منزل البحيرة

منزل البحيرة

15 0

الساعة ٧:١٢ صباحًا

تحركت سيارة حسن مع لين خلف سيارة عمر مع سالم بعدما حاول سالم بكل الطرق إقناعه بمنح عمر فرصة..

فلم يكن لحسن إلا ليستسلم لهذا القرار الذي لم يرح نفسه المتيقظة تجاه أي غدر قد يصدر عن عمر..

لم يوافق ثقةً به.. وإنما لمعرفة إلى أين قد ينتهي معه ونواياه خاصةً بعد معلومات البحث عنهما، وربما لاستدراج كلماته للوصول إلى نهاية كمال..

اتكأت لين بكوعها على نافذة السيارة بامتعاض مسندة خدها على يدها وحسن بجوارها يده على المقود.

حدقت به لثوانٍ قبل أن توجه رأسها إلى خارج النافذة ليضربها الهواء محركًا خصلات شعرها.

ظهرت نبرة حسن مشبعة بنفاذ صبره:

"أدخلي رأسك يا لين"

تأففت قبل أن تعود للداخل وتقول بنبرة عنيدة:

"لمَ لا أستطيع الركوب مع رجل المسابقة وعمي سالم؟"

"لأنني قلت ذلك"

"هذا ليس عدلًا"

"الحياة غير عادلة"

ربّعت لين ذراعيها متأففة مرة أخرى.

"تأدبي"

"لم أقل شيئًا!"

حدقت بالسيارة السوداء أمامهم لتعلق محاولةً استعطافه:

"لكن أنظر.. آلمني ظهري من مقعد تلك السيارة السيئة، خاصته تبدو مريحة أكثر"

ركز حسن على الطريق الذي غزاه الأشجار الكثيفة على جانبيه مجيبًا إياها:

"لم تجربيها لتعرفي.. فلا تتذاكي علي"

عبست لين بحاجبيها لتقول بتبرم:

"أردت أن أصعد مع عمي سالم"

"عمكِ نعم.. ذلك الغبي سيتسبب في نهايتنا"

قطّبت لين حاجبيها بعدم فهم:

"لماذا؟"

صمتت قليلًا في تفكير لتسترسل:

"هل لأن ذلك المدلل معه؟"

ابتسم حسن بخفة ليقول:

"أول شيء تقولينه صحيحٌ منذ أن أستيقظتِ"

هزت لين كتفيها:

"هذا ما لقبته به أستاذتي"

"لديها نظرة"

طرق حسن على جبهتها بظهر إصبعه قبل أن يسأل:

"ألم تخبريني أنه تابع لذلك الوغد الذي يخيفك.. كيف تريدين الركوب معه؟!"

فركت لين جبهتها حيث طرق لتجيب بنبرة خافتة بعض الشيء:

"لقد تعارك مع أولئك الأشرار عند محاولتهم أخذي.. عرقلهم مانحًا إياي الوقت للهرب قبل أن تظهر أنت"

أخفى حسن انزعاجه تحت طيات التهكم متذكرًا ذلك الملثم يحاول تكميمها، وذكرها لعمر بأنه كان هناك قبله:

"إذًا كان هو المنقذ وأنا الشخص المتأخر.. أليس كذلك؟!"

صمتت لين لبرهة عابسةً بحاجبيها في تفكير قبل أن تحدق به قائلة:

"لكنك لست شخصًا.. أنت أبي"

ارتسمت ابتسامة صغيرة على محياها لتردف بثقة:

"وكنت ستصل إلي سواء كان هو موجودًا أو لا"

أشاح حسن بوجهه عنها نحو الطريق، ضغط على مقود السيارة بقبضة قوية يداري بها اضطرابه تجاه رجائها وأملها الطفولي والغير منطقي تجاهه.

طرق بأصابعه على المقود متنهدًا، متمنيًا ألا يسبقه عمر بأي خطوة تالية مجددًا.. سواء كانت خيرًا أم خداعًا..

***

حملق عمر بالمرآة نحو سيارة حسن خلفه قبل أن يعيدها إلى الطريق، سالم على المقعد المجاور مسندًا رأسه للخلف بعينين مغمضتين، تمتم عمر بضيق قاصدًا حسن أثناء معاودة التركيز على القيادة:

"أظنه يكرهني"

صدرت عن سالم ضحكة خافتة قبل أن يجيب:

"لا تظن.. هو يكرهك بالفعل"

ابتسم عمر بمرارة:

"شكرًا جزيلًا.. أشعر بتحسن ملحوظ"

فتح سالم عينيه ليحدق بعمر:

"دعنا نكن منطقيين.. أنا أحاول إقناع نفسي بأنك لن تتراجع عما قلته ولن تغدر.. فما بالك بمن فقد أعز مَن يملك؟! فلتحمد الله أنه منحك وقتًا للتفسير، فحسن يده تسبق لسانه"

تنهد عمر وقال:

"أنا أعذره.. فمن حديثك لي مساءً عن أمله للعودة إلى طليقته ومقتلها.. جعلني التمس له ألف عذر.. ولكن مَن يعذرني أنا؟!"

رفع سالم حاجبيه في تفاجؤ:

"أنسيت المشفى؟! ألا تعتبر تركي لك لتضرب بي الحائط مرارًا التماسًا للعذر؟!"

"قلتُ أنني آسف.. لكن كلامك وقتها لم يكن منطقيًا.. ماذا تفعل إن أخبرتُك أن عائلتك هي مجرد عصابة تعمل لدى شبكة غير قانونية؟؟ أسوف تصدقني وتستمع إلى ما أقول؟!"

"إذا كانت تجني الملايين وتبني الشركات في خلال عشرين عامًا فقط؟؟ أعدك أنني سأتعقب كل قرشٍ ومصدره"

صدرت عن عمر ضحكة خافتة خالية من المرح:

"الكلام أسهل من الفعل.."

صمت سالم قليلًا مسترجعًا إنهيار عمر أمامه ليلًا بعدما روى له ما عثر عليه..

تذكر كيف انهمرت دموعه وهرب صوته ليروي بنبرة مبحوحة عما وجد..

حاول سالم تغيير مجرى الحديث فقال:

"رأيت تلك الصغيرة بالخلف؟"

ارتفع ثغر عمر ونظره على الطريق:

"لين؟"

"تتذكر اسمها"

اتسعت ابتسامة عمر قليلًا:

"أسبوع في حياتي يلاحقني فيه اسمها.. بالطبع أتذكره"

راقب عمر الطريق ملاحظًا اقترابهم ثم أردف:

"يبدو أنها تحبك كثيرًا.. لقد قفزت نحوك بمجرد رؤيتك"

ارتسمت بسمة حب لتلك الصغيرة على شفتي سالم:

"ومَن أو ماذا لا تحبه لين؟"

ظهر على الطريق مساحة خضراء متوسطة الأشجار وصوت حركة مياه مختلطٌ مع نسيم الرياح.. ورائحة الجو أكثر عطرًا..

"لقد وصلنا"

قالها عمر أثناء ركن سيارته جانبًا.

انجلت عتمة الاشجار بالطريقِ الكثيفِ أخيراً عن مشهدٍ يحبس الأنفاس؛ حيث استقرّ ذلك المنزل الخشبي المهيب على ضفة البحيرة كجمال اختبأ في قلب الغابة. كان البيتُ مِعماراً خشبيًا دافئاً، ​تحتضنه من الخلف غابةٌ شاهقةٌ من الأشجارِ الكثيفةِ التي غطاها ضباب الصباحِ الباكر، لتبدو كحراس عمالقة يفرضون طوقاً من العزلة والسرية على المكان. تترامى عند حافةِ المياهِ صخور رمادية ملساء، بينما بدت البحيرةُ في الأسفلِ صافيةً بركودٍ غامضٍ، دون أن تكشف عن قاعِها العميق الحجري المرصوف بالحصى، في صمتٍ مريب لا يقطعه سوى حفيف الأوراق أو نسمة هواء عابرة.

فتح عمر باب سيارته يليه صوت باب سيارة حسن، ترجل الأربعة نحو الخارج ليقابلهم هذا المنظر البديع.

همس سالم بإعجاب:

"لابد أنك تمازحني.."

مسحت مقلتا حسن المكان بحرص على عكس لين التي تلألأت عيناها من جمال المكان الذي لم ترَ مثله من قبل:

"هل.. هل سنبقى هنا؟!"

سار عمر نحو المنزل مجيبَا إياها:

"ليس بالكثير لكن.. هذا ما أملك في تلك البلد وليس إيجارًا اتركه وقت سفري.. آتي هنا مع أصدقائي في الصيف والعطلة كنوعٍ من–"

دوت صرخة لين المتحمسة أجبرت ثلاثتهم على الانتفاض:

"إنه خشبي! كالقصص التي اقرأها و.. هل يوجد مدخنة بالداخل؟! على كم طابق تحتوي؟! و.."

ضغط حسن على برج انفه:

"لين.. اهدئي قليلًا"

"ويوجد بحيرة! لا أعرف السباحة لكن سأتعلم.. هل هي عذبة؟؟ هل بها أسماك؟؟"

"لين"

"أيوجد ذئاب بالليل؟! هل هم خطر؟؟ هل–"

"لين!"

اخرستها نبرة حسن التي اشتدت فجأة. كتم عمر ضحكته متذكرًا ثرثرته في صغره:

"يا للهول.. سينال هذا المكان إعجابك من الخلف حيث يوجد مكان لإشعال النيران وربما التخييم"

ركضت لين لتسير بجوار عمر في حماس:

"أحب التخييم!"

رفع سالم أحد حاجبيه مستنكرًا:

"هل خيمتي قبلًا؟"

هزت لين رأسها نفيًا على الفور. تناسى عمر حزنه منذ قليل لينغمس مع روح هذه الصغيرة المبتهجة.

سأل حسن:

"هل يصل إليه انترنت أو شبكة؟ وهل يعلم عنه عمك أو ذلك الحثالة صلاح؟"

أجابه عمر أثناء إخراج المفاتيح من جيبه:

"لا يعلم عمي موقعه ولم يهتم به قبلًا.. صلاح ليس لي علاقة به من الأساس وقد أخبرتك.. ونعم يصل إليه الانترنت"

ضاقت عينا لين بعدما توقف تركيزها عند كلمة محددة تفكر في ماهيتها لتسأل بفضول:

"ما معنى حثالة؟"

حلّ صمتٌ على ثلاثتهم كسره عمر ليقول بثقة:

"دعيني أخبركِ عزيزتي ما معنى حثالة، معناها…"

افتعل سالم سعالًا حادًا مانعًا إياه من المتابعة، رمق سالم عمر بنظرة تخرسه:

"سندخل الآن.. يا عمر"

تمتم عمر في نفسه من نبرة سالم المظلمة أثناء فتحه للباب:

"حسنًا حسنًا.. لم أقل شيئًا"

خطا حسن بجوار سالم ليهمس له سائلًا بريبة:

"أهذا مَن نشأ بالخارج؟! أنا اتلفظ بها دون التفكير في معناها"

هز سالم كتفيه بغير علمٍ هو كذلك.

أدار عمر المفتاح.. وما إن فُتح الباب حتى اندفعت رائحة خشب الصنوبر العتيق الممتزجة بحطب البلوط المحترق، انفسحت الرؤية عن بهوٍ رحبٍ سُقف بجذوع خشبية ضخمة ومتشابكة شاهقة الارتفاع، تتدلى ثريا من منتصف السقف الخشبي. ​وكان أول ما خطف الأبصار هو المدفأة الحجرية المهيبة المشيدة من جلاميد النهر الرمادية؛ والتي كانت مطفأة في اللحظة الحالية، لايزال خشبها الداكن داخلها. بينما انفتح العمق خلف منطقة الجلوس على مطبخ دافئ وزاوية عشاء تتسع لجمعة صاخبة. وإلى اليمين، التوى درجٌ خشبيٌّ عريض يصعد نحو شرفة الطابق العلوي حيث الغرف تنتظر ساكنيها، كان المكان بأكمله معزولاً، يتنفس سكوناً يبعث على الراحة وسط الغابة المحيطة.

خطا عمر للداخل تتبعه لين، حسن، وسالم الذي تباطأت خطواته إثر خاصرته التي لم تتعافَ بعد.

"رائحة المكان كبيتِ النجار الذي يعمل بالقرية"

ابتسم عمر من تعليق لين أثناء فتحه لأزرار تشغيل الكهرباء المركزية مجيبًا:

"نعم رائحة الخشب واضحة.. فالمكان مغلقٌ ربما منذ الصيف الماضي أو أكثر ونحن الآن في الربيع.. يستأجره مني أصدقائي أحيانًا.. وأحيانًا أقضي معهم وقتًا فيه بالعطلات"

أنزل حسن حقيبة ظهره ليضعها جانبًا متسائلًا أثناء مسحه للمكان بعينيه:

"أهناك خدمات قريبة؟"

جرب عمر فتح الإضاءة ليتأكد من عملها، أنار المكان ضوء الثرية الذهبي قبل أن يطفئه مجددًا، فنور الصباح كان كافيًا، أجاب عمر حسن:

"يوجد خدمات توصيلٍ تستغرق نصف ساعة بعد الطلب.. أحيانًا أكثر حتى يتمكن العامل من العثور على المكان"

تساءلت لين بفضول:

"كم غرفة تحوي؟ هل لي غرفة؟؟"

أجابها عمر بخفة أثناء صعوده الدرج لفتح باقي الغرف بمفاتيحهم:

"تحوي على ثلاث غرف.. تعالي لتختاري ما شئتِ"

هتفت لين بسعادة أثناء صعودها خلفه في وسط سيل من الأسئلة التي لا تنتهي والتي يجيبها عمر دون كلل.

فورما اختفيا بالأعلى، سار سالم نحو حسن ليقول:

"أصبح لديك مسكن آمن مؤقت ومعك دليل إدانة أولئك الأوغاد.. متى ستبلغ عنهم؟؟"

رفع حسن رأسه نحو سالم ليجيب:

"مَن قال إني سأبلغ عنهم بتلك البساطة؟"

قطّب سالم حاجبيه:

"ماذا تعني لن تبلغ؟! أتمازحني؟؟"

أجاب حسن بسخرية:

"لمَ سأمازحك؟ هل أعرفك للمزاح معك؟"

"أنا أحدثك بجدية يا حسن! ماذا تنوي بالضبط؟!"

ارتفعت شفتاه في نصف ابتسامة ليجيب:

"ما أنويه.. هو إعادة المياه إلى مجاريها.. إغلاق قضية بتول بتلك السرعة أكدت لي أن القانون لن يفيدني بمجرد الإبلاغ، لن أستبعد وجود ضباط قذرين يعملون سرًا مع ذلك الوغد"

قال سالم بنبرة منخفضة:

"إذًا قم بفضح الملف.. ألم تخبرني أنه دليل حي على جرائمهم؟؟"

"لازلت أحمقًا يا سالم.. سيصلون إلي بمجرد نشره وسيتم حذفه قبل انتشاره، نشر تلك المعلومات دفعة واحدة ستكون نهايتي أنا.. أولًا سأتلاعب بالملف على طريقتي.. وإذا اقترحتَ إقتراحًا غبيًا آخر مثل رفع قضية، فدعني أحيطك علمًا أنها تستغرق سنوات لأخذ إجراء حقيقي، ذلك إذا لم أُقتَل خلال القضية.. هم يحتاجون إلى فاجعة كبرى تصيب عملهم وأنا أشاهد من بعيد فضح أنفسهم بأنفسهم"

لم يعجب سالم ما يسمع، فقد علم أن حسن تناول الأمر بشكلٍ شخصي وفهم ما سيصل إليه مجرى هذا الحديث، قال سالم وكأنه استنتج ما يرمي إليه حسن:

"وستكون أنت الفتيلة التي ستشعل كبريت تلك الفاجعة"

"بدأت تصبح ذكيًا"

قالها حسن أثناء تجوله في المكان متفحصًا إياه بأصابعه قبل أن يبعد الغبار عنها، لحق به سالم ليحدثه بنبرة أكثر جدية:

"ولين؟! ألم تفكر في سلامتها ومقدار الخطر؟؟ ألم تفكر في صحتها النفسية عندما تراك تلاحقهم؟!"

استدار حسن ليقابل سالم على الفور مجيبًا:

"لين لن تعلم شيئًا من الأساس.. سوف تقضي تلك الفترة هُنا تعيش بطبيعية دون التدخل في أي شيء، وأنت ستتصل بشقيقتك لتتابع حالتها النفسية.. فقد ازدادت سوءًا بعد المطاردة الأخيرة"

حملق سالم في حسن بملامح غير معلومة قبل أن تقابلهم صوت خطوات لين المسرعة تخطو لأسفل الدرج هاتفةً بحماس:

"عمي سالم! سآخذ الغرفة التي على اليمين! أستأخذ التي على اليسار؟؟"

أجبر سالم وجهه على إخفاء ما دار بينه وبين حسن ليقول بلطف:

"عزيزتي لين لن أتواجد معكم، لقد جئت فقط لأطمئن على مسكنكم لا أكثر.."

حدقت لين فيه بإحباط ثم حولت نظرها نحو عمر لتسأل بنبرة أقل حماسًا:

"هل ستبقى؟"

أجابها عمر:

"في الواقع لا.. لا يمكنني الاختفاء فجأة عن مكان عملي ومسكني الحالي.. لكن أعدك أنني سآتي"

رفع عمر ناظريه نحو حسن ليضيف بعدما اشترى طعامًا في طريقهم لذلك المنزل:

"سأحضر الأكياس من السيارة.. فالمطبخ فارغ"

حدق فيه حسن بإزدراء بينما خطر على بال سالم شيء ليستعلم عنه:

"هل أموالك هي أموال عمك؟ أعني…"

قاطعه عمر على الفور بعدما فهم قصده:

"لا لا، لدي عملي الخاص بالخارج.. بدأته من ورث والدي.. عمي فقط ساعدني في التسويق لعلامتي التجارية، أعدك.. مالي قانوني تمامًا"

شدت لين طرف ملابس عمر لينظر لها نحو الأسفل، سألت في ترقب:

"ما معنى علامة تجارية؟"

رفع عمر حاجبيه واطبق على شفتيه بضحكة مكتومة، قال سالم بخفة:

"أوه لا تقلق.. ستعتاد الأمر".

***

الساعة ٤:٥٢ مساءً

"أقول لك ظهرت الفتاة وقابلتُ والدها! ماذا تعني لن يتم فتح القضية؟!"

صاح بها الضابط فاتح داخل مكتبه المغلق، وهو يضرب بقبضته على سطح المكتب، بينما ضغطت يده الأخرى الهاتف على أذنه بقوة.

​زفر الصوت الخشن عبر الهاتف بضجر، قبل أن يجيبه رئيس المباحث ببرودٍ ثلجي لا يتناسب مع حرارة الموقف:

"اخفض صوتك يا نقيب فاتح.. القضية أُغلقت، التقرير النهائي كُتب، وقُيّد الحادث ضد مجهول.. انتهى الأمر"

​قبض فاتح على الهاتف حتى ابيضت مفاصله، أجاب بنبرة مكتومة مشبعة بغضب دفين:

"أي مجهول يا سيدي؟! تقرير الطب الشرعي الأول أثبت وجود شبهة جنائية ناتجة عن الخنق! جثتها دُفِنت بحديقة منزلها! بتول لم تمت في حادث عرضي، لقد قُتلت عمدًا! والآن طليقها ظهر وابنته التي تواجدت يومها ليعودا إلى مكان الحادث دون أن نتعب أنفسنا بالبحث عنهما! ويحمل ذلك الرجل معه ما يكفي للبدء من جديد. لدينا شهود، ولدينا دافع.. ألا يجدر بنا تتبع هذه الخيوط بدلاً من طمسها؟"

​جاءه الرد من رئيس المباحث قاطعًا، يحمل تهديدًا مبطنًا تحت غطاء اللوائح الرسمية:

"خيوط ماذا التي ستتتبعها؟ بناءً على أقوال طفلة مصدومة وأب ظهر فجأة من العدم ليوزع الاتهامات؟ النيابة لن تفتح ملفًا شائكًا أُغلق بناءً على تحقيقات رسمية لمجرد استنتاجات درامية تبنيها في رأسك، جاء الأمر من القيادات وواجبك أن تنفذ"

​"منذ متى والبحث عن القاتل يصبح أمرًا شائكًا؟ أعطني تصريحًا بفتح سجلات بعض الأسماء المرتبطة بالضحية، وسأأتيك بالأدلة المادية على طبق من فضة!"

​"فاتح!"

هتف المسؤول بصوت جهوري حازم، منهيًا أي مساحة متبقية للنقاش:

"استمع إليّ جيدًا وتوقف عن لعب دور البطل.. مسيرتك المهنية نظيفة، وأنت ضابط واعد ينتظره مستقبل كبير، فلا تضع هذا المستقبل في مهب الريح من أجل ملفٍ احترق بالفعل. ركز في القضايا المفتوحة التي بين يديك، وانسَ أمر 'بتول' وعائلتها تمامًا.. لا تقترب من هذا الملف مجددًا، هذا أمر مباشر. هل كلامي واضح؟"

​وقبل أن يفتح فاتح فمه للتحدث، انقطع الخط بحدة، ليتركه يستمع إلى طنين الهاتف الميت.

صر فاتح على أسنانه بحنق مدركًا وجود أمر خفي تجاه تلك القضية.

***

الساعة ٩:٠٥ مساءً

أنتهى حسن من تفتيش كل ركن في المنزل بعدما غادر عمر وسالم، بحثًا عن أي جهاز تسجيل مخفي أو كاميرا مراقبة في حال كان عمر محتالًا..

المكان نظيف تمامًا، يتمنى ألا يندم على إعطاء عمر فرصة لأن يكون مفيدًا..

في إحدى الغرف الثلاثة بالطابق العلوي، والتي كانت أصغرهم، حدق حسن بالأوراق أمامه التي ثبتها على الحائط فوق مكتبٍ صغير أثناء إخراج قداحته لإشعال سيجارته، انتشرت الخيوط الصغيرة لتصل بين أوراق الملف بالحائط التي تحوي على توقيعات صلاح بينما البعض الآخر على توقيعات كمال وقد كانت أغلبها..

معلومات الملف أمامه، بصور كل طفلٍ خُطِف منذ عشرين عامًا تقريبًا.. فتلك الأوراق بالطبع منذ أيام محسن -الذي ربى بتول- منذ أعوامٍ طويلة قبل أن تأخذه بتول لتكمل ما بدأه سرًا بعد موته..

على اليمين؛ الورقة التي أخذها حسن معه من مكتب فاتح والتي بها معلوماتٍ أولية عن الجريمة، توضح مقتل بتول الناتج عن الخنق، حملق حسن في صورة بتول بتلك الورقة..

نفث حسن دخانًا من السيجارة بين أصابعه بعيدًا أثناء الغرق في أفكاره..

قابل عددًا من الجرائم في مسيرته المهنية القصيرة..

رأى صورًا لقتلة ومقتولين..

لكنه لم يتوقع يومًا أن يرى حبيبته وساكنة قلبه في إحداها..

حوّل بصره نحو تلك الصورة المبهجة لبتول مع لين في الريف..

مسح بأصابعه على سطحها مرة أخرى.. يتساءل لمَ لم يتمكن من رؤيتهما معًا في آنٍ واحد؟

كان يستطيع تخيل فضول لين وثرثرتها، مع مرح بتول تحثها على إزعاجه بطريقتها المتملقة التي لطالما نجحت معه.

مرر حسن أصابعه بين خصلات شعره الداكن مزيحًا إياه للخلف.. يعيد صب تركيزه بالأوراق التي أعطاها إياه عمر صباحًا..

يقرأها مرارًا…

حدَّق في التي تحوي صورته ومعلوماته... 

لم تكن المعلومات حديثة بالرغم من كثرتها..

تخرجه.. زواجه.. طلاقه.. المصحة.. حتى أنتهت بمعلومات حساباته الإلكترونية التي تخلص من جميعها بعدما توقع اختراقها وتعقبها.

ترك الورقة جانبًا لينظر نحو ورقة لين..

كانت معلوماتها أقل.. لكن أكثر تركيزًا، صورة لين بها كانت أصغر سنًا.. ربما الخامسة.

كُتِب بها سنها، واسم مدرستها القديمة ثم الحالية.. ومعلومة لأول مرة يدري بها، وهي أن بتول قدمت في منحة دراسية خارج البلاد من أجل لين..

آه يا بتول.. أردتِ إبعادها عن كل تلك الفوضى..

دُوِنَ كذلك عن قدراتها المتميزة في الرياضيات وعقليتها المتفردة..

قرأ حسن ما كُتِب ببطء:

– المثير للاهتمام في هذه الفتاة هو أنها حين تُركز في مشهد أو وثيقة، يبدو وكأن العالم من حولها قد توقف؛ تلغي حواسها الأخرى تماماً لتتحول عيناها إلى ماسحٍ دقيق، يقتنص كل تفصيلة صغيرة وكبيرة ليطبعها في ذاكرتها بشكل أبدي.

وعندما يتعلق الأمر بالرياضيات، فالأمر لا يتطلب منها جهداً؛ هي لا تحسب الأرقام بل تراها وتتعامل مع المعادلات كروابط منطقية مرئية، مما يجعلها تصل إلى أعقد الحلول بدقة وسرعة مذهلة تتجاوز سنها بمراحل.

لاحظ حسن تركيزهم في قدرات لين العقلية على وجه الخصوص والذي بعث شعورًا سيئًا يسري في صدره..

"ما هي نواياك بالضبط أيها الأفعى؟"

همس بها قاصدًا صلاح متذكرًا لِقاءه معه في المقهى وكلماته عن لين:

~نريدها هي وما معها~

~نريد بعض التعاون منك، ونقاشٍ قصيرٍ معها~

كان حسن مدركًا تمامًا رغبتهم في ذلك الملف.. والذي ربما قصد به 'تعاونه معه'.. أو 'ما مع لين'.

لكن ما عجز عن فك معناه ومقصده هو 'نريدها'، وأي نقاشٍ يريده بالضبط؟!

نهم حسن نفسًا عميقًا من النيكوتين ثم همس محدثًا نفسه:

"ماذا تخفين عني أيضًا يا صغيرة؟"

نهض حسن ليستقيم من المقعد وهو ينوي سؤالها.. بالرغم من أن المنطق يخبره أن يستعلم منها بعدما تتحسن نفسيتها بالجلسات التي ستبدأها.. تنهد حسن أثناء سحقه للسيجارة في مطفأة السجائر جانبًا، هامسًا بضيق يزداد مع تعقد الأمور أكثر:

"آه يا لين.. لمَ هي دومًا أنتِ؟"

طرق حسن بأصابعه فوق سطح المكتب قبل أن يستوعب هدوءها غير المعتاد حتى تلك اللحظة..

قطَّب حاجبيه باستنكار قبل أن يطفئ المصباح على المكتب ثم يهم بفتح الباب ويسير نحو الدرج، التقطت عسليتاه لين بالأسفل تحدق خارج النافذة حيث العتمة بجسدٍ منكمش..

"لين؟"

رفعت رأسها نحوه للأعلى بوجهٍ شاحب..

اقترب خطوتين بإعصابٍ مشدودة ليسأل بترقب:

"ماذا هناك؟ ما بالك تقفين هكذا؟"

ازدردت لين قبل أن تشير على النافذة نحو الظلام الدامس لتهمس بخوف:

"يوجد.. يوجد حركة.. بالخارج."

دون أن يضيع ثانية في أسئلة إضافية، عاد أدراجه إلى المكتب ليلتقط مسدسه، وقد قفز إلى ذهنه أسوأ السيناريوهات؛ هل سقط القناع عن وجه عمر وأرسل كلابه أخيرًا؟

أغلق باب المكتب بالمفتاح خلفه ثم أسرع بالنزول على السلالم بخطواتٍ سريعة أثناء سؤالها على عجلة:

"أي نوعٍ من الحركة؟!"

ارتعشت لين فورما لمحت المسدس بيده.. كرر حسن بنبرة أشد:

"أين رأيتِ الحركة بالضبط؟!"

بالكاد خرجت كلماتها الخافتة:

"بالقرب.. من البحيرة.."

تحركت نحو لتحتضن ذراعه بشدة لتقول في رجاء بشفاهٍ مرتجفة:

"لا تقتل أحدًا.. أرجوك لا تفعل"

حدق بها لبرهة ثم انتزع ذراعه من يدها وقال بنبرة آمرة:

"ستبقين هُنا"

"لكن–"

"ستبقين هُنا يا لين"

تشبثت لين بطرف ملابسها وهي تراقبه يفتح الباب ويتحرك للخارج. أضاء مصباح هاتفه لينير ظلمة الليل بحثًا عن مصدر الحركة، وبيده الأخرى أحكم قبضته على سلاحه، يشتم عمر مرارًا في سره ويلعن نفسه لتصديقه والوثوق به.

فجأة..

انتفض جسد حسن حين باغتته قبضة صغيرة تتشبث بقميصه من الخلف. استدار بلمح البصر، موجهاً فوهة سلاحه نحو المجهول، لتصطدم عيناه بوجه لين الصغير، بعينيها المتسعتين في فزع، وقد شحبت تماماً أمام الفوهة المعدنية المصوبة نحوها مباشرةً. خفض مسدسه على الفور، وقال بنبرة هامسة يكسوها غضب مكتوم:

"ما الذي تفعلينه؟! ماذا قلت لكِ؟!"

ارتعشت نبرتها التي بدأت تتحول إلى بكاء مرتجف:

"وحدي.. خا.. خائفة.. أنا–"

بتر كلماتها صوت خشخشة مجددًا بالقرب من البحيرة. التفت حسن على الفور بسلاحه متأهباً:

"أبقي خلفي."

​أطاعته على الفور متشبثةً بقميصه، تحركا ببطء نحو المياه. وفورما اقترب من الصوت، صوّب مصباح الهاتف وسلاحه في آنٍ واحد نحوه.. ليحدق بازدراء بعدما أخفض مسدسه:

"حقًا؟".

***

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (41)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة