لا تتركني

لا تتركني

100 0

الساعة ٥:٣٣ م

اصبحت الشمس دافئة و سطعها خافت ، بينما تلونت السماء باللون البرتقالي .

في طريق سياراتٍ خاوٍ حيث قليلًا ما تمر وسيلة نقلٍ من هنا ...

لا تزال لين نائمة ، ملتفة في سترة حسن بالمقعد الخلفي من سيارة سالم المركونة على جانب الطريق ، تأثير المخدر لم يختفِ بعد .

كان حسن خارج السيارة  .

وقف مستندًا عليها في حوارٍ مع سليم بعدما أحضر له سيارةً اخرى كما طلب ، ينهي تفاصيل اتفاق يضمن إبعاد الأذى عنه و ابنته لبضعة ايام حتى يجدا مأوى

قال حسن بعدما أنهى معه ما اتفقا عليه :

"إذا حدث شيء مخالف للمتوقع ..."

أجاب سليم فورًا :

"سأتصل بك او أراسلك"

أغمض حسن عينيه لثانية مستغفرًا ربه قبل أن يقول:

" ألهمني الصبر يا ربي "

فتحهما مجددًا ليتابع :

"سليم ، ذكرني بألا استعين بك سوى في العراك و النزالات ، لأنني أظنك استبدلت عقلك بما ترتديه في قدمك  "

عقد سليم ذراعيه بإبتسامة مغرورة بلهاء ارتسمت على شفتيه

"ليكن ... لازلت افضل منك في النزالات "

اخرج حسن نفسًا من أنفه أشبه بضحكة خافتة ، وكز كتف سليم بخفة ثم قال:

" في أحلامك "

عاودت نبرته لجديتها تدريجيًا ليقول:

"تلك المرة الأخيرة التي اخبرك بها بأنك لن تستطيع التواصل معي ، انا من سوف اتصل لأتأكد من أن كل شيء بخير ... سأغير رقمي و حساباتي ، فذلك الوغد قد توصل إليهم بسهولة "

تنهد حسن ثم سأل :

"تعلم ما ستفعل بسيارة سالم ، صحيح ؟.. ام علي الشرح من جديد ؟"

أشار بيده كحركة لا مبالية

"عيبٌ عليك ، القيادة متعتي ...و لا تقلق ،لن أنسى إخفاء ملامحي ... و لندعهم يسعدون بملاحظتهم لرقم السيارة"

مدد سليم ذراعيه مطرقعًا أصابعه ليضيف :

"سيكون ذلك مسليًا على أي حال"

تحرك سليم نحو سيارة سالم ليفتح باب مقعد القيادة ، قبل أن يفعل

حدق بالصغيرة في المقعد الخلفي

ساكنة تمامًا فيما عدا حركة صدرها علوًا و هبوطًا

ارتفعت شفتيه في إبتسامة جانبية قبل أن يحول نظره إلى حسن و يقول :

"تشبهك للغاية... امرٌ غريب أليس كذلك ؟ "

هز حسن رأسه أثناء الاقتراب من باب المقعد الخلفي

"صدقني ، لازلت احاول استيعاب الأمر "

فتح حسن باب السيارة ،ثم ضم السترة أكثر حول لين حتى لا تبرد ، همس قبل حملها:

"بسم الله"

رفع جسدها المرتخي بحرص بين ذراعيه ، أشار لسليم بحاجبيه بأن يفتح الباب الخلفي للسيارة الجديدة ، و قد فعل

وضعها حسن برفق فوق المقعد ثم أبعد خصلات شعرها عن وجهها ، أغلق الباب فورًا قبل تسرب النسمات الباردة إليها

نُقِلت حقيبة حسن هي الاخرى إلى السيارة الجديدة قبل ان يصعد إلى مقعد السائق

استند سليم على النافذة نحو حسن ليقول بسخرية

"أتدرك أن سيارة سالم ستنطق يومًا و تشتكيه من كل ما تفعله بها ؟"

ادخل حسن المفتاح في مكانه ثم اداره ليخرج صوت هدير المحرك ،أجابه:

"أتدرك أنك إن افسدت ما أمرتك به ، سأجعل حافظ هو منافسك في النزالات لبقية العام؟ "

شهق سليم في درامية

"أتريد حضور جنازتي ام ماذا؟! لم اتزوج بعد !"

"إذًا كف عن الثرثرة و تحرك ، أريد أن اصل قبل المساء "

تنحى سليم بعيدًا عن السيارة ملوحًا إليه ليتحرك

قال قبل انطلاق حسن :

"احرص على سلامتك انت و الصغيرة ... لايزال هناك الكثير من النزالات التي أريد تحطيم وجهك بها "

تحركت شفتا حسن في شبه إبتسامة خافتة قبل أن يلوح هو الآخر

"و أنت كذلك ... لا تدعهم يمسكون بك "

انطلق حسن بالسيارة قبل أن يسمع رد سليم

راقب سليم السيارة و هي تبتعد ،ثم استدار متوجهًا نحو سيارة سالم ، صعد و شغل المحرك قبل ان يبدأ في تنفيذ ما قال له حسن أن يفعل .

***********************************

الساعة ٥:٤١ م

أثناء العودة من طريق الأشجار

تحديدًا في سيارة عمر ، كان سالم ممسكًا بخاصرته بالمقعد الامامي بجانب عمر الذي كانت ملابسه الأنيقة مغطاة بالتراب و اوراق الشجر ، و خدشٌ يصاحبه كدمة على خده الايمن من ركلة مجد له سابقًا

ليلى في المقعد الخلفي

مستيقظة

وجهها شاحب كأن الدم قد هرب منه

لم تشف تمامًا من أحداث اليوم التي تتنافى مع حياتها الهادئة

لا تزال قلقة على لين التي اختفت دون أن يعلم أحد ما حل بها

عم هدوء متوتر على ثلاثتهم

لا يعلم ايُ منهم ما الذي من المفترض ان يقول

انتفضت ليلى فجأة من اهتزاز هاتفها داخل حقيبتها .

لاحظها عمر عبر المرآة

التقطته لتنظر إلى رقم المتصل

رفعت رأسها و قالت :

"إنه...والد لين ..."

التفت سالم سريعًا ليمد يده إليها

"أعطيني إياه "

ناولته ليلى الهاتف ، ضغط سالم زر الرد و اجاب بإندفاع:

"أيها الأحمق ! اتصلت بك عشرات المرات .. لمَ لم ترد علي ؟!"

من الجانب الآخر

تابع حسن القيادة أثناء اجابته :

" كنتُ مشغولًا ... هل أنت بخير ؟"

أبعد حسن الهاتف قليلًا عن أذنه بسبب صراخ سالم به قائلًا :

"دعك مني و منك ، هل لين معك ؟! أهي بخير؟!"

حوَّل حسن عسليتيه إلى المرآة حيث الصغيرة النائمة بالخلف قبل معاودة التركيز على الطريق

" إن لم تكن معي ،لما قمت بالرد عليك من الأساس "

تنفس سالم الصعداء ثم سأل بنبرة متزنة :

"ما كان صوت الرصاص ذاك ؟ أرجوك اخبرني أنك لم تقتل احدًا"

"لم أقتل احدًا ...مع الأسف "

عض حسن على شفتيه لتمالك اعصابه قبل المتابعة

"ذلك الحقير قام بتخديرها ...لم تستيقظ بعد ولا أعرف ما إذا كان ذلك طبيعيًا"

صر سالم على أسنانه مانعًا نفسه من الشتم قبل أن يجيب :

"تأثير المخدر على الصغار يكون أقوى ... قد تظل نائمة لبضع ساعاتٍ اخرى ، كن بجانبها عندما تستيقظ حتى لا تفزع ... أحداث اليوم لم تكن هينة "

"سأفعل ... أين أنت الآن ؟"

منع سالم ابتسامته ثم قال :

"في سيارة عمر ، أو رجل المسابقة كما اسمته لين "

ابتسم عمر بخفة اثناء متابعة القيادة

سأل حسن بإستنكار بعدما ضاقت عيناه:

"ما الذي جاء به ؟"

" أوه أنها قصة طويلة ... ظن اني اختطف ليلى التي ظنت بدورها اني اختطف لين أثناء محاولتي منع اختطافها ... سأروي لك لاحقًا "

قال حسن :

"أيًا يكن ... سأغلق الآن حتى لا تنفذ البطارية "

عبس سالم بإستنكار

"إلى أين أنت ذاهب ؟"

قال حسن قبل إنهاء المكالمة :

" سأخبرك فور وصولي "

"أخبرني فقط أي_"

أغلق حسن الخط قبل إتمام سالم لجملته

شتمه سالم تحت أنفاسه قبل إعادة الهاتف لليلى و التي تناولته منه بأصابع مرتعشة .

سأل عمر سالم بفضول قائلًا :

"إذًا ... كان ذلك والدها ؟"

عاود سالم الضغط على خاصرته قبل أن يرد:

" هو بنفسه "

قال عمر بسخرية مسترجعًا لكم حسن له :

" لقاؤنا الأول كان سيئًا حقًا "

أراح سالم جفنيه بعدما أسند رأسه للخلف مبتسمًا لتذكره صعوبة فترة لقاءهما و ما مرا به سويًا

"صدقني ليست بسوء لقائي معه ، حقًا لديه موهبة في جذب المشاكل إليه كالمغناطيس"

صدرت عنهما ضحكةً خافتة على عكس ليلى التي بقيت صامته و شاردة

لاحظها عمر عبر المرآة ، اختفت ابتسامته تدريجيًا ثم سألها:

"أأنتِ بخير؟"

لم تلاحظ إنه يحدثها مما جعله يعيد السؤال

"ليلى ..."

التفتت له بعدما انقطعت أفكارها

قال عمر :

"اخبريني عنوانك ، سأوصلك"

اعترضت دون تفكير

"لا لا ... سأستقل سيارة أجرة و أعود"

كتم عمر ضحكته

"هل حقًا أنتِ مستعدة لركوب سيارة أجرة بعد التي ركبتها اليوم؟"

عقدت ليلى أصابعها في عدم ارتياح

عادت النظرات القلقة على وجه عمر ،استعاد تركيزه على الطريق بعدما حسم أمره و قال:

"سأوصل ذلك الرجل اولًا للمشفى بجانبه المصاب ذاك"

أشار برأسه نحو سالم قبل أن يتابع

"و منها نطمئن عليكِ أنتِ الاخرى ثم ستخبريني عنوانك و سأوصلك قبل المغيب ، لا نقاش ... ولا تقلقي لا أنوي اختطافك ، جسدي الآن أضعف من أن يحمل احدًا"

اتسعت عينا ليلى في ارتباك مما قال قبل أن تشيح بوجهها بعيدًا بوجنتين متوردتين

لاحظ عمر ما تفوه به ليقول بتلعثم اثناء تحريك مقلتيه بين المرآة و الطريق سريعًا :

"لم اقصد بتلك الطريقة...أعني لا أقصد ان احملك ! ، اقص_ ، أنا .."

حوَّل سالم نظره إلى عمر بعدما فتح عينيه ثم علق ساخرًا :

"أنت حقًا سيء في ذلك "

حلَّت نظرات الاستسلام على وجه عمر قبل عقد قراره بألا يتفوه بكلمة اخرى طوال الطريق

***************************************

الساعة ٦:٤٧م

وصلت سيارة حسن إلى نقطة ظهرت عندها الحقول الخضراء على جانبي الطريق ، مباني قليلة و بعض الحدائق تتوسطها منازل طغت عليها الطابع الريفي.

أعاد حسن قراءة العنوان على ظهر صورة بتول مع لين

توقف عدة مرات ليسأل المارَّة عن عنوان ذلك البيت مفترِضًا إنه حيث كانت بتول او ربما تكون .

توقفت السيارة حيث المنزل الذي ارشدوه إليه .

ظهرت إضاءةٌ دافئة من النوافذ كدليلٍ على وجود حياة داخله

اطفأ حسن المحرك ثم نزل من السيارة .

قام بفتح الباب الخلفي متأملًا لين للحظة قبل أن يهمس :

"ألا تظنين أنكِ اطلتِ قيلولتك قليلًا يا صغيرة؟"

انحنى ثم همَّ بحملها من جديد ، أغلق الباب ثم خطا نحو مدخل المنزل

سمع صوت حركةٍ في الداخل

تسارعت ضربات قلبه في تهيؤٍ لرؤية ملامحها الناعمة في أي لحظة

توقف عند المدخل

لين بين ذراعيه و خدها على كتفه

استنشق نفسًا عميقًا محاولًا تمالك تلك المشاعر التي باغتته

ثم مدَّ كوعه حتى يرن جرس المنزل

تعالت صوتُ خطواتٍ تسير نحو الباب

فُتِح اخيرًا ليظهر شابٌ بدا في منتصف العشرينات

عبس حسن في استنكار بينما رفع الشاب أحد حاجبيه ليسأل :

"هل يمكنني مساعدتك ؟"

عاود حسن تفقد رقم المنزل بجوار الباب قبل أن يعود بنظره إلى الشاب

نظف حلقه ثم سأله:

"أليس هذا ...منزل بتول عزت؟"

قبل أن يجيب الشاب ، آتى صوتٌ انثوي من الداخل تنادي:

"مَن بالباب يا حمزة؟"

اقتربت خطواتها لتظهر منى التي كانت تضبط حجابها

حملقت بحسن للحظة مستشعرةً أنها رأته قبلًا ، ضاقت عيناها لتسأل :

"عذرًا يا سيد ...هل ... هل أعرف_"

فور وقوع ناظريها نحو الصغيرة النائمة بين ذراعيه

اتسعت عيناها فجأة لتهمس في صدمة

"أهذه ...أهذه لين ؟!"

حوَّل حمزة مقلتيه أيضًا نحوها

لم يفهم حسن شيئًا على الإطلاق ، هزت منى رأسها في عدم تصديق ، أخذت تحرك رأسها بين وجه لين و أخيها حمزة

"إنها حية ! حمزة ..إنها حية !"

اقتربت بإندفاع نحوها لتحملها مما جعل حسن يخطو خطوة للوراء مبعدًا لين عنها و يقول بحزم:

"إنها متعبة ...و كذلك لم تجيبوا سؤالي بعد ، من أنتم ؟! و هل هذا منزل بتول ؟؟"

مسحت منى دموع فرحتها سريعًا قبل إفساح الطريق للسماح له بالدخول ، قالت أثناء محاولتها تمالك مشاعرها :

"تفضل تفضل رجاءً ... أنا منى صديقتها ، أدخِل الفتاة حتى لا تبرد "

تذكر ذلك الاسم الذي ذكرته لين قبلًا

حدَّق حسن بينهما في ازدراء ، فلم يفهم سبب تفاجؤها أو لمَ قد لا تكون لين حية ...

بعد برهة صامتة ،اومأ ثم دلف للداخل خلفهما

أغلق حمزة الباب و سار معهما

فتحت منى باب غرفة ابنها آسر على عجلة، أشعلت الاضواء ثم بدأت في تعديل الوسادة على السرير و جلب بطانية

"هنا ...ضعها هنا ...على مهل"

هبط حسن بجسد لين ببطء على الفراش ، ثم عدَّل الغطاء فوق سترته التي لا تزال حولها لتنعم بمزيدٍ من الدفء

إستند حمزة على الباب عاقدًا ذراعيه ، محدقًا في حسن الجالس على طرق الفراش

سأل حمزة في استنكار :

"جئت تسأل عنا واحدًا تلو الآخر دون أن تخبرنا حتى من أنت "

أجابت منى على الفور :

"إنه والد لين يا حمزة .. أرتني بتول مسبقًا صورها معه في الماضي"

أدرك حسن أن الصورة التي كُتِبَ عليها العنوان التقطت في منزل منى لا بتول

تنهد ثم قال :

"إذًا هذا منزلك "

اومأت له منى

"منزلي هو منزل لين ... فقد تربت هنا ايضًا"

حدق حسن بلين لثانية قبل معاودة النظر نحو حمزة و منى ثم قال :

"أحتاج لقاء بتول في وقتٍ عاجل ... فليتصل بها احدكما"

تجمد كلٌ من حمزة و منى في مكانه

حرك كلاهما وجهه ببطء لتتلاقى نظراتهما في صدمة مخلوطة بريبة

قبل أن يتحدث ايٌ منهما

نظر ثلاثتهم حيث تلك الخطوات الصغيرة التي تقترب

دلف آسر إلى الغرفة و في يده كتاب الرياضيات ، قال بإستياء:

"أمي ... لا أستطيع حل تلك المعادلة "

توسعت عيناه و ابتسامته فور وقوع نظره نحو لين

"هل عادت لين يا أمي ؟!"

تحرك نحوها سريعًا ، قبل الاقتراب أكثر، اوقفته منى قائلةً له :

"عزيزي إنها نائمة و متعبة ، اتركها لترتاح قليلًا "

اومأ لها ثم قال برجاء :

"لن تسافر بعيدًا من جديد ...صحيح ؟"

حدقت منى بحمزة و حسن ثم آسر

ازدردت لعابها ثم اجبرت نفسها على الابتسام لتقول :

"آسر ...هلا جلست معها هنا دون ازعاجها؟ سنكون بالخارج لنتحدث قليلًا ، حسنًا ؟"

اتسعت ابتسامة آسر ليومئ بحماس

"عندما تستيقظ ، سنعد فشارًا و نشاهد فيلمًا !"

داعبت منى خصلات شعره ثم قالت :

"بإذن الله ..."

حوَّلت نظرها إلى حسن و قالت له :

"هل ...هل يمكننا التحدث بالخارج للحظة ؟"

راود حسن الإرتياب من نظراتها و نبرتها

اومأ لها قبل أن ينهض من طرف الفراش و يلحق بهما للخارج تاركًا لين مع آسر بالغرفة.

توقف حسن في غرفة المعيشة دون أن يجلس و قال :

"أنا لا أنوي البقاء هنا طويلًا ، فليتصل احدكما ببتول او يعطني رقمها الآن "

عضت منى شفتها لتكبح ما تشعر به

قال حمزة :

"عذرًا و لكن ... هل تعلم لين بما حدث أم لا ؟ ألم تخبرك ؟"

ضاقت عينا حسن بإستنكار

"تخبرني بماذا ؟"

كتمت منى فمها بكفها لتمنع شهقاتها التي بدأت تسرق أنفاسها

حلَّ بينهم صمتٌ ثقيل

فكيف لهم أن يخبروه

حدَّق حسن بينهما قبل أن يقول بنفاذ صبر و نبرة شديدة :

"تخبرني بماذا ؟! .. ما الذي من المفترض ان تخبرني إياه لين ؟!"

لا رد

صاح حسن :

"ما الذي يحدث هنا ؟؟ لمَ لا يجيبني أحد ؟!"

أمسك حمزة بذراعي حسن برفق

"فقط اجلس و سنتحدث بهدوء "

أبعد حسن ذراعيه و قد فقد أعصابه

"لن أجلس و لن نتحدث ، أين هي بتول بالضبط؟!"

اشتدت نبرة حمزة هو الآخر

"اخفض صوتك ! يوجد اطفالٌ بالمنزل !"

"لا تقل لي أخفض صوتك ! لن اخفضه حتى أعرف_"

قاطعته منى لتصرخ فجأة :

"بتول ماتت !"

صمت

لم يسقط شيء

لم يتحرك أحد

بدا الهواء و كأنه توقف

و كأن الزمن ذاته قد تجمد

اختفت كلمات حسن قبل أن يلفظ بها

عمَّ هدوءٌ مفاجئ لا يشغله سوى صوت حركة عقرب الساعة

شعر حسن بضربات قلبه تكاد تخرج من صدره

أستدار ببطء شديد نحو منى بتعابير وجهٍ غير مفهومة

قال بنبرةٍ مظلمة:

"ما الذي تقولينه أنتِ ؟"

لم تتمكن منى من تكوين كلماتها ، فخرج صوتها محمولًا بأنفاسٍ غير منتظمة:

"سو..سوف يجدون الفاعل ...سيجدوه"

ضاقت عيناه ثم سأل بنبرة متزنة و كأنه يسأل عن الطقس

"فاعل ماذا ؟"

حاول حمزة من جديد في جعله يجلس ، قال له بآسى :

"اسمعني ...ربما لن تستوعب ما نقول الآن لكن_"

دفعه حسن ليبتعد عنه متحدثًا بنفس النبرة الخاوية:

"من التي ماتت؟ تلك ليست هي "

انسابت دموع منى أكثر من ذي قبل ، هزت برأسها ثم قالت:

"المحقق فاتح ، يعمل بال_ بالقسم ...س_سيجد من فعل ذل_"

زمجر حسن فجأة :

"قلت لكِ تلك ليست هي !"

خلخل أصابعه في خصلات شعره بأنفاسٍ مثقلة ، صرخ بنبرة مخيفة :

"يوجد المئات بإسم بتول ! بل الألاف ! لمَ ستكون هي بالتحديد ؟!"

انفطر قلب منى التي فشلت في كتم بكاءها

انتفضت من صوت حسن الذي صاح مجددًا :

"على مَن تبكين بالضبط ؟!"

احتدت نبرة حمزة اثناء الاقتراب من حسن:

"تمالك أعصابك و اسمعني !"

"ابتعد عني!"

هز حسن برأسه أثناء إبتعاده للخلف ، اختفت نبرته الغاضبة ليحل محلها نبرة فارغة خالية من المشاعر

"حمقى ..."

إبتسامة باردة مرت على شفتيه

"مجرد حمقى ... تظنونها قد ترحل بتلك السهولة "

استدار ثم تناول مفاتيح سيارته على عجلة متجهًا للخارج

لاحقه حمزة سريعًا

"انتظر ! إلى أين أنت ذاهب ؟!"

كانت إجابة حسن هي انغلاق باب المنزل خلفه بعنف .

استدار حمزة لينظر إلى أخته

لم تستطع منى التحمل أكثر، اجهشت بالبكاء بشدةٍ سرقت أنفاسها

هبطت على الاريكة لتدفن وجهها بين كفيها

اقترب حمزة و جلس بجوارها ، سحبها ليضمها إليه دون كلمة

لأنه ببعض الأوقات، الكلمات لا تكفي لإخماد ثقل المشاعر ...

*************************

الساعة ٧:٢٢ م

تثاقلت انفاس حسن أثناء القيادة ، اخذ يتحدث و كأنه يلقن نفسه ما سيقول لمعاتبتها عند لقائها :

"يظنونكِ رحلتِ"

أدار عجلة القيادة متجهًا نحو القسم ، قال بسخرية مريرة:

"تلك المرة يا بتول ... حين أجدك ، أنا من لن يسامحك  "

**************************

في مكتب المحقق فاتح بقسم الشرطة .

كان فاتح منشغلًا في قضيةٍ اخرى بعد إنغلاق قضية بتول .

رغم عدم اقتناعه بوضع تلك الجريمة في تصنيف (ضد المجهول)

إلا أن هناك قياداتٍ أعلى منه أمرت بغلقها ، بل إنه تم التكتيم عليها من قِبل الإعلام .

طرق

طرق

طرق

أجاب فاتح دون النظر

"أدخل"

انفتح الباب ليقول أحد معاونيه

"حضرة الضابط ، يوجد شخصٌ يريد لقائك "

رفع فاتح رأسه و قال :

"اخبره بأن يتفضل"

اومأ له المعاون ثم أشار بالدخول

دلف حسن بخطواتٍ مثقلة

انغلق الباب من خلفه

قال فاتح :

"تفضل بالجلوس ... طلبت مقابلتي ؟"

استراح حسن على المقعد أمامه

صمت لبرهة و كأن عقله لا يستوعب ما يحول لسانه قوله

استنشق نفسًا عميقًا ثم قال بتلعثمٍ بسيط :

"هل ... هل يوجد ... قضية باسم ..."

أجبر صوته على المتابعة :

"باسم بتول"

لم يقل بتول عزت

اكتفى ببتول

ففي حال نفى فاتح او نسي وجود شخصٍ بهذا الاسم ، كان حسن على أتم الاستعداد بأن يتشبث بتلك الكذبة كحبلٍ غير مرئي

حدَّق به به فاتح قليلًا ثم قال:

"نعم يوجد ... لكن مع الأسف تم اغلاقها ضد مجهول لعدم إستيفاء الأدلة الكافية"

توقف استيعاب حسن مما قاله فاتح عند كلمة (نعم)

شعر بنبضات قلبه تعتصر صدره

خرجت نبرته غير منتظمة عندما تحدث :

"أيمكنني رؤية الاسم ؟ ... بالكامل "

قال فاتح بإرتياب :

"يمكن ... لحظة واحدة "

أخذ فاتح يتفقد الملفات أمامه حتى وجد ورقة لم تكن تحوي سوى على تفاصيلٍ اولية ، فباقي التفاصيل غير مسموحٍ بنشرها

ناوله فاتح الورقة

امتدت اصابع حسن بإرتجاف قبل الحصول عليها

فورما وقعت عسليتاه على الورقة

كان جسده كما المشلول

حاوطت البروده اطرافه و لو أنه سقط في ماءٍ بارد

قرأ الاسم مرة

ثم الثانية

و الثالثة

يُكذِّب ما يراه

لكن ما الذي يكذبه بالضبط؟

فقد حوت الورقة على صورتها 

لمَ كانت صورتها ضبابية في عينيه ؟

أكانت عيناه ايضًا ترفضان التصديق ؟

_ سبب الوفاة :نقص حاد في الأكسجين ناتج عن الخنق 

استرجعت ذاكرته جملة صلاح بزيارتها و إحضار الزهور لها

كان يعلم ...

صلاح كان يعلم ...

و لين ؟

كانت صامتةً كل تلك المدة؟

هل دمَّر حياة ابنته هي الاخرى ؟

أخذت أفكاره تنهشه:

كان صلاح مجددًا ..

كل شيء منطقي الآن ... أليس كذلك ؟

ذلك الخطأ سيظل يلاحقك أينما هربت ..

بل سيلاحق من حولك ..

ستعيش معذبًا برؤية من تحب يختفون واحدًا تلو الآخر حتى لا يبقى سواك

لاحظ فاتح إطالة حسن في التحديق بالورقة ، عبس بحاجبيه بإستغراب

"يا سيد ...هل أنت بخير ؟"

ارتفعت شفتي حسن دون تحريك ناظريه عن الورقة ، قال بإبتسامة :

"ذهبت إلى من تحب اخيرًا..."

قطب فاتح حاجبيه

"عذرًا ؟؟"

رفع حسن رأسه لفاتح ثم قال بنبرة ساخرة :

"رحلت هكذا ، بالطبع ستشتكيه مني ... الرجل الذي استحق حبها فعلًا ... و الذي سلبته أنا منها "

هربت منه ضحكة صغيرة

"أليس ذلك مثيرًا للسخرية؟ ... أن تحاول حماية شخصٍ بظلم آخر ... ثم تجد ذاك الشخص الذي حاولت حمايته ...و ابتعدت عنه لسنوات حتى لا يتألم مجددًا بسببك .. قد _ "

تلاشت كلماته بين انفاسه قبل اكتمالها

لم يرد فاتح ، فنبرة حسن كانت واضحةً بأنه ليس في كامل وعيه.

ارتفعت ضحكة حسن بعض الشيء

لم يتغير وجهه او يمتعض

لا تزال تلك الإبتسامة المرتجفة على شفتيه و قهقهته الخافتة لم تفارقه

غطى عينيه بكفه لوهلة

نهض فاتح من مكانه ثم قال:

"أظنك لستَ بخير ... سأحضر لك شيئًا ليساعدك على الهدوء "

اشار حسن بيده في حركة غير مبالية

سار فاتح نحو الباب لينادي المعاون لكن لا رد

التفت لحسن ثم قال:

"لحظة و سأعود"

لا رد

لم يبدُ له قد سمعه حتى

توجه فاتح نحو غرفة مجاورة ، خطا إلى المعاون الذي سمح لحسن بالدخول منذ قليل ثم قال :

"أين كنت؟؟"

استقام المعاون مجيبًا :

"عذرًا سيدي ... طلبني اللواء و كنت البي طلبه"

اومأ له فاتح ثم قال :

"أحضر عصير الليمون إلى مكتبي في غضون خمس دقائق "

"حسنًا سيدي "

تحرك المعاون لينفذ طلبه

"انتظر"

توقف لنداء فاتح ثم استدار إليه

سأل فاتح:

"ما اسم الرجل الذي في مكتبي؟ هل أعطاك بياناته؟"

هز المعاون رأسه بالنفي

"لم يقل أي شيء ...سأل فقط عن مكانك "

تنهد فاتح ثم قال:

"حسنًا...يمكنك الذهاب الآن"

غادر المعاون بينما عاد فاتح إلى مكتبه حيث من المفترض أن يكون حسن

في اللحظة التي خطا بها إلى الداخل

تسمر لثانية

فقد كان المكتب فارغًا

***********************************

على جانب طريقٍ زراعي في عتمة المساء حيث سيارة حسن متوقفة.

كان جالسًا في مقعد القيادة كالجسد بلا روح ..

لم يعِ كيف قاد السيارة ..او حتى إلى أين

كان فارغًا

عسليتاه الخاويتان كانتا تحدقان في الصورة بين يديه

صورة بتول مع لين

يتأمل ملامحها التي لن يتسنى له رؤيتها مجددًا

ابتسامتها التي كانت تنسيه ما يحمل من هموم

ماتت

بلا وداع

بدون أن يسمعها تخبره أنها سامحته

لم يتمكن من تحمل ثقلان عدم غفرانها له أثناء حياتها ...

فكيف له ان يستطيع بعد موتها ؟

أمال رأسه قليلًا متأملًا ابتسامتها

ارتفعت شفتاه في إبتسامة هو الآخر ..

قال بنبرة خاوية :

"تأخرت...مجددًا"

لم تختفِ ابتسامته المريرة اثناء تسائله :

"لمَ أنا دومًا متأخر ؟"

ببطء

مسح بإبهامه حيث وجهها في الصورة ، و لو أنه سيتمكن من تحسس بشرتها أسفل اصبعه.

أغمض عينيه بشدة ثم قال:

"هذا عقابي ... أليس كذلك ؟"

فتحهما ببطء ليهمس بصوت مبحوح :

"عقابك قاسٍ جدًا ..."

ارتجفت شفتاه أثناء متابعته :

"أنتِ قاسية يا بتول ..."

بدأت أنفاسه تفر من صدره على هيئة متقطعة

لم تكن انفاسًا طبيعية ...

كانت أشبه بضحكة حسرة

كان يضحك !

هل كانت لفقدانها ؟

ام كانت لما تسبب به للرجل الذي لم يرَ منه سوى كل خيرٍ و تعفنت جثته في السجن؟

أكان يضحك على انتهاء مسيرته العملية منذ سنوات في غمضة عين؟ 

او ربما لتلك الصغيرة التي تطاردها اخطاؤه

او .. او ..او ...

توقف عن العد منذ زمن

بدأ يختنق في قهقهته المنكسرة بلا تحكم قبل ان يميل برأسه للامام

سقطت الصورة من بين اصابعه لتهبط في ارضية السيارة ثم احكم بيديه على المقود و هبطت جبهته على عجلة القيادة أمامه ...

و بكل ما حملت تلك الضحكات من ثقل

تحولت فجأة إلى نحيبٍ مزَّق صدره

انهمرت دموعه بحرية فوق خديه ... خرجت أنفاسه و شهقاته بصوتٍ متحشرج أثناء اهتزاز جسده بعنف 

إبيضت أصابعه المرتعشة مع زيادة احكام غلقها على عجلة القيادة و هربت منه تأوهاتٌ اشبه بالعويل

استسلم جسده لإفراغ كل ما كبحه لسنوات ، و لو أن الألم قد وجد طريقه للخروج أخيرًا ...

تضاربت الذكريات في رأسه بلا هوانة ، فلم يكتفِ عقله بتعذيب جسده فقط.

تمكن بالكاد من استجماع انفاسه بين الشهقات المتتالية التي باغتته ، و كأن الهواء قد اختفى من رئتيه

صر على اسنانه بشدة ثم ...

ضرب بجبهته على المقود

مرة

الثانية

ثم الثالثه

و كأنه يحاول سحق الضجيج داخلها

يريد فقط اخماد تلك الأصوات

يحتاج أن يخرس رأسه

ليتها تزوجت و نسيته كما ظنَّ قبلًا ...

أراد فقط رؤيتها بخير

لا ...أراد فقط رؤيتها

كان يريد مقابلتها و إصلاح كل شيء ... لكنها رحلت و اخذت معها كل شيء.

***********************************

الساعة ٧:٥١ م

اسفل البطانية في غرفة آسر

هربت همهمات صغيرة من بين شفتي لين ، تحرك رأسها يمينًا و يسارًا ببطء دون فتح عينيها

رفع آسر رأسه من الكتاب ملاحظًا حركتها ، نهض من على الأرض متوجهًا نحوها في بهجة

"لين  ... لين إنه أنا ، آسر !"

ارتجف جفنا لين قبل فتحهما ببطء

اغمضتها مجددًا بسبب ضوء الغرفة الي زاد من صداع رأسها

التقطت انفها عطر حسن الذي كان مصدره سترته حولها

أعاد رأسها آخر الاحداث

الهرب

المنديل

حسن مع سلاحه

ثم ظلام

ارتعشت شفتاها ..قالت بصوتٍ خافت:

"با..با"

جلس آسر بجوارها ثم قال:

"هو ليس هنا الآن .."

فتحت عينيها مجددًا لتجبرهما على الاستيقاظ تلك المرة

حدقت عسليتاها بالسقف

كانت الرؤية ضبابية في البداية قبل أن تتضح شيئًا فشيئًا

هذا ليس سقف الشقة

رمشت عدة مرات قبل أن تدير بوجهها نحو تلك الملامح المألوفة و المبتهجة

قالت بصوتٍ واهن :

"آسر ..؟"

اومأ لها على الفور

"نعم نعم ، اشتقت لكِ كثيرًا !"

فورما حولت لين وضعيتها بضعفٍ إلى الجلوس في وسط دوار رأسها ، همَّ آسر بمعانقتها

رغم ارهاقها و صداعها

بادلته لين العناق و لكنها لم تكن بتلك السعادة

اشتاقت إليه ... و لكنها شعرت بشيء خاطئ منعها من الابتهاج

فورما ابتعد عنها ،سألته :

"هل أبي بخير ؟!"

اومأ لها :

"نعم كان بحالٍ جيد"

حدقت لين في الفرغة من حولها ثم سألت بإستنكار :

"كيف جئتُ إلى هنا ؟"

"احضركِ والدك بنفسه ، كنتِ نائمة بين ذراعيه ... قال انك متعبة و قالت امي أن ادعكِ ترتاحين"

وقع قلب لين

تسائلت داخلها بخوف

هل تقابلا؟!

هل أخبرته بما حدث لوالدتها ؟!

تسارعت انفاس لين ، قالت بصوتٍ خافت مرتجف :

"هل ... هل تحدثا في شيء؟"

هز آسر كتفيه ثم قال:

"أخبرته امي انها تريده في كلمة ... سمعت صوت صراخهم ثم غادر والدك ، لا أعرف ما قالاه"

هزت لين رأسها قبل أن تمسك به بكلتا يديها

"لقد علم ..لقد علم ..لقد تركني و غادر "

ارتبك آسر من حالتها

حاول تهدئتها دون فهم ما يحدث ، مد يديه نحو معصميها لإبعادهما عن رأسها

"لين ... ما بكِ ؟؟"

لم تجبه ، فقط تابعت التكرار بإنكسار:

"لقد تركني ...لقد غادر ...ليس هو أيضًا "

دلفت منى إلى الغرفة بعد سماعها اصواتهما المرتبكة

"ماذا هناك؟"

تحركت فورًا نحو الفراش، قالت بعجلة :

"لين حبيبتي .. ما بكِ ؟! ماذا حدث ؟!"

اجهشت لين بالبكاء بدلًا من الرد

حوَّلت منى ناظريها نحو آسر

"ما الذي حدث ؟! هل ضايقتها ؟؟"

هز آسر رأسه نفيًا :

"لا ، أقسم يا أمي لم افعل شيئَا ... لقد سألتني عن والدها و اخبرتها انكما تحدثتما و غادر ، ثم من بعدها بدأت تكرر بأنه تركها و رحل "

ازدردت منى لعابها ثم امسكت بكتفي لين برفق و اخفضت وجهها ليكون في مستوى خاصتها ، قالت بصوتٍ متزن :

"عزيزتي هو لم يذهب إلى أي مكان ... هل له غيرك ؟"

هزَّت لين رأسها بغير تصديق ، نشقت بأنها ثم سألت بين انفاسها:

"إذًا أين هو الآن ... أين ذهب ؟"

صمتت منى لبرهة في حيرة ، فهي بالفعل لا تدري أين ذهب .. اصطنعت إبتسامة و ردت :

"إنه يستنشق بعض الهواء بالخارج و سيعود فورًا "

توقف بكاء لين و قد تبلل وجها بالكامل إثر الدموع، أبعدت يدي منى عن كتفيها برفق أثناء التحديق بها ، قالت بصوتٍ كان بالكاد مسموع :

"تعلموننا ألا نكذب ... أنه خطأ لا يجب اقترافه .. و ها أنتم الكبار تكذبون طوال الوقت "

أحست منى و كأن الهواء هرب من الغرفة ، ردت على الفور :

"لين أنا لا _"

قاطعتها لين

"أريد البقاء وحدي ..."

مسحت دموعها بكُم ملابسها قبل المتابعة

"رجاءً ...هل يمكنني البقاء وحدي ؟"

حدقت منى بعسليتها المتوسلتين

تنهدت تنهيدة عميقة يكسوها الأسى ، اقتربت و قبلت جبينها قبلةً طويلة ثم همَّت واقفة

"سأكون بالخارج يا حبيبتي ...في حال احتجتِ لشيء "

لم تجبها لين ، تكورت ضامَّةً نفسها ،متشبثةً في سترة حسن كأنها تحاول الغرق بها .

أشارت منى لآسر بالخروج معها

"هيا يا آسر "

ارتجفت شفاه آسر السفلية تأثرًا بحزن لين ، همس لوالدته :

"هل ستكون لين بخير ؟ "

استدارت لتنظر إليها مرةً أخيرة قبل الخروج

اجبرت نفسها على الابتسام إلى ابنها ثم امسكت بيده ليسيرا نحو الباب

"امهلها بعض الوقت ..و ستكون بخير "

سمعت لين صوت إغلاق الباب خلفهما

دفنت وجهها داخل سترة حسن مستنشقةً عطره و كأنها تحاول إقناع نفسها بأنه لازال هنا.

****************************

إضاءة الفلورسنت المزعجة

جدران المصحة البيضاء

ذلك الكابوس مجددًا

حدَّق حسن بكفيه ، لا يسمع سوى أصوات أنفاسه المثقلة

لم يصرخ تلك المرة او يضرب الحائط

لم يطلب رؤية بتول للتبرير لها

رغم ذلك ...

سمع صوت خطواتٍ تقترب ... خطواتٍ حفظها من كثرة تكرار ذلك الكابوس الذي ارَّقه لسنوات

رفع ناظريه ببطء

كانت هي ...

تحدق به بنفس نظرات خيبة الأمل ، خرج صوتها مشبعًا بالخذلان

"كيف لك أنت تفعلها؟"

بدلًا من التبرير او الدفاع عن نفسه ، أغمض عينيه و أجابها بإنكسار

"أنا أسف..."

خطت نحوه للأمام و صرخت :

"أنت قاتل !"

تنهد ثم كرر ما قالت :

"أنا قاتل .."

و مجددًا ...

انكسر المكان من حوله كمرآةٍ مهشمة ليجد نفسه في قاعة المحكمة

تكررت أحداث ذلك الكابوس مرة اخرى

نظرات محسن له من وراء القضبان

لحظة إصدار الحكم

و سقوط بتول على ركبتيها في صدمة

هذه المرة ... استسلم حسن لكل هذا

كان فارغًا ...خاويًا

إمتدت اللحظة و كأنها دهر .. و بدلًا من إنتهاء الكابوس

أظلم المكان من حوله حتى لا يتبقى سواه .. محسن وراء القضبان و بتول على ركبتيها

ثم ...

أمسك محسن بقلبه و امتعض وجهه بألم نهش صدره ..

خار جسده فجأة قبل أن يرتطم بالأرض و قد شخصت عيناه بلا حياة

حدَّقت به بتول في فزع ...نهضت للتحرك نحوه

قبل أن تصل إليه ، انقض عليها ظلٌ بلا ملامح مغلقًا يديه حول عنقها

شاهد حسن كل ما يحدث بجسدٍ متجمد كما المشلول

في خلال ثانيتين

اختفى ذلك الظل و بقيت بتول ساكنةً ارضًا بفمٍ مفتوح و قد فاضت روحها هي الأخرى

أغلق حسن عينيه بفكٍ مشدود، تحركت يداه من مكانهما و تشبث برأسه بقوة ، غير قادرٍ على تحمل المزيد .

شتان بين مجرمٍ أنهى عقوبته في حبسه و قد شعر كما البريء .. و بين آخرٍ ظل عالقًا سجين افكاره

فالمذنب الذي لم يمت ضميره .. يصبح عقله هو قاضيه و جلَّاده

توسل حسن بألم بين صرير أسنانه :

"يكفي ...هذا يكفي !"

فتح عينيه فجأة لذلك الضوء الساطع الذي أنار ظلمة المكان

وقفت قدمان صغيرتان بين جسدي محسن و بتول

لين .

توقفت أنفاس حسن لثانية

تأملت لين جثة محسن لبرهة ...ثم تحدثت بصوتٍ خافتٍ متألم :

"مات جدي قبل أن ألقاه ..."

اعتصر قلب حسن و تجعدت ملامحه، حاول إبعاد ناظريه لكن لم يستطع ،كل ما تمكن منه فقط هو الهمس في رجاء :

"يكفي ..."

تحركت لين من عند جثة محسن مقتربةً نحو الأمام

توقفت عند والدتها و قد بدأت دموعها تنهمر

قالت بنبرة أقوى تغزوها الحزن و الألم :

"ماتت نور حياتي ...تركتني أمي كذلك "

اشاحت لين بنظرها عن جسد والدتها تابعت السير ... في إتجاه حسن

طأطأ رأسه متحاشيًا النظر إلى عينيها ،في إنتظار حكمٍ آخر

فقد استسلم لكل ذلك الجلد المتتالي

ارتفع صدره علوًا و هبوطًا

على استعداد لمزيدٍ من الكلمات التي ستنهشه

لعتاب جديد و لوم قاسٍ

توقفت أمامه تمامًا

و لكن بدلًا من الذي توقعه ...

شعر بأصابع صغيرةٍ تحكم الإنغلاق حول كُم قميصه

حرك مقلتيه ببطء نحوها

كانت لين متشبثةً به بكلتا يديها ، عسليتاها تحدقان به و قد اغرورقتا بالدموع ، أمالت برأسها بشفاهٍ مرتجفة قبل أن يصدر صوتها الذي كان بالكاد أعلى من النسمات ... همست بإرتعاش :

"جميعهم تركوني و رحلوا ...لا تتخلى عني أنت ايضًا"

إنكسر حسن

كليًا

فورما تحرر من شلل جسده .. همَّ للأمام للمسها

و قبل أن يصل إليها ..

إنتفض جسده مستيقظًا بعرقٍ حاوط وجهه و ملابسه رغم برودة الجو

تلاحقت أنفاسه في شكلٍ فوضوي أثناء تفقده أين هو .

السيارة

لا يزال هناك

كيف غفى و متى؟

لا يتذكر

لم يهتم

هز برأسه على عجلة ثم التقط الصورة التي سقطت من أصابعه قبلًا

تلك المرة لم ينظر لبتول

بل حدَّق بالشخص الوحيد الذي بقي له .

صاحبة الغمازة على الخد الأيمن ..

تلك الصغيرة ذات الشعر الكستنائي ..

لم يضيع حسن المزيد من الوقت ،لن يكون متأخرًا مرةً اخرى .

أسرع بتشغيل محرك السيارة أثناء همسه مرارًا و تكرارًا و عينيه على الطريق :

"لين ..لين "

*******************************

الساعة ٩:١٦ م

همَّ حمزة بالتوجه نحو باب المنزل لفتحه بعد سماعه للطرقات المتتابعة عليه

أدار المقبض و سحبه ليظهر حسن عند العتبة بعينين حمراوين

"لقد عدت ..."

قالها حمزة بهدوء بسبب ملاحظته لحالته

اومأ حسن و دلف للداخل دون أن يتحدث

فور دخوله رأى منى في غرفة المعيشة تطعم ابنتها الصغيرة قمر و آسر نائم على الاريكة المجاورة

رفعت رأسها نحوه ببطء ،اخفضت الملعقة ثم وضعت الطبق جانبًا، قالت بأدب :

"مساء الخير "

هز برأسه كإيمائة صغيرة ثم حملق بباب غرفة آسر ، سأل مباشرةً بنبرته المعتادة مخفيًا كل ما مرَّ به و كأن شيئًا لم يكن :

"هل استيقظت لين ؟"

اومأت له قبل أن تحمل صغيرتها التي بدأت بالتذمر

"استيقظت ...ظنت انك تركتها و طلبت البقاء وحدها "

تمتم حسن :

"سحقًا"

اتجه نحو الباب ، طرق مرتين قبل الفتح

خطا خطوةً واحدة فقط ثم تسمر في مكانه ..

كانت البطانية قد أزحيت جانبًا و الفراش فارغ ..بل الغرفة بأكملها خاوية .

قطب حسن حاجبيه و استدار نحو منى ليسأل بنبرة مظلمة تكاد تكون مذعورة:

"أين الفتاة ؟!"

عبس حمزة بإستنكار بينما وضعت منى صغيرتها جانبًا لتلهو بألعابها و نهضت من الأريكة بإرتياب متجهةً نحوه

"ماذا تعني أين هي ؟ ..بالطبع هي_"

استوقفها السرير الخاوي ،تجمدت منى هي الاخرى و تبعثرت كلماتها

"كانت ..كانت هنا أقسم تركتها هن_"

زمجر حسن :

"ماذا تعنين كانت هنا ؟!"

لم ينتظر اجابتها و تحرك باحثًا عنها في أرجاء المنزل مناديًا عليها بينما تبعه حمزة و منى

"لين؟!"

"لين أين أنتِ ؟!"

"لين؟؟"

الحمام فارغ

غرفة منى خاوية كغرفة آسر

ليست بالمطبخ

توقفت منى في وسط غرفة المعيشة بذعر و قلة حيلة

"لم اسمعها تخرج .. أين ذهبت ؟!"

مرر حسن اصابعه في خصلات شعره بعصبية متمتمًا مرارًا:

"يا الله ... يا الله"

خطر على بال حمزة شيء و قد همَّ بالتفوه به على الفور

"ماذا إذا كانت قد صعدت إلى السطح ؟!"

تجمدت منى

"السطح؟!"

تحرك حسن على الفور إلى خارج المنزل متجهًا للباحة الخلفية حيث السلالم المؤدية لسطح المنزل ، تبعته خطوات حمزة و منى خلفه

فور وصول حسن توقف في مكانه ، فقد كانت هناك ...

كانت على الجانب الآخر من السطح ، ظهرها موجهٌ له ، قدماها متدليتان إلى الخارج ، رأسها لأعلى أثناء تأمل عينيها للسماء الداكنة من فوقها ، سترته لا تزال حول كتفيها و قد تشبثت بها كأنها آخر ما تبقى لها

حوَّل حسن ناظريه إلى منى و حمزة، أشار بسبابته نحو شفتيه حتى لا يصدرا صوتًا ثم لوح لهما بالمغادرة

اومأ له حمزة بينما حلت ملامح الارتياح على تعابير منى ،اومأت له هي الآخرى على الفور هامسةً:

"حمدًا لله ..حمدًا لله "

أمسكت بيد أخيها و دلفا للاسفل ليمنحاهما وقتهما .

صعد حسن السلمتين المتبقيتين متجهًا ببطء نحوها

لم تنتبه لين من خطواته لشرودها في شكل القمر و النجوم المضيئة .

ثم ..

شعرت بحركة شخصٍ يجلس بالقرب منها

لم تنظر او تدِر وجهها متوقعةً أنها منى ، لكن بدلًا من سماع صوتها الدافئ ،حددثتها نبرة رجولية ساخرة :

"ظننتك ستتابعين بياتك الشتوي في النوم حتى العام المقبل"

توقفت أنفاس لين

حوَّلت وجهها نحو دون تردد لتجده بجوارها تمامًا،يحملق بالأفق حيث كانت تحدق ، ساقاه متدليتان هو الآخر

ارتفعت شفتاها في إبتسامة بهجة و طمأنينة ادفئت صدرها

قالت بصوتٍ منخفض ،فَرِح ، غير مصدق :

"أنت هنا ..!"

تظاهر بجهل معرفته بخشيتها من أن يكون قد تركها ، قال ببساطة :

"لا لست هنا "

حرك عسليتيه لتستقر على وجهها قبل أن يقول:

"أين تظنينني قد أكون ؟"

صدرت عنها ضحكة صغيرة بريئة ، شعرت بالحماقة لما ظنته مؤخرًا بتخليه عنها ، هزت برأسها ثم قالت :

"لا شيء ،فقط ...فقط تأخرت و .. أردت الاطمئنان بأنك بخيرٍ بعد ما حدث"

اومأ لها قبل أن يشيح بنظره مرة اخرى نحو الأمام

حلَّت دقائق صامتة بينهما

يحاول حسن إستجماع شتات اعصابه

و لين تتأمله بإبتسامة دون أن ترمش ، و كأنها لو اغمضت عينيها للحظة قد يختفي من جوارها

"هل تألمت عند احتضارها ؟"

اختفت إبتسامة لين تدريجيًا من سؤاله المفاجئ الذي ظنت أنها قد تخيلته او سمعته على نحوٍ خاطئ

همست بإرتعاش :

"م_ماذا ؟"

ازدرد حسن لعابه ثم سأل مجددًا دون إبعاد ناظريه عن الأفق امامه :

"بتول ...والدتك ، هل تعذبت أثناء ما حدث لها ؟"

ارتجفت شفتاها و انعقدت اصابعها بإرتباك

"أنت ... أنت حقًا تعل_"

"أعلم"

فقدت لين السيطرة على تنفسها مرة اخرى ، بدأت بالحديث بكلماتٍ متعثرة و نبرةٍ متلعثمة :

"أردت اخبارك قبلًا ...لكن ،لكنهم كثيرون و_ ، خفت من أن يتخلصوا منك أنت الآخر ..آه ، أعني ..."

اغمضت عينيها لوهلة مستجمعةً كلماتها ، فتحتهما بدموعٍ جديدة غزتهما

"في البداية كنت لا تريدني ... ظننتك ستتركني إن تسببت لك بالمتاعب ، ثم ...خطر ببالي إخبارك ، لكن شعرت كما لو أن الحياة طبيعية مجددًا و ...و ربما نسوني ...أو أني قد أعيش معك فقط كأبٍ و ابنته ... لا اريدك أن تغضب مني ارجوك "

فرت شهقة هاربة منها قبل المتابعة

"كانت ليلةً مخيفة ... حاولت اقناعها بالهرب سويًا ، لكن كان عليها عرقلتهم حتى يتسنى لي الهرب ...لقد قاومت ، لقد قاتلتهم ، و أنا لم أستطع حمايتها ،أقسم أني أردت...و لكن لم أستطع "

لم ينبس حسن بكلمة ، يرفض النظر إليها حتى يستمر بتمالك أعصابه أمامها

هزت برأسها بين دموعها

"لقد تركتني و رحلت ...لقد تركتني ، خفت من أين يجدوك أنت أيضًا ... خفت من أن تتركني "

تشبثت لين بكُمِّ قميصه ثم قالت بنبرة متوسلة :

"لقد تركتني أمي و رحلت... لا تتخلي عني أنت أيضًا"

تفوهت لين بكلماتها دون أن تعرف ما صنعتها به

و فجأة

شعرت بإرتطامها بشيء صلب ، اذرع دافئةٍ التفت من حولها في إحكام ، صوت ضربات قلبٍ سريعة أسفل أذنها

تجمدت للحظة في إستيعاب ما يحدث

حاولت رفع رأسها نحوه لكن شدة انغلاق ذراعيه حولها منعتها

اغمضت لين عينيها لتدفن وجهها في صدرها و قد احكمت ذراعيها حوله هي الأخرى قبل أن تبدأ دموعها بالإنهمار مبللةً قميصه

أسند حسن بذقنه فوق رأسها ظل يرمش عدة مراتٍ في محاولة كبح دموعه التي خانته و سقطت فوق شعرها الكستنائي

لم يبتعد رغم ذلك

فقد كان يحتاجه

تلك المرة ...هو الذي أحتاج إلى ذلك العناق 

أغمض عينيه بقوة مستشعرًا وجود آخر ما تبقى له .. ليست سرابًا او حلمًا قد يلومه و من ثم يختفي من بين ذراعيه

ظلَّا هكذا لدقائق دون كلمة حتى هدأت انفاس لين و تباطأت ضربات قلب حسن لتعود إلى طبيعتها

ابعدها عنه ببطء و حذر بعدما ابتلت رموشها و انتفخ جفناها

حدَّق بها حسن ثم قال محاولًا كسر توتر الاجواء :

"يكفي هذا القدر من البكاء ... اصبحت عيناك بحجم عيني البومة "

هربت ضحكة صغيرة منها ، نشقت بأنفها ثم قالت :

"وانت عيناك حمراوان كمصاص الدماء "

أدار حسن وجهه على الفور اثناء دعك عينيه مجيبًا دون النظر

"شعرك قد دخل في عيني "

لم تقتنع لين تمامًا بإجابته و قد لاحظ حسن نظراتها التي ترمقه فور فتحه لعينيه .. أراد تغيير مجرى الحوار فقال جاذبًا سترته من فوق كتفيها :

"هل تنوين الإحتفاظ بها أم ماذا ؟ تلك سترتي "

رفضت تركها متشبثةً بها أكثر:

"لاااا إنها دافئة "

تركها متمتمًا :

"محتالة .. سارقة"

لم تختفِ إبتسامة لين على الرغم من خديها الذين لا يزالا رطبين.

اقتربت أكثر حتى التصقت به ثم احتضنت ذراعه مسندةً وجنتها عليه بعدما اغمضت عينيها .

اخفض ناظريه محدقًا بها و قد بدت مرتاحة ،ارتفعت شفتيه في نصف إبتسامة قبل أن يعاود التحديق في الأفق الخضراء أمام مرمى نظره ..

اظلمت عيناه تدريجيًا و قد عقد قراره بأنه لن يترك من تسببوا في ذلك من الفرار بفعلتهم دون عواقب .

*********************************

داخل المبنى المهجور حيث أولئك الصغار الذين لا يعلمون مصيرهم أو متى سوف يلقوه .

دلف صلاح إلى الغرفة عند الأطفال المتكورين برعبٍ كالخراف و من بينهم ذاك الرجل بشعره الأبيض و بذلته الأنيقة ، منحني نحو إحدى الصغيرات متفحصًا خياطة الجرح عند جبهتها .

و على عكس باقي الاطفال .. لم ترتسم علامات الذعر على ملامحها ، كانت فارغة تمامًا بعدما سلبوا منها اخاها الصغير و الذي لم تراه مجددًا .

فرح .

"سيدي"

قالها صلاح قبل أن يستقيم الرجل من أمام فرح و يستدير مواجهًا له ، قال بعدم رضا :

"ما هذا يا صلاح ؟! ... لمَ الفتاة مجروحة هكذا ؟ ألا يمكنك السيطرة على رجالك ؟! "

أجاب صلاح بنبرته الواثقة المعتادة

"أعتذر لذلك ... لكنها كانت تقاوم بشدة ، لن يتكرر مجددًا "

"أتمنى ذلك "

سارا معًا خارج الغرفة ، أحكم احد الرجال اغلاقها بالمفاتيج بينما توجه صلاح و سيده إلى أحد المكاتب التي ظهر عليها الاهتمام على عكس باقي المبنى

دلفا إلى الداخل ثم أشار صلاح له بالجلوس

" حقًا يا سيدي لم اتوقع أن تأتي إلى هنا بنفسك ، حين اخبروني لم أصدق أذناي"

"كان يجب علي أن آتي للحديث معك وجهًا لوجه ، لأنه على ما يبدو أن مهمة بسيطة كالإمساك بتلك الفتاة مع الملف اصبحت صعبةً عليك "

تنهد صلاح قبل أن يجيب :

"حاولت تنفيذ الأوامر بعدم احداث جلبة ، أخبرتك بأن تتركني لحلها بطريقتي و _"

قاطعه على الفور :

"أنا لا أثق برجالك في حال تم القبض على احدهم ، لقد قتلتَ ثلاثةً العام الماضي في زنزاناتهم قبل الوشاية بما يعرفوه ، لا أريدهم أن يكونوا أكثر من ذلك سواء داخل السجن او خارجه... ففي حال انكشفت اي معلومة صغيرة من حيث مقتلهم او عملنا، كل ما بنيته سوف يحترق معي..و أنت كذلك يا صلاح "

"مع كامل احترامي لك ...و لكن لولا تدخل ابن أخيك لكانت تلك الفتاة و الملف بين ايدينا و كنا لنتمكن من انتشالها من رجلٍ واحد لا اثنين "

"آه بشأن عمر ... اخرجه من المشكلة بأكملها ، لا اريده ان يعرف اي شيء ولا أن يمسه احد الرجال بضرر ...يكفي الكدمة التي اصيب بها على خده "

اومأ له صلاح :

"بالطبع ... رغم تفاجؤي من تدخله بمحض الصدفة و تعرفه على تلك الفأرة الصغيرة ... "

مط شفتيه قبل المتابعة :

"على كلٍ لن يتكرر ما حدث معه ...و بالنسبة للفتاة و والدها ، سأجهز لك ملفًا كاملًا عنهما حتى يتسنى لك معرفتهم بشكلٍ اوضح"

اومأ له ثم هم بالسؤال :

"أين اتجه ذلك الرجل بالضبط؟"

رفع صلاح احد حاجبيه

"حسن ؟ لا تقلق ...عند هربهم من طريق الأشجار تمكن الرجال من التقاط رقم السيارة و سيتتبعون أين سوف تستقر في غضون أيام قليلة ...رغم ارسالهم لي بآخر تحركٍ توصلوا إليه كان تحرك السيارة في مناطق عشوائية دون توقف ...لكن سنجده على أي حال "

همَّ الرجل بالوقوف ثم قال:

"أريد إرسال كل تفاصيل ما يحدث لأتابعها بنفسي تلك المرة"

نهض صلاح مصافحًا إياه

"و هو كذلك ، حقًا شرفتني زيارتك لي هنا ...سيد كمال " .

يتبع ..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (48)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة