نامت لين بعمق بعد ساعاتٍ طويلة من البكاء. فحتى بعدما هدأت أمس واعتذارها عما بدر منها، رفض حسن التحدث معها معللاً بأنه لا يثق بمدى صدق كلماتها.
أمرها بالذهاب إلى النوم ليظل هو وسالم وحدهما في غرفة المعيشة؛ تجهل ما يقولانه تحديدًا، رغم تأكدها من أن الحديث يدور عنها.
لم يشرح لها حسن أي شيء مما لمح به، اكتفى بما قال أمامها وترك أفكارها معلقة في الفراغ بلا إجابات.
بكت لين تلك الليلة مرة أخرى بعد حديث سالم الهادئ معها، لومه وحديثه عن خطئها بالكذب مجددًا وأنها لم تحسن التصرف.
الساعة ٦:٠٢ صباحًا
سمعت لين صوت ستائر النوافذ تُسحب، يعقبها أصوات خطوات وحركة بالغرفة. رمشت عدة مرات فاتحةً عينيها ببطء لتجده حسن، يخرج كيس ملاكمته من الصندوق ليقوم بتثبيته. افترضت أنه سيتدرب أو يفرغ غضبه بعد الذي حدث أمس؛ تفقدت الساعة التي كانت تشير إلى السادسة صباحًا،
لا يزال الوقت مبكرًا على موعد المدرسة.
اعتدلت من وضعية الاستلقاء إلى الجلوس، تتابع عيناها حركة حسن، تراقب ما يفعل بصمت. لاحظ حركتها، فلمحها بطرف عينه قبل أن يعاود التركيز فيما هو مشغول به:
"استيقظتِ إذن، جيد... انهضي."
هبطت عسليتاها نحو يديها المعقودتين قبل أن تسأل:
"أليس هذا... مبكرًا جدًا؟"
أجاب دون النظر إليها:
"لن تذهبي إلى المدرسة اليوم."
تجمدت لبرهة، تحركت من فوق السرير لتسير نحوه وقد بدأت عيناها تترقرقان بالدموع، أمسكت بسترته لينظر نحوها ثم قالت:
"هذا عقابي... أليس كذلك؟ أنا آسفة، سأحسن التصرف... لكن فقط أريد الذهاب للمدرسة، لن أعاود فعلتي وسأقول الصدق."
أبعد يديها عن سترته ثم قال:
"كفى دراما، هذا ليس عقابًا... لم يجف قميصكِ منذ أن غسله سالم أمس."
مسحت دموعها بطرف كمها قبل أن تسقط:
"يمكنني ارتداء سترة شتوية وإغلاقها... لن يلاحظ أحد، لا أريد تفويت دروسي."
"نعم... وفي نهاية اليوم أجدكِ مصابة بارتجاج في المخ."
طأطأت رأسها ثم همست:
"آسفة."
"لا حاجة لي بأسفكِ، كل ما أريده منكِ اليوم هو أن تفتحي ذهنكِ وتركزي فيما أقول وأفعل، فلدينا الكثير من العمل."
نشقت بأنفها ثم قالت:
"ما معنى لدينا؟"
قام حسن بإبعاد أي كرسي ووضعه جانبًا، ثم قام بإزاحة الفراش قليلًا ليصنع مساحة فارغة بمنتصف الغرفة تسمح بالحركة؛ نفض كفيه ثم قال:
"قومي بغسل وجهكِ وارتداء شيء يسهل الحركة ثم تناولي إفطاركِ وتعالي."
حدقت بالمكان لبرهة ثم أومأت له قبل مغادرة الغرفة. بدأ حسن يمدد ذراعيه وعضلاته، وقال محدثًا نفسه:
"لا أظن أن هذا سيكون سهلًا."
تناولت لين إفطارها بينما ظل عقلها في تساؤل عما ينوي حسن فعله.
فورما انتهت، قامت بتغيير ملابسها إلى سروالٍ قصير وقميصٍ بلا أكمام. خطت للغرفة لتجد المرتبة لم تعد فوق الفراش بل على الأرض، وحسن كان بسروالٍ منزلي مريح وقميص قطني عديم الأكمام كذلك، مستندًا على الحائط وفي يده كوب من الشاي.
سألته بفضول:
"ماذا سوف نفعل؟... لمَ المرتبة على الأرض؟"
ارتشف شايه بعدما تجاهل سؤالها الذي ستعلم إجابته بالفعل ثم قال:
"لا أريد ذلك الوجه الكئيب، يعكر المزاج ونحن لا نزال في الصباح."
أومأت له عدة مرات ثم اعتدلت في وقفتها محاولة الابتسام:
"لا حزن، لا كآبة، سأركز وأحسن التصرف."
همَّ بسؤالها:
"هذان الأحمقان... لم أرَ منهما سوى المدلل الصغير ذاك، هل الثاني بحجمه؟"
لم تفهم مغزى السؤال لكنها أجابت:
"عصام؟ لا، إنه يفوقني طولًا.. ليس كثيرًا، فقط بضع سنتيمترات."
"هل هو سمين؟"
"لا، كوزن مالك تقريبًا."
"جيد."
وضع الكوب جانبًا ثم قال:
"جيد جدًا... ما سنفعله اليوم لا يعتمد على القوة البنيانية، يعتمد فقط على ما يكفي للدفاع عن النفس و..."
قلب عينيه ليتابع:
"... حسنًا، وربما بعض الألم."
أشرق وجه لين حماسًا:
"هل سأقاتل؟! هل مثل نزالاتك؟!"
خطا نحوها:
"لا، ليس كالنزالات."
مدد ذراعيه للأمام مطرقعًا أصابعه:
"آه، لم أقم بذلك منذ زمن."
تحرك خلفها ثم أمسك بذراعيها موجهًا قبضتها نحو كيس الملاكمة:
"نزالاتي تلك تعتمد على لكم الخصم وإبراحه أرضًا."
وجه قبضتيها للكم الكيس الذي لم يتحرك من مكانه:
"حركات قليلة... مجهود وقوة بدنية أكبر، على عكس ما ستقومين به يا عقلة الإصبع."
في سرعة خاطفة، قام بلوي أحد ذراعيها وعرقلة ساقها في الوقت ذاته لتسقط فوق المرتبة على الأرض. ابتعد خطوتين ثم تابع:
"ما ستقومين به لا يتطلب قوة جسدية... فقط تحركات محددة سوف أرشدكِ وأعلمكِ بعضًا منها."
أسندت كوعيها لترفع جسدها قليلًا، تلألأت عيناها بانبهار لتقول بنبرة خافتة: "رااااائع!"
***
الساعة ٩:٢٢ صباحًا
كان عمر جالسًا ببدلته الرسمية على الطاولة المحاطة برجال الأعمال في قاعة الاجتماعات بالشركة، يتناقشون حول الدعايات الإعلانية التي لم تعد تجذب الناس إلى شراء منتجاتهم. تحدث أحد المساهمين:
"علينا تغيير المطبوعات على الملابس إلى ألوانٍ أكثر إشراقًا، فقد تبقى القليل على حلول الربيع."
تحدث الآخر:
"ما فائدة الجودة إن كانت الدعايات في الحضيض؟"
ارتشف عمر قهوته ثم استند بكوعيه على الطاولة متحدثًا بنبرة متزنة:
"دعايانا لا تصل سوى لطبقة محددة، نريد تدرجات بالأسعار حتى نصل إلى أكبر فئة ممكنة، هل من أفكار؟"
صمت الجميع لبرهة ثم قال أحدهم:
"لدي اقتراح... يمكننا تخصيص عدد من البضاعة كجوائز مسابقات سوف نقوم بها بأنفسنا."
ضاقت عينا عمر في تركيز ثم قال:
"وضح أكثر."
"أعني يمكننا التوجه إلى الأماكن العامة وإقامة مسابقات عشوائية مسجلة كمسابقات الشوارع بين الناس؛ نقوم بسؤالهم أسئلة معروفة، إظهار مواهب خاصة، كشف مهارات نادرة. سوف ينتشر الأمر كالنار في الهشيم بأننا نقوم بدعم النماذج المهدور حقها ونكتسب حب الناس، وفي نفس الوقت نعرض البضاعة ومدى جودتها والتي ستكون جوائز لهم."
أضاف الآخر:
"يمكننا اختيار المهارة بالمكان الذي سنتوجه له؛ على سبيل المثال، نقوم بتسجيل حلقة مع الشباب العامل في ورشات الحدادة وبالطبع ستكون لهم قوة جثمانية يمكنهم عرضها، أو المكتبات حيث يحب كبار السن قراءة المعلومات العامة، ربما حتى المدارس حيث يمكن اختبار بعض الصغار في مستوى قدراتهم."
لمعت عينا عمر فورًا بالفكرة:
"أعجبني ذلك، هل تستطيعون البدء بالتنفيذ خلال الأسابيع المقبلة؟"
حدقوا ببعضهم لبرهة ثم أومأوا بموافقة.
أراح عمر ظهره على المقعد أثناء عبثه بالقلم في يده، شاردًا للحظة، متذكرًا صاحبة عيني المها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة ثم قال:
"أتدركون شيئًا؟ أعجبني المخطط، خاصة فكرة الصغار بالمدارس، فكما تعرفون أنا محب للصغار و... أعرف بأي مدرسة بالضبط سنبدأ."
***
الساعة ١٢:٠٦ ظهرًا
مرت ساعات منذ بدأ تدريبهما في محاولات من لين؛ البعض منها ناجح والبعض الآخر باء بفشلٍ ذريع. تحرك حسن من خلف لين، مال قليلًا لأسفل ممسكًا بذراعيها كما فعل مالك قبلاً:
"الآن، سنجرب ما قلناه منذ قليل... نفذي."
أحكم غلق كفيه على ذراعيها، آلمتها قبضتاه قليلًا. كافحت محاولةً التحرر:
"م.. مؤلم."
لم يرخِ حسن قبضتيه:
"عليكِ التفكير مع الشعور بالألم، ليكن بعلمكِ أنهما لن يرخيا قبضتيهما، الآن ركزي."
خفضت نظراتها لأسفل نحو ساقه، قامت بلف إحدى ساقيها حول خاصته ثم دفعت ظهرها للخلف. لم يتحرك من مكانه:
"نسيتِ خطوة."
كررت المحاولة، ولكن قبل الدفع للخلف، أمالت جسدها للأمام قليلًا مستجمعة قواها ثم قامت بالدفع بقوة للخلف؛ أسقط حسن جسده معها، ظهره مستلقٍ فوق المرتبة ولين فوق صدره.
التقطت أنفاسها لتقول:
"ليس عدلًا، ساقك كبيرة."
"ومن أين سأحضر لكِ من هو بطولكِ يا عقلة الإصبع؟ تلك حركات تجريبية لا أكثر."
تقلبت جانبًا لتستلقي على المرتبة جواره. حدق بالسقف ثم بدأ في السؤال:
"أجيبي دون تفكير، هاجمكِ مَن هو أطول منكِ؟"
"ضربة في مشط القدم أو الركبة."
"نقاط ضعف الوجه؟"
"العينان، الأنف، الذقن والأذن."
"و...؟"
"لن أحاول فقأ عينيه أو كسر أنفه حتى إن رغبت بذلك."
قلب عينيه ثم قال:
"يمكننا استثناء كسر الأنف... في الحالات القصوى بالطبع."
اعتدل جالسًا مربعًا ساقيه، نهضت لين مقلدة إياه. أمسك بمعصمها:
"ماذا ستفعلين الآن؟"
لوت معصمها المقيد وبيدها الأخرى قامت بشد إبهامه في الاتجاه المعاكس ليفلتها.
أومأ برضا، رفعت ذراعيها في احتفال:
"انتهينا، مرحى، وقت الطعام!"
قبل أن تنهض، أمسك بذراعها:
"إلى أين أنتِ ذاهبة؟! "
تحركت عيناها من يده الممسكة بذراعها ثم إلى وجهه، سألت باستنكار:
"أتلك حركة جديدة؟"
أفلتها ثم رفع ركبتيه ليسند ذراعيه عليهما، قال:
"لم نبدأ من الأساس."
رمشت مرتين في استيعاب لما يقول:
"ما معنى.. لم نبدأ؟"
ابتسم بسخرية ليجيب:
"كل تلك كانت خطوات نظرية، كنت أحرك جسدي لتواكب حركاتكِ، قوة يدكِ كالريشة لا تكفي لإيذاء نملة."
تمتم بنبرة لم تسمعها لين لتذكره ركلها له مسبقًا:
"عدا قدمي الدب تلك"
قطبت لين حاجبيها باعتراض:
"لكنك قلت إنني لن أحتاج القوة الجسدية."
ضحك بسخرية قبل أن يجيب:
"تلك القاعدة تنطبق للطول والوزن الطبيعي، أتعلمين تحت الطبيعي؟ إذا كان حفرة فستكونين أنتِ أسفله بحوالي ثلاثين مترًا."
مطت شفتيها بضيق:
"ليس جيدًا... ماذا أفعل؟"
حوَّل نظره إلى كيس الملاكمة أمامه. لاحقت لين نظراته لتسقط حيث ينظر، تركت جسدها ليعاود السقوط فوق المرتبة. حدق بها لبرهة ثم غطى عينيه بكفه متمتمًا:
"لا أمل."
***
الساعة ٢:٢٢ ظهرًا
كانت ليلى على مكتبها بالفصل بعدما أنهت شرح الدرس، تقوم بتصحيح فروضهم المنزلية بالإضافة إلى إنهاء ورقة الحضور. راجعت ليلى أسماء الذين تغيبوا اليوم، ففي الأسبوع الأول لا يكثر عدد الغائبين؛ فقط كانوا اثنين: لين، وطالب آخر اتصلت والدته بالمعلمة لتبليغها بإصابته بنزلة برد.
أما لين؟ لم يعلم أحد سبب تغيبها. سألت ليلى الطلاب:
"أيعلم أحدكم سبب تغيب صديقتكم لين حسن؟"
تبادل الطلاب النظرات بغير علم، بينما رمق عصام مالك خلفه بنظرات انتصار أثناء ارتسام ابتسامة فخر على شفتيهما. رفعت إحدى الطالبات يدها لتسمح لها ليلى بالتحدث:
"لقد رأيت والدها يوبخها أمس أمام المدرسة، كان هناك دماء في شعرها."
أغلقت ليلى الكتاب أمامها ثم قطبت حاجبيها في قلق:
"دماء؟ لمَ؟"
هزت الفتاة كتفها بغير علم.
أومأت لها ليلى ببطء قبل أن يرن جرس المغادرة. تهافت الطلاب مندفعين للخروج بحماس بينما ظلت ليلى على مكتبها لبرهة. حدقت بورقة الفرض المنزلي الخاصة بلين الذي سلمته أمس والذي حصلت فيه على علامة كاملة. تذكرت حديثهما القصير وتردد لين في البوح بشيء ما. همست المعلمة لنفسها في عدم ارتياح:
"هل يعنفها والدها يا ترى؟"
أخرجت كشوفات الطلبة ثم توقفت عند اسم لين.
همَّت بتسجيل رقم الهاتف المدون بجانب اسمها قبل أن تلتقط حقيبتها وتهم بالمغادرة هي الأخرى.
***
الساعة ٣:٤٤ مساءً
تابع حسن محاولاته في تقوية ضربات لين قليلًا متحملًا تململها وتذمرها. تمددت لين على المرتبة ثم قالت:
"هذا يكفي، لقد تعبت!"
دلف حسن إلى الغرفة حاملًا زجاجة ماء بلاستيكية صغيرة:
"هل تظنين أن تلك التدريبات ستنتهي وتؤتي ثمارها في غضون عشية وضحاها؟"
همت جالسة لتسأل:
"ألن تنتهي اليوم؟!"
"سنحاول المواظبة على تمريناتكِ خلال الفترات المقبلة، ليس من أجل هذين الغبيين، وإنما كأسلوب سوف تحتاجينه على مدار حياتكِ."
ارتسمت علامات عدم رضا على وجه لين:
"ليس جيدًا."
رفع حاجبيه ليقول متأففًا:
"لمَ تشعرينني بأني أعذبكِ؟! لقد توقفتِ لتناول الطعام ثلاث مرات حتى الآن بالإضافة إلى خمس استراحات لا تقل كل واحدة منها عن نصف ساعة!"
قذف زجاجة الماء نحوها بخفة متوقعًا أن تلتقطها، لكن بدلًا من ذلك، ارتطمت الزجاجة في جبهتها قبل أن تسقط أرضًا. فركت لين جبهتها:
"استراحة الطعام لا تحتسب، بالإضافة إلى أن هذا مؤلم!"
أشار بسبابته نحوها:
"تحتاجين للسوائل... كما أنكِ تفتقرين إلى سرعة البديهة، سوف نعمل عليها لاحقًا."
تمتمت لين أثناء فتح الزجاجة:
"لستَ لطيفًا."
أنهت شرب الماء ووضعت الزجاجة جانبًا، نظرت إلى كيس الملاكمة ثم قالت بتعب:
"هذا الكيس لا يحبني إطلاقًا، لقد آلمتني قبضتاي وهو لا ينفك يتحرك من مكانه."
حوَّل نظره من كيس الملاكمة إلى لين ليقول بسخرية:
"بالطبع لن يتحرك، لو كان له القدرة على الكلام لشعر بالإهانة من أصابع البطاطا التي تضربه."
لعقت لين شفتيها:
"أحب البطاطا."
هز حسن رأسه باستسلام، هبط أرضًا جالسًا على ركبتيه ثم قام بفتح كفيه أمامها:
"حسنًا، سوف نؤجل ذلك الكيس إلى مستوى متقدم، أظن أن ضرب كفاي سيكون أسهل، حاولي زحزحة يداي من مكانهما."
نهضت لين واقفة لتقترب منه، أغلقت قبضتيها ثم حاولت اللكم، ثم مجددًا. لم تتحرك يداه إطلاقًا. قالت بتذمر:
"لا أظن أن يديك تختلفان كثيرًا عن الكيس."
هز حسن رأسه قبل أن يجيب محدقًا بعينيها:
"بالطبع يختلفان، أنتِ فقط من قل حماسكِ ودوافعكِ، تذكري وجه من ضايقاكِ قبل اللكم."
"أنا أقوم بذلك بالفعل."
"إذن تذكري وجه شخص آخر، شخصًا تبغضينه حد الأذى."
حولت لين نظريها من عيني حسن إلى كفيه المفتوحين أمامها.
ظلت واقفة هكذا لبرهة؛ لم يجد عقلها صعوبة في إيجاد الشخص الذي تمقته من أعماق قلبها. الشخص الوحيد الذي جعلها -ولأول مرة- ترغب في رؤية بشر يُعذب أمامها.
تذكرت كل تفصيلة بملامحه: حاجباه العريضان.. عيناه الداكنتان اللتان حدقتا بها عبر النافذة الصغيرة أثناء التقاط أنفاسه لاهثًا.. ذقنه النازف والدماء المختلطة بعرق وجهه.
راقب حسن عينيها الشاردتين وتحول تعابير وجهها رويدًا رويدًا...
ارتجاف يديها قبل إغلاقهما في قبضة أظهرت اشتداد أعصابها إثر قوة إحكامها. ثم...
لكمة، فالأخرى.
تزحزحت يدا حسن قليلًا.
"هذا تحسن، يمكنـ.."
لم يتمكن من إكمال جملته بسبب لكمة جديدة سددتها لين، ثم المزيد من اللكمات المتتالية.
لم تكن ترى وجه المجرم فقط، بل الجريمة بأكملها؛ صراع والدتها أثناء اختناقها، تدرج وجه بتول إلى اللون الأزرق، شفتاها المفترقتان بحثًا عن هواء، وقدماها اللتان ظلتا تضربان الأرض من تحتها قبل أن تخور قواها ويتوقف صدرها عن الحركة.
لم تكف لين عن تسديد اللكمات وسط جهل حسن بما يجري، قال بحزم:
"حسنًا، كان ذلك تقدمًا، هذا يكفي."
لم تسمعه لين، فقد كانت حبيسة تلك الليلة من جديد، امتعض وجهها ألمًا وغضبًا امتزجا معًا ليكونا دموعًا غزت عينيها.
عاود حسن التكرار بنبرة أشد:
"قلت هذا يكفي!"
ضربة، فالأخرى.
لم تكن لين تلكم الآن، بل تقاتل بغيظ كأنها تحاول النجاة بحياتها.
أمسك حسن بمعصميها لتتوقف، حاولت المقاومة ودفعه بعيدًا أثناء تحرك حدقتيها بعشوائية للمكان حولها ككابوس تحاول الخروج منه:
"ابتعد عني! أكرهك! لمَ أخذتها مني؟!"
اتسعت عينا حسن بقلق مما يحدث معها، ملاحظًا تسارع صدرها علوًا وهبوطًا بغير انتظام.
لم يرها بتلك الحالة من قبل، أيقن عدم وعيها من خلال حركة عينيها التي لم تثبت في بقعة واحدة وكأنها في مكان آخر تتحدث إلى شخص مختلف:
"لين! توقفي.. إنه أنا!"
أحكم يديه على ذراعيها مقربًا إياها نحوه ليجبر عينيها على الثبات:
"انظري.. إنه أنا، إنه حسن."
أثناء محاولتها للتحرر منه بشراسة، مرت عسليتاها بخاصتيه للحظة قبل أن تبتعد، ثم عاودت النظر مجددًا لتثبت أخيرًا. توقفت عن المقاومة تدريجيًا، كانت شفتاها ترتجفان، ارتخى عبوس حاجبيها لتحدق به وقد اغرورقت عيناها بالدموع. تباطأت أنفاسها قليلًا، أدرك عودتها إليه الآن. لم يبعد ناظريه عن عسليتيها، تركت يداه ذراعيها ببطء رافعًا كفيه أمامها ليقول بهدوء حازم: "تنفسي... أنتِ بخير، أنتِ بالغرفة."
حركت لين عسليتيها في أرجاء الغرفة قبل أن تهبط بهما نحو وجه حسن مرة أخرى. وفي ثانية انكمش وجهها وكأنه يعتصر البكاء، ثم بلا تردد...
اندفعت لين نحو حسن محكمة ذراعيها حول رقبته بشدة، وجهها مدفون في كتفه وكأنه أمانها الوحيد الذي قد يحميها من العالم في تلك اللحظة.
تجمد حسن في مكانه؛ لا يزال كفاه مرتفعين بالهواء، لم يتحرك من مكانه يحاول استيعاب الموقف. شعر بهزات جسدها الصغير تجاه صدره وبدموعها تبلل كتفه، صوت أنينها المكتوم. ظل ذراعاه مرتفعين لا يدري أين يضعهما بالضبط، ثم وببطء...
هبط بهما على ظهر لين مربتًا عليه بخفة.
تسلل إليه فضول قاتل تجاه ذاك الذي خطر على بالها لتقاتل بتلك الشراسة؛ مَن ذا الذي دب بها مشاعر الخوف والفزع والغضب في آنٍ واحد ليغزوها الرعب بهذا الشكل؟ ما الذي سُلب منها بالضبط؟ صفعته مشاعر لم يتوقعها تجاه تألمها وخوفها؛ غزته رغبة في الاستفهام منها عن هويته الآن وتحطيمه أمامها كما تحطمت هي هكذا. لكن هزات جسدها وذراعيها اللذين اشتدا إحكامًا حول رقبته منعه من السؤال الآن.
همس لها برفق:
"هذا يكفي لليوم... اهدئي... أنا هنا."
ظلا هكذا، لم ينبس أي منهما بنصف كلمة حتى هدأ جسد لين تدريجيًا تحت تربيت حسن على ظهرها برفق وفي وقع منتظم وهادئ.
***
الساعة ٦:٢٢ مساءً
لم يذكر أي من لين أو حسن ما جرى، فمهما كان الذي تذكرته لم يرد حسن ذكره مجددًا أمامها رغم فضوله القاتل تجاه الأمر. تحمم كل منهما وقاما بارتداء ملابس منزلية نظيفة. تمددت لين على الأريكة في غرفة المعيشة أمام التلفاز رغم عدم تركيزها تمامًا فيما يتم عرضه.
كان حسن يدخن سيجارته بالشرفة، يتساءل عن تلك الصغيرة الغامضة وما يمكن أن تكون قد مرت به؛ يحاول ترتيب الصورة لكن لا شيء واضح. بدأ عقله يعد بعض مواقفها التي لم يستطع تفسيرها:
تكورها وحالة الفزع في المركز التجاري.
كذبها المستمر.
ذلك الملف المغلق.
إخفاء ما قد يخص بتول عنه، بل إخفاء كل شيء عنه والتظاهر لاحقًا بأن كل شيء على ما يرام.
والآن هذا؟
استنشق نفسًا عميقًا من سيجارته قبل أن ينفث دخانه بعيدًا. في وسط شروده وتأمله لأضواء السيارات التي لألأت الشوارع البعيدة، شعر بأصابع صغيرة تشد على طرف سترته. سحق سيجارته في سور الشرفة لمعرفته تلك اليد بالطبع. حوَّل نظره نحو لين بالأسفل التي حدقت به لبرهة ثم قالت:
"كل تلك التمرينات جعلتني أشعر بالجوع، هل من طعام؟"
رمى السيجارة قبل أن يجيبها:
"اصبري قليلًا، سالم في الطريق وسوف يُعد الطعام الليلة."
سار حسن للداخل بينما تبعته لين التي اتسعت عيناها في حماس:
"عمي سالم يستطيع الطهي؟!"
تمدد حسن على الأريكة، أسند أحد ذراعيه خلف رأسه، ثم أمسك جهاز التحكم مقلبًا قنوات التلفاز في محاولة لتشتيت عقله، أجابها:
"ليس طاهيًا سيئًا؛ تذمر أمس كوني أحضر الأكلات سريعة التحضير كوجبات أساسية، وقد قرر أنه من سيقوم بالطهي اليوم لرغبته في أن تجربي طعامه... أشك بامتلاكه طموحًا في أن يكون ربة منزل."
جلست لين على المقعد المجاور مربعة ساقيها ثم قالت بابتسامة صغيرة:
"أحب عمي سالم.. وأحب الطعام."
أثناء استمرار حسن في تقليب القنوات، سألها بنبرة عادية:
"هل تريدين التحدث عما حصل بالضبط؟"
لم يبعد نظره عن الشاشة متظاهرًا بأن الأمر لا يشغله.
حولت لين عينيها من الشاشة إلى أسفل؛ لم ترد قول ما حدث وفي نفس الوقت لم ترد الكذب عليه مجددًا.
رفعت رأسها للنظر في عينيه ثم قالت:
"تذكرت الشخص الذي... تسبب في سلب أمي مني."
توقفت يد حسن عن التقليب ثابتة في مكانها. كذَّب ما سمعته أذناه، رفض قلبه التصديق. سلب والدتها منها؟ ألهذا تخلت عنها بتول؟! هل يوجد رجل في حياتها الآن؟!
ترك جهاز التحكم جانبًا ثم اعتدل جالسًا ببطء، حدق بعيني لين ثم سأل بنبرة مترددة متمنيًا أن يكون مخطئًا:
"ألهذا... تركتكِ؟!"
ازدردت لين لعابها في شك ما إذا كان فهم ما قصدته بتلك السرعة، لكنها أومأت له على أي حال. همَّ حسن واقفًا فجأة ليسأل مباشرة:
"أتزوجت بتول؟!"
قطبت لين حاجبيها لسوء الفهم ذاك، ردت سريعًا محركة يديها بالنفي:
"ماذا؟! لا لا! لم تتزوج أمي، لقد رفضت ذلك المبدأ من الأساس حتى تتمكن من رعايتي."
أخرج حسن نفسًا لم يدرك أنه حبسه، عاود الجلوس ثم سأل بنبرة أهدأ:
"إذن كيف تسبب في أن تترككِ أمكِ؟ ماذا فعل ذلك الرجل؟"
كان وقع تلك الحادثة ثقيلاً ومؤذيًا لمجرد التفكير فقط، ناهيك عن التحدث وذكر ما جرى.
ارتعشت يد لين مما جعلها تغلق على هذه اليد بالأخرى محاولة منع تلك الرجفات.
وقعت عينا حسن على حركة يدها ثم على صدرها الذي بدأ في التسارع من جديد. قال لها بنبرة متزنة:
"ليس عليكِ الحديث الآن... لكن سنتناول هذا الحديث عندما تكونين مستعدة."
أومأت بابتسامة امتنان لتفهمه وعدم ضغطه.
لم تمر سوى لحظات قبل أن يرن هاتف حسن على الطاولة مما جعل كليهما يلتفت.
رقم غير مسجل
. التقط حسن الجوال ليقوم بالرد أثناء مراقبة لين لمَن يُحدثه:
"مرحبًا؟"
على الجانب الآخر، كانت ليلى جالسة فوق فراشها متربعة الساقين بملابس منزلية مريحة، تاركة شعرها المجعد الطويل بخصلاته البنية لينساب حول وجهها. ردت بتردد:
"اممم مرحبًا؟ عذرًا للاتصال في غير مواعيد الدراسة."
قطب حسن حاجبيه ليسأل:
"مَن يحدثني؟"
"أنا الأستاذة ليلى، معلمة اللغة العربية للين بالمدرسة."
حوَّل حسن نظره إلى لين أمامه:
"أستاذة ليلى؟"
همت لين واقفة لتركض ناحيته:
"أستاذتي! إنها معلمتي."
اندفعت لين نحو حسن منتشلة الهاتف من بين يديه حتى تحدثها بنفسها.
رمقها حسن بنظرات مهددة لتلك الجرأة بينما تحاشت لين عينيه قبل أن تجيب ببراءة:
"مرحبًا معلمتي."
ابتسمت ليلى براحة لكون لين بخير:
"عزيزتي كيف حالكِ؟ أردت فقط التأكد من أنكِ على ما يرام، فقد تغيبتِ عن دروسكِ اليوم بلا مكالمة أو عذر، وأخبروني أن رأسكِ كانت مصابة."
جلست لين على الأريكة لتحول نظرها نحو حسن:
"رأسي؟... اممم نعم... كنت مصابة ولهذا تغيبت."
لاحظ حسن مجرى الحديث، أشار لها بلا كلام بأن تفتح مكبر الصوت، أومأت له لين سريعًا قبل أن تنفذ ما قال. تابعت ليلى: "أردت فقط التأكد من كونكِ بخير."
لمست لين موضع الإصابة خلف رأسها قبل أن تجيب:
"لا تقلقي كانت سطحية تمامًا، أنا بخير حقًا."
بالجانب الآخر، أزاحت ليلى خصلة من شعرها لتشبكها خلف أذنها، تنهدت ببطء قبل أن تسأل:
"لين... هل أنتِ وحدكِ الآن؟ أريد سؤالكِ عن شيء ما لتجيبي بلا خوف."
حدقت لين بحسن الذي كان مستغربًا مثلها، مستنكرًا المغزى من السؤال. أومأ للين بأن تجيب بنعم حتى يعلم ما لا تريده تلك المعلمة بأن يسمعه. أطاعته لين ثم ردت:
"لحظة واحدة يا أستاذتي."
قامت لين بصنع ضجيج خطوات بقدميها على الأرض دون التحرك عن الأريكة؛ ارتفع حاجبا حسن بتفاجؤ من دهائها، ظهرت غمازته من نصف الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه دون أن يشعر، رفع إبهامه في حركة إعجاب.
أردفت لين:
"حسنًا يا معلمة، أنا وحدي الآن بالغرفة، أهناك شيء ما؟"
بادلت حسن حركة الإعجاب بإبهامها يليها غمزة سريعة.
تحدثت ليلى رغم تذبذبها في السؤال:
"أردت فقط السؤال... هل كل شيء بخير في المنزل؟"
عبست لين في استنكار قبل أن ترد:
"نعم.. لمَ لا يكون؟"
"لين لا أريدكِ أن تخافي، لقد علمت من الإدارة انفصال أبويكِ وأنكِ تعيشين الآن مع والدك.. سمعت من الطلبة توبيخه لكِ أمام المدرسة أثناء إصابتكِ، واليوم تغيبتِ عن المدرسة. أخبريني بصراحة.. هل يعنفكِ؟ هل هو من تسبب في جرح رأسكِ؟"
تسمرت لين في مكانها مما ظنته المعلمة، حوَّلت نظرها نحو حسن لتجد كفه يغطي فمه مانعًا نفسه من الضحك.
أشارت له لين نحو إصابة رأسها محركة فمها بلا صوت:
"هل أخبرها ما حدث؟"
أشار لها مرارًا:
"لا."
حركت يدها سريعًا في استهجان بما يجب قوله.
"لين هل أنتِ معي؟"
أجابت على الفور:
"معكِ يا معلمة... فقط مشاكل بالشبكة. كنت فقط أقول... لا، والدي لا يعنفني، إصابة رأسي كانت بسبب... تعثري وسقوطي أرضًا أثناء ركضي، وكان يعاتبني على إهمالي وشقاوتي."
رمشت ليلى عدة مرات لشعورها بالحماقة:
"هل أنتِ متأكدة يا لين؟... تعلمين أنه لا يجب أن تخافي من شيء."
أجابت لين بثقة مستندة على ظهر الأريكة:
"مما أخاف؟ هل أخبركِ بشيء يا أستاذتي؟ يمكنكِ سؤال والدة مالك، فقد عاتبتني هي الأخرى لسقوطي من الدرج وخدش خدي، يمكنكِ سؤال مالك ولن يقول عكس ذلك."
تفاجأ حسن من مكرها وتلاعبها بالمواقف والكلام، بينما شعرت ليلى بالحرج مما خطر على بالها، فركت جبهتها قبل أن تجيب محاولة إنهاء الحوار:
"أنا أصدقكِ يا عزيزتي لا بأس... أراكِ غدًا بإذن الله؟"
"إن شاء الله يا أستاذة."
"تصبحين على خير عزيزتي لين."
أغلقت ليلى الخط لتصمت للحظة قبل أن تهبط برأسها على الوسادة وتبدأ بضرب جبهتها:
"حمقاء حمقاء يا ليلى، لمَ هذا ما خطر على بالك؟! ستفسدين علاقة الابنة بأبيها."
صدر صوت إشعار من الهاتف. رفعت ليلى رأسها لتنظر؛ رسالة من السيدة أفنان:
_ احزري من جاء أمس إلى الدار راشيًا إحدى الصغيرات للسؤال عنكِ؟
حدقت ليلى بالرسالة لبرهة أثناء التفكير، ثم تذكرت ذلك الشاب الذي حاول فتح مجرى حوار معها.
عمر.
ألقت بالهاتف جانبًا ثم أعادت رأسها إلى الوسادة لينتشر شعرها حول وجهها متمتمة بضجر:
"لا ينقصني سواك الآن."
فور إنهاء لين المكالمة مع ليلى، قال حسن بسخرية:
"يشهد كفاي أنني من تعرض للتعنيف اليوم."
وضعت لين الهاتف جانبًا ثم همت بالسؤال:
"لمَ منعتني من قول ما حدث؟ ألم تقل لي بأن أقول الحقيقة؟"
أشار إلى نفسه:
"لي، تقولين الحقيقة لي. ثم ألم نتحدث بذلك أمس؟ إذا أخبرتها بما حدث لن يكون بيدها شيء سوى تبليغ الإدارة التي ستكتفي فقط بإنذاره وتوديعكِ أنتِ."
مطت لين شفتيها لتومئ ببطء:
"منطقي."
حدَّق بها لبرهة قبل أن يقول:
"أما أنتِ؟ فلن أنخدع ببراءتكِ مجددًا، ما أخبثكِ أيتها الدهياء!"
ضاقت عينا لين بتمعن:
"ما معنى دهياء؟"
رن جرس الباب.
سالم بالطبع.
همَّ حسن ليفتح أثناء إجابة لين:
"ليكن بعلمكِ أنه لن ينطلي عليّ ذلك."
حكت لين رأسها ببلاهة أثناء تفكيرها بجدية في ماهية تلك الكلمة.
***
الساعة ٨:٠٢ مساءً
أصوات تقطيع الخضار وغليان الطعام فوق الموقد غزت المطبخ.
كان سالم بمريول الطبخ، يتحرك بانسيابية بين البهارات والتوابل كطاهٍ محترف يمارس هوايته المفضلة؛ بدأ بالطبخ منذ حوالي ساعة بعد تفقده لركبتي لين وإصابة رأسها التي كانت سطحية تمامًا.
كان سالم يتحدث إلى حسن أثناء تقطيعه للبطاطا:
"إذن قمت بالأمر بالفعل؟! تقمصت وضعية المدرب معها أيها العجوز؟! أتوق لسماع أخبار ذلك الفتى غدًا."
كان حسن مستندًا على الحائط عاقدًا ذراعيه:
"من تنعت بالعجوز أيها الخرف؟ لم أبلغ الخامسة والثلاثين بعد."
"لا تستعجل ستبلغها في القريب العاجل، سأناديك بأبي حينها."
اقترب حسن لتناول قطعة من الخيار المقطع. أثناء التقاطها قام بضرب سالم ضربة على رأسه جعلته يتأوه:
"لمَ كان هذا؟!"
ملأ حسن فمه بقطعة الخيار قبل أن يجيبه:
"أقوم بتأديب ابني."
تمتم سالم شاتمًا حسن تحت أنفاسه.
دلفت لين إلى المطبخ مشتمة رائحة الدجاج:
"عمي سالم هل تبقى الكثير؟ هل جهزت البطاطا بالدجاج؟"
قام سالم بوضع قطع البطاطا في قدر الدجاج، أجاب لين بلطف:
"إنها المرة الثالثة التي تسألينني فيها خلال نصف ساعة، فورما تنضج البطاطا يا لين."
أومأت له بابتسامة متحمسة ثم عاودت الذهاب إلى غرفة المعيشة.
أخفض سالم من نبرته حتى لا تسمعه لين:
"أخبرتني منذ قليل بأنها ذكرت شخصًا تكرهه لأنه من أبعدها عن والدتها، هل لمحت لك عن هويته؟"
روى له حسن منذ قليل عن غضب لين تجاه شخص ما دون الخوض في ذكر تفاصيل عناقها له وانهيارها بعدها. رد حسن:
"لا لم تخبرني... لم أشأ أن أضغطها."
ضحك سالم بسخرية أثناء غسل يديه:
"كم أصبحت حنون القلب مؤخرًا!"
"كم أصبحت متطفلًا مؤخرًا!"
استدار سالم ليصبح مواجهًا لحسن:
"لمَ لا تظن أنها قد تزوجت؟"
أجاب حسن بلا تردد:
"لا، أخبرتني لين أنها ترفض الفكرة."
أمال سالم برأسه ليسأل مستنكرًا:
"لين تقول الكثير من الأشياء غير الصحيحة أحيانًا."
أجاب حسن بنبرة حازمة بعض الشيء:
"لا، لقد نظرت في أم عينيها أثناء حديثها؛ لم تعقد أصابعها، لم تتحاشَ وجهي... لقد توترت من إخباري المزيد فحسب، سأمهلها وقتها مقابل معرفة الحقيقة."
شعر سالم بالأسى على صديقه بسبب تمسكه بأمل معلق في خيط رفيع، قد يكون مجرد وهم في النهاية في حال تخلت عنه بتول.
صمت سالم قليلًا قبل أن يسأل بقلق يغزو عقله:
"حسن... هل إن تزوجت بتول، أو رفضت العودة... هل قد تفكر بالتخلي عن لين؟"
تحاشى حسن عيني سالم:
"من قال إني أريدها أن تعود لي؟"
رد سالم بجدية:
"ليس هذا ما سألتك عنه.. أنا لم أعرفك البارحة ولا أجهل ما يدور بعقلك... هل قد تتخلى عن لين؟"
حلَّت بينهما لحظة صمت متوترة؛ فلم يدرِ حسن ما قد يفعله أو يقرره غدًا، قلبه مشتت، عقله لا يزال يستوعب ما يجري حوله بالضبط. لم يعجب ذلك الهدوء سالمًا إطلاقًا. فتح حسن فمه للرد، وقبل أن يتحدث، دوى صوت تحطم زجاج من غرفة المعيشة يليه صوت لين:
"حسن!"
تحرك حسن سريعًا دون ذرة تردد نحو غرفة المعيشة يليه سالم. كان كوب حسن قد انكسر على الأرض ساكبًا ما تبقى به من شاي على الأرضية أسفل قدمي لين التي كانت متسمرة في مكانها بكتفين مرفوعين قليلًا وفي يدها علبة الحليب:
"لقد... كسرت كوبك."
تنهد حسن ثم اقترب ناحية لين:
"ماذا أفعل بكِ؟"
قالت:
"كنت أريد إضافة الحليب إلى الشاي.. لكن الكوب هو من وقع من تلقاء نفسه."
أخذ منها علبة الحليب ووضعها على الطاولة ثم قام برفعها من فوق الأرض ليجلسها على الأريكة، جثا أرضًا متفحصًا قطع الزجاج الحادة ما إذا احتوت على دماء.
لا شيء، فقط الشاي.
بدأ بلملمتها جامعًا إياها بحذر. سألها أثناء مسح قدمها بطرف عينه:
"هل أذيتِ قدمكِ؟"
هزت رأسها بالنفي. وضع قطع الزجاج جانبًا على الطاولة ليواجهها متفحصًا قدمها:
"قدما العصفور تلك إن توقفت عن التحرك فربما أستطيع أن أنعم بقليل من السلام."
ترك قدمها ورفع رأسه للنظر إليها:
"كان ذلك كوبي المفضل، أتدركين ذلك؟"
عقدت لين ذراعيها باعتراض:
"لم يكن عليك تركه أمامي دون أن تنهي شايك."
"إذن هذا خطأي الآن؟! لنرَ مَن سيوصلكِ غدًا."
"لا لا! أنا من أخطأت، أعتذر."
استند سالم على طرف الباب عاقدًا ذراعيه أثناء مشاهدة شجارهما المعتاد الذي لا ينتهي؛ علت ابتسامة اطمئنان على شفتي سالم بعد رؤيته لرد فعل صديقه على صوت نداء استغاثة ابنته وقلقه الذي أخفاه خلف نبرة السخرية. كان قلق سالم قد تملكه منذ سؤاله لحسن منذ قليل، لكن الآن...
وصله الرد بالفعل.
Hana Elahmar