أحتاج للمساعدة

أحتاج للمساعدة

13 0

الساعة ٩:٠٣ مساءً

كانت لين كشعلة من الحماس لا تهدأ؛ تهتز في مكانها وعسليتاها تلمعان بانعكاس وهج شاشة الحاسوب في الغرفة المعيشة النصف مضاءة، تراقب عمر وسالم وهما يجهزان مكالمة الفيديو، ولم تكف عن إمطار سالم بوابلٍ من الأسئلة المتلاحقة دون أن تمنح نفسها فرصة لالتقاط أنفاسها، بينما تولى هو الردود بانتباهٍ منقسم ويدان تعبثان بلوحة المفاتيح:

"أيكما أكبر أنت أم هي؟"

"أنا"

"هل كان لديها حيوانات قبلًا؟"

"اعتنت بالقطط في مراهقتها"

"هل لديك أشقاء غيرها؟ هل والداك موجودان؟؟"

تنهد سالم مجيبًا:

"نعم لدي شقيق.. ونعم والداي على قيد الحياة"

"إذا كنتُ أناديك عمي.. هل يجوز أن أناديهما جدي وجدتي؟"

دون إمهاله فرصة للرد، حولت لين عسليتيها نحو حسن الذي خطا أسفل الدرج لتسأل بفضول:

"هل لدي جدة؟"

أجابها حسن دون تردد:

"لا ليس لديكِ.. والآن هلا تتوقفين للحظة لإمهَال رئتيك مهلة للقيام بوَظيفتهما؟"

وقبل أن تفتح فمها للاحتجاج، ومضت الشاشة لتظهر ندى أخيرًا. انفرجت شفتي سالم وهو يهتف:

"وأخيرًا! ها هي شقيقتي المفضلة."

أجابته ندى ببراعة متظاهرةً بالجهل التام:

"ماذا تريد يا سالم للإتصال بي في–"

فورما وقعت عيناها نحو لين، أظهرت ابتسامة مشرقة لتسأل:

"مَن تلك الجميلة الصغيرة بجوارك؟"

اندفعت لين بحيوية ملوّحةً لها:

"مرحبًا! اسمي لين وأحب القطط"

أثناء بدء محادثة لين وسالم مع ندى التي تظاهرت بجهلها تجاه سبب الإتصال، اقترب عمر من حسن سائلًا إياه بنبرة منخفضة:

"لا تبدو لي كمن يهتم بالجلسات النفسية لابنته كثيرًا.. ولا أظن أن هدفك الأوحد هو تحسين نفسيتها"

"لمّاح"

رفع عمر أحد حاجبيه واسترسل:

"أنت أب سيئ"

مط حسن شفتيه مجيبًا بلا مبالاة تامة:

"لم أطلب رأيك"

خطا نحوهما سالم متمتمًا:

"ها قد عدنا من جديد"

جاء صوت لين متحمسًا أثناء حملها لغيم لتري ندى إياها أمام الشاشة وتبدأ في سرد مشكلتها.. بينما بادلتها ندى الحماس ذاته تلقائيًا:

"يا إلهي! كان لدي أربع قططٍ في صغري أخفيهم عن أمي أسفل الفراش كي لا تطردهم"

رنّت ضحكة لين بالغرفة:

"هذا يبدو مثل أبي"

ابتسمت ندى، وخفضت صوتها قليلًا وكأنها تفشي سرًا:

"أظن جميع الأباء هكذا، حتى أن مرةً…"

توقفت ليلى عن المتابعة وهي تصطنع الحرج، قطّبت لين حاجبيها وانحنت نحو الكاميرا بفضولٍ قاتل:

"حتى أن مرةً ماذا؟.. ماذا حدث؟"

ترددت ندى ثم أشارت خلال الشاشة نحو عمر، حسن وسالم وقالت:

"هو سر.. لا أريدهم أن يسمعوه.. لكن دعكِ منه الآن سنقو–"

قاطعتها لين على الفور:

"لكني أريد أن أعرف!"

لعبت ندى بمهارة على وتر الفضول الذي أخبرها به سالم مسبقًا، لتمنح لين وهم السيطرة الكاملة على مجريات الأمور..

أولًا، بدء المكالمة.

وثانيًا، خصوصية الحوار.

تنهدت ندى بقلة حيلة مصطنعة:

"لا أستطيع التحدث وهم هنا.."

​حولت لين عسليتيها الحادتين نحو الرجال الثلاثة الذين كانوا يقفون بالقرب من الدرج يتهامسون. عقدت ذراعيها واعترضت بصوت عالٍ:

"ثلاثتكم تفسدون حديث الفتيات! هل من الممكن أن أحظى ببعض الخصوصية؟"

​استداروا نحوها ببطء، قبل أن يعلق حسن متهكمًا، كاسرًا حدة الموقف بطريقته الفجة:

"انظروا إلى عقلة الأصبع.. تتحدث عن الخصوصية الآن."

"لست لطيفًا إطلاقًا!"

ردت لين بتبرمٍ واضح وشفة ممتدة للأمام. بينما استغل عمر الموقف بأن لين من طلبت رحيلهم كذريعة لإنسحابهم وقال:

"أوه.. يوجد شيء في غرفة المكتب نسيت أن أريكم إياه.. فالنافذة تطل على منظرٍ خلاب"

أشار لهما بحاجبيه نحو الأعلى، اومأ كلاهما قبل التحرك لصعود الدرج..

همست لين لندى بالقرب من الشاشة:

"الرجال هم الأسوأ"

"سمعتك!"

قالها ثلاثتهم في اللحظة ذاتها مما جعل لين تحكم إغلاق فمها بكفيها.

بمجرد اختفائهم أعلى الدرج، تلاشت ملامح التوتر عن وجه لين ببطء، وابتسمت ندى من خلف الشاشة بصدق لتزيح أي قلق متبقٍ لدى الصغيرة:

"لقد ذهبوا أخيرًا.. يا إلهي، كم هم مزعجون! والآن، أين كنا؟"

***

أغلق حسن الباب خلفه بنقرة جافة قطعت تمامًا صخب الضحكات القادم من الأسفل، لتغرق الغرفة في سكونٍ هادئ. سار للداخل بخطوات وئيدة، ثم استند بظهره على حافة المكتب الخشبي، واضعًا يديه على سطحه من خلفه.. ومواجهًا بعينيه عمر وسالم اللذين كانا يجهلان تمامًا ماهية الأفكار التي تطحن عقله في تلك اللحظة.

كان سالم قد اتخذ مجلسه على الكرسي المجاور، بينما استند عمر بكتفه على الحائط عاقدًا ذراعيه وعيناه تلاحقان حركات حسن، قبل أن يكسر الصمت متسائلًا:

"حسنًا؟ ماذا الآن؟"

صمت حسن قليلًا ثم ألقى بسؤاله الأول لعمر بنبرة خفيضة:

"حين عثرت على ملفي أنا ولين في المحادثة المتبادلة بين عمك وصلاح.. ما الذي كانا يقولانه تحديدًا؟"

هز عمر برأسه مجيبًا بصدق:

"لم أقرأ الكثير.. فكنت ابحث سريعًا قبل أن يأتي عمي ويراني مع حاسوبه"

"إذًا كيف علمت أنهما يبحثان عني أنا؟"

قطّب عمر حاجبيه باستنكار:

"ألم يكن ذلك واضحًا من خلال الملفين ومحاولة اختطاف الفتاة؟"

تحدث حسن مجيبًا إياه:

"وإليك المفاجأة.. أنا كنت أمام صلاح يومها ولم يمسّني إطلاقًا.. لذلك لستُ أنا المطلوب على وجه الخصوص.. وإنما كنتُ طرف خيطٍ لا أكثر"

كسر سالم هدوءه سائلًا بريبة:

"ما الذي ترمي إليه بالضبط؟"

كرر حسن الجملة هامسًا وعيناه تشردان في الفراغ:

"ما أرمي إليه…"

طرق بأصابعه نقرات رتيبة متتالية فوق سطح المكتب خلفه وأردف:

"ما أرمي إليه أن تواجد صلاح أمامي حينها كان بمثابة استجوابٍ لأهدافٍ فرعية، وتعطيلي مشغلًا إياي للحصول على الهدف الرئيسي"

رفع عمر أحد حاجبيه:

"وما هو الهدف الرئيسي؟"

أجابه سالم، وقد بدأت الصورة تتضح في عقله بعض الشيء:

"لين.."

طرقع حسن بإصبعه كعلامة على صحة ما قال:

"بالضبط"

حرك عمر كتفيه مبديًا استغرابه:

"ولمَ ستكون طفلةً هي هدفهم؟ ربما يريدون استخدامها كوسيلة ضغط عليك علمًا بأنك لن تستجيب سوى بها"

"لم يكن ذلك مغزى حديث صلاح معي.. بالإضافة إلى ذكرهم مرارًا في ملف لين قدرتها العقلية المتفردة في حفظ الأشياء من أول مرة، والذي لا يوحي سوى بأمرٍ واحد…"

تنهد حسن بعمق، ممررًا يده على وجهه ليزيح بعض الإرهاق، أردف قائلًا:

"لايزال هناك حلقة مفقودة.. يوجد شيء تعرفه لين وتخفيه عني وأنا لا أعلمه بعد"

قال سالم باستنكار:

"وهل جربت أن تسألها؟"

اومأ له حسن:

"بالطبع جربت.. روت لي ما حدث ليلة الحادث مجددًا بداية من جمعهما لأغراضهما للهرب، وحين حاولت السؤال عن تفاصيل إضافية.. دخلت في نوبة هلع من جديد... وهنا يأتي دورك يا سالم"

مطّ سالم شفتيه بتهكم:

"أبهرني."

"ستأتي لي بكل تحديثات حالة لين مع ندى.. أريد كل كلمة معها، وكل جملة عابرة تقولها لين لشقيقتك وما تقصده؛ فربما تمنحني عبارة غير مقصودة منها طرف الخيط الذي أبحث عنه. وعندما نصل لمرحلة استقرارها النفسي.. سأتولى أنا سؤالها بنفسي"

"فكرة بائسة وسيئة للغاية يا صديقي.. ندى تفصل بين عاطفتها وعملها كطبيبة، ترفض تمامًا التدخل في خصوصية مرضاها."

عبس حسن بحاجبيه، ليقول:

"أحمق.. وهل ظننتني أطلب منك استئذانها؟ لمَ أخبرتك أن هذا هو دورك؟ تصرف أنت مع شقيقتك بمعرفتك واستخلص منها ما أريد دون أن تشعر."

اختفت ابتسامة سالم تدريجيًا، مسح على وجهه متنهدًا بعمق متمتمًا بتعب:

"اللعنة على اللحظة التي جمعتني بك"

في وسط هذا التوتر المتصاعد، أطلق عمر صافرة خافتة طويلة، ملوحًا بيده في الهواء لكسر الأجواء المشحونة:

"مرحبًا؟ هل بقائي في هذه الغرفة يشغل حيزًا من الأثاث فحسب؟ أم أن بإمكاني المغادرة الآن؟"

​تنهد حسن متجاهلًا سخافة عمر متابعًا حديثه:

"بالطبع لن أقف هنا مكتوف الأيدي أنتظر حتى تتعافى لين لأدري ما حدث.. أنا أريد توجيه ضربتي الأولى لذلك الوغد."

​حوّل حسن عسليتيه نحو عمر مباشرة، أمال برأسه وقال متمنيًا ألا يخطئ توجيه محل ثقته:

"هل يمكنني أن أثق بك؟"

​حدق به عمر بصمت لثوانٍ، شعر فيها أن نظرات حسن تخترق رأسه لتفحص ولائه، بعد هدوء متوتر..

أومأ له عمر..

***

"آه، نعم! في إحدى المرات، تسلل قطي المفضل بندق إلى خزانة ملابس أمي.. وحين فتحت أمي الباب، قفز القط في وجهها! صرخت أمي، وصرخ القط، وأنا اختبأت تحت السرير من الخوف!"

أطلقت لين ضحكة رنانة، واسترخى جسدها تمامًا، حتى أنها أسندت ذقنها على يديها أمام الحاسوب وقالت:

"غيم لا تفعل ذلك، إنها هادئة جدًا."

استغلت ندى هذه اللحظة بذكاء، وبدأت تنقل دفة الحديث نحو الهدف الأساسي، مستخدمة غيم كمرآة لانفعالات لين:

"هذا جميل. هل يمكنني رؤية غيم عن قرب؟ أريد تفقد ساقها."

رفعت لين الهرة برفق ووجهتها نحو الكاميرا. تظاهرت ندى بتفحصها باهتمام، ثم أردفت بنبرة دافئة وهادئة:

"يا لها من هرة مشاغبة لتعلق بين الصخور.. جرحها يبدو مؤلمًا.. هل تعلمين أن الحيوانات حين تتعرض لحادث أو تتأذى في الشارع، تحتفظ بذاكرة قوية عما أخافها؟ أخبريني، هل تلاحظين أن غيم تخاف من أشياء معينة الآن؟ أصوات عالية مثلاً؟ أو الحركة المفاجئة؟"

عقدت لين حاجبيها في تفكير، بدأت تداعب فرو غيم ببطء:

"أظن نعم.. البارحة حين أسقط أبي كوبًا زجاجيًا وانكسر، انتفضت غيم وركضت لتختبئ أسفل السرير.. وظلت ترتجف."

"وكيف ساعدتها لتشعر بالأمان؟"

سألت ندى بنبرة مشجعة، وعيناها تراقبان تعابير لين بدقة.

ابتسمت لين بحنان مجيبة:

"جثيت أسفل السرير نحوها، لمستها برفق، وأخبرتها أن لا أحد سيؤذيها، وأنني هنا أحرسها من أي شخص سيئ."

خطت ندى خطوة أعمق في التقييم، محاولة لمس استجابة لين لمفهوم 'الخطر':

"أنا على أتم الثقة أنكِ حارسة ممتازة، ولكن.. ماذا لو كنتِ أنتِ من يشعر بالخوف؟ هل تكونين مثل غيم وتختبئين؟"

هنا، بدأ الإيقاع يتغير.

كان سؤالًا بسيطًا ومغلفًا بالحديث عن القطة، لكنه ضرب وترًا حساسًا في عمق عقل لين.

توقفت يد لين عن مسح فرو القطة فجأة.

تلاشت ابتسامتها تدريجيًا وكأن سحابة داكنة حجبت إشراق وجهها. شخصت عيناها نحو نقطة غير مرئية بجوار شاشة الحاسوب، واتسع بؤبؤ عينيها بوضوح.

ساد صمت ثقيل لثوانٍ..

تقلصت أصابع لين حول طرف وسادتها حتى ابيضت مفاصلها، وصدرها بدأ يعلو ويهبط بوتيرة أسرع وأكثر ضحالة.

"لين؟"

نادتها ندى بصوت خفيض وحذر، مدققة في تغير نمط تنفسها وجمود ملامحها.

ردت لين، لكن صوتها لم يكن كالسابق.. كان خافتًا، أجوفًا، ومجردًا من الحياة، وكأنها تتحدث من مكان آخر بعيد جدًا:

"حين أخاف عادةً.. أكون في مكانٍ آخر.. أكون هناك"

ابتلعت ريقها بصعوبة، وتابعت وعيناها مغرورقتان بدموع لا تسقط، ناظرة في الفراغ:

"أخبرت غيم أننا في أمان.. لكن يوجد شخص سيئ لا يزال هنا"

أشارت لين بإصبعها نحو رأسها وتابعت:

"أغمض عيني فأراه"

أدركت ندى فورًا أن لين دخلت في نوبة اضطراب ما بعد الصدمة واضحة؛ الاسترجاع القهري للحدث، وتسارع حركة صدرها، مع الجمود الجسدي.

كان يجب عليها إخراجها من هذه الحالة وإعادتها للواقع فورًا قبل أن تتفاقم نوبة الهلع، وبطريقة لا تجعل لين تشعر أنها تحت الفحص.

قالت ندى بنبرة حازمة لكنها مفعمة بالدفء والمرح لتشتيت الانتباه:

"لين! انظري إليّ.. انظري إلى الشاشة نحوي.."

رمشت لين ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس، لتقابل عيناها وجه ندى المبتسم.

أكملت ندى فورًا، محولة التركيز إلى الحواس الجسدية لربط لين باللحظة الحالية:

"غيم تبدو قلقة الآن، هل تشعرين بنبض قلبها يتسارع؟ الهررة تشعر بتوترنا. هل يمكنك أن تفعلي شيئًا من أجلها؟"

صمتت لين لبرهة ثم أومأت لها، أردفت ندى:

"ضعي يدك على بطنك.. هكذا، وخذي نفسًا عميقًا وطويلًا جدًا.. حين نهدأ، حيواناتنا تهدأ معنا أيضًا مستشعرةً احساسنا. شهيق.. واحد.. اثنان.. ثلاثة.."

ترددت لين للحظة، ثم استجابت.

وضعت يدها المرتجفة على بطنها، وأخذت شهيقًا مهتزًا.

"ممتازة! زفير طويل الآن.. أرأيتِ؟ غيم بدأت تسترخي."

قالت ندى بابتسامة مشجعة، وهي تسجل في مفكرتها الذهنية كل تفصيلة صغيرة عما حدث للتو.

استرخت أكتاف لين قليلًا، وعادت للواقع، ومسحت دمعة هربت من عينيها بكف يدها، ثم نظرت للقطة قائلة بصوت شبه باكي:

"أنا آسفة يا غيم، لم أقصد إخافتك."

***

"عمك يحب النظام على ما يبدو، في تنظيمات.. الحفلات.. المواعيد.. أليس كذلك؟"

قالها حسن بينما أجابه عمر في سخرية مريرة:

"يبدو أنك درسته أكثر مني"

دون أن يمنحه حسن ردًا، اندفع مبتعدًا عن المكتب بخطواتٍ واثقة نحو الجدار المجاور، والذي كان مسدَلًا عليه ستارة داكنة. بحركة واحدة حاسمة، أزاحها لتنجلي من خلفها لوحة فوضوية منظمة.. شبكة معقدة من الصور، الوثائق، وقصاصات الورق التي تربط بينها خيوط حمراء متشابكة.. كانت نسخة مصورة من أوراق الملف بعدما أحتفظ حسن بالأصلي.

اتسعت عينا عمر في انبهار واضح كسا معالم وجهه.. خطا للأمام ليتأمل الصور والصفقات القذرة، وجوه الضحايا، والتواريخ.

حملق سالم في الأوراق ثم إلى حسن معلقًا:

"كم تمنيت أن أراك يومًا كضابط تحقيق.. أتوقع أن جزءًا من تلك الأمنية تحقق نوعًا ما"

لانت عينا عمر في أسى وهو يرى أمام عينه توقيع عمه الذي حفظه عن ظهر قلب، يملأ صفقات بيع وشراء لأرواح صغارٍ أبرياء فقدوا حياتهم هباءً.. اتفاقات دامت لسنوات ليبني عمه إمبراطوريته التي كان أساسها الدم. همس عمر بنبرة مبحوحة وكأنه يخاطب طيفًا:

"لم أعد أعرف من هو ذلك الرجل.."

تنهد مستجمعًا شتات أعصابه ليزيح ملامح الحزن مبدلًا إياها بعزمٍ متحاشيًا نظرات الشفقة:

"ما المطلوب مني؟"

أشار حسن بسبّابته نحو موعد التوقيع على كل صورة:

"ستجد هُنا أنه كان يعقد صفقة صغارٍ كل ستة أو سبعة أشهر تقريبًا.. وذلك استمر كنظامٍ ثابتٍ لأعوام"

حوّل حسن أصبعه نحو اوراقٍ أخرى ليسترسل:

"ثم بعد زيادة الوتيرة.. نجد أنها أصبحت في بداية أيام كل ثلاثة أو اربعة أشهر.."

استدار حسن ليواجه عمر سائلًا بترقب:

"متى تقام حفلات التبرعات حاليًا؟"

حلّت لحظة صمتٍ يراجع بها عمر كل حفلٍ كان مجرد واجهة براقة لتجارة بشعة.. ازدرد قبل أن يجيب:

"كل ثلاثة أو أربعة أشهر.."

اومأ حسن ثم همّ ليسأل:

"متى كان آخر حفل؟"

"منذ.. ثلاثة أشهر تقريبًا"

تفحص حسن تاريخ اليوم على التقويم المعلق والذي كان يوافق التاسع من بعد الشهر الثالث.. أومأ برضا:

"جيد.. لم يقم واحدًا هذا الشهر فيما معناه أننا لدينا وقتًا حتى الشهر القادم قبل تواجد شحنة أطفال جديدة.. لكن أولًا قبل أي شيء.. نحتاج أحدًا يعلم تفاصيل أكبر دارٍ في المدينة والتي يعقد معها التبرعات"

أجابه عمر بثقة مهتزة:

"إنها دار الأمل في الغالب.. حضرت معه آخر حفل منذ أشهر"

حلّت على رأس حسن ذكرى سوداوية تجاه تلك الدار على وجه التحديد والتي كاد أن يرسل لين إليها.. حتى أنه تذكر ارتطامه بكمال قبلًا في مكتب مديرة الدار السيدة أفنان.

تدخل سالم في مجرى الحوار:

"نقطة جيدة.. هل تعرف أحدًا في تلك الدار؟"

أول من خطر على بال عمر كانت ليلى، والتي دمرها بعد الذي تفوه به من كلمات نهشتها كالسكاكين، تذبذب قبل أن يجيب:

"في الواقع.. "

هز برأسه ثم أردف:

"يوجد فتاة.. ولكن لدي إحساس سيئ أنها لن تطيق وجهي بعد ما حدث بالمشفى"

التمعت عينا سالم، وارتفعت شفتاه في ابتسامة تهكمية واسعة:

"أووه! لا تخبرني أنها هي!"

ارتسمت على وجه عمر تعابير بلهاء، قبل أن يومئ ببطء:

"للأسف.. نشأت به وتعرفه جيدًا"

انفجر سالم في ضحكة ساخرة:

"لا أصدق.. "

​سأل حسن مقطبًا حاجبيه في جهلٍ تام بما يدور:

"مَن تلك؟"

أجابه سالم من بين ضحكاته:

"إنها ليلى.. معلمة لين المفضلة في المدرسة."

​حاول حسن استحضار صورتها في ذهنه، وما إن تذكرها حتى ارتفع حاجباه، وتبدلت ملامحه إلى تهكمٍ واضح هو الآخر:

"هل هو معجبٌ بها؟!"

"ليس لديك أدنى فكرة"

أجابه سالم وهو يمسح دمعة وهمية من الضحك.

ظل عمر صامتًا يغطي عينيه بكفه وقد أصبح مادة للسخرية بينهما.. مطّ حسن شفتيه مضيفًا:

"لا فرصةً لك معها.. لا تشبهك إطلاقًا"

رفع عمر كفيه بالهواء في استسلام:

"ما بالك أنت وابنتك تلاحقاني بتلك الجملة؟! على أي حال لا أظنها ستقبل أو توافق على رؤيتي من الأساس"

قال حسن بعدما عاد إلى نبرته المعتادة:

"إذا كانت تلك الفتاة محل ثقة فكن ذا فائدة وتصرف حيال ذلك، فسنحتاجها.. وأنت إذا وجدت أي شيء آخر تابعٍ لعمك.. فأحضره.. كل شيء صغير له معنى"

شرد عمر قليلًا، متذكرًا موعد العشاء العائلي المرتقب في منزل عمه الأسبوع القادم..

قبل أن ينطق أحدهم بكلمة أخرى، تناهى إلى مسامعهم صوت خطوات خفيفة تصعد الدرج، تلاها نداء بريء:

"عمي سالم؟"

​بسرعة البرق، وبحركة لاشعورية، سحب حسن الستارة ليخفي الجدار المحفوف بالأوراق، بينما أطفأ سالم مصباح المكتب فورًا. انفتح الباب ببطء لتظهر لين عند العتبة، تقف في الضوء الخافت المتسرب من الرواق، تحمل غيم بين ذراعيها، وتنظر للغرفة المظلمة باستنكار وفضول:

"لِمَ تجلسون في العتمة؟"

لاحظ حسن شحوب وجهها الذي لم ينجح ضوء الرواق الخافت في إخفائه. أدرك أن ذبول ملامحها ليس سوى أثرٍ للجهد العاطفي الذي بذلته للتو دون أن تعي ذلك. مسح على وجهه وتنهد بهدوء أثناء تحركه لخارج الغرفة:

"بل ما الذي تفعلينه هنا؟ ألم أخبركِ ألا تفتحي باب تلك الغرفة؟"

هزت كتفيها وقالت:

"ناديت ولم يجبني أحد"

سألها سالم بوجهٍ بشوش:

"أنهيتِ مكالمتكِ مع ندى؟"

اومأت له لين بابتسامة مبتهجة:

"قالت أن الوقت قد تأخر ويكفي حديثنا لليوم وسنتابع لاحقًا حتى تريني صور قطتها"

رفعت لين هرّتها عاليًا وأردفت:

"أحبت ندى غيم.. وأنا أحببت ندى!"

ابتسم سالم بحنان وهو يخطو خارج الغرفة برفقة عمر الذي أحكم إغلاق الباب خلفه. كان سالم يعلم أن ندى سترسل تقييمها المبدئي لحالة لين على الحاسوب قريبًا.

​جذبت لين كم قميص سالم لتلفت انتباهه وقالت باقتضاب:

"جائعة."

رقت عينا سالم، ثم أجاب بنبرة معتذرة:

"كنت أود إعداد الطعام لكِ الليلة.. لكن مناوبتي في المشفى ستبدأ بعد أقل من ساعة، ولا يزال الطريق طويلاً لأعثر على وسيلة مواصلات."

​ربت عمر على كتف سالم وهو يتحرك نحو الدرج:

"سأوصلك.. المشفى يقع في طريقي على أي حال."

ذبلت عينا لين بحزن طفولي وهي تلوح لهما:

"حسنًا إذًا.."

​طبع سالم قبلة سريعة على وجنتها قبل أن يهرول على السلالم:

"اقرئي الكتاب وانتبهي على غيم يا صغيرة!"

"ما أحقرك يا سالم!"

صرخ بها حسن متذمرًا من توريطه.

​وصلت قهقهة سالم من الأسفل تزامناً مع صوت فتح وإغلاق الباب الخارجي، مغادرًا هو وعمر.

حلت لحظة من الصمت الدافئ في الرواق العلوي، قطعتها لين حين شدت طرف قميص حسن. خفض نظره نحوها رافعًا أحد حاجبيه بتساؤل، لتكرر لين كلمتها بإصرار:

"جائعة."

​حملقت لين في قطتها غيم لثانية، ثم أعادت توجيه عسليتيها البريئتين نحو حسن كمن يلقي بحجة قاطعة:

"وغيم أيضًا جائعة."

تنهد حسن بتململ قبل أن يخطو نحو الدرج حيث المطبخ بالأسفل:

"تعالي.. أظننا لدينا معكرونة بالجبن"

"أحب المعكرونة"

لحقت به لين سائلة بفضول:

"هل يمكن للقطط أن تتناول المعكرونة بالجبن؟"

***

على الطريق..

في سيارة عمر بمقعد القيادة، بجواره سالم الذي كان يتفحص جدول مناوبته بإرهاق، كسر عمر هدوء الأجواء:

"تبدو متعبًا.. ألم تتعافَ خاصرتك بعد؟"

أطلق سالم زفيرًا أشبه بالضحكة:

"آه.. وهل مَن يعرف مغناطيس المشاكل ذاك قد يذق طعم الراحة؟"

ارتفعت شفتا عمر في سخرية:

"مغناطيس المشاكل؟ ظننتني الوحيد الذي رأى فيه ذلك بعد أول لقائنا والذي استقبلني فيه بلكمة"

رنت ضحكة خافتة من سالم، أسند رأسه للخلف وقال:

"أتعلم؟ حين علمت أن لقاءك به كان كارثيًا.. علمت أنه لن يكون الأخير.. وأنك ستتورط معه لا محالة"

حوّل عمر نظره إلى سالم قبل أن يعيده على الطريق:

"تبدو خبيرًا في الأمر"

"لا تسأل حتى"

اجتاح عمر فضولٌ داخلي:

"لمَ؟ كيف كان لقاؤكما الأول؟!"

شردت عينا سالم في نقطة محددة، وقد سافرت ذاكرته إلى عشر سنوات مضت..

عند لقائهما الأول..

***

تتوقعوا ازاي كان لقائهم الأول؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (41)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة