صفعة

صفعة

207 0

الساعة ٥:١٠ عصرًا

"لم أتوقع من تلك المعلمة أن تكون ذات فائدة بتلك السرعة"

قالها حسن وهو يحدق بالورقة التي دونت ليلى بها اسماء الصغار الذين اختفوا منذ سنواتٍ طويلة.

استند عمر على سيارته مريحًا يديه في جيبه، وابتسامة ثقة تعلو ثغره:

"أخبرتك أنني سأساعد"

"عمليًا كانت هي مَن ساعدت وليس أنت"

"حسنًا! ومَن الذي أخبرك عنها وذهب إليها من أجل ذلك؟!"

احتدت كلمات عمر إثر شعوره بالإهانة والتقليل من شأنه، على عكس حسن الذي استمتع باستفزازه، فهو لا يطيقه من الأساس، تجاهل حسن احتجاجه ليقول أثناء قراءة الاسماء:

"أظن الملف يحوي على بعضٍ من اسماء هؤلاء الصغار بالفعل.. لمحت عدة أسماء من تلك الورقة قبلًا"

هز عمر كتفيه ليقول:

"لا أدري حتى فيما سيفيد ذلك يا سيد عبقري.. فقط أحضرت ما وجدت.."

"بل ما وجدته المعلمة"

"أيًا يكن!"

ارتسمت نصف ابتسامة على شفتي حسن متمتمًا أثناء تفحص الورقة:

"مدلل"

زفر عمر بانزعاج متجاهلًا رنين هاتفه، كتم صوت الاتصال قبل أن يتابع حديثه مع حسن:

"على كلٍ أين هي ابنتك؟"

رفع حسن عينيه باستنكار:

"لمَ تريدها؟"

لم يكن مجيئ عمر بنفسه إلى المنزل الخشبي هدفه الورقة فحسب.. بل أراد امرًا آخر يدور في عقله.. ولين هي من ستتمكن من مساعدته فيه، تفادى إخبار حسن ليجيب بخفة:

"تفقدٍ لأحوالها.. لم سَأريدها مثلًا؟"

تابع عمر حديثه متهربًا من التعمق في الأمر بعدما التقط ملامح الازدراء والريبة تظهر على وجه حسن، قال:

"بالمناسبة.. عشائي مع عمي سيكون قريبًا"

أومأ له حسن وهو يطبق على الورقة في جيبه مجيبًا إياه:

"كنت أريد أن أحدثك عن الأمر ذاته.. فلتكن ذا فائدة لمرة"

"أنا أكثر شخص ذا فائدة هنا!"

"تصحيح.. فائدتك مرتبطة بمالك، إذا انتزعنا المال، فالشجرة بجانبي ستكون مفيدة عنك"

قلّب عمر عينيه بنفاذ صبر، وقبل أن يجيبه عمر بحدة وقد طفح كيله، رن هاتفه مجددًا..

انتزعه عمر من جيبه ليرى رقم المتصل..

مدير أعماله فؤاد.

ضغط عمر زر الرد وقد ولّى بظهره عن حسن، مجيبًا بحنقٍ بسبب التزامات عمله التي تراكمت فوق عاتقيه..

أراح حسن رأسه للخلف لينظر إلى السماء هامسًا:

"آه.. لا أعرف في حياتي سوى الحمقى.. أي ابتلاء هذا؟"

أثناء مراقبة حسن للطيور والسحب، تحركت مقلتاه لتتبع النافذة بالطابق الثاني من المنزل..

قطب حاجبيه بارتياب..

لمَ مصباح غرفة المكتب مضاء؟

هل نَسيه يا ترى؟

حوّل حسن عسليتيه إلى عمر الذي سار مبتعدًا بعض الشيء يتناقش في أمور عمله، قبل أن يعيد نظره إلى النافذة..

شعور سيء بدأ يسري في صدره.

***

ازدادت شهقات لين الباكية وهي تحدق بالورق المثبت على الحائط أمامها..

بعدما أخبرها حسن أنه لن يلاحقهم..

بعدما ظنّت أنه أبلغ عنهم فقط وأن بقائهم هنا مؤقت حتى تمسك بهم الشرطة..

كل ما دار في رأسها أنه سيتركها كما فعلت بتول..

أنه أناني لدرجة تفضيله المخاطرة بحياته وربما فقدانها كوالدتها، بمقابل الانتقام..

وستظل هي وحيدةً بالنهاية..

انهمرت دموعها وهي تردد بأنفاسٍ سرقتها شهقاتها:

"كاذب.. كاذب.. كاذب.."

همّت لين بالاقتراب من الحائط وانتشال الأوراق بعنف تسبب في تمزق بعضها، سقطت الدبابيس أرضًا وتبعثرت الخيوط لتنعقد في بعضها.. وأنين لين يتحول إلى بكاءٍ متألم مختلطٍ بحشرجة غضب:

"كاذب! لقد كذب!"

بعدما أطبقت على الأوراق بين يديها.. لم تنتظر أكثر..

ركضت للخارج ثم هرعت لأسفل الدرج وهي تتجه نحو الباب الأمامي حيث تتواجد البحيرة..

فلَم يشفَ غليلها لمجرد تمزيقه فقط.. ترجّلت لين لخارج المنزل بخطى متعثرة، حتى وصلت إلى حافة البحيرة..

وبدون أدنى شعور بالذنب، تخلصت من الأوراق عبر رميها في المياه اللامعة بفعل ضوء الشمس الخافت..

راقبت الرياح وهي تحمل بقايا الأوراق قبل أن تهبط بها فوق سطح البحيرة، لتتشربه المياه تدريجيًا حتى يُتلف تمامًا..

أزداد ارتفاع صدر لين علوًا وهبوطًا بقوةٍ أثارت أعصابها أكثر من بكائها..

كررت في ألم أثناء مسح دموعها بعنف:

"تريد.. تريد تركي.. مثلهم.."

نشقت بصعوبة وقد كسا اللون الوردي خديها:

"لن.. لن أسامحك"

وسط أنينها ونشقات أنفها.. لمحت لين صورة بين الأوراق الذابلة في المياه..

أبعدت دموعها على الفور عن عينيها لتتأكد مما ترى..

إنها صورة لبَتول..

الصورة من الورقة التي حصل عليها حسن من فاتح بأول زيارة له في القرية.. يوم علم بمقتلها..

ارتجفت شفتا لين وهي تهمس:

"ماما.."

أقتربت بخطي مرتجفة بين الصخور قبل أن تنحني بالقرب من المياه، مدت ذراعها نحو الورقة وهي تريد الحصول على الصورة..

بمجرد أن خطت خطوة إضافية.. تعثر حذاؤها إثر الصخور الزلقة من الطحالب والمياه، مما أخلّ من توازنها..

قبل أن تتدارك لين الموقف..

صفعتها المياه الباردة من كل الاتجاهات مبتلعًا إياها لتغوص للأسفل..

وفي رد فعل فطري ومرعوب.. صرخت تطلب الهواء، لكن بدلًا من أن يدخل الأكسجين إلى صدرها، اندفعت المياه القاسية لتسد حلقها، مسببة لسعة حارقة امتدت كالنار من حنجرتها إلى أعماق رئتيها..

تبدل صوت حفيف الأشجار بضوضاء مكتومة، تسد أذنيها عن العالم..

كان سطح البحيرة من فوقها يبتعد شيئًا فشيئًا وهي ترى قرص الشمس وسط السماء التي بدت لها متراقصةً إثر حركة المياه.. وبعيدة جدًا..

حركت لين ذراعيها وقدميها بعشوائية.. تكافح بكل ما أوتيت من قوة، تضرب الماء بيديها لكن أصابعها لم تكن تقبض سوى على الفراغ السائل، ومع كل حركة، كان جسدها يستهلك ما تبقى من رمق، والفقاقيع الهوائية تفلت من بين شفتيها في كل محاولة صراخ تبوء بالفشل..

​الصدر يشتعل.. الأطراف تتخدر.. والعقل يغزل الكابوس بالواقع..

حاولت الصراخ لحسن..

أرادت فقط فتح فمها لبعض الهواء..

بدأت ضربات يديها العشوائية تضعف وتتباطأ، وثقل الماء الذي تشربته ملابسها يفرض سيطرته على جسدها..

البرودة بدأت تتسلل إلى أطرافها مخدرةً آلام الرئتين..

غامت الرؤية تمامًا، وتحول القرص الفضي للشمس إلى خيط رفيع من الضوء يتلاشى تدريجيًا.. وشعرها الكستنائي ومشبك الهرة الصغير يطفوان حول وجهها الباهت كهالة داكنة..

صوت ما في رأس لين بدأ يحدثها:

أغمضي عينيك..

أغمضي عينيك..

أغمضي.. عينيك..

قبل تستمع للصوت الخافت، وتسدل جفنيها لتعلن استسلامها..

شق جسدٌ ما سطح الماء ليَغوص نحوها دافعًا تيار المياه بذراعيه ليصل إليها في غضون ثوانٍ قليلة..

حسن..

كانت رؤية لين الضبابية تمنعها من رؤية وجهه بوضوح، لكنها بالتأكيد شعرت بإنغلاقِ ذراعه حول ظهرها مطوقًا خصرها قبل أن يدفع بهما معًا للأعلى..

مع كل دفعة نحو السطح.. كان ضوء الشمس الخافت يقترب أكثر.. حتى لفح الهواء البارد وجهيهما أخيرًا ملتقطين أنفاسهما..

تسارعت أنفاس حسن بينما تحشرج تنفس لين وسعالها:

"تبًا تبًا سحقًا!"

كررها حسن أثناء السباحة بها نحو الخارج، وبمجرد أن لامس الصخور، دفع لين لتستلقي على الأرضية الخضراء قبل أن يدفع بجسده ليخرج من المياه هو الآخر..

حبا نحوها ثم رفع نصف جسدها مربتًا على خدها بقوة:

"استفيقي.. افرغي المياه.. ركزي!"

أدار جسدها على جانبه، وراح يربت على ظهرها بقوة حتى قذفت معدتها ما تشربته من مياه البحيرة مفرغةً ما في بطنها:

"على مهل.. تنفسي ببطء"

ظلت لين تسعل بشدة حتى شَهقت شهقةً حادة..

بمجرد أن التقطت أنفاسها بطبيعية وقد اختفى صوت الحشرجة، زفر حسن بنفسٍ عميق لم يدرِ أنه كتمه.. هز برأسه في وسط تنهيداته قبل أن ينظر إليها، قال أثناء ارتفاع وهبوط صدره:

"حمقاء! فيما كنتِ تفكرين بالضبط؟!"

انكمش وجه لين وكأنه يعتصر البكاء من جديد قبل أن تبعد ذراعه عنها مجبرةً جسدها على النهوض:

"ابتعد عني!"

راقبها حسن وهي تسير بخطي متعرجة ضعيفة، ونبرة باكية نحو المنزل من جديد..

حوّل حسن عسليتيه للأورَاق التالفة في الماء قبل أن يعيد بصره عليها.

دفع جسده للنهوض ليلحق بها وقد امتقع وجهه غضبًا:

"لين!"

بمجرد أن دلفت لين للداخل مدبدبةً بحذائها المبتل على الأرض الخشبية، أوقفتها يد حسن تحكم على ذراعها مجبرًا إياها للالتفات نحوه:

"لا تولّي ظهرك لي حين أناديكِ!"

صرخت به لين بألمٍ يعتصر قلبها:

"ماذا تريد مني بعد؟!"

"ماذا أريد؟! أريد تفسيرًا للحماقة التي ارتكبتها! بأي حقٍ تكسرين كلمتي وتأخذي تلك الأوراق لتتخلصي منها؟! أتدركين ما فعلته للتو؟!!"

انتزعت لين ذراعها من يده بقوة، لتهتف بنبرة مزمجرة:

"تخلصت منها لأنك كاذب.. أناني.. ومحتال!"

اتسعت عينا حسن بذهول مختلطٍ بعصبية مكتومة، بينما أردفت لين بصراخ يتنافى مع ضعف جسدها:

"على أساس أنك لن تلاحقهم؟! أنت كاذب! وأنا لن أثق بك مجددًا يا حسن!"

هز حسن رأسه ببطء وهو يكبح أن ينفجر في وجهها الآن، قال بنبرة خافتة مظلمة:

"حسن؟!.. هكذا إذًا؟"

هز برأسه مجددًا وقد بدأت نبرته تحتد تدريجيًا:

"تلعبين بكلمة 'أبي' كالعلكة في فمك، تتفوهين بها وقتما تشائين وتَبصقينها وقتما تشائين.. أليس كذلك؟!"

انهمرت دموعها الدافئة لتختلط بوجهها البارد وملابسها المبتلة مجيبةً إياه بشدة:

"لم أنطقها سوى حين شعرت أنك تريدني.. وتهتم لأمري.. لكنك محتال! ولا تفكر سوى في نفسك!"

حاول حسن تمالك أعصابه ليقول بنبرة مهددة:

"ستعتذرين الآن عن كل تلك الوقاحة التي تتفوهين بها.. وتعتذرين عن الغباء الذي تسببتِ به! وإلا سيصدر عني ما لن يعجبك يا لين!"

"ماذا ستفعل أكثر من الذي فعلته؟! تريد تركي مثلهم.. تريد أن تنتقم حتى لو كان ذلك ثمنه السجن.. أو حياتك! لم تفكر بي حتى.. الانتقام لن يعيد أمي للحياة!"

همس حسن بين صرير أسنانه:

"اخرسي. يا لين"

خطت خطوةً للأمام وهي تستمر في الدفع:

"أناني وكاذب! كنت أحيانًا ألوم أمي لانفصالها عنك.. لكن الآن أدركت أن ربما أنانيتك كانت السبب في ذلك.. ربما كانت محقةً لتركك!"

صفعة..

حادة..

حلّت لحظة صمتٍ لا يشغلها سوى صوت أنفاسهما المتلاحقة..

لم تستوعب لين ما حدث سوى حين وجدت نفسها على الأرض والألم ينهش خدها الذي غزاه اللون الأحمر، بينما كانت يد حسن لا زالت في الهواء، ينظر إليها بوجهٍ محتقن والمياه تقطر من شعره وملابسه..

لقد صفع تلك الصغيرة التي أقسم على حمايتها، كما صفعته هي بكلماتها التي نبشت أكبر جرحٍ في قلبه.

بحركةٍ بطيئة..

رفعت لين ذراعها لتحمي وجهها تحسبًا لضربة أخرى..

***

فورما أنهى عمر المكالمة مع مدير أعماله وقد سئم من إلحاح فؤاد على عمر بالسفر إلى الخارج مجددًا.

استدار ليعود إلى البقعة حيث ترك حسن، ضاقت عيناه في ريبة بعدما لم يعثر عليه..

سار عمر نحو الجانب الآخر من المنزل متوقعًا اختفاء حسن للداخل، وما إن وقعت عيناه على البحيرة التي تناثرت بها أوراقٌ تطفو على سطحها.. تناهى على مسامعه صوت صياحٍ من المنزل..

كلمات ميزها عمر أثناء اقترابه مسرعًا..

كاذب.. أناني.. وكلماتٍ قاسية عن الخذلان، ثم..

صفعة!

تتبعت عينا عمر الخطوات الرطبة على العتبة الخشبية قبل أن يرفع رأسه إلى المنظر أمامه..

لين أرضًا تحمي وجهها بنظراتٍ مصدومة ومرتعبة، حسن قد تسارعت أنفاسه يحدق بها بملامح غير معلومة، وقد كان كلاهما مبتلًا بالكامل من الرأس حتى أخمص القدمين.

وقبل أن يتحرك ايٌ منهما، جاء صوت عمر مصدومًا عند الباب:

"أحمق! ما الذي تفعله؟!"

حوّلت لين عسليتيها نحو عمر قبل أن يصدر عنها أنين خافت، نهضت سريعًا لتركض أعلى الدرج وقد فشلت في كتم نحيبها..

دوى صوت إغلاق باب غرفتها ليبقى حسن مع عمر.

أنزل حسن يده المعلقة في الفراغ ببطء، والتفت نحو عمر وعيناه تحملان خليطاً مرعباً من الغضب والذهول من نفسه، بينما تقدم عمر خطوات للداخل، وعلامات الصدمة والاشمئزاز ترتسم على كامل ملامحه.

​"هل أنت مجنون؟! ما الذي تظن نفسك فاعله!"

دوى صوت عمر مستنكراً، وهو يشير بيده نحو الدرج الذي اختفت خلفه لين.

أجابه حسن بنبرة منخفضة حادة كالشفرة:

"أخفض صوتك.. ولا تتدخل فيما لا يعنيك"

​"لا يخصني؟!"

هدر عمر باحتقان، وتقدم حتى وقف في مواجهته مباشرة، غير آبهٍ بالمياه التي تبلل الأرض بينهما، لاحظ عمر ملابسها المبتلة بالطبع، وخطوات المياه الصادرة من الخارج، حدق في حسن ليقول بازدراء:

"كادت تغرق مع الورق ها؟"

اقترب وقال دون أن يمنح حسن فرصةً للرد:

"الطفلة كانت تغرق منذ دقائق.. وبدلاً من أن تحتضنها وتطمئنها، تقف هنا وتضربها؟! أنت لست طبيعياً يا حسن، أنت من يحتاج إلى علاج!"

​تحرك فك حسن بصريرٍ مكتوم، وخطا خطوة تنهي أي مسافة أمان بينهما، ثم قال بنبرة يكسوها التهديد المبطن:

"إياك.. إياك أن تتحدث عن شيء لا تَفقهه. لين ابنتي، وأنا المسؤول عنها هنا. أربيها، أعاقبها، احاسبها على كسر كلمتي.. هذا كله أمر يخصني وحدي. لستَ أنتَ مَن سيعلمني كيف أتعامل معها، لذا احفظ لسانك والزم حدودك!"

​ضحك عمر بسخرية مريرة خالية من المرح قبل أن ينظر إلى حسن باحتقان:

"تربيها؟ أهذا ما تسميه تربية؟! أنت تفرغ غضبك وعقدك النفسية في طفلة يتيمة لا حول لها ولا قوة! الطفلة مرعوبة من فكرة التخلي، وبدلاً من أن تكون لها سنداً، تؤكد لها مخاوفها بيدك هذه!"

​لامست كلمات عمر وتراً حساساً وجرحاً عميقًا في صدر حسن، فاندفع يمسك بتلابيب قميص عمر بعنف، جاعلاً إياه يتراجع خطوة للخارج:

"قلت لك اخرس! لا تتظاهر بالوعي والمثالية أمامي. أنت لا تعرف شيئاً عن الثمن الذي أدفعه، ولا عن النيران التي أحترق بها كل يوم لحمايتها وحماية ما تبقى من ذكرى والدتها! لذا أكرر لك ألا تتدخل في تربية ابنتي!"

​دفع عمر يدي حسن عنه بعنف مساوٍ، عدّل قميصه وهو يتنفس بسرعة، عيناه تملأهما خيبة أمل واضحة:

"كنت أظنك شخصاً متزنًا وصلبًا، لكنك مجرد رجل مهزوز يختبئ خلف قسوة مزيفة. أنت فعلًا أناني، ولا ترى سوى انتقامك"

​استدار عمر نحو الباب بجسدٍ مشدود، وقبل أن يخطو للخارج، التفت إلى حسن للمرة الأخيرة وقال بنبرة باردة وقاطعة:

"أنا ذاهب.. ليس لأنني أخشاك، بل لأن البقاء في هذا المكان مع شخص مثلك أصبح يثير غثياني."

​صفع عمر الباب خلفه بقوة هزت جدران المنزل الخشبي.

​لحظات صمت مروعة حلّت بالمكان، تلاها صوت محرك سيارة عمر وهو يزمجر مبتعداً عن محيط البحيرة. بقي حسن واقفاً في ردهة المنزل وحده، ملابسه المبتلة تلتصق بجسده، وعيناه معلقتان على يده التي لا تزال ترتجف أثراً وندماً.. بينما لم يعد يُسمع في المنزل سوى صوت نحيب خافت متقطع يأتي من الغرفة العلوية المغلقة.

***

الساعة ٨:٣١ مساءً

لين فوق فراشها بعدما بدّلت ثيابها المبتلة منذ ساعات، تحتضن بطانيةً خفيفة.. فالمنزل مُعدٌ للعطلات الصيفية لا يَحوي على أغطية ثقيلة..

ضوء مصباح الغرفة البرتقالي يغزو الغرفة ليمنحها دفئًا مزيفًا، فقد كانت أسنان لين تصطك في بعضها ببردٍ يتنافى مع دفء الجو الربيعي.. غيم بجانبها، لين تحدثها كمَلجأها الوحيد في اللحظة الحالية، حركت لين يدها من أسفل الغطاء لتملّس على فراء هرّتها الأبيض، محدثةً إياها بصوتٍ خافت:

"هل تظنين أني ابنة سيئة يا غيم؟"

نشقت لين بأنفها التي سالت، وتلك المرة لم تكن بفعل البكاء:

"أظنني لم يكن من المفترض أن أصرخ به.."

سعلت لين قبل أن تردف رغم الصداع الذي باغت رأسها:

"لكنه مَن كذب علي.. كان يخاصمني إن كذبت.. والآن يكذب علي ويطلب أن أعتذر وكأني وحدي من أخطأ.. ألا يتوجب عليه الإعتذار كذلك؟ هل الكبار لا يخطئون أبدًا؟"

تلألأت عَسليتاها بدموعٍ جديدةٍ تتكون عند تذكرها صفعته، تحركت يدها نحو خدها الذي لا يزال أحمر اللون، اشفقت على حالها لتقول في آسى:

"أمي لم تفعلها من قبل.. كان ذلك مؤلمًا هُنا"

أشارت نحو خدها ثم إلى قلبها:

"وهُنا"

مسحت دموعها بطرف كمها ورعشتها تزداد، قالت بضعف:

"أخبرتني أمي قبلًا أن اهتمام الشخص الذي يحبك.. يظهر بالأفعال لا الأقوال.. لذلك كنت أتجاهل كلماته، ولكن.."

رفعت عسليتيها نحو غيم لتردف بانكسار:

"هل تظنين الآن أنه يكرهني؟"

كانت أجابة هرتها هي المواء بصوتٍ خافت قبل أن تقفز من فوق الفراش وتترك الغرفة متجهةً للخارج، رفعت لين يدها نحوها وكأنها تحاول الوصول إليها:

"لا تتركيني أنتِ أيضًا يا غيم.."

أعادت لين يدها تحت الغطاء ورجفة جسدها تزداد حدةً وبردًا، خفت صوت لين تدريجيًا أثناء تثاقل جفنيها:

"لمَ رأسي وجسدي يؤلماني هكذا.. ولمَ لا زلت أشعر بالبرد؟"

لم يكن تنفس لين طبيعيًا تمامًا.. فقد صاحب تنفسها صوت صفير خافت..

وبعد عنادها مقاوِمةً النوم.. تثاقل جفناها حتى إنغلقَا على عَسليتيها.

***

حسن في غرفة المكتب المجاورة..

بدّل ثيابه هو الآخر، يحدق في الملف بين يديه..

فالذي تخلصت منه لين كانت نسخةً مصورةً استخدمها للتدوين والاستنتاج كمسودة..

مرر أصابعه خلال شعره مرارًا بامتعاض..

فقد كان يخشى أن يكون مثل والده، وها هو لا يقل عنه شيئًا الآن..

كان يعلم أنها أخطأت، فقد آلمته كلماتها فوق ما قد تتصوره..

فقد تدمرت حياته أثناء محاولته حماية والدتها وحبيبته عن طريق خطأ أحمق، وها هي الآن تقول أنه كان أنانيًا؟

لكن هل خطأها يمكن تبريره بخطأ أكبر؟

مسح على وجهه بكلتا كفيه هامسًا:

"استغفر الله العظيم"

نهض أخيرًا عن الكرسي متثاقلاً، متجهًا نحو الحمام لغسل وجهه لعله يستفيق مما هو فيه.

لكن.. في منتصف طريقه بالردهَة الخشبية الساكنة..

استوقفه ذلك الصوت الخافت..

​جاءه صوتٌ مريب.. نَفَسٌ متلاحق يختلط به صوت صفير، يتبعه أنين متألم.. صوت صادر من غرفة لين.

​غير اتجاه سيره على الفور، واندفع نحو غرفتها. لم يكن الباب مغلقًا بالكامل؛ ومن خلال تلك الفتحة الصغيرة، تجمّد الدم في عروقه.

​لم يكن بحاجة للمسها ليعرف؛ فمن مكانه، لاحظ الاحمرار الطاغي على وجهها، أذنيها، ورقبتها المبللة بالعرق. عيناها كانتا مغلقتين بتشنج، وصدرها يتحرك بسرعة مجهدة لا تناسب النوم أبدًا.

​دفع الباب بخطواتٍ متسارعة، نادى بنبرة يكسوها الريبة مع عبوس حاجبيه:

"لين؟"

​بدون أن تفتح عينيها، صدر عنها أنين خافت متألم، كأنها تحاول الهروب من كابوسٍ ينهش جسدها.

​جثا حسن بجوار الفراش، ومد يده المترددة ليضع كفه على جبينها. وفي غضون ثانية واحدة، انتفضت يده غريزيًا للخلف كأنه لامس جمرًا مشتعلًا أو كوب شايٍ يغلي!

​كانت الطفلة تحترق.. الحرارة تشع من جسدها الضئيل بشكلٍ مرعب..

أصيبت لين بالحمى..

"اللعنة.."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (49)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22
الفصل 7: نُزُل
2026/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة