى التي تحمي نفسها من الأعداء، وعينيها السودويتين تسحبك لتسقط داخل بئر شرهم للأبد.
صدحت ضحكات "أرچيت" الساخرة، تشعل الأجواء المليئة بالترقب والهلع، رائحة الغدر تقترب منك دون هوادة، مرر أنظاره حوله إلى الحراس الذين يمسكون به، يجيبها بنبرة ساخرة وهو يشير إليهم وكأنهم قمامة:
_ حقًا يا "أُوره"... تعتقدين أن هؤلاء يستطيعون منعي؟ كم أنتِ مثيرة للسخرية يا... مولاتي.
صمت قليلاً وهو ينحني نصف انحناءة، يسخر منها، يتابع تأثير كلماته على وجهها، قبل أن يردف بنبرة معبقة بالخبث وهو يرفع كتفيه بلا مبلاة بعد أن استقام في وقفته:
_ إذا كنتُ أريد الهرب، لن تجديني أقف أمامكِ الآن. أين ذهب عقلكِ يا "أُوره"، هل اختفى أم فر من غبائكِ؟ مالي أراكِ ترتجفين؟ هل أنتِ خائفة؟ يا ويلي! انظروا، ها هي ملكة البلاد تخشاني وأنا لم أفعل شيئًا بعد... ماذا إذا فعلت؟
قالت "أُوره" بغضب، تنهض من على عرشها، تسير إليه وقد أعماها غضبها، وقفت أمامه، وصدرها يهبط ويصعد بعنف، تضغط على أسنانها بغل دفين، تبصق كلماتها بصق:
_ عليك أن تخاف كثيرًا أيها المحارب العظيم، أنتَ لا تعلم بماذا أخطط لعقابك بعد.
نبست باستخفاف، ومقلتاها تنطلق منهما الحمم البركانية، غزت ضحكات "أرچيت" المرتفعة القاعة، الجميع يحدقون إليه باستغراب كيف يتحدث هكذا إلى الملكة دون أن يخاف منها، البعض يتهامس أنه قد جنَّ، والبعض الآخر يقولون إنه شجاع، ولكن هل سيصمد أمام الملكة؟
مشاعر مضطربة تغزو أجساد الجميع ما بين الهلع والفخر والصدمة، ولكن جميعهم اتفقوا على أن النهاية الظلام اقتربت، هل حقًا النهاية أصبحت وشيكة، أم أن القدر يستطيع أن يضع بصمته في الأجواء؟
••••
نعود إلى بحر الظلمات، الأمواج العالية تنتشلك ببرعة إلى قاعها المظلم. لا يهم ما مدى مهارتك في السباحة، فستجد نفسك غارقًا بها في نهاية الأمر. نسير بخطوات بطيئة، تحمل الأثقال فوق عاتقنا إلى من يعذب ويقضي سنوات حياته ظلمًا.
أهلاً بك داخل سجن "سِمديُس"، حيث نرى "أُلِفياه" تستند بجسدها على الحائط ودموعها تهبط دون وعي، تشرد في مستقبل باهت وحاضر مدمر، وعقلها لا يكف عن تعذيبها بتساؤلات لا إجابة لها.
أين العدل فيما يحدث لهم؟ إلى متى سيظل شر "أُوره" هو الحاكم؟ أخرجت زفيرًا قويًا وصوت شهقاتها الضعيفة تنطلق من ثغرها بحرية طائر حبيس في قفص ذهبي لامع منذ سنوات يمنع عنه التحليق بحرية.
انتفض جسدها على صوت صرير الباب المزعج وهو يفتح ببطء مخيف يلي اقتحام جسد سرق سواد الليل في ردائه، يخطو خطواته بحرس.
_ من أنت؟ ابتعد عني، من أنت؟ أخبرني، إذا لم تتحدث سأصرخ...
اقترب منها ووضع يده على فمها لكي تصمت، وبيده الأخرى خلع عنها القناع الذي يرتديه على وجهه وقال بهمس لكي تكف عن الحراك والضرب:
_ هذا أنا، أُلِفياه، والدكِ، اصمتي لكي لا يستمع أحد إلى صوتكِ ويأتي، كفي، عزيزتي، لا تقلقي، أنا هنا لأجلكِ.
صمت، يشعر بألم كبير ينهش قلبه وهو يجدها في حالة مزرية رفع يده في غفلة، يبعد دمعة شاردة من عينيه، يبتعد للوراء ببطء، يردد بعض التعويذات الخاصة لإيقاف مفعول الأصفاد.
اقترب منها "أوزجكان"، يبعد الأصفاد عنها وهو يتفقدها برفق، وعيناه تحكي قصة ثأر لن ينطفئ إلا بالقصاص:
_ الندم هو ما ستعيشين به يا "أُوره"، سترين العذاب بألوانه بعد ما فعلت بابنتي... سأجعلكِ تتذوقين القهر والألم، فقط انتظري، نهايتكِ تقترب.
_ أبي، أرچيت أن يعتقد أنني اتفقت مع "أُوره"، أبي، رجاءً، أخبره أنها خدعة فعلتها "أُوره"، وأنا لم أفعل شيئًا. أبي، رجاءً أخبره، هو يكرهني، أرجوك أن تخبره، هو يكرهني الآن... سأفقد روحي يا أبي إذا كرهني، والله لن يصمد قلبي دونه... أخبره يا أبي، أنت تعلم أنني لم أفعل شيئًا، أليس كذلك؟ تعلم أنني لا يمكن أن أخون قلبي يا أبي.
بتلعثم شديد وكلمات غير مرتبة، نطقت بها وقلبها يرتعد، لا تريد أن تنتهي قصتها وهي خائنة، ولا تريد أن ينتهي كل شيء بسبب خدعة ملفقة.
_ أعلم، عزيزتي، والجميع يعلم، اهدئي يا صغيرتي، كل شيء سيكون بخير إن شاء الله، اهدئي، يا فتاة، مالي أراكِ ضعيفة؟ استمعي إليَّ، لا يمكنك أن تضعفي الآن... كنتِ قوية في صغركِ، وتحملتِ ما لا يتحمله الكبار، والآن تسقطين وتتركي وحدك؟ لن أسمح لكِ بهذا ابنة أُوزىِ وأوزجكان لن تستسلم في بداية المعركة وتهرب خائفة.
_ أنا ضعيفة دونه يا أبي، هو نقطة قوتي وضعفي يا أبي، قلبي ينقسم لنصفين، وأنا أعلم أن نصفي الآخر يراني مذنبة بذنب لم أفعله يتألم بنيران الغدر، أنا لن أتخلى عنه، سأدفعه بالقوة أنا لستُ ضعيفة، لا، أنا أُلِفياه، ابنة الأميرة أُوزيِ والمحارب أوزجكان الرائع.
_ أحسنتِ، صغيرتي. أنتِ نقطة قوته، وتلك القوة ستدفعه للمضي قدمًا بكل شجاعة فقط اهدئي "
أُلِفياه، ولا تقلقي، هو يعلم حقيقة الأمر... كان يريد أن يأتي ويحضرك هو، لكنني منعته... إذا رآكِ بهذه الهيئة، أقسم أنه سيدمر الجميع، ولن يستطيع أحد ردعه عزيزتي، اقترب انتهى اللعنة عليكِ ألا تكوني هنا هيا، يجب أن نغادر من هنا.
أخذها بين أحضانه الدافئة، وذراعيه تلتف حولها بحماية يتمتم بتعويذة الانتقال، يستخدم قوته، وعيناه تخبرك بحكايات لن يمتلك أحد الشجاعة لرويها لك.
••••
الوقت يمضي مُحمّل بالأثقال، عقارب الساعة تدور بتوتر، تراقب الأجواء بيأسٍ مُحمّل بالآلام.
في منزل "أوزجكان" تسير "أُوزيِ" ذهابًا وإيابًا بقلقٍ ينهش قلبها من القادم، الرؤية تتحقق، الدمار آتٍ لا محال من إيقافه، تُبصر من النافذة الجنود يحيطون بالمنزل كدرعٍ منيع.
قلبها يتآكل على غياب ابنتها التي لا تعلم أين اختفت منذ الصباح، أخذت تفرك يديها بتوتر، وأنفاسها تثقل ببطء، الهواء يحمل معه مشاعر مضطربة تغزو الأجواء، صرخت بفزع وهي تجد ابنتها وزوجها أمامها مباشرةً.
اقتربت بخطوات متلهفة وهي تجد الجروح تملأ جسد ابنتها الحبيبة، شهقت بهلع وخنجرٌ مسموم ضرب قلبها بعنف، جسدها ينتفض، تلعثمت في حديثها:
_ يا للهول، ماذا حدث أوزجكان؟ يا الله، كيف أُصيبت أُلِفياه؟ هل أخبرتموني ماذا حدث؟ اللعنة، ماذا بكم؟ لماذا أنتم صامتون الآن؟ تحدثوا... ماذا حدث لكِ يا صغيرتي؟ أخبريني، رجاءً، قلبي يتمزق إلى مئة قطعة.
_ أُوزيِ عزيزتي، لا يوجد وقت لدي لأخبركِ بما حدث، داوي جروح أُلِفياه أولًا، وعندما أعود، إذا كنت على قيد الحياة، سأخبركِ كل شيء، أمام المنزل يوجد بعض الجنود سيقومون بحمايتكم، إيّاكم والخروج من المنزل... اتّفاقًا، أُوزيِ، أُلِفياه، لا أحد يغادر المنزل.
صمت، يتنهد بألم، يغمض عينَيه لوهلة قبل أن يفتحهما ويخبرها برجاء هو يعلم أن لا مفرّ من المواجهة اقترب يضم زوجته، ربما للمرة الأخيرة:
_ اعتني بأُلِفياه كثيرًا، أُوزيِ، ولا تدَعيها تغادر المنزل مطلقًا واعتني بنفسك، رجاءً أرجوكما، اعتنيا بأنفسكما من أجلي، اقتربت اللعنة، الخطر يحوم حول الجميع بلا استثناء أُلِفياه، أعلم بماذا تفكرين.
اقترب يضمها برفق لكي لا تتألم من جروحها، وضع قبلة صغيرة أعلى رأسها ووجنتيها، ابتعد إلى الوراء يخبرها بهدوء يسبق العاصفة وهو يرى الهلع في أعينها:
_ أرجِمديُس بخير، هو والجميع يستعدون لتدمير أُوره، أتمنى فقط أن تنجح الخطة التي وضعها أرجِمديُس، لا تخافي، أُلِفياه، لن أسمح أن يصيبه مكروه، سأفدي بحياتي أرجوكم، لا تغادروا المنزل، حينما تصبح الأمور بخير، سيأتي بكم الحُرّاس إلى سِمديُس، حيث يوجد الجميع، وداعًا... عائلتي الصغيرة.
قالها بهمْس قبل أن ترسم رسمات ذهبية في الهواء، آثار همسه بترنيمة خاصة ثوانٍ فقط، اختفى جسده في الهواء، ترك خلفه عائلة تبكي آثار كلماته وقلوبهم تنبض بألم.
أخذت "أُوزيِ" ابنتها في حضنها بعدما عقّمت جروحها، تُربت على رأسها وهي تهز رأسها، تهمس بكلمات:
_سيكون كل شيء بخير... الله حافظ، الله حافظ
ترددها بهمس على مسمع ابنتها وكأنها تقنع ذاتها وابنتها أن كل شيء...
"أنت تقنع نفسك بالهدوء وأنت تعلم يقين العلم أن العاصفة لن تترك شيئًا دون تدمير."
•••••
في قاعة "سِمديُس" حيث ضحكاته لم تتوقف بعد، صمت "أرچيت" عن الضحك وهو يرى شحوب وجه "أُوره" العزيزة، وأنظارها معلّقة نحو باب القاعة.
أردف "أرچيت" ببسمة خبيثة تعلو ثغره، وسعادة كبيرة تقتحم جسده وهو يجدها أمامه بهذه الهيئة، وبكل خبثٍ يمتلكه صاحب اللسان اللاذع:
_ أوه، مفاجأة، صحيح؟ جميع أعدائكِ يحيطون بكِ من جميع الجهات، وفي مملكتكِ! رائع، صحيح؟ ماذا يا أُوره، عزيزتي، أين اختفى صوتكِ المزعج؟
توقف عن الحديث لوهلة وهو يجد "أرجِمديُس" يتقدم منه، يقف أمامه وعيناه في عيني "أرچيت" الذي ابتسم بسمة ماكرة، ينزع قناعه لنُبصر أمامنا نسخة أخرى من "أرجِمديُس"
اثنان من أرجِمديُس يقفان وجهًا لوجه، أحدهما يبتسم بمكر، والآخر وجهٌ جامد وعينان تحكيان حكايات وهو يتذكر الماضي، أخبره بكل ثقة:
_ انتهى وقتك، أرچيت، حان وقتي الآن للتألّق في الساحة.
هزّ "أرچيت" رأسه ببسمة، يتذكر هوية "أرجِمديُس" الشخص الغامض، وكيف أراد هو أن يظل غامضًا للجميع تذكّر مقابلتهما في الكوخ المخفي الذي يخفيه "أرجِمديُس" عند المغادرة، عن طريق ترديد تعويذة، والبلّورة العملاقة تُخفيه عن الأنظار، حتى إذا تبِعه أحد، لن يجد سوى الغابة الشاسعة.
أفاق من شروده ببسمة مودّعة وهو يجد "أرجِمديُس" يهمس بتعويذة الاختفاء ثوانٍ فقط، وتحوّل جسد "أرچيت" إلى رمادٍ يمتزج مع الهواء في علاقة نادرة، ويختفي للأبد، أنا وأنت وجهان لعملة واحدة، وقد كان وجهَان تلك العملة هو تكرار لوجه واحد في نهاية الأمر.
ماكر "أرجِمديُس"، صحيح صنع شخصية "أرچيت" الوهمية باستخدام قوته منذ البداية، جعله يحيا في قلب "سِمديُس"، يعلم ما يحدث داخلها، يدمرها من الداخل، بل جعله يكسب ثقة الملكة، وتضع ثقتها به دون ذرة شك واحدة.
يدور حولها بخبث مشعّ من بحور عينيه، يتلذذ بالصدمة البادية على وجهها، هي والجميع، يستمتع كثيرًا وهو يحصد ثمار أفعاله:
_ ماذا بكِ عزيزتي أُوره؟ لم أركِ شاحبة هكذا، يا ويلي، هربت الألوان من وجهكِ... انظروا يا أصدقاء، إنها شاحبة... وصامتة كثيرًا! أنتِ لا تصمتين مطلقًا، تصرخين بصوتكِ المزعج وتُصمين آذان الجميع.
_ أرجِمديُس، يا عزيزي، هذا يُطلق عليه ضربة تشلّ العقل مسكينة، ربما فقدت عقلها، يا... أرجِمديُس.
نبس "أوزجكان" بمكر، يذكرها بالماضي، ماضٍ مرّ عليه سنوات، مدفون أسفل الركام، حينما استمعت "أُوره" إلى الاسم، زاد شحوب وجهها بطريقة مرعبة، أخذت تهز رأسها بهلع وهي تنظر إلى "أرجِمديُس" والجميع، تستمع إلى صرخات شقيقته تصدح إلى الآن في أذنيها، تخبرها: "سوف تندمين، أُوره! سيأتي أرجِمديُس، وسينتقم! أشدّ انتقام! منكِ، سينتقم، أرجِمديُس آتٍ، أُوره!"، صوت نبضات قلبها يكاد يُسمع من الجميع.
اقتربت "صوفينيا" تسير ببطء مرعب يقشعرّ له الأبدان، وقفت بجوارها تهمس بفحيحٍ مرعب:
_ أوه، هل تتذكرين الماضي، أُوره؟ اسقطي إلى الماضي، هكذا، عودي للبداية، حيث بدأ كل شيء.
انتهت من بثّ رعبها، لتقف بمحاذاة "أرجِمديُس". اقترب ملك الموت ووقف أمام "أُوره"، يخبرها بصوتٍ قاسٍ وعينه المرعبة تكاد تُبصر موتها عن طريقهم، يحمل صولجانه بين يديه، يشد من الضغط عليه، وأنفاسه متمردة، يرمقها ببغض شديد:
_ صوّر لكِ عقلكِ الصغير أنني سوف أدعكِ تمتلكين مملكتي بهذه البساطة، ولن أفعل شيئًا حيال الأمر، أو أجلس ضعيفًا أراقبكِ تسلبين حقي؟ بلهاء! أنتِ لا تعلمين ماذا يُخطط إليكِ الجميع.
توقف لبرهة، يجدها تطالعه بشرٍّ، والغضب يغلفها مجددًا، تتنفس أنفاسها الكريهة ابتسم بزواية فمه، يهمس لها ببطء مثير للهلع، يشير نحو أرجِمديُس:
_ أنا أشفق عليكِ، أُوره، هذا الفتى يُخطط إلى عقابٍ مرعب ومخيف، هاك، أنا ملك الموت الذي لا يهاب شيئًا، قد تفوّق هذا الفتى في إخافتي حقًا بأفكاره، أشفق كثيرًا على مَن يُخطئ في حقّه، وأنتِ لم تُخطئي فقط، بل فعلتِ الأسوأ له سأدعه هو يُخبركِ بما يُخزنه لكِ.
بصق حديثه بنبرة مخيفة وذهب يجلس على أحد مقاعد الوزراء بعد أن احتلّ جنودهم مملكة "سِمديُس" بكل جدارة، وأُلقي القبض على الحُراس ومساعدي "أُوره" الذين حاولوا الهجوم عليهم، ولكنهم لم يستطيعوا فعلها، وذلك لكثرة عدد جنود مملكة الموت وجنود مملكة "جُرديچان"، أعدادهم كبيرة، لن يستطيع جنود "أُوره" أن يهزموهم.
هي محاصَرة من جميع الجهات، لا يوجد مفرّ من اللعنة، كما أخبرتك يا عزيزي، أنتَ الآن لا تعلم شيئًا. النور والظلام، الخير والشر، في معركة الآن، فمَن سينتصر؟ الخير أم الشر؟ هل ستُكتب نقطة أخرى في سطور كتاب الشر؟ أم أن القدر سيتحالف معك هذه المرة...؟ يتبع.
"معركة محتومة كُتبت من نهاية الماضي، وقد كانت النهاية هي بداية قصة ومعركة جديدة، فهل ستنتصر هذه المعركة...؟"
دمتم سالمين،
إلهام صبحي الدالي
إلهام صبحي الدالي