نكهة التوت

نكهة التوت

34 0

"متى استيقظتِ أنتِ؟"

قلبت لين عينيها في تفكير قبل أن تجيب:

"ساعتان تقريبًا، أنت كثير النوم بالمناسبة... مومو تستيقظ باكرًا عنك".

تجاهل ذلك الاسم الذي لا تتوقف عن مقارنته به.

"أنتِ من نظف غرفة المعيشة؟".

عبست باستغراب من السؤال البديهي.

"هل هناك أحدٌ هنا سوانا؟".

"لمَ لا تجيبين بلا مكابرة؟".

"أنت من يسأل أسئلة معروف إجاباتها بالفعل".

تحرك ناحيتها محدقًا بالفطائر التي أعدتها.

تناول بعضًا من الطبق، حدقت به قبل النظر إلى الصحن ثم عاودت النظر إليه متحدثةً بنبرة مستاءة:

"لكني لم أضع عليها أي شوكولاتة أو عسل".

التقط أخرى ليملأ بها فمه مجيبًا دون النظر:

"ما الذي منعك إذًا؟".

عقدت ذراعيها أثناء شرح موقفها:

"لا يوجد هذا ولا ذاك، كما أن الخزانة فارغة واشتريت المكونات من البقالة المجاورة، لكن الشوكولاته كانت باهظة الثمن".

"جيد".

نفخت بتذمر لعدم سماعه لها حتى، ثم حولت نظرها إلى الطبق الذي فرغ أكثر من نصفه تقريبًا.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، قالت بحماس:

"هل أعجبتك؟ يمكنني صنع المزيد... أعرف صناعة البيض والفطائر".

توقف حسن عن الأكل ملاحظًا الكمية التي تناولها، ابتعد عن الطبق متمتمًا: "جيدة".

هبطت لين من فوق الكرسي بسعادة خافتة لنجاح أول خطوة في خطتها البريئة.

همست متحدثةً إلى نفسها:

"تقبل الفطائر... يساوي تقبلي يساوي لا دار رعاية، أحسنتِ يا لين".

خلعت المريول متحركةً خلفه في أنحاء المنزل أثناء تغييره لقميصه مع سيل من الأسئلة بدون توقف:

"كم هو عمرك؟

هل سوف ننتقل إلى سكن آخر؟

هل يوجد مدارس مجاورة؟

هل تجيد الطبخ؟".

قلب عينيه بضجر، استدار مواجهًا لها:

"أنا متأخر... لستُ مضطرًا للإجابة على أيٍ من ذلك ولدي الكثير من العمل، كما إنني لا أحب الثرثرة كثيرًا خاصةً في الصباح".

حدقت به لوهلة قبل أن تضم شفتيها مانعةً ضحكتها.

لاحظ حسن تعابيرها، ضاقت عينيه في ازدراء وقال:

"هل تسخرين مني؟".

حركت وجهها بالنفي مجيبةً بين قهقهتها التي منعتها بكفيها:

"وجهك منفوخ... لا أدري إن كان من ضرب أمس أم من الغضب".

استدار بسرعة للنظر إلى المرآة متفحصًا وجهه، شتم تحت أنفاسه:

"تبًا لك يا سليم".

تحرك باحثًا عن شيءٍ ما.

همست لين أثناء محاولتها الفاشلة في كبح ضحكتها:

"أصبح يشبه البالون".

"سمعتك!".

بحث فوق الطاولة التي ترك عليها سالم المرهم أمس..

لكن لا شيء.

فالغرفة مرتبة، بالطبع.

أخرج حسن نفسًا عميقًا ثم ضغط على برج أنفه مواجهًا لين بنفاذ صبر:

"أين المرهم الذي كان هنا؟".

حدقت به متظاهرةً بالبراءة:

"أي مرهم؟".

افتعل ابتسامة صغيرة وسط صريره على أسنانه بنفاذ صبر:

"ليان.. لا تختبري صبري".

حدثته بنبرة مشابهة لخاصته:

"اسمي لين.. يا حسين!".

"اسمي حسـ—".

مسح على وجهه ثم هبط إلى طولها وأمسك بذراعيها:

"هل تستفزينني عمدًا؟".

ابتسمت بخبث لتجيب:

"سأعطيك إياه.. لكن بشرط".

"ترى ما هو شرط السيدة الصغيرة؟".

حركت مقلتيها متظاهرةً بالتفكير:

"أحببت لقب سيدة كونان أكثر".

لم تتغير تعابيره مما أجبر ابتسامتها على الاختفاء تدريجيًا، أجابته دون مقدمات: "اصطحبني معك إلى العمل".

"لا".

"لكن—".

"لا، مديري في العمل بالكاد يطيق وجهي، وها أنا اليوم متأخرٌ بالفعل وبوجه شبه متورم أناقش قزمة لم تقارب حتى الوصول إلى نصف طولي".

قطبت حاجبيها بإحباط:

"لست قزمة بل أنت طويل القامة، كما إنني لا أريد البقاء وحدي".

هزت وجهها بخوفٍ طفيف حلَّ على ملامحها قبل المتابعة:

"لم أفعلها من قبل".

استقام واقفًا مجيبًا إياها بنصف ابتسامة جانبية ساخرة:

"لكل شيء أول مرة يا صغيرة".

حدقت به لبرهة، دمعت عسليتاها ثم تحركت ببطء وخيبة أمل متجهةً إلى أحد الأدراج.

أخرجت منه مرهم للوجه ثم خطت نحوه مسلمةً له إياه.

أخذه بسرعة من بين يديها داهنًا به وجهه أمام المرآة المثبتة على الحائط بجانب الباب.

أثناء انشغال يديه، التقط بطرف عسليتيه تلك الصغيرة التي لاحظ شرودها المصاحب بشحوب وجهها.

فلم يعلم ما تصارعه أفكارها ومخاوفها من البقاء وحدها.

فكيف له أن يعرف بشاعة ما مرت به؟.

رمى حسن كلماته دون أن يعلم ما سوف تتسبب به:

"كل هذا من أجل بضع ساعات وحدك؟ إذا كانت بتول لم تبرح جانبكِ قط، لمَ فعلت الآن؟".

لم يلاحظ حسن ذكر اسم بتول حتى تفوه به.

ذكر اسمها وحده حرك شيئًا بداخله.. شيئًا لم يكن يعلم أنه لايزال حيًا.

أما اسم بتول بالنسبة إلى لين كان وقعه مختلفًا.

شعرت بتحطم قلبها ينكسر، ازدادت الرجفة بيديها وتكرر المشهد أمامها.

عينا بتول الشاخصتين..

لا حركة..

نظرات القاتل والدماء تتساقط من ذقنه..

ارتعشت شفتاها أثناء همسها بارتعاش:

"لست.. لطيفًا".

تركته على الفور راكضةً بعيدًا عنه، سمع حسن صوت انغلاق باب الحمام بقوة.

تنهد هامسًا:

"أستغفر الله العظيم".

استدار لينظر خلفه لمرة أخيرة.

"لن أتأخر على أي حال".

لم يدرِ أقالها لأنه مرهق ويريد العودة مبكرًا أم ليريح ضميره تجاه بكاء تلك الصغيرة بالداخل.

لم يفكر كثيرًا.. فقد قالها على أي حال..

أغلق الباب خلفه سائرًا للخارج.

تفقد ساعته حول معصمه:

١١:١٦ صباحًا.

"متأخر كالعادة".

تحرك إلى محطة الانتظار حتى وصلت إحدى الحافلات، صعد متمنيًا ألا يُطرد هذه المرة.

في المنزل، كانت لين ترتعد خوفًا.

تشعر بأن القاتل سيجدها ويتخلص منها فور العثور عليها وحدها؛ إن لم يكن من أجل الملف، فسيكون لرؤيتها وجهه.. وجه قاتل...

بعد ما يقارب النصف ساعة، أدارت مقبض باب الحمام لتخرج أخيراً متجهةً إلى حيث تخفي الملف.

جثت لتنظر أسفل الأريكة.

سحبته ثم تأملته لبرهة حتى تتأكد من وجوده.

حدثت نفسها: "كل هذا بسببك أيها الملف المزعج... أكرهك!".

أعادته لين مجددًا إلى مكانه.

تحركت لركن الغرفة متكورةً على نفسها لتكرر مراراً:

لن يأتي..

لن يأتي..

لن يأتي.

***

١١:٣٥ صباحاً

لم تكن الحافلة مكتظة.

استراح حسن على المقعد الذي بالطرف متذكراً تينك العسليتين الدامعتين، لا يفهم حتى لمَ أزعجته.

لا يزال في حالة عدم اقتناعٍ بالوضع؛ ابنة؟.

تساءل داخل رأسه:

لمَ لم تخبرني بتول؟.

تنفس الصعداء قبل إسناد رأسه على ظهر المقعد متابعاً حديث نفسه، فحتى تساؤلاته لم تخلُ من السخرية المريرة الخالية من المرح:

لمَ قد تخبرني من الأساس بعد الذي حدث أيها الأبله؟.. من قد يلومها حتى؟.

شاهد الطريق أثناء تعمق ذهنه أكثر في التفكير:

لكن لا أفهم سبب تركها لها الآن...

ولِمَ قد ترسلها لي؟

أنا؟!

إذا لم تخبرني أن لي ابنة من الأساس لعدم ثقتها بي، فلمَ قد ترسلها لي الآن؟!.

أسئلة لم تفارق ذهنه بدون إجاباتٍ واضحة، فكر في محاولة الوصول لبتول من أجل إعادة لين إليها، لكنه افترض من أنها قد تكون ربما غادرت البلاد أو اختفت بعيداً؛ في النهاية..

عاودت مخططات رأسه إلى فكرة دار الرعاية.

قطع خيط تفكيره حركة التقطها بطرف عينه جعلته يعتدل في جلسته ليراقب بتركيز ذلك الشاب..

شاب ذو قلنسوةٍ تخفي شعره وجزءاً من ملامحه.

شاهد يد الشاب وهي تحوم بقرب حقيبة الآنسة بجواره.

حدث نفسه ألا يتدخل..

فليس هذا من شأنه...

لا ينقصه المزيد من التأخير.

كما أنه يوجد قسم شرطة على بعد ثلاث محطات؛ أي في نفس محطة نزوله.

أقنع ذاته بأن تلك الآنسة ستلاحظ من تلقاء نفسها، لكن عسليتيه عاودتا النظر بعدما لاحظ أن ذلك الشاب لم يكن وحده؛ كان الشاب يتواصل بعينيه وأحياناً يده مع شابٍ آخر في مقعد ليس ببعيد.

كانت الآنسة منشغلة بتفحص ورقةٍ بين يديها دون أن تشعر بالحركة التي تحوم من حولها بينما كانت حقيبتها نصف مفتوحة تحوي المزيد من الأوراق التي بدت مهمة بالنسبة إليها.

التقطت عينا حسن يد الشاب وهي تسرق المحفظة من حقيبة تلك الآنسة بخفة، لكنه التقط أيضاً رجفة يد الشاب.

ليس محترفاً..

سهل الإيقاع..

أومأ لصديقه بأنه قد تم الأمر.

انتظر كلا الشابان في مكانهما لينزلا في المحطة القادمة.

لم يرد حسن أن يبدأ الأمر ويفتعل هو المشكلة، فذلك سيدخله في دوامة الشرطة والشهود ودائرة لا يريد إقحام نفسه فيها.

وقع ناظريه على ذلك الرجل الحامل لكوب القهوة بالقرب من مقعدها، يده الأخرى ممسكة بالسنادة المعدنية للحافلة.

قاربت الحافلة على التوقف من أجل المحطة القادمة.

كل ما قال له عقل حسن الآن هو:

تعطيل..

لفت انتباه..

فضح..

وبدون تضييع المزيد من الوقت، أخرج حسن بطاقةً صغيرة من جيبه؛ واحدة من تلك البطاقات الخاصة بالإعلانات التي توزع في الشوارع.

حدق بها لبرهة ثم مد ذراعه نحو الرجل مع القهوة لكنه قصد ألا يمدها كفايةً حتى لا يلتقطها الرجل بسهولة، قال حسن:

"عذراً... هل يمكنك قراءة المكتوب هنا؟ نظري حقاً سيئ".

أومأ له صاحب القهوة:

"بالطبع، لا مشكلة".

ترك الرجل سنادة الحافلة ومد يده وأمال بجسده نحو الأمام لالتقاط البطاقة وقبل أن يصل إليها..

توقفت الحافلة لوصولها إلى المحطة.

اختل توازن الرجل من التوقف المفاجئ وعدم التقاط يده لأي شيء يستند عليه، تعثر خطوتين للأمام وانسكبت قهوته الداكنة فوق بنطال الفتى ذي القلنسوة والبعض تناثر على أوراق الآنسة.

"يا ويلي!".

"سحقاً، هل أنت أعمى؟!"

صاح بها الشاب ذو القلنسوة للرجل.

أجاب الرجل معتذراً:

"أعتذر حقاً.. لقد تعثرت.. دعني أساعدك في تنظيفها".

من الجانب الآخر من الحافلة، أشار صديق الشاب بحاجبيه له بالتحرك بعدما انغلقت أبواب الحافلة من أجل إكمال التحرك نحو المحطة القادمة.

أومأ الشاب ذو القلنسوة بتأففٍ بسبب تفويت المحطة:

"حسناً.. لا عليك، سوف أغادر قريباً على أي حال".

همَّ الفتى بالنهوض بينما توجهت يد الفتاة نحو سحّاب حقيبتها لتخرج مناديل ورقية من أجل أوراقها التي غطتها قطرات القهوة.

ولكنها تسمرت فورما وجدت حقيبتها نصف مفتوحة!.

تفقدتها بسرعة حتى تتأكد من أن كل شيء في مكانه، لكنها لم تعثر على محفظتها.. صرخت بذعر:

"محفظتي؟!".

بحثت يداها مجدداً على عجلة:

"لا يمكنني العثور على محفظتي!".

توجهت أنظار جميع من في الحافلة نحو تلك الآنسة.

ابتسامة جانبية ظهرت على شفتي حسن أثناء مشاهدته كل ما يحدث برضا تام.

انتبه الفتى ذو القلنسوة للجلبة التي بدأت في الظهور؛ استقام بعض راكبي الحافلة.

لاحظ أحدهم صديق الشاب الذي تحرك مسرعاً نحو باب الحافلة للنزول في اللحظة التي صرخت بها الفتاة متخلياً عن صديقه.

تحرك أحد الرجال ممسكاً برسغ الفتى فجأة:

"على رسلك أيها الشاب.. لِمَ هذه السرعة عند صراخ الآنسة؟ لم تتوقف الحافلة حتى.. أكنت ستقفز؟!".

حاول الشاب انتزاع ذراعه أثناء صياحه:

"ابتعد عني.. لم أسرق شيئاً!".

هنا..

تحدث حسن بنبرةٍ هادئة وواثقة:

"ومن قال أنها سُرقت؟".

تبادل الشابان النظرات بتوتر.

ثم...

انفتحت أبواب الحافلة من أجل المحطة التالية، همَّ الشاب ذو القلنسوة بالتحرك هارباً حتى لا يقبض عليه مثل صديقه.

وفي تلك اللحظة، تحرك حسن وأمسك به على الفور.

تمكن الشاب من ضرب حسن بركبته في جانبه حتى يتمكن من الركض؛ حركة خاطئة خرجت بدافع الخوف.

رغم الألم الطفيف الذي شعر به حسن إلا إنه كان سريع الاستجابة في لوي ذراع الشاب وسحبه ناحيته ليقابل ظهره صدر حسن.

همس حسن بالقرب من أذن الشاب بنبرة اقشعر لها جسده:

"أمس.. تلقيت ضرباً جعل جسدي منيعاً لحركات الهواة أمثالك".

وصلت الحافلة أخيراً للمحطة المطلوبة حيث يتواجد قسم الشرطة.

دفع حسن الشاب ناحيتهم بقوة محرراً إياه نحوهم.

أمسك به الرجال ثم قاموا بتفتيشه حتى وجدوا المحفظة في جيب سترته.

"كله لكم"

تمتم بها حسن أثناء سيره للنزول من الحافلة بعدما نفض كفيه.

خرج وخلفه بعض الرجال ممسكين بالشابين بعدما اعترف ذو القلنسوة على صديقه، متجهين بهما نحو مركز الشرطة.

سار حسن ناحية المركز التجاري الذي يعمل به، متأخراً قرابة الثلاث ساعات، واضعاً يديه في جيبه مع ابتسامة جانبية.

مد يده حتى يدفع الباب للدخول إلى المركز.

"تلك الابتسامة تخبرني بأنك من تسبب في تلك الفوضى".

استدار حسن للصوت المألوف الذي استوقفه.

سالم.

تحرك حسن صوبه عاقداً ذراعيه، قال بسخرية:

"ظننت أنني سوف أرتاح من وجهك لفترة بعد نقاشنا اللطيف أمس".

استند سالم على الشجرة مائلاً مجيبًا إياه:

"لا تسئ فهمي.. لازلت وغداً، لم آتِ لرؤية وجهك القبيح على أي حال".

وقبل أن يرد حسن، صدر صوتٌ صغير من خلف سالم:

"لكن وجه حسن ليس قبيحًا".

حول حسن ناظريه نحو الأسفل حيث ظهرت لين، والتي اتسعت ابتسامتها فور رؤيته لها.

عقد حسن حاجبيه وسأل:

"ما هذا الآن؟".

اقترب سالم ليبدأ في الشرح بنبرة غير راضية:

"جئت إلى منزلك متمنيًا بأنك لم تنفذ قرارك الغبي بشأن دار الـ...".

تحاشى سالم ذِكر الدار أمامها:

"بشأن ما تفوهت به من حماقات، طرقت الباب ولم ترد، فتحت تلك الصغيرة الباب باكية تخبرني أنك أخذت قلادتها الثمينة لبيعها وجني المال، فبالطبع جئت لاستعادة قلادة الفتاة قبل أن تقوم بتلك السخافة".

رمش حسن عدة مرات باستنكار في محاولة فهم ما يتفوه به سالم:

"قلادة؟ قلادة ماذا؟!".

سأل حسن بجهل واضح لتلك القصة.

"قلادة، تبدو كـ—"

اخفض سالم نظره نحو لين ليسأل:

"كيف تبدو قلادتك عزيزتي لين؟".

حملق كلاهما في لين بينما رمقها حسن بنظرات حادة متوعدة.

تبادلت لين النظر بين الرجلين قبل أن تتحرك خطوة للوراء مبتعدةً قليلاً عن مرمى رؤية حسن.

عضت شفتيها ثم أجابت:

"لا قلادة".

عقد سالم حاجبيه بعدم فهم بينما صدرت عن حسن ضحكة ساخرة:

"بالطبع لا قلادة.. الساحرة صاحبة العيون البريئة خدعتك بقصة مزيفة حتى تحضرها لي أيها الأبله".

اتسعت ابتسامة لين:

"أحب الساحرات".

رمقها حسن بنظرة حادة أجبرت ابتسامتها على الاختفاء، شرحت على الفور: "خفت أن يتركني عمي سالم كما فعلت.. فأخبرته بأنك استوليت على قلادتي قسراً وأني توسلت بألا تفعل ولكنك أخذتها على أي حال لتبيعها و.. ليكن بعلمك...".

أشارت نحو سالم قبل المتابعة:

"هو من نعتك بالسارق، فمن المستحيل أن يصدر مني شيء كهذا عنك".

حدق سالم بها بعدم تصديق فاغراً فاه، فكيف لتلك الصغيرة باختلاق كل تلك القصة في لحظة فتحها للباب فقط!.

هز حسن رأسه لتلك المحتالة.. وجَّه عسليتيه لسالم مائلاً برأسه مع ابتسامة ساخرة:

"والآن من منا الأحمق هنا؟ يا أحمق".

شدت لين طرف سترة حسن مما جعله يلتفت نحوها وقالت:

"نعتك صديقك بالسفيه".

حوَّل حسن ناظريه نحو سالم بنظراتٍ متوعدة، سألت لين بعبوس حاجبين:

"ما معنى سفيه بالضبط؟".

اصطنع سالم ضحكة صغيرة متحاشيًا وجه حسن:

"عزيزتي لين.. لمَ لا ندخل للمركز التجاري؟ هناك متجر رائع للمثلجات".

أومأت له بابتسامة واسعة:

"موافقة! أحب المثلجات".

أمسكت بيد سالم للدخول بينما دلف حسن خلفهما مستسلمًا لطرده.

***

١٢:٠٧ ظهرًا

وقف كمال في منتصف إحدى الحدائق العامة بين رجال الأعمال وغيرهم من الطبقة الراقية.

كان الحفل محضراً بدقة؛ الكثير من الزهور مع لوحة استقبال للمشاركين.

رافق عمر عمه في حضور الحفل كما وعده، كان محاطاً بشبابٍ في مثل عمره تقريباً.. توسطهم عمر متحدثاً بحماس عن مغامراته وأعماله خارج البلاد.

"كمال؟"

استدار كمال بابتسامة ليقابل أحد أصدقائه:

"منصف أتيت أخيراً! ما رأيك بالتنظيم لحفل هذا الشهر؟".

تأمل منصف المكان ليومئ بإعجاب:

"أراه ممتازاً، لكن لمَ جعلته في ساحة خضراء.. وبالصباح؟ لم أظنك من هواة النهار".

"لست كذلك.. ولكن لدي بعض الأشغال لأنهيها هذا المساء".

التقط منصف مشروبًا من الطاولة ليناوله إلى كمال:

"لا أشغال اليوم.. استمتع بالهواء النقي وبرائحة الأزهار العطرة".

تناول كمال المشروب في وسط تأمله للورود البيضاء، تنهد ثم قال:

"كانت دلال لتحب ذلك كثيراً، كانت تحب زهور الياسمين على وجه الخصوص... رحمها الله".

هز منصف رأسه ببطء مواسيًا:

"رحمها الله".

رن هاتف كمال كاسرًا الهدوء بينهما:

"لحظة واحدة".

ابتعد عن الحشود مجيبًا على المتصل، تحدث بنبرة ظهر عليها الضيق:

"أخبرتك ألا تحدثني اليوم ألا يكفيك ما حدث منذ يومين؟! ماذا تريد؟".

من الجانب الآخر؛ صوت هادئ..

واثق..

بارد..

"أعتذر سيدي.. خطأ صغير وسوف يتم إصلاحه، هل تريد تغيير مكانهما؟ أم—".

أجابه:

"لا، لا يتحركا حتى أبلغك بالتالي".

"عُلِم، رغم أنني لا أوافقك في هذا القرار، فهذا يعرضنا إلـ—".

قاطعه كمال بحزم:

"نفذ".

"كما تشاء سيد كمال".

بعدما انتهت المكالمة..

استنشق كمال نفساً عميقاً جامعاً شتات أعصابه قبل أن يعود للحفل، فقد وصل الصحفيون بالكاميرات من أجل تسجيل الحدث.

***

في متجر بقالة داخل المركز التجاري، كان يُجري نقاشٌ عديم النفع معروفٌ نهايته بالفعل:

"هذا مرتب الشهر الماضي والأخير".

حملق حسن للمال ثم نحو الرجل:

"لقد قلتَ تأخير ثلاثة أيام ولم أتأخر سوى اثنين".

أجابه مدير المتجر:

"اتفقنا على تأخير ساعة وليس أكثر من ثلاث ساعات! هل تظن أن البضاعة سوف تُرتّب من تلقاء نفسها؟!".

حول حسن نظره نحو النافذة الزجاجية التي تطل على خارج المتجر لتلوح له لين بسرعة قبل أن يضم شفتيه ويعاود النظر إلى المدير.

"كان لدي مشكلة قصيـ-، أعني مشكلة صغيرة وتم حلها... تقريبًا".

هز المدير برأسه:

"لا مزيد من الأعذار، لقد تم تعيين شخصٍ آخر بالفعل... الباب على يسارك".

كان كف لين مستقرًا على زجاج المتجر أثناء مشاهدتها للمحادثة غير المسموعة.

مطت شفتها السفلية في تفكير قبل أن تسأل سالم في حيرة:

"هل تظن أنه طُرِد؟".

أجابها:

"أتظنين عكس ذلك؟".

هزت كتفيها بغير علم:

"من أين سيأتي بالمال الآن؟".

تنهد سالم قبل أن يجيب:

"سيتدبر أمره... أتمنى".

حركت لين رأسها بعدم رضا:

"ليس جيدًا".

ابتعدت عن الزجاج بإحباط ثم أخذت تتأمل المكان من حولها.

خرج حسن من المتجر وقد بدا الضيق ظاهراً على وجهه بوضوح.

سأله سالم بوجهٍ محبط:

"لم يتم الأمر ها؟".

تنهد حسن بقلة حيلة:

"لم يتم... لا أدري الآن ما يجب فعله مع... هذه"

قالها مشيرًا نحو لين التي كانت شاردة في تأمل السلم الكهربائي وكأنه معادلة صعبة يستوجب حلها، فلا وجود للسلالم المتحركة في الريف حيث نشأت.

أعاد سالم ناظريه من لين إلى حسن ثم قال مقترحًا:

"هل فكرت في التواصل مع بتول؟ ربما يمكنكما أن تتوصلا إلى حل سوياً".

"هل تظن أنني لم أفكر في ذلك بالفعل؟ ليس لدي فكرة عن مكان سكنها طوال تلك السنوات وبالطبع غيرت رقم هاتفها بعد أن... بعد ما حدث".

فرك حسن عينيه عند ذكره جملته الأخيرة متحاشيًا النظر إلى سالم.

أشفق سالم على حال صاحبه ولكنه لم يستطع الإنكار:

"وهل يمكنك لومها يا حسن؟".

"لومها على ماذا؟".

تحركت نظراتهما للأسفل نحو تينك العسليتين السائلتين في ترقب.

هبط سالم إلى مستوى نظرها ويديه على كتفيها ثم همَّ بسؤالها:

"لين.. أين كنتِ من قبل؟".

قطبت حاجبيها بغير فهم:

"من قبل؟".

"أعني مع بتول... والدتك، أين سكنتما؟ أين هي؟ وهل معكِ رقم هاتفها؟".

ازدردت لعابها تحدق بين سالم وحسن العاقد ذراعيه.. .هزت برأسها وقالت:

"لا.. لا أحفظ رقم هاتفها".

تقدم حسن خطوة للأمام وسأل باستنكار:

"أين عشتما؟ أين تركتكِ ولِمَ؟".

تسارعت ضربات قلبها وكذلك سرعة تنفسها بتوتر، تلعثمت عند حديثها:

"عشنا في... في مدينة، عند.. في بلد آخر".

رفع حسن أحد حاجبيه بعدم اقتناع:

"بلد آخر؟".

"نعم.. وثم.. أممم أنا"

حركت وجهها نحو سالم متحدثةً بعجلة حتى تنهي مجرى الحوار:

"لقد وعدتني بالمثلجات ولقد رأيت المتجر في آخر ذلك الرواق".

انتزعت ذراعيها من يدي سالم قبل حتى استيعاب أي منهما ما قالت ثم ركضت سريعاً نحو متجر المثلجات.

استدار سالم ليواجه حسن بعدم فهم لردة الفعل الغريبة تلك ملاحظاً على حسن نفس الوجه المستغرب وقد مطَّ شفتيه بعدم فهم هو الآخر.

دون أن ينبسا بنصف كلمة تحركا خلفها.

مسحت دموعها سريعاً التي تحاشت إظهارها أمامهما ثم همَّت بالتوجه نحو متجر المثلجات والدخول.

اختفى التوتر الذي باغتها منذ لحظات قليلة فور رؤيتها للثلاجة التي حوت على ألوان ونكهات متنوعة.

دلف حسن من خلفها هو وصاحبه..

توجه نحو إحدى الطاولات الصغيرة.. سحب كرسياً واستراح عليه قبل أن يخرج هاتفه حتى يشغل رأسه في أخبارٍ لا تهمه.

أسند سالم أحد ذراعيه على الطاولة وقال بنبرة مغيظة:

"المثلجات على حسابي إذاً.. أيها العاطل".

أجابه حسن دون النظر:

"هل أنت سريع النسيان لهذه الدرجة حتى تنسى الحلوى؟".

حمحم سالم مغيراً الحوار:

"حسناً.. طلبك المعتاد، مخلوط النكهات ما عدا التوت".

أشار حسن بحاجبيه نحو لين وقال:

"من الأفضل لك أن تسرع.. فتلك الصغيرة ستخترق زجاج الثلاجة بنظراتها".

خطا سالم نحو لين التي التصق وجهها بالزجاج، ابتسم بلطف قبل أن يسألها:

"أي نكهة تفضلين؟".

أجابت لين سالم بحماس دون إبعاد عسليتيها عن الزجاج:

"أحب الفراولة".

"حسناً لنشترـ"

قاطعته لتتابع أثناء عد النكهات على أصابعها:

"والفانيليا.. والشوكولاته.. هل يمكن وضع معهما نكهة الكيوي؟ والخوخ أيضاً، هل هذا مسموح؟".

مسد سالم على شعرها ثم سأل:

"ما رأيك بمخلوط النكهات؟".

نظرت نحوه مبتسمةً بحماس:

"أحب النكهات!".

بدأ بائع المثلجات بملء الكوب بالنكهات المتنوعة وأشكالها المميزة في وسط إشراق وجه لين، لكن حين اقتربت ملعقة البائع للغرف عند نكهة محددة، أوقفته على الفور:

"لا.. لا أحب نكهة التوت، فطعمها كالدواء الخاص بالسعال".

حدق بها سالم لثوانٍ قبل أن ينظر نحو الطاولة حيث يجلس حسن ثم عاود التحديق نحو لين.

هربت من سالم ضحكة صغيرة هازاً رأسه بعدم تصديق، قطبت لين حاجبيها بغير فهم:

"ما المضحك؟".

نظف سالم حنجرته ثم أجاب بابتسامة:

"لا شيء.. لا شيء يا صغيرة".

تناولت لين علبة مثلجاتها وكذلك سالم ثم همّا بالتحرك نحو الطاولة.

لاحظ حسن نسخة من كوبه أمامه من حيث اختلاط النكهات عدا نكهة واحدة.. كوب لين.

لم يعلق متظاهراً بعدم الملاحظة.

جلس سالم مقابلاً لحسن ولين بجواره.

أمال سالم بجسده ناحية لين محدثاً إياها بلطف قائلاً:

"لين.. يوجد أرجوحة قريبة خارج المتجر هناك، لِمَ لا تلعبين قليلاً؟".

حدقت فيه بارتياب من محاولته إبعادها، بعد ثانيتين أومأت له موافقة، فهي تحب اللعب على أي حال.

تناولت لين مثلجاتها وتوجهت للخارج تاركةً حسن وسالم.

راقب سالم خطوات تلك الصغيرة عبر الباب الزجاجي للمتجر بعد خروجها حتى وصلت إلى الأرجوحة، حوَّل سالم بصره نحو حسن وسأل بنبرةٍ جادة:

"ما الذي تنوي فعله معها؟".

أجاب حسن بضجر أثناء العبث بالهاتف:

"غير الموضوع يا سالم".

"حسناً.. لنغيره"

تناول سالم ملعقةً من مثلجات الفستق متابعًا بنبرة أخف:

"ما هي قصة الفوضى بالحافلة صباحًا؟".

ترك حسن الهاتف جانباً ثم عقد ذراعيه فوق الطاولة:

"لا يوجد قصة.. مراهقان أحمقان حاولا سرقة إحداهن.. انتهيت؟".

ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي سالم:

"وبالطبع محققنا الشهير حل الأمر.. لازلت تمتلك بعض الملاحظة ها؟ خبرات الماضي من الصعب نسيانها".

صمت حسن قليلاً ثم أشاح بنظره قبل أن يجيب:

"أتمنى لو كان بإمكاني نسيانها بأكملها".

لحظة صمت..

دقيقة..

أخرى..

"ألا تفكر بمحاولة العودة؟.. ربما لو تحدثت إلى وليدـ".

قاطعه حسن بحزم:

"مستحيل".

"أنت حتى لم تسمع ما سأقول".

"لا أحتاج لذلك".

لم يُعجب سالم بموقف حسن:

"يا رجل، لقد مر زمن.. ربما يوجد فرصة".

"أخبرتك. هذا. مستحيل.. تلك الوظيفة اللعينة دمرت حياتي، وأنت خير من يعلم استحالة العودة وحتى إن أردت أنا ذلك، فقد كان ذلك نهائياً".

تنهد سالم ليفكر قليلاً في كلماته قبل أن يتحدث:

"ماذا لوـ".

قبل أن يكمل سالم جملته دوى صوت جمدهما لثانية.

صرخة..

حادة..

لم يعلم أيٌ منهما كيف خرجا من المتجر بتلك السرعة؛ فقد كانت تلك صرخة لين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (41)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة