الساعة ٢:٠٦ صباحًا
غرفةٌ رحبة دامسة.. لا ينيرها سوى ضوء القمر المتسلل بين الستائر المنسدلة، وضوء الحاسوب المنعكس على وجه ذلك الشاب الحائر..
حملق عمر في حاسوبه لساعات.. يتواصل مع هذا وذاك بحثًا عن غرضٍ محدد..
ربّع ساقيه ببنطاله الرمادي القطني فوق فراشه..
مقلتاه تراقبان ما توصل إليه بجديةٍ وأملٍ هادئ، التقط الحافظة البلاستيكية حيث مشبك شعر ليلى، والذي أخذه من لين في وقتٍ لاحق.. ابتسم لمقدرة تلك الصغيرة على إيجاد الحلول دومًا بطرقها الخاصة، عاود التحديق بالحاسوب أثناء انشغال باله في حال نجح ما ينويه..
ابتسم لمجرد تخيله وجه ليلى بتلك اللحظة، لانت ملامحه شيئًا فشيئًا حتى غمره دفء غير متوقع يجتاح منتصف صدره متمددًا ليحاوطه..
لم يقاومه في الواقع.. بل رحب به على الفور مستمتعًا بكل شعورٍ يقتحم قلبه بلا استئذان..
تنهد بعمقٍ قبل أن يعاود الانشغال فيما يفعله.
***
الساعة ٤:٢١ عصرًا
رتّب حسن أوراق المكتب الذي سيحتاجها مع وليد.. كل الاستنتاجات مدونة.. احتمالاته موجودة..
لين بالغرفة المجاورة تنهي جلستها النفسية مع ندى، لن ينكر أنها أصبحت تبكي أكثر من السابق، وتظل تسأله ما إذا كانت طبيعية أم لا.. لكنه تحلى بالصبر معها، بالرغم من أنها لم تقتنع تمامًا بكونها ليست مجنونة، فمن الصعب تعديل فكرٍ نتج عن بيئةٍ جاهلة حاوطت الإنسان منذ الصغر.
خطت لين إلى غرفة المكتب حيث حسن، سحب الستائر ليغطي الأوراق واستدار لمقابلتها..
نشقت بأنفها قبل أن يدفع حسن بسؤاله:
"بكيتِ مجددًا؟"
أومأت له لين بتردد، أجابته وهي تبعد ملامح الحزن عنها:
"هل تعلم أن معاذ لديه سلحفاة؟ أحب السلاحف."
زفر حسن بتهكمٍ هو يتفقد الأوراق بيده، استغرب من ذكرها لشقيق سالم فسألها دون إبعاد ناظريه عن الورق:
"كيف تعرفتِ على معاذ؟ ظننته لا يطيق أحداً."
هزت كتفيها قبل أن تجيب:
"عرفته منذ فترة، لمحته خلف ندى أثناء المكالمة، سمعته يشاهد برنامجه المفضل على هاتف فصرخت باسم شخصيتي المفضلة.. سمحت لي ندى بالتحدث معه بعد الإنتهاء، هل تصدق أني أول شخصٍ يشاركه هذا البرنامج؟ وأن أصدقائه ينعتونه بالمهووس لمشاهدته."
تخلص حسن من السجائر المستهلكة أثناء تمتمته:
"الطيور على أشكالها تقع."
قطّبت لين حاجبيها باستنكار:
"ما معنى ما قلت؟ كيف تقع الطيور وهي تطير؟"
"اسألي مَن اخترع المقولة."
"وكيف لي أن أسأله؟! هل لديه حساب على الإنترنت؟"
رن جرس الباب بغتةً ليقطع حديثهم.
"حمدًا لله! آتاني الإنقاذ من استفساراتك."
لحقت لين بحسن نحو السلالم للأسفل أثناء تساؤلها:
"ستبقى مع عمي وليد بغرفة المكتب حتى تنتهون، صحيح؟"
"عمي؟! ابتلعت مناداتك لسالم بها، لكن تناديها لذلك الأحمق أيضًا؟"
قفزت لين من آخر سلمتين مجيبة:
"لا أجد مناداة أفضل، أليسوا أصدقائك؟"
تنهد حسن دون أن يجيب، متمتمًا لسوء معارفه وصداقاته قبل أن يقترب ليدير مقبض الباب وفتحه..
ظهر وليد على العتبة بملابس كلاسيكية خفيفة، ضاقت عينا حسن قبل أن يقول:
"ثلاثة أيامٍ حتى تقرر؟"
تقدم وليد للدخول متفحصًا المكان:
"لم استغرق ثلاثة أيام، العمل هو العمل، لم آتي فوراً حتى أوفي بإجازاتي مع عائلتي، إجازتي التي اقتطعتها أنت"
وقعت مقلتا وليد على لين التي ابتسمت لتلوح له، منحها وليد تلويحةً صغيرة قبل أن يتبع حسن نحو الدرج مردفًا:
"الجميع يتحدث عنك.. يتحدثون عن الرجل الذي تدخل كالمحترف في خضم الفوضى."
ابتسم حسن في غرورٍأثناء صعوده:
"لا أحتاج لرأيهم."
غمغم وليد في سره مقلبًا مقلتيه.. فقد لاقى حسن إعجابًا كبيراً بمجرد نشر فيديو لحسن بالمقهى، فيديو صورته إحداهن لحظة اقتحام القوات للمكان، والذي تم حذفه قبل التوسع في انتشاره.
فتح حسن باب غرفة المكتب ليدخل كلاهما بخطواتٍ وئيدة، جالت عينا وليد بالمكان ليعلق:
"إذا كان ابن عائلة سعد الله يساعدك.. فلا بد من أنه جهز لك ذلك المكان"
أضاء حسن مصباح المكتب مجيبًا:
"لا تتأمل كثيرًا، ذلك الوغد اعتبره دينًا لي.. كما السيارة بالخارج التي وقعت على وصل أمانة لها"
كم أن الحياة متغيرة.. قد تتقلب في ليلةٍ وضحاها لتنقلب معها موازين الأمور.
فحسن الذي يتذكره وليد، لم يكن يحمل هماً بالمال يومًا..
كان يملك أفضل منزلٍ منذ صغره.. لا يزال وليد يتذكر سيارة عبد السلام الفارهة حيثما كانت تصطف أمام بيت والده عند عملهما.
ذلك الرجل أمامه ليس الطفل الذي كانوا بالمدرسة يتوعدون له بمستقبلٍ باهر.. أو الشاب الذي أبهر أساتذته بالجامعة من مستواه المتقدم عن أقرانه.. لم يكن الضابط الذي سرعان ما لقب بالنقيب ليثبت ذاته ومهارته..
بتر شرود وليد صوت انسحاب الستائر لتنكشف الأوراق المثبتة على الحائط من خلفها، جالت عيناه ببطء بينهم.
صور.. توقيعات.. خيوط متصلة وملاحظات..
أقترب وليد يتأملها ليعلق:
"أظنك قمت بكل شيء تقريبًا."
"ليس كل شيء.. بصفتك ضمن المباحث.. أحتاج بيانات صلاح بكر المسجلة كمواطن و…"
قبل أن ينهي حسن جملته، دفع وليد بملفٍ كاملٍ عن صلاح من حقيبته، ليلقيه فوق المكتب أمام حسن.
ارتفعت طرف شفتي حسن فور وقوع بصره على الملف، رفع مقلتيه إلى وليد الذي ابتسم بثقة.
"تظن أنك ستخبرني كيف أؤدي عملي؟"
قالها وليد قبل أن يسحب الكرسي ليستريح عليه ويلتقط أوراق حسن التابعة للملف..
***
تربعت لين الأرض بغرفتها.. محاوطة بأوراقٍ ملونة، والقصاصات بأشكالٍ مختلفة، وأمامها غيم المستلقية أرضًا..
تفكر فيما ستفعله اليوم، فاليوم هو يومٌ مميز لحسن، وترغب بجعله أكثر تميزًا بتواجدها معه.
استراح خدها على كفها تفكر بصوتٍ عالٍ:
"ماذا يحب أبي يا غيم؟"
أخذت تقلب رأسها.. الوجبات الخفيفة.. المقرمشات.. ولكن ماذا أيضًا غير الطعام؟
حدقت بالصورة بين يديها التي اختلستها من غرفة المكتب، صورتها مع والدتها بالريف..
داهما شهور إشتياق عارم مختلطٍ بدفء جميل إثر احتفاظ والدها بالصورة بمكتبه..
ودت لو كان هناك صورة جمعت ثلاثتهم.. وربما غيم أيضًا..
ارتفعت ابتسامتها في فكرة لمعت في رأسها، فسرعان ما نهضت لتتوجه نحو الغرفة بالأعلى.
***
(٧ بطاقات تعريفية مع وجباتٍ كافية.. تم)
(١٣ نقل.. ظافر)
"إذًا تلك بخط يد كمال؟"
قالها وليد أثناء تأمله للورقة الصغيرة التي احضرها عمر مسبقًا.. أومأ حسن قبل أن يجلس ارضًا أمام وليد الذي غيّر مكانه ليتربع الأرض في وسط كومة من الورق، أجابه حسن:
"كان ببالي خطة أخرى تجاهه.. لكن بعد تواجد تلك الورقة، شعرت بأنها احتمالٌ أفضل.."
أشار حسن للورقة بيد وليد مردفًا:
"أظننا يمكننا التوصل إلى الصغار عن طريقها."
التقط وليد ورقةً جانبية حيث دوّن حسن الاحتمالات ليقول:
"ووضعت الاحتمالات بالفعل؟ من أين حصلت على هذا؟"
"ليس من شأنك."
تجاهل وليد فظاظته ليراجع ما كُتِب.. حرك كتفيه هازّا برأسه:
"من الممكن أن تكون مجرد أعمالٍ تخص شركته."
تنهد حسن مجيبًا بنفاذ صبر:
"أيمكنك فقط التفكير بالاحتمالات الأخرى؟ لا تخص الشركة ولا غيرها.. هي تخص أعماله القذرة."
"يا لك من خسيسٍ يا حسن! كنت حقًا تستحق ضابطًا فظًا يواكب أسلوبك.. دعني أستبعد حتى أتمكن من مساعدتك!"
مسح حسن على وجهه متمالكًا أعصابه، التقط وليد ورقة الاحتمالات يتأملها وقد لاحظ شطب حسن على الاختيار الأول، والذي كان:
(أرقام وأعداد بطاقات ووجبات لحفلات التبرعات العادية بالدار).
انتقلت عيناه للاحتمال الثاني والثالث..
(الأرقام هي تواريخ التحرك والتنفيذ)
(وجبات وبطاقات للأطفال المختطفين)
التقط حسن علبة سجائره، أخرج واحدةً ليضعها بين شفتيه قبل إشعال قداحته.. مد العلبة إلى وليد ليعرض عليه:
"لا زلت تدخن؟"
زم وليد شفتيه قبل أن يلتقط واحدة، أشعلها لينتشر دخان النيكوتين بالغرفة، قال بسخرية مريرة:
"خديجة أصبحت تخبئ مني العلب في الآونة الأخيرة.. أصبحت لا أتجرأ على الأقتراب منها بالبيت."
نفث حسن الدخان بعيدًا ليعلق:
"ألم تقل أن البيت أصبح مكتظًا بأولادك؟ إذًا معها حق، لا تجعلهم يستنشقوا دخانها."
"تمنحني سيجارةً وتنصحني بعدها؟ كنت لتكون الأولى بالنصيحة وتقلع عنها."
أجاب حسن نبرة وليد التهكمية بأخرى مماثلة:
"ماذا نفعل يا وليد؟ مَن يدخل ذلك الطريق يغرق به، وكل ما يسعني قوله هو.. اللعنة على الوغد الذي جرني إليه."
أشاح وليد بوجهه عن حسن ليعود إلى الأوراق.. فقد كان وليد هو مَن جرّ حسن إلى التدخين بعد التحاقهم بالجامعة.. أغلق الموضوع ليشير نحو الملف بحاحبيه معلقًا وقد عادت نبرته إلى وضعيتها العملية:
"أوراق الملف التي أمامك قد يتهمك كمال بتزويرها إذا تم عرضها على محامٍ.. نحتاج إلى دليلٍ ملموسٍ تجاهه، ليس مجرد توقيعات.. خاصةً أن تلك الأوراق قديمة جدًا منذ سنوات.. ما الذي يضمن لك أنه لم يتوقف عن تجارة البشر حاليًا؟"
أمال حسن برأسه ليقول:
"عمر تعرف على صلاح أثناء محاولته اختطاف طفلة."
قلّب وليد الكلمات ليسترسِل استفساره:
"إذًا كيف لا يتم تسجيل حالات إختطافٍ في الوقت الراهن؟"
ومضت في ذاكرة حسن المعلومات التي منحته ليلى إياها.. عن إحدى صديقاتها التي غادرت كع أسرةٍ الدار ولم تعد، ليجد حسن اسمها لاحقًا في الملف..
ارتفع ثغر حسن ليجيبه مباشرةً بالاحتمال الذي توقعه:
"لأنه ليس غبيًا ويغير طرقه.. بعد كل حفل تبرعاتٍ للدار، يأتي فوجٌ من العائلات للتكفل والتبني، أريدك أن تتخيل من كل خمسين عائلة.. يوجد عائلة محتالة في وسطهم، ربما يكونوا أناسًا فقراء يستأجرهم ويجهزهم بالمتطلبات المناسبة، ربما عائلاتٍ يرشيهم.. أيًا يكن.. يأخذون الصغير.. ويطيرون به بعيدًا."
تثاقلت المعلومات الغزيرة لتكدس رأس وليد، حدق بحسن الذي أمامه بتعجبٍ لجمعه كل هذا.. وقبل أن يتفوه بكلمة.. طُرِق الباب يليه صوت لين:
"أيمكنني أن أدخل؟"
انتشل حسن سيجارة وليد من بين أصابعه كما فعل مع خاصته للتخلص منهما، ارتفع حاجبا وليد في تفاجؤ بينما سمح حسن للين بالدخول:
"تعالي يا لين."
فُتِح الباب لتظهر لين على عتبته، لاحظت الأوراق المنتشرة والرجلين على الأرض وسط تلك المعمعة.
هل أعجبتها؟ لا.. فهي لا تزال خائفة مما قد يجري لاحقًا.. امتعضت من رائحة الدخان التي عمّت المكان، غطت أنفها ثم حّولت نظرها لحسن لتقول بنبرة خافتة مترددة:
"هل.. يمكنني أخذ هاتفك؟"
رفع أحد حاجبيه مستنكرًا:
"لماذا؟"
"لكي.. أممم.. أريد أن أرى الصور التي التقطناها بالسيارة."
تنهد حسن قبل أن يسمح لها، أخرجه من جيبه مانحًا لها إياه، ابتهج وجه لين لتَنتشله وتهرع به نحو الخارج مغلقةً الباب خلفها ليعود كلاهما إلى تركيزه.
أمسك وليد بورقةٍ تلو الأخرى للملف يحاول تحليلها، مع إدلاء حسن لما يعرفه..
***
الساعة ٧:٠٢ مساءً
تلاشى ضوء الشمس تدريجيًا بغرفة مكتب عمر في شقته.. ليستعين بضوء المصباح، ينهي إجتماعًا لشركته بالخارج من خلال حاسوبه في تركيزٍ تام.
فبعد تأجيله لسفره إلى فترةٍ أطول.. تراكمت أعماله حتى قرر البدء في إنهائها بنفسه.
ارتشف من قهوته وهو يستمع إلى مدير أعماله والموظفين الظاهرين على الشاشة أمامه.
اختفى وجهه الدافئ الساخر الذي يظهره عادةً، ليرتسم عليه الملامح الجادة..
"حسنًا، أرسل لي ورقة الدفعات الأخيرة بحلول الغد.. سنأخذ أستراحةً لربع ساعة ثم سنناقش المشكلة التالية."
وافقه رجاله وقد اغلقوا المكالمة بعدما استأذنوا لينهضوا.
ازاح عمر شعره للخلف متنهدًا وقد أصيب بالصداع.
لم تكن فقط الأعمال، بل الفترة الماضية برمتها..
لا يزال لا يصدق ما هو فيه.
فرك عينيه قبل أن ينهض لإعداد المزيد من القهوة حتى يستعيد نشاطه، دلف للمطبخ ملتقطًا كوبه، وقبل أن يبدأ في إعدادها، صدر إشعارٌ من هاتفه.
أقترب عمر ليفتح هاتفه متأملًا لأن يكون ما ينتظره..
انتصب جسده إثر تلقيه رسالةً محددة، أسرع بفتحها لتقابله جداول وأرقامٍ لم يفهمها، وما إن وقعت عيناه على السطر الأخير، حتى تجمد في مكانه..
[مختبر جينات التميز: عزيزي العميل، لقد صدرت نتيجة فحص الحمض النووي الخاصة بالملف السابق
النتيجة النهائية: إيجابية (تم تأكيد صلة الأبوة بنسبة مطابقة ٩٩.٩٩٪).
يمكنكم مراجعة الفرع الرئيسي لاستلام التقرير الختمي الموثق.]
مرت لحظة يستوعب بها عمر ما يقرأ.. فغر فاه متأملًا الرسالة..
ترك الهاتف جانبًا ولا زالت معالم الدهشة على وجهه..
صدرت عنه قهقهة صغيرة تلتها ضحكة سعادةٍ غمرته.. أمسك بصدره مستشعرًا الدفء الذي حاوطه.
هرع بانتشال هاتفه للاتصال بمدير أعماله فؤاد.
لم ينتظر عمر حتى تُجيب التغطية نغماتها المعتادة، كان نبضه يقرع في أذنيه بضرباتٍ متسارعة، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ يحاول ضبطها دون جدوى، بينما لم تفارق الابتسامة شفتيه.
على الطرف الآخر، أتاه صوت فؤاد المعتاد بنبرته العملية الملتزمة، مستغربًا هذا الاتصال في منتصف فترة الاستراحة:
"مساء الخير يا عمر.. هل حدث تغيير في أوان الاجتماع؟ الموظفون يقفون على أهبة الاستعداد لـ..."
بتر عمر حديثه دون أن يدعه يكمل، بنبرةٍ تفيض ببهجةٍ عارمة وصوتٍ مبتهج:
"دعك من الاجتماع والموظفين الآن يا فؤاد! اترك كل شيء جانباً!"
صمت فؤاد لثوانٍ، ملتقطًا ذاك التحول الصارخ في نبرة رئيسه وصديقه؛ لم تكن مجرد راحةٍ من إجهاد العمل، بل كانت سعادةً صريحة تتراقص بين نبرات كلماته. تساءل فؤاد بنبرةٍ حذرة طغى عليها الفضول والابتسام:
"عمر؟ ما الأمر؟ صوتك يقطر فرحاً هكذا فجأة.. هل ستتزوج قريبًا أم حُلت المعضلة بالشركة؟"
أطلق عمر ضحكة خفيفة وهو يجوب المطبخ بخطواتٍ خفيفة متحررة من كل ألم، وكأن الصداع الذي كان يفتك برأسه قبل دقائق قد تبدد كليًا، ثم أجاب بصوتٍ خفضه قليلاً لكنه حمل قوة الانتصار:
"بل حُسم الأمر برمته يا فؤاد.. حُسم تماماً ولم يعد للشك مكان!"
توقف فؤاد عن تقليب ملفات الشركة التي بين يديه، وتسلل الذهول إلى ملامحه وهو يصغي باهتمام:
"ماذا تقصد؟ لا أفهم.."
قاطعه عمر بحسمٍ مبهج وهو يمسك الهاتف بقوة:
"سأرسل لك رقمًا لزوجين، نسّق معهم موعداً عاجلاً في أقرب فرصة، ولا تنتظر حتى الغد.."
سكت عمر لبرهة، واستحضر في ذهنه وجه ليلى بملامحها الرقيقة وملامح الأمل التي تتشكل في أفقها، ليُكمل بنبرةٍ حانية تتفجر يقينًا ورجاءً:
".. وأخبرهم بالنبأ يا فؤاد.. حدد الموعد وزفّ لهم الخبر.. أخبرهم أنها ابنتهم."
***
الساعة ٧:٣٥ مساءً.
قطّبت لين حاجبيها في تركيزٍ تام أمام القِدر أثناء إضافة الطحين، قلّبت المكونات جيدًا لتمتزج ويتكون معها مخفوق الفطائر، والتي كانت الحلوى الوحيدة التي تستطيع إعدادها.
أشعلت الموقد ووضعت المقلاة..
سكبتْ جزءاً من المزيج في وسط المقلاة الساخنة، وراقبته باهتمامٍ بالغ وهو يتشكل على هيئة دائرةٍ ذهبية، تترقب ظهور الفقاقيع الصغيرة على السطح كما تعلمت سلفاً.
حملت الملعقة المسطحة بحذرٍ شديد تحاول إدخالها أسفل الفطيرة لقلبها على الجانب الآخر، لكن انزلاق يدها الخاطئ جعل طرف إبهامها يلامس حافة المقلاة الملتهبة.
شهقت لين بلوعةٍ مفاجئة، وأسقطت الملعقة وهي ترفع إصبعها سريعاً نحو فمها تنفخ عليه بهواءٍ بارد، قبل أن تهرع نحو الصنبور لتفتح المياه الباردة عليه. انكمشت ملامحها بألمٍ طفيف.
"ليس جيدًا.. مؤلم.."
أغلقت الصنبور وهي تتأمل إصبعها، قبّلته برقة قبل أن تعيد تركيزها على الفطائر..
بدأت الفطائر تنضج لتخرجها بحذرٍ واحدةً تلو الأخرى فوق الطبق.
في تلك اللحظة، انسلت غيم إلى المطبخ بخطواتٍ هادئة، وأصدرت مواءً رقيقاً وهي تمسح فروها الأبيض بساق لين.
ابتسمت لين قبل أن تلتقط إحدى الفطائر بيدها بعدما تأكدت من انخفاض حرارتها لتمدها نحو هرتها:
"حان وقت المتذوق الخبير.. ما رأيك؟"
اشتمت غيم القطعة بحذرٍ وفضول قبل أن تقضم منها.. وأردفت ذلك بخرخرة خفيفة وهي تمسح وجهها بكفها الصغير.
ضاقت عينا لين بارتياب:
"لا أفهم لغة القطط، لكن أظن تلك علامة إعجاب."
تناولت لين باقي القطعة من بعد هرّتها ليقابلها طعمها اللذيذ.
هرعت بترتيب شكل الطبق قبل أن تخفيه في خزانة المطبخ كما فعلت مع أكياس المقرمشات.
***
ساعاتٌ طوال مرت في جدالٍ لا ينتهي بين وليد وحسن؛ استبعادُ فرضية، والتكهّن بأخرى، والأوراق تتناثر حولهما في عتمة الغرفة.
تغير مزاج حسن عندما لاحظ ضياع صورة بتول مع لين وسط تلك الفوضى، بحث دون إخبار وليد عما يبحث ولو أنه فقط يركز.. لكن داخله كان يصرخ بأنه عليه إيجادها.
أنهى وليد قراءة الورقة الأخيرة من الملف، والدهشة تتآكله. كيف استطاع محسن بمفرده جمع كل هذه الخيوط الشائكة؟ كانت هذه الوثائق كفيلةً بتدمير إمبراطورية فاسدة.. قضية العمر بحق. لكن السؤال الذي ينخر رأسه.. لماذا احتفظ محسن بكل هذا السر ولم يشاركه مع مخلوقٍ سوى بتول وكان بعد سجنه؟!
دون أن يرفع عينيه عن الأوراق، هز وليد رأسه ليعلن عن فكرةٍ قطعت شكوكهما:
"لا أظنها تواريخًا.. تلك أعداد الأطفال."
رفع حسن بصره ينتظره أن يقول ما عنده، أردف وليد:
"إذا تعامل كمال مع الأطفال كالشحنات.. وأن هناك شحنةً كل ثلاثة أشهر، إذًا هو يتم كل دفعةٍ قبل أن يأتي بالجديدة."
قطّب حسن حاجبيه لوهلة:
"وضّح أكثر."
اقترب وليد ليجلس بجواره تمامًا، وأشار بسن القلم نحو الرقم (١٣) المكتوب بخط يدوي:
"نحن في نهاية الشهر، أي أنه بالتأكيد تولى شأن القدامى سواء استخدمهم أو خبأهم.. إذا كانت تواريخيًا فلن يخطط لمنتصف الشهر المقبل، بينما في الملف.. جميع تواريخ أخذ الأطفال كانت تلي حفل التبرعات بيومين على الأكثر."
اتسعت عينا حسن وهو يتلقف الخيط فورًا:
"وتلك حفلات تقابل مطلع الشهر لا نصفه."
"بالضبط."
ربط رأس حسن خيوطًا أكثر تتشابك في عقله، فوقف لوهلةٍ يحدق بالأوراق الملتصقة على الحائط، يتأمل البطاقة التعريفية المهترئة لصديقة بتول..
كمال يتعامل مع الصغار كأرقام..
يميزهم بصحة جسدهم.. ببطاقات تعريفية؟
استدار حسن على الفور منتشلًا الورقة من يد وليد متأملاً لفكرةٍ خطرت على باله..
(٧ بطاقاتٍ تعريفية مع وجباتٍ كافية تم)
"تلك الوجبات للأطفال المختطفة.. إذا تم توفير الطعام ووجبات، إذًا هي لأشخاصٍ موجودة بالفعل.. هو يميزها بتواجد تلك البطاقات.."
قالها حسن باندفاعٍ حاسم، بينما ارتفع طرف شفتي وليد في بسمةٍ جانبية مضيفًا:
"السبعة هم الأطفال المحتجزون في مخبئه حاليًا.. ما يعني أن الثلاثة عشر هم الهدف التالي."
نهض وليد من على الأرض وقد ترابطت أفكارهما ليقول مستنتجًا لا متسائلًا:
"وإلى أين سينقلهم؟"
أمال حسن برأسه وكأنه يقرأ ما يدور بعقله:
"إلى قفص القط الجميل.. مخبأ الصغار."
فرّ من وليد زفيرٌ خافت أشبه بالضحكة.. تمامًا كالسابق، يتشاركان الاستنتاجات كالعقل الواحد.
أومأ وليد وقد علم ما سيفعله بالضبط حتى تصبح تلك الشكوك واقعًا..
التقط هاتفه ليتفقد الساعة وإذ بخمس مكالماتٍ فائتة من زوجته.. مع رسائل توبيخٍ عدة.
قهقه حسن من شحوب وجه وليد أثناء تحديقه بالشاشة.
التقط سترة وليد الكلاسيكية ليلقيها في وجهه:
"عد لبيتك قبل أن تصنع منك خديجة مكسرات."
"سأتزوج على تلك المرأة ذات يوم."
غمغم بها وليد من أسفل السترة قبل أن يعدّلها ويرتديها بينما علّق حسن:
"تقولها منذ خطبتكما ولا تتجرأ على النطق بها أمامها."
أجابه وليد بخفة أثناء فتح باب المكتب:
"وهل أستطيع مواكبة منزلٍ مجنونٍ واحد حتى أتجه لصنع جديد؟ لقد أصبت رأسي وتزوجت، فعلتها مرةً ولن تتكرر مجددًا."
ابتسم حسن وهو يلحق به للخارج، فهو يعلم أن تذمره ليس إلا كلماتٍ بلا معنى تحت ستار الحب لزوجته.
استغفر حسن في سره إثر صوت داخلي اعترض على القدر الذي حرمه من حياةٍ كتلك.
وقبل نزوله للدرج، قطّب حاجبيه كوليد عند ملاحظته المنزل الذي داهمه الظلام، لا ينيره سوى مصباح أمام عتبة باب المنزل بينما باقي المنزل غارق في عتمته، لمَ الأضواء مطفأة؟
"لين؟"
آتاه صوت دبدبة خطواتٍ صغيرة مع صوت لين تصيح:
"لا تشعل الضوء! أنا.. أممم أغير ملابسي!"
"بغرفة المعيشة؟!"
آتاه همسها تحدث قطتها:
"كذبة سيئة.."
تنهد حسن وقد وصل لنهاية الدرج مع وليد الذي اتجه إلى باب المنزل..
فتحه ليلفحهما نسيم المساء البارد مع ضوء القمر ينعكس على سطح البحيرة القريبة، حملق حسن به ليقول:
"أريدك أن تنهي جمع ما يخص كمال وصلاح قبل مطلع الشهر و..."
بتر وليد كلماته بتململ ليرد بعملية:
"أولًا، أنا أعرف ما سأفعل بالضبط.. وحين أصل إلى طرف تأكيدٍ لما قلناه.. سأدليك بكل شيء.. المشكلة فقط.."
تنهد وليد قبل أن يردف بإحباط:
"لم يتواجد اسم صلاح في كل هذا.. لا شيء ضده سوى تلك التوقيعات.. وهي ليست كافية، وكأنه شبحٌ ينفذ المهام ويختفي، ملفه نظيفٌ تمامًا!"
فرك حسن جبهته بعصبيةٍ دفينة:
"فقط بمجرد إيجاد مقر الصغار، ستتوالى باقي أفراد العصابة واحدًا تلو الآخر.. وحين يأتي دور صلاح…"
صمت حسن وهو يتخيل أبشع أنواع التعذيب والموت لذلك الرجل الذي سلبه كل حياته، ضم وليد حاجبيه بعدم رضا ليبتر شروده:
"بشكلٍ قانوني."
ابتسم حسن بمرارة وتصنع:
"سنرى بشأن ذلك.. متى سوف ترد علي بشأن الجديد؟"
أراح وليد يديه في جيبه مبادلاً إياه الابتسامة المستفزة وجملته كذلك:
"ليس من شأنك."
قالها قبل أن يستدير ويغادر وقد ضرب حسن الباب من خلفه ليغلقه، يتمتم في سره شاتمًا إياه..
استدار وتكاد مقلتيه لا تميز الأثاث، اتجه ناحية التلفاز ليضغط المقبس بجانب الأريكة، وقبل أن يفعل..
شعر بأذرعٍ تلتف من حول رقبته من الخلف، وقد تعلقت لين على ظهره بعد قفزها من فوق الأريكة.
"لا تشعل الأضواء!"
"ما الذي تفعلينه؟! انزلي يا فتاة!"
صاحت به وكفها تدخل في عينه:
"اسمي لين! ولن أنزل حتى تغمض عينيك!"
سار بها متجاهلاً كلماتها، وهي تترنح فوق ظهره وتصرخ:
"لاااا لا تفتح الضوء!"
أشعله حسن ليظهر النور أخيرًا بأنحاء المكان، أستدار متذمرًا:
"أخبرتك مسبقًا أن لديكِ ميولًا لتصبحي خفاشًا و…"
استوقفه مظهر غرفة المعيشة وما حلّ بها.. أول ما تصادمت به عيناه كانت قصاصات ورقية مثلثية الشكل، متراصة بعناية على خيط سميك، عُلّقت كزينة العيد، لكنها لم تكن مرتفعة كفاية؛ حتى كادت تداعب جبهته.
اخفض مقلتيه إلى الطاولة أمام الأريكة حيث عصير البرتقال في الدورق الزجاجي، وأكياس المقرمشات والفشار، وعلب الألعاب الورقة وغيرها التي كانت بالمنزل مسبقًا، ويتوسطهم طبقٌ كبير من الفطائر المحلاة بالسكر.. ناهيك عن الرسمة بجوار الطبق..
كانت لرجلٍ طويل، عريض المنكبين بأسلوب كارتوني مبالغ فيه، يرتدي رداءً يرفرف خلفه كالأبطال الخارقين، يقف كالسد المنيع في وجه مسدسات رُسمت بعفوية، وخلف ظهره تتشبث به فتاةٌ صغيرة بزيٍّ يطابق زيه، تلتصق بطرف ردائه الملون..
ارتفع حاجبا حسن ببطء، مستوعبًا أنها جسّدتهما معًا في تلك الملحمة الصغيرة.
عادت عسليتاه إلى مظهر الغرفة..
تسمر حسن في مكانه، يحاول تذكر التاريخ اليوم، وما إن أدرك.. انزلقت لين من فوق ظهره لتقف أمامه وتقفز بهتاف:
"يوم ميلادٍ سعيد!"
كان يوم ميلاده.. وقد نسيه تمامًا لانشغال باله تحت وطأة همومه..
"أنتِ.. قمتِ بكل هذا؟"
تفوه بها حسن بدهشةٍ خافتة، فأومأت له لين بقوة:
"لكنك أفسدت المفاجأة! لم أنهِ التجهيز بعد.. أنتظر!"
هرعت بخطواتها الصغيرة نحو المطبخ، بينما لبث حسن مكانه يطالع المكان بغير تصديق. اتسعت شفتاه عن ابتسامةٍ أذابت كل مرارة اليوم وثقله.
كان المفترض أن يكون هو الحامي والراعي لهذه الصغيرة، لكنه شعر في هذه اللحظة بالذات أنها هي من تحتضنه وتعتني بقلبه.. بطريقتها الخاصة.
تناهى إلى سمعه صوت خطواتها البطئية والمترددة، فالتفت ليجدها تقبل بتركيزٍ شديد، ممسكةً بكلتا يديها الصغيرتين بكوب شاي.. أول كوب شاي تصنعه بنفسها!
لم يستطع كبح ضحكةٍ دافئة انثالت من شفتيه وهو يراقب حدقتيها المثبتتين على سطح الكوب كي لا تسكب منه قطرة واحدة، مع زمّة صغيرة على شفتيها وخطوات حذرة.
اقترب ليتناوله منها بخفة:
"هاتِ عنك يا عقلة الأصبع."
تركته له متنفسةً الصعداء وهي تقول:
"صنعته منذ قليل.. أظنه لم يعد ساخنًا."
"بالطبع أصبح كالثلج.."
قالها هازّا برأسه قبل أن يرتشف منه، غمره الطعم المضبوط تمامًا كما يفضله بالرغم من إختفاء الدفء منه، فأومأ بإعجابٍ واضح:
"وجدت خادمتي التي ستصنع لي الشاي لبقية حياتها."
شهقت لين لما ورطت نفسها به، ففرّت من حسن ضحكة واضحة صريحة قبل أن يستريح على الأريكة مستطردًا:
"هذا ما كنتِ مشغولةً به طوال النهار؟ وكيف علمتِ حتى بيوم ميلادي؟"
ابتسمت لين أثناء مشاهدتها لملامحه المبتهجة بطريقةٍ لم تعهدها منه بهذا الشكل من قبل.
"لمحت التاريخ ببطاقتك الشخصية من قبل."
"خبيثة صغيرة."
تمتم بها أثناء شربه من الكوب بيده، تركه جانبًا ليميل بجسده للأمام متكئًا بكوعيه على فخذيه لملاحظته لتفصيلة ما:
"المقص والأوراق التي صنعتِ بها تلك الزينة كانت بغرفة المكتب التي حذرتكِ مرارًا بألا تقربيها."
تجمدت لين بمكانها تحدق به بينما أردف حسن ببسمةٍ خبيثة:
"ماذا سرقتِ أيضًا من غرفة المكتب؟"
"أقسم لم أفتش في أي شيء! الأدوات المكتبيه كانت بعيدةً عن أوراقك!"
خفضت لين من مقلتيها لتتابع بتردد:
"أخذت فقط.. شيئًا واحدًا.."
استنكر حسن من نبرتها، راقبها وهي تجثو نحو الأريكة وكفها الصغيرة تتحسس أسفلها نحو شيء خبأته..
التقطته لتخفيه خلف ظهرها على الفور وهي تقترب من حسن لتسترسل بتلعثمٍ بسيط:
"استخدمت هاتفك والطابعة.. والمقص.. أردت تحقيق أمنية رغبتُ بها.. وأظنك كذلك.."
"ماذا فعلتِ؟"
استغرب حسن من تذبذبها، عضت لين على شفتها السفلية قبل أن تظهر ما خلفها..
كان إطارًا صُنع يدويًا من ورق الكرتون السميك، تزينه نجومٌ وقلوب رُسمت بأقلام التلوين، لكن ما جعل قلب حسن يدق كطبول الحرب لم يكن الإطار.. بل ما جُمع بداخله.
كانت صورة لين مع بتول في الريف التي ضاعت بمكتبه، لكن ليست كالسابق، فقد كان حسن معهما!
صورةٌ له التقطها مع لين مسبقًا على هاتفه، كانت مطبوعة ومقصوصة بشكلٍ يواكب وضعيتهما.. وكأنه كان معهما..
رقت عينا حسن، وغرق في تفاصيل الصورة لثوانٍ طويلة، سابحًا في خيالٍ تمنى لو كان حقيقة..
"لم أفسدها.. صحيح؟"
رفع عسليتيه نحو وجهها المترقب بعيونٍ متوسلة، كيف له أن يشرح لها أن هذه القطعة من الكرتون هي أثمن وأجمل هدية تلقاها في حياته؟
لم يشأ أن يبعد عينيه عن الصورة، فكسر جمود اللحظة بيده يلوح لها:
"تعالي إلى هُنا."
ترددت لين لبرهة، ثم خطت نحو المكان المجاور له. أشار حسن بسبابته نحو الصورة معلقًا بعبث:
"والدتكِ كان رأسها بالكاد يصل إلى كتفي.. لقد قصصتِ وسرقتِ طولي تمامًا في هذه الصورة."
ضاقت عينا لين وهي تقترب لتتفحصها بضحكة رقيقة فرّت منها.. ابتسم حسن وهو يضع الصورة جانبًا:
"أعجبتني يا صغيرة.. اعجبتني كثيرًا.. على عكس تلك الرسمة الشنيعة بالطاولة هناك."
أشار لها نحوها لتبدي لين اعتراضها دون اختفاء بسمتها:
"لكنك تبدو وسيمًا جدًا بها."
"مع كتفين بعرض الباب؟"
قهقهت لين من تعليقه، وتناولت الورقة لتبدأ في تعديل خطوطها.
تبادلا الضحكات في تلك الليلة الدافئة؛ تسللت البسمة إلى روح حسن، وأزاحت عن كاهله هموم أعداءٍ وسنين، ليسهرا معًا لساعات.. تارةً في جدالٍ معتاد وتارةً في لعب..
حتى أطلّ أول شعاع للفجر من النافذة، يداعب العتمة، ليجدهما قد غفيا في مكانهما.. حسن مستلقٍ على الأريكة، ولين تغفو بجواره تحتضنه، في غرفةٍ انقلبت رأساً على عقب؛ ألعابٌ ورقية متناثرة، طبق أُفرغ من فطائره، وتلفازٌ لا يزال يعمل بصوتٍ خافت، يهمس للهدوء الذي حلّ أخيرًا.
***
الساعة ٨:٠٢ صباحًا.
في شرفة شاسعة تطل على حديقة المنزل الرحب.
حاول كمال الاتصال بصلاح مرارًا دون جدوى..
تجاهلٌ تام منه منذ أيامٍ قليلة.. لا يفهم ما يحدث بالضبط، لا يعجبه أسلوب صلاح منذ الاتفاق على المهمة القادمة..
تنهد مقررًا مقابلته ليستفهم عن خطبه، بالرغم من شعورٍ غير مريح بدأ بالتسلل إلى صدره.
Hana Elahmar