الفصل الخامس "فخ معبق بالصدمات"

الفصل الخامس "فخ معبق بالصدمات"

14 0

الفصل الخامس"فخ معبق بالصدمات "

قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم

صلوا على نبي الرحمة

______________________________________

استيقظت من بئر شرودها عندما رأت شخصًا ما يقف أمامها، فصاحت بصدمة تملأ وجهها الشاحب:

_أنت! ماذا تفعل هنا يا أوزجكان؟ وكيف أتيت إلى هنا؟! يا إلهي، إذا علم أحد أنك هنا، سوف تُعاقب، اذهب من هنا، أوزجكان!.

اقترب "أوزجكان" منها متجاهلًا حديثها الغبي، أمسك بيدها وهو يحاول فك قيودها قائلًا بأسف وعيناه تمتلئان بالألم:

_أعتذر، مياسين... أعتذر حقًا، لم أعلم ما سيحدث، لم أكن في "سِمديُس"، كنتُ في مملكة أخرى لحل بعض مشاكل الجن المتمرّدين، ولم أعلم أنهم قد اكتشفوا خدعتنا.

ابتلع لعابه بألم عميق ينهش قلبه النابض ثم تابع بنبرةٍ محشرجة:

_أنا أعتذر، كل هذا حدث بسببي، كان عليّ أن أراقب جيدًا تلك "أوريسكه" كيف لم أفكر أنها ستنكشف؟! إنها غبية... أعتذر، مياسين... والآن، لقد فككتُ تلك الأصفاد، هيا بنا نغادر.

مدّ يده إليها ليساعدها على النهوض، وضعت يدها برفق في يده ونهضت بضعف ينهش جسدها، همست وهي تصارع لحبس دموعها العالقة:

_هذا ليس خطأك، أوزجكان... لا تعتذر، هذا خطئي أنا.

أنزلت رأسها وتابعت بانهيار وبكاء شديد لم تستطع إيقافه أكثر:

_كان خطئي... لم يكن عليّ أن أحب أريان! لقد دمرتُ حياته، دمرتُ عائلته بسبب حبي له! لقد قتلوا عائلته بوحشية شديدة!...والسبب أنا، وألقوا عليه تعويذة "الشيفريچان"، أوزجكان! لماذا تم معاقبتهم بهذه القسوة؟! أنا من يجب أن يُعاقب هنا، أنا التي ذهبت إلى عالم البشر، وأنا من أحبّت بشريًا وليس العكس! أنا من يجب أن تُعاقَب... اللعنة على هذه الحياة القاسية!

رفعت عينيها الغائمتين إلى" أوزجكان" وهمست برجاء وخُصلاتها تتساقط في مظهر عبثي:

_أوزجكان، أرجوك! اذهب إلى أريان، وألغِ تلك التعويذة التي ألقاها كوزيلس الحقير عليه.

صمتت لوهلة وجحظت عيناها، ثم تابعت بخوف:

_ذلك الحارس... أكرهه بشدة، أوزجكان! لقد أخبرني أن هذا سيحدث، كان يعلم مسبقًا! إنه يتآمر مع شخصٍ ما، يجب أن تراقبه جيدًا.

استدارت تسير ببطء والآلام تتسابق لتنال منها، همست بيأس:

_أما أنا، فاتركني هنا، أنا أستحق هذا العقاب وأكثر.

نظر إليها "أوزجكان" وهو يرى انهيارها، اقترب منها ووضع يديه على كتفيها، ثم هزّها بعنف حتى تستفيق:

_ما بكِ يا مياسين؟! أفيقي يا فتاة! أنتِ لستِ ضعيفة هكذا! أنتِ قوية، ويجب عليكِ المحاربة! لا تستحقين هذا العقاب القاسي، لا أنتِ ولا ذلك البشري! هذا ليس عقاب الملك "سيفاك"، أنا أشك في أن هناك شخصًا آخر وراء هذا القرار الكبير.

نظرت إليه "مياسين" باستغراب، وتراقصت التساؤلات في بحور عينيها وهي تهمس:

_مَن يكون ذلك الشخص؟! أنا أيضًا صُدمتُ من عقاب والدي، لكنني لم أفكر في الأمر من هذه الزاوية... من يستطيع تغيير رأي الملك سيفاك؟

ارتبك "أوزجكان" للحظة قبل أن يتشجع وأردف بغموض:

_هذا الشخص هو "أُوره"، أختكِ! هي الوحيدة التي تستطيع التأثير على قرار الملك، وهي مَن تفعل ذلك دائمًا.

اتسعت عينا "مياسين"، شهقت بصدمة وهزّت رأسها نفيًا بهستيرية:

_لا، أوزجكان! أُوره لا يمكن أن تفعل بي هذا! إنها أختي، لا يمكن أن تخونني! نعم، لقد تغيرت معي كثيرًا منذ وفاة والدتي، لكن ليس لهذه الدرجة! أُوره، إنها توأمي! ماذا تثرثر أنتَ؟ لا، هذا مستحيل!.

صمتت لوهلة تنظر إليه برجاء، أنفاسها متسارعة، بينما صوت قلبها يكاد يسمعه كل من في "سِمديُس" من قوته:

_أرجوك، توقف عن هذا الهراء، واذهب إلى أريان، وافعل ما طلبته منك رجاءً، أوزجكان.

هزّ "أوزجكان" رأسه نفيًا وقال بحزم وهو ينظر إليها بشدة يغلفها القسوة:

_أعتذر، مياسين... لا أستطيع الذهاب إلى ذلك البشري، عليكِ أنتِ الذهاب إليه، وليس أنا!.

تراجع للوراء بخطواته قبل أن ينبس بنبرة حازمة:

_والآن، قفي بعيدًا حتى ألقي عليكِ تعويذة "سرُچيان" لاستعادة قوتكِ، يجب أن تذهبي إلى أريان، ولا تعودي إلى هنا مطلقًا! سنضع خطة لتزييف موتكِ، حتى تعيشي حياتكِ معه بعيدًا عن هذا المكان.

احتجّت "مياسين" قائلة بنبرة يملؤها البكاء، بينما وجهها أصبح دامعًا من الحرارة:

_ولكن أنا...

قاطَعها "أوزجكان" بنبرة حادة وهو ينظر إليها بغضب، يشيح بيديه في الهواء:

_لا يوجد ولكن، هيا يا مياسين! أنا أعلم جيدًا ما تريدين، يجب أن تبتعدي عن هنا! الخطر يقترب منكِ كل ثانية تمر.

تراجعت "مياسين" إلى الوراء، ثم تمتم "أوزجكان" ببعض التعاويذ، فانطلق شعاع أبيض نحوها بسرعة فائقة، وبدأت تستعيد قوتها شيئًا فشيئًا، بعد انتهاء التعويذة، ردد "أوزجكان" باستعجال وهو يمسك يدها ليبتعدا عن المملكة:

_هيا، مياسين! لنغادر هذا المكان قبل أن يُكتشف أمرنا.

أمسك يدها وقبل أن يهمس بشيء، انطلقت أجنحته ترفرف في الأفق، حلق بها إلى أعلى البركان، حتى وقف أمام حدود مملكة النار.

ما إن هبطا على الأرض حتى قال لها "أوزجكان" بجدية يخفي بها القلق والخوف الذي ينهش قلبه عليها:

_الآن، اذهبي إلى أريان، وعيشي حياتكِ معه كما حلمتِ دائمًا... أما أنا، فسأزيّف موتكِ هنا.

اغرورقت عينا "مياسين" بالدموع، اقتربت منه تضمه بمشاعر كثيرة تتضارب داخلها الآن بين حزن وقهر وصدمة واشتياق، هتفت قائلة:

- شكرًا لك، أوزجكان! أنتَ أفضل شقيق في العالم! عليك أن تذهب بعيدًا مع أُوزيِ إلى مملكة جُرديچان، ملكتها صديقتي، وسوف تحميكما، أرجوك، أعدني بذلك! إذا لم تذهب إلى هناك، فلن أذهب إلى أريان وسأظل هنا.

ابتسم ابتسامة باهتة قبل أن يضع" أوزجكان" يده على رأسها بحنان:

- أعدكِ، مياسين! سأذهب إلى مملكة جُرديچان أنا وزوجتي المستقبلية، أُوزيِ.

ابتسمت" مياسين" بسعادة كبيرة لأنها ستبقيه في أمان، ولن يستطيع أحد أن يؤذيه بشيء إذا كُشفت خدعة موتها، أمسكت يده بين يديها تضمها إليها وهي تعلم أنها لن تستطيع أن تراه مرة أخرى ولن تحظى بحضن شقيقها الأمان مجددًا:

- سوف أزوركما هناك عندما يسمح لي الوقت، والآن، أنا ذاهبة... اعتنِ بوالدي وأُوره جيدًا، إلى اللقاء، أوزجكان!

استدارت تقف على الحافة، تمتمت بتعويذة ما قبل أن تحلق بعيدًا، وتختفي في ظلمة السماء.

اختفت الابتسامة من وجه "أوزجكان" وقال بغموض وهو يراقب رحيلها:

- أنا لا زلتُ أشك في الأميرة أُوره ... أعتقد أنها وراء عقابكِ يا مياسين، أنتِ طيبة القلب، ولا ترين مَن يحاول قتلكِ، ولكني ليس لدي دليل بعد... أوه، يا إلهي، احمِ مياسين أينما ذهبتْ، هي وذلك البشري، يكفي ما يحيا به من الآلام.

تنهد بألم يجثو فوق قلبه بكل خبث، هز رأسه بانزعاج مِن الألم الذي أضحى يتخذ جسده مسكنًا له، ثم طار بعيدًا عائدًا إلى مملكة "سِمديُس" بعدما أنهى تزييف موت مياسين.

•••••

بينما على الأرض، في مشفى الأمراض النفسية والعقلية، في غرفة لا يتسلل إليها ضوء الشمس، كان" أريان" يجلس القرفصاء على الأرض، يضع رأسه على قدميه، يحدّق في أطياف عائلته، ودموعه تتساقط بغزارة على وجهه دون وعي، لا يشعر بشيء يحدث حوله ولا بمرور الوقت!

مرت نصف ساعة تقريبًا كمرور ثوانٍ صغيرة تركض في سباق الزمن، ظهر ضوء قوي في الغرفة، ومن خلاله ظهرت "مياسين"، كانت تقف هناك بعدما اختفت أجنحتها، وبدت هيئتها كما ظهرت أول مرة.

حدّقت في أرجاء الغرفة بحثًا عن" أريان" بكل لهفة، لتجده جالسًا بوضعية القرفصاء، اقتربت منه بخوف، ودموعها تنهمر من عينيها بغزارة بسبب مظهره البائس.

شهقت بألم بصوتٍ منخفض، دموعها سحب عاصفة تمطر على وجنتيها دون شفقة، نبست بصوتٍ مرتجف:

- أريان... هل... أنت بخير؟ ماذا تفعل هنا؟ أجبني، أرجوك... انظر إليّ، أنا هنا.... يا بشري... تحدّث إليّ! رجاءً.

و"أريان" لم يكن ينظر إليها، بل لم يكن يستمع إلى شيء حتى، كان كل ما يفعله هو التحديق إلى الحائط، أو هكذا بدا الأمر، لكنه في الحقيقة كان يرى أطياف عائلته تُقتل مرارًا وتكرارًا أمام عينَيه الداميتين من البكاء، وكل ذلك بسبب تلك التعاويذ التي ألقاها عليه الجني.

صرخت "مياسين" بخوف، ودموعها تنهمر على حالته، وأخذت تضرب ذاتها دون توقف:

- هذا كله بسببي أنا... أنا آسفة حقًا، أريان... لو لم أظهر في حياتك، لِم حدث كل هذا، أنا أعتذر... أرجوك، تحدث إليّ ولو لمرة واحدة فقط!.

حينها فقط، بدأ" أريان" يستعيد وعيه، استمع إلى صوتها، كانت كلماتها وصوتها المنكسر هو المفتاح الذي كسر التعويذة التي حبسته في هذا العذاب، فصوتها كان ينبع من ألم الحب، والحب قادر على صنع المعجزات.

هز "أريان" رأسه بعدم استيعاب، نظر حوله باستغراب:

- أنا فين؟ وبعمل إيه هنا؟... مياسين، أنتِ كمان هنا؟ هو أنا لابس كده ليه؟ وإيه اللي حصل بالضبط؟

اقتربت "مياسين" منه بسرعة وجثت أمامه، أمسكت يده بقوة، وأردفت ببكاء وضحك فلا تعلم ماذا تفعل:

- أريان! أنت بخير؟! تتحدث معي؟! يا إلهي، أنت بخير!

صمتت للحظة قبل أن تنظر إليه بقلق، وسألته:

- هل تتذكر من أكون؟

نظر "أريان" حوله، رأى الغرفة البيضاء ذات الفراش الصغير والنافذة الحديدية، ثم صاح بدهشة:

- إيه ده؟! أنا فين؟

أرجع أنظاره إليها وقال بسخرية:

- وأنتِ مالك؟ هو أنتِ وقعتي على دماغك ولا إيه؟ وبعدين، أنا آخر حاجة فاكرها إنك كنتِ بتعترفي بحبك ليا و...

صمتَ فجأة، واتسعت عيناه بفزع حينما تذكر ما حدث، توقفت حواسه عن العمل!، نظر إلى" مياسين "وقال بصوت مختنق:

- مياسين... أنا أهلي! أهلي ماتوا! سيف، بابا، ماما... ماتوا! سليم قالي كده... أنا... أنا مش مصدق! حصل كده ليه؟ ليه؟ هما ذنبهم إيه؟ ما عملوش حاجة! ليه يحصل كده، يا ربي؟! ليه؟!

لم يستطع أن يُكمل حديثه، عقله لن ولم يرحمه مطلقًا، الذنب يهمس له بكل خبث أنه سبب مقتلهم، فأجهش بالبكاء بعنف.

جلست" مياسين" بالقرب منه، وهي تبكي أيضًا، قائلة بألم وأنفاسها تنطلق من رئتيها تؤلمها أكثر:

- أنا أعتذر، أريان... كل هذا حدث بسببي أنا... لقد فقدت عائلتك بسببي... بسبب بني جنسي، الذين أرادوا الانتقام مني لأنني خرقت القوانين... الحارس كوزيلس هو من تلذّذ بعقابك... أنا أعتذر، أرجوك اغفر لي خطيئتي في حبك....

•••

بعد خمس سنوات مضت كمرور عاصفة صغيرة معبقة بالأمطار، في مكان بعيد، في أعماق أسوان، داخل منزل بسيط، تقف "مياسين" في غرفة الطعام تعد وجبة الإفطار بحب وسعادة، وعقلها يسترجع ذكرياتها في ذلك اليوم المشؤوم في المشفى.

لقد أمضت سنة كاملة تطلب الغفران من "أريان"، لكنه كان غارقًا في عذابه، يتجاهلها تمامًا، خلال تلك السنة، أهمل ذاته كثيرًا، فقد الإيمان وحاول الانتحار عدة مرات.

كاد يموت ذات مرة من ضعف جسده، أهمل الطعام والشراب، لم يكن يضع نقطة ماء في فمه، ولم يتمكن الأطباء من إعادته للحياة بسهولة، لقد كان عقاب "أريان" أشد قسوة من أي عقاب آخر.

لكنه بعد معاناة طويلة، تمكنت من كسب غفرانه، لم يكن الأمر سهلاً بالمرة، لكنه وافق على أن يبدآ حياة جديدة معًا، في مكان بعيد عن كل شيء، عن مدينته وأصدقائه، ليبدأ حياة جديدة معها.

والآن، بعد خمس سنوات من الحب والحزن، تزوج "أريان" بها وامتلأ منزلهما بالسعادة.

استيقظت "مياسين" من شرودها عندما شعرت بذراعين دافئتين تحتضنانها من الخلف، ورأسه يستند على كتفها بكل عبث محبب لها.

همس "أريان" بصوتٍ دافئ مليء بالحب وعينان يشع منهما بريق مميز:

_ سرحانة في إيه يا مياسين؟ سرحانة لدرجة إنكِ ما حسيتيش بيا وأنا بدخل! مش مسموح ليكي تسرحي وأنا موجود معاكي أبدًا..

أشب رأسه وقبّل وجنتها برفق، استدارت نحوه، ونظرت إليه بحب، ثم قالت بلغته التي تعلمتها منه بسهولة:

_ أنا سرحانة في حياتنا... وفي اللي حصل فيها... سرحانة إزاي سامحتني بعد عذاب، وإزاي عدّت خمس سنين بكل حلوها ومرّها، بس تعرف العيشة معاك كانت كلها حلوة، كانت تستحق إني أسيب العالم كله عشانك... مش بس سِمديُس... أنا بحبك أوي، يا أريان.

نظر إليها "أريان" بعشق ينمو كل مرةٍ ينظر داخل عينيها، ضمها إليه وقال بصوتٍ يملأه العاطفة:

_ وأنا بحبك أكتر، يا روح أريان.

أمسك يديها بين يديه، يغرق أكثر في محيطاتها الجذابة وهو يهمس بصوتٍ حنون:

_ أنا ولو اضطررت للذهاب إلى عالم الجن العلوي من أجلك فقط سأذهب ولو اضطررت للذهاب إلى الجحيم، سأذهب من أجل رؤية عينيكِ المذهلتين، أنا لا يهم ما سيحدث، كل ما أريده هو قلبكِ، أنتِ أميرتي.

توقف وهو يستمع إلى صوت ضحكاتها التي تطرب قلبه، ابتسم وقال بمزاح:

_ ضحكتِ يبقى المسائل تمام... يلا، هاتي الأطباق أحطها وهروح أصحّي اللي نايم جوه ده.

ضحكت "مياسين" وناولته الأطباق، ثم خرجت خلفه تبتسم بحب على عائلتها الصغيرة.

••••

بعد عشر سنوات، في مملكة "سِمديُس" حيث في عالم الجن، يمرّ الوقت أسرع من عالم البشر، بينما قد مرّت خمس سنوات على الأرض، مرّت هنا عشر سنوات في مملكة الجن.

في هذا الوقت قد مات الملك "سيفاك" بطريقة غامضة، وأثار موته الكثير من التساؤلات، بعد وفاته، تم تتويج الأميرة "أُوره " ملكة على المملكة.

في القصر الذي مضى عليه الوقت وترك الحزن آثاره به، كان "كوزيلس" يركض مسرعًا في الممر نحو القاعة الملكية، حيث كانت الملكة "أُوره " تجتمع مع الوزراء.

اقتحم الغرفة دون استئذان وهو يلهث من الركض وصدره يعلو ويهبط بعنف. نطق إليها بانفعال:

_ مولاتي، لديّ أخبار هامة!

نظرت إليه الملكة بحدة، ثم أشارت إلى الوزراء بيدها بالانصراف، وبعدما انصرف آخر شخص، نظرت إليه وهي تطلق الشرار من عينيها، وبانزعاج صاحت بصوتها المزعج والمخيف:

_ ماذا هناك، كوزيلس؟ إن لم يكن الأمر هامًا، ستُعاقب على مقاطعتك الاجتماع.

ابتسم "كوزيلس" بخبث لأنه يعلم أنها لن تصمت على ما يعلمه، سرد شيئًا ما إليها جعلها تنهض بغضب من على عرشها، وتصرخ:

_ كيف حدث هذا؟! ألم تمُت؟! كانت تخدعنا كل هذا الوقت؟! اذهب الآن وأحضرها هي وذلك البشري إلى هنا فورًا، كوزيلس.

انحنى "كوزيلس" بطاعة وارتسمت بسمة خبيثة على وجهه قبل أن ينصرف:

_ أمركِ، مولاتي.

انصرف تاركًا "أُوره " تشتعل بنيران حارقة، تتحدث بحقد، وعيناها تلمعان بشر مخيف:

_ لماذا لم تموتي يا مياسين؟ لماذا لا تموتين؟! بعد كل ما فعلته للحصول على المملكة، تعودين مجددًا لتفسدي مخططاتي!

توقفت عن السير، نظرت إلى صورة الملك "سيفاك" ووالدتها، وابتسمت بسخرية:

_ لقد قتلت والدي، وضعت له السمّ في طعامه وشرابه، وجعلته يموت ببطء... وانتظرتُ موته بفارغ الصبر... ومات... لكنه مات وهو لا يزال يحبكِ أكثر مني...

صمتت قليلًا، ثم قالت بحزن يغلف روحها، وهناك صوت يصرخ بها بأن تتوقف، وصوت آخر يحثها على الإكمال:

_ كان يستحق ذلك... كان يريدكِ أنتِ أن تحكمي المملكة، وليس أنا... كان يُحبكِ أكثر مني، لماذا؟!

استدارت لتحدّق إلى لوحة تجمع الملك "سيفاك" ووالدتها، لوحة رسمتها منذ صغرها، لكنها لم تحظَ باهتمام والدها، بينما لو كانت "مياسين" من رسمتها، لكان قد اهتم بها كثيرًا.

_ أنتِ السبب في موت والدتي الحبيبة يا مياسين! لكنه لم يرَ ذلك، قال إنّه كان مجرد حادث... حتى أمي، كانت تُحبكِ أكثر مني... لماذا؟! لماذا نحن توأم لكن الجميع يفضلكِ عليَّ؟!

أطلقت ضحكة جنونية وهي تحدّق في المرآة بشرّ، ثم مسحت دموعها التي تساقطت رغمًا عنها، وداخلها صراع قوي بين الخير والشر...تُرى مَن سينتصر؟!

••••

بينما على الأرض، الساعة تدق بكل ترقب، والوقت يسير ببطء مقلق، الأجواء تحبس الأنفاس، والسحاب ينظر بخوف، ينذر بهطول عاصفة قوية تطيح بكل ما يقف في طريقها.

في منزل "أريان"، كانت "مياسين" تجلس بجواره، تحاول إزالة انزعاجه مما فعلته:

_ أعتذر كثيرًا يا أريان، لكن كان عليَّ فعل هذا... أشعر بأن شيئًا سيئًا سيحدث، لهذا أرسلته إلى منزل أوزجكان، هو سيعتني به جيدًا، لا تقلق... هيا، لا تغضب، لا أحب أن أراك هكذا، يصبح شكلك بشعًا حينما تغضب.

تشدقت بمشاغبة في محاولة لجعله يبتسم، وبالفعل، ارتسمت ابتسامة على شفتيه وهو يجذبها إليه ليضمها، قائلًا بعدما تنهد بألم يجثو على صدره:

_ وأنا كمان مش عارف ليه حاسس بإحساس مش حلو... بس برضو، كان لازم تقوليلي! أنا اتضايقت لما ملقتهوش هنا في الأول... وبعدين، تعالي هنا، مين اللي شكله بشع يا بنت أنتِ؟! مش كنتِ بتحبي شكلي ده زمان ولا إيه؟! تعالي هنا.

نهض يركض خلفها في لحظة مريحة، لعلها تخفف من حدة الموقف، غارقًا في جو من الحب والضحك يثرثرون بها عن الماضي، قبل أن يحدث ما يعكر صفو حياتهما.

بعد مرور نصف ساعة، اقتحم "كوزيلس" وبعض الجنود المنزل، جذبوهما من على الأريكة بعدما ألقوا عليهما تعويذة "شيفوجين"، تعويذة الشلل، لمنعهما من المقاومة أو الهرب.

لم تمضِ دقائق حتى وصلا إلى مملكة "سِمديُس"، حيث وُضعا في زنزانة كبيرة وبعد فترة، تم وضعهما في ساحة المملكة، حيث تجمّع جميع سكان "سِمديُس" لمشاهدة محاكمة الأميرة التي لا تنفك عن كسر القوانين، كانوا يتهامسون بصوت خافت، وأنظارهم تلحق الأميرة والبشري، بينما كانت "أُوره " تجلس على العرش.

حدّقت "مياسين" بشقيقتها باستغراب، وتساءلت في ذهنها، كيف تجلس على العرش؟! أين ذهب الملك "سيفاك"؟!

لكن تساؤلاتها قُطعت بصوت "أُوره "، التي وقفت أمامها بكل غرور بعد نزولها من العرش، واقتربت منها قائلة بحقد:

_ أعلم بما تفكرين يا شقيقتي... سأُرضي فضولكِ الآن... الملك سيفاك قد مات، وأنا من أخذت مكانه، كما تعلمين.

أنزلت رأسها بحزن مصطنع، وخصلاتها تخفي وجهها الذي اعتلاه الخبث، ثم تابعت بهمس خافت:

_ لقد قتلته... وضعت له سُمًّا في طعامه وشرابه... أتعلمين ما هو نوع السُمّ؟ سُمٌّ الأفعى بغرونيش لا يترك أي أثر، يجعل موته يبدو طبيعيًا تمامًا!.

شهقت "مياسين" بصدمة، واقتربت تمسك قضبان الزنزانة بعنف، بينما الدمع ينهمر بغزارة من مقلتيها، ثم همست باستنكار:

_ لماذا، أُوره؟! لماذا فعلتِ هذه الجريمة؟! كيف تجرّأتِ على قتل أبي؟! أنتِ لستِ شقيقتي التي أعرفها... لا من أنتِ؟! أخبريني، أنتِ لستِ شقيقتي، لا!.

حدّقت إليها "أُوره "، والشرار ينبثق من عينيها الحاقدتين، ثم ضغطت على يدي "مياسين" بعنف لعلها تؤلمها:

_ بسببكِ أنتِ! أبي كان دائمًا يقول، مياسين ستحكم المملكة، مياسين تفعل هذا وذاك، مياسين هي الأفضل، مياسين، مياسين، اللعنة على مياسين!.

تنفست بحدّة، تزيل الدموع العالقة في عينيها، ثم تابعت بمكر وثقة تتراقص في سوادها:

_ لكن ذلك لن يدوم طويلًا... سأُخلّص المملكة منكِ ومن ذلك الأحمق الذي يقف خلفكِ.

كان "أريان" يحدّق إليها بصدمة، متسائلًا، كيف يمتلك شخص كل هذا الحقد تجاه أقرب الناس إليه؟! الشر لا يدفع البشر فقط لارتكاب الجرائم، بل حتى الجن أيضًا! يا الله، الرحمة! هل يُمكن للغضب أن يُعمي بصيرة الشخص تمامًا؟!

استفاق من شروده على صوت "أُوره " وهي تصفه بـ"البشري الأحمق"، مما جعله يرفع يده ويشير إليها قائلًا بسخرية:

_ ده مين ده اللي أحمق، لامؤاخذة يا بتاع إنتِ؟! طب شوفي شكلكِ الأول، وبعدين ابقى اتكلمي! ما تبقيش شبه السحلية وبتتكلمي كده!.

جحظت مقلتا "أُوره " بصدمة من حديثه، تمتمت بعدم استيعاب وهي تشير إلى ذاتها:

_ هل تخاطبني أنا هكذا؟! كيف تتجرّأ، أيها البشري الحقير؟!.

أشار إليها "أريان" بيده بلا مبالاة، ببرود ينافس برود القطب، وكأنه يتحدث إلى أحد أصدقائه، وليس جنية تريد قتله:

_ يا شيخة اتنيلي! ولا شيخة إيه؟! وأنتِ شبه أبو لهب كده، ده حتى هو في أنوثة عنك!.

صاحت "أُوره " بعنف، وهي نظرت إليه بشر بعينيها اللتين تطلقان حممًا بركانية، ثم همست بصوتٍ منخفض لكنه أثار قشعريرة الآخرين:

_ سأريك ماذا سأفعل بك، انتظر أيها البشري الحقير!.

تراجع "أريان" إلى الوراء بخوف، وجسده يرتعش بهلع، فاختبأ خلف "مياسين"، وهو يتمتم بخوف:

_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! انصرفي، انصرفي!،

ما تعملي حاجة، بدل ما هي هتخلص عليا هنا!.

سارت "مياسين" بكل ثقة نحوها، لم تكن خائفة، على العكس تمامًا، نظرت إلى "أُوره " بغضب لم تشهد مثله من قبل تجاه شقيقتها الغبية:

_ ابتعدي، أوره! ولا تتجرّئي على الاقتراب من زوجي مرة أخرى!.... لا أصدق أنكِ فعلتِ هذا... قتلتِ أبي من أجل الحكم؟! وتتهمينني لأن الجميع يُحبني؟! أنتِ مخطئة!.

صرخت "أُوره " بغلٍّ يتسابق للانطلاق من داخلها، يريد التحرر من جسدٍ معبق في قاع الظلام:

_ أجل... الجميع يهتم بكِ! كلما فعلتِ شيئًا، يهللون لكِ، أما أنا فلا أحد يهتم بي! أبي أرادكِ أنتِ أن تكوني الملكة، وليس أنا! لماذا؟! لماذا لستُ أنا؟! أنا القوية أنا الذكية! لماذا لم يخترني؟! الجميع يُحبكِ أنتِ وأنا لا! لماذا؟! نحن توأم، لدينا نفس الوجه، فلماذا أنتِ مميزة وأنا لا؟! فقط أخبريني، لماذا؟!.

رفرفت "مياسين" بأهدابها بصدمة، وأشارت إلى ذاتها قائلة بدموع تتساقط بصوت مبعثر:

_ أنا السبب؟! ماذا فعلتُ أنا لكِ أوره؟! قتلتِ أبي من أجل الحكم؟! يا ويلي يا شقيقتي، أنا لم أُرد أن أكون ملكة أبدًا! لقد كنتُ حبيسة هنا، محاطة بجميع الحراس، لا أملك الحرية! التي كانت لديكِ... أنا أردتُ أن أحيا بحرية... أردتكِ أنتِ، كنتُ أريد شقيقتي!.

لكن "أُوره " لم تستمع إلى حديثها، ولم تهتم به، استدارت وسارت نحو كرسي العرش، جلست عليه، ومسحت دموعها بغضب، قبل أن تصرخ بصوتٍ يتردد صداه في "سِمديُس" أجمع:

_ لقد سبق وأن زيفتِ الأميرة مياسين وفاتها، وخالفتِ القوانين! لذا، أصدرُ الحكم بإلقائكِ أنتِ وذلك البشري الحقير في بئر الذهب!.

أُمسكت "مياسين" و"أريان" من قبل الجنود، وقبل أن يُلقيا في البئر، صرخت "مياسين" بغضب يغلفه الصدمة من توأمها:

_سوف تندمين، أُوره! سيأتي أرجِمديُس، وسينتقم! أشد انتقام! منكِ، سينتقم، أرجِمديُس آتٍ، أُوره!

انتهت من حديثها، فتلقيا في بئر الذهب الذي يسحب الأرواح ويفصلها عن الجسد في مكان مخفى لا يعلم أحدًا أين تذهب، ويجعل الجسد تمثالًا من الذهب الخالص... سقطا في البئر وصوت صرخاتهما يقشعر الأبدان، بينما في الأعلى، جلست "أُوره " تبتسم ببرود، وتمتمت والشر يلوح لها من بعيد:

_من يكون هذا الـ أرجِمديُس؟!........ يتبع

دمتم سالمين

إلهام صبحي الدالي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة أرجِمديُس

المؤلف إلهام صبحي الدالي
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: المقدمة
2025/10/20
الفصل 1: الفصل الأول "خطة مثالية"
2025/10/20
الفصل 2: الفصل الثاني "مصيبة حياتي"
2025/10/20
الفصل 3: الفصل الثالث "جنية!"
2025/10/20
الفصل 4: الفصل الرابع "عقاب قاسٍ"
2025/10/20
الفصل 5: الفصل الخامس "فخ معبق بالصدمات"
2025/10/20
الفصل 6: الفصل السادس "عودة البداية"
2025/10/20
الفصل 7: الفصل السابع"مكر الثعلب"
2025/10/20
الفصل 8: الفصل الثامن "خطوة الأولى للنهاية"
2025/10/20
الفصل 9: الفصل التاسع"هل كشف الأمر"
2025/10/20
الفصل 10: الفصل العاشر "الخطر يقترب"
2025/10/20
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "خطة مثالية"
2025/10/20
الفصل 12: الفصل الثاني عشر"غضب مدمر"
2025/10/20
الفصل 13: الفصل الثالث عشر"الأسرار تكشف رويدًا رويدًا"
2025/10/20
الفصل 14: الفصل الرابع عشر"خيانة"
2025/10/20
الفصل 15: الفصل الخامس عشر"بداية الأنتقام"
2025/10/20
الفصل 16: الفصل السادس عشر"صدمات متتالية"
2025/10/20
الفصل 17: الفصل السابع عشر"قتلته! "
2025/10/20
الفصل 18: الفصل الثامن عشر"بداية أو نهاية"
2025/10/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر" نهاية! "
2025/10/20
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير" الشر لا يموت"
2025/10/20

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة