ذكرى مؤلمة

ذكرى مؤلمة

107 0

الساعة ٧:٢٨ مساءً

كسى الليل اطراف المدينة بينما حلَّت نسمات المساء الباردة على الشوارع ، جلس كمال في مكتبه الخاص بإحدى شركاته ، تُركت قهوته مُهملة و قد بردت بالفعل .

كان عاقدًا يديه ليسندهما على جبهته ، مغمضًا عينيه بسبب إرتفاع ضغط دمه من جديد ، شعر و كأن كل شىء في رأسه يتضارب على شكل معركة يفشل في اخمادها.

طُرِق الباب

"أدخل"

ظهر عمر عند عتبة الباب

"طلبتني يا عمي؟"

اومأ كمال و قد أبعد يديه عن رأسه

"نعم يا عمر .. تعال"

دلف مغلقًا الباب خلفه ، جلس على المقعد المقابل للمكتب ، ثم عقد عمر حاجبيه لملاحظة شحوب وجه عمه ، سأل بالحاح:

"ما بال وجهك مسلوبٌ لونه ؟! هل تناولت أدويتك؟ "

ابتسم كمال لإهتمام ابن اخيه ، تنهد ساندًا ظهره للمقعد

"أعمال ..أعمال ، أنت تعلم ، الأعمال لا تنتهي .. لم اطلبك من أجل ذلك على أي حال "

لم يخفَ الضيق عن وجه عمر بسبب اهمال عمه الدائم لصحته ، سأله :

"أهناك ما هو أهم من ذلك ؟"

اومأ له

"نعم ... أريد منك أن تذهب إلى حفل التبرعات القادم نيابةً عني "

قلَّب كمال ناظريه و اضاف :

"في الواقع هو ليس حفلًا بمعنى حفل .. يمكنك أن تقول مجرد تفقُد لأحوال أحد دور الرعاية في حال ينقصهم شيء "

أسند عمر كوعه على المكتب بينما استراح كفه على خده ، سأل:

"لمَ لا تذهب أنت كعادتك ؟"

"ألم أقل لك منذ قليل أن الأعمال لا تنتهي ؟ ... لدي الكثير من الحسابات لأراجعها ، لأنه على ما يبدو أن احدهم لم يراجع كل الحسابات كما طلبت منه"

قال جملته الأخيرة و هو يرمق عمر بنظراتٍ متوعدة

رفع عمر كفيه في الهواء معلنًا براءته

"لا تنظر لي هكذا ، لقد راجعتها .. و لكن من بينهم بعض الملفات المغلقة لم أتمكن من فتحها ، كانت ملفاتٍ بأرقام غريبة "

اعتدل كمال في جلسته ليرد على الفور :

"آه... نعم لا تقرب تلك الملفات .. إنها منفصلةٌ عن البقية ، حسنٌ ما فعلت"

ضاقت عينا عمر في ازدراء لتغير رأي عمه المفاجئ

بل تغيرت نبرته بأكملها

"أرأيت مَن منا الذي لا يركز؟ يبدو لي أنك أصبحت عجوزًا بالفعل ! هل اقوم بالحجز لك بدار العجزة ؟ هل تتذكر مَن أنا يا عمي؟"

صرَّ كمال على أسنانه ثم امسك بعلبة نظاراته البلاستيكية الفارغة و ألقاها صوب عمر

تفاداها عمر ثم نهض واقفًا خلف الكرسي كدرع في وسط قهقهته ضاحكًا من نجاحه في اغاظة عمه.

تذكر كمال ذلك الرجل الذي ارتطم به في الدار قبل ان ينعته بالعجوز الخرف .

تمتم كمال بضيق :

"ما بال الجميع ينعتني بالعجوز ؟! "

عقد عمر ذراعيه و قال :

"لا أحد ينعت عمي بالعجوز غيري ، و أخبرني فقط من قالها و سأقطع لسانه "

حرك كمال سبابته بتهديد كما كان يفعل مع عمر في طفولته حين يخطئ

"سأقطع لسانك أنا إذا لم تتوقف عن مناداتي بالعجوز ! شيب رأسي لا يعني شيئًا لعلمك ، اغلب الشباب الآن يقومون بصبغ شعرهم بذلك اللون ، والآن أذهب أيها الشاب قبل أن ارفدك "

ضحك عمر من كلام عمه

"ترفدني ؟ لنرَ إذًا من سيعوض مهارتي في مراجعة الحسابات"

خرج عمر من الباب ثم بدلًا من إغلاقه ، أعاد رأسه للخلف لينظر إلى عمه بابتسامة لئيمة

"لا تقلق يا عمي ، سأجعل التبرعات التالية تُوَّجَّه إلى دور المسنين بدلًا من الأيتام "

بحث كمال عن شىءٍ آخر ليقذفه به ، قهقه عمر مغلقًا الباب خلفه بسرعة قبل أن يقرر عمه رميه بالكوب الزجاجي .

بعد خروجه ، لم يمنع كمال ضحكته من تصرفات عمر الصبيانية المعتادة

**************

الساعة ٨:٤٥ مساءً

جلست لين على ارضية غرفة المعيشة المضاءة بنورٍ دافئ ، محاطة بالدفاتر و الأقلام ، تقوم بتجهيزهم من أجل يومها الأول في المدرسة غدًا

فبعدما اختبرتها المديرة و بقية المعلمين ، اكتشفوا أن علاماتها الدراسية لم تكن تفوقًا نتج عن مجرد اجتهادٍ فقط ، و إنما مستوى ذكائها فاق اقرانها من الأطفال.

كان حسن على الاريكة ، ممدًا ساقيه ، هاتفه بيده بينما ذراعه الآخر كان خلف رأسه ، شايه الدافئ على الطاولة .

احتارت لين في اختيار الألوان ، رفعت دفترين بألوانٍ مختلفة لتسأل:

"حسن حسن ... أيهما يليق بدفتر اللغة الإنجليزية الأزرق ام الوردي؟"

نظر حسن بطرف عينه ثم رد ببساطة :

" الازرق "

ظهرت غمازة لين على خدها الأيمن من وقع ابتسامتها

"حسنًا "

تركت الدفترين و قد إختارت دفترًا برتقالي اللون للغة الإنجليزية

رفع حسن أحد حاجبيه من عنادها المزعج متمتمًا :

"سأكون أحمقًا إذا أجبت أحد اسئلتك مجددًا "

قهقهت لين لتمتمته أثناء متابعتها ترتيب دفاترها ، حين رفعت رأسها وجدت حسن قد أنهى نصف كوب الشاي خاصته و يستعد للنهوض .

نهض متجهًا للحمام ،ظنت لين إنه لن يكمله .

حولت نظرها بين باب الحمام المغلق ثم الكوب ، تركت دفاترها و توجهت للمطبخ لتحضر زجاجة الحليب .

عادت ثم بدأت بصب الحليب في الكوب متدفقًا بين لون الشاي الأحمر على شكل دوامات بيضاء .

بعدما انتهت ، قامت بإعادة الحليب و تقليب الكوب ثم جلست بسعادة تستمتع بمشروبها الذي اختلست نصفه للتو .

عاد حسن من الحمام ليجد كوبه في يد لين و الذي أصبح شايًا بحليب .

رفعت رأسها لتنظر إليه في إبتسامة بريئة كما لو أنها لم تسرق مشروبه

"لم تكن لتكمله ، صحيح؟"

تأمل حسن الكوب لثوانٍ قبل أن يحول نظره إلى لين ، اقترب و جلس على الأريكة من جديد

"تحبين الشاي بالحليب ؟"

اومأت قبل أن تجيب :

"أحبه .. لكن لم تسمح لي أمي بشربه كثيرًا ، كانت تقول أن جسدي في مرحلة نمو و انه يحتاج إلى الحليب فقط"

عادت نظراته إلى الكوب بيدها مجددًا لِتَذَكُّرِه عادة الشاي بالحليب تلك ، قال:

"كان بإمكانك صنع كوب آخر ، لا سرقة كوبي ايتها الطفيلية"

حملقت لين بالكوب ثم رفعت عسليتيها نحوه ببطء محدثةً إياه بنبرة أهدأ :

"هل أخبرك بسِر ؟"

صمتت قليلًا ثم تابعت :

"أحيانًا... كنت أريد أن القاك مبكرًا ... حتى أشاركك كوب الشاي هكذا ... مثل أمي"

"كيف مثل أمك ؟"

سأل السؤال رغم معرفته الإجابة بالفعل

رقت ملامحها قبل أن تجيب :

"أن تشرب أنت نصف كوب الشاي خاصتك ثم أكمله انا بالحليب و اقوم بشربه من بعدك ... كانت أمي تقوم بذلك مع جدي محسن في صغرها ، في كل مرة لم يكن يكمل شايه فيها كانت تضيف إليه الحليب لتستمتع بمشروبها المفضل حتى أصبحت عادة بينهما "

هزت كتفيها قبل المتابعة :

" أردت التشبه بها... لكن بالطبع انت لم تكن موجودًا ، و لست كجدي محسن في شيءٍ على أي حال"

كان ذِكر بتول في كل مرة يجعل قلبه يدق بإشتياق و حنين لرؤيتها ، لكن تلك المرة ذكرها مع محسن لم يكن الحنين من طرق قلبه

بل الذنب

شعر حسن بغصة في صدره ، خاصةً لمعرفة لين بمحسن ، لكن يا تُرى .. هل تعلم لين كل شيء ؟

هل تعلم ما تسبب به حسن ؟

تضاربت الأفكار في رأسه

فكانت لين لتكرهه إذا علمت

"حسن ؟"

اخترق صوت لين صدى أفكاره قاطعًا إياه

أمالت لين رأسها في تساؤل بسبب شروده المفاجئ

"أأنت غاضب؟ هل كنت تريد باقي كوب الشاي ؟"

هز برأسه نافيًا

"لا لست غاضبًا "

اعتدل في جلسته مائلًا قليلا للأمام ، كوعيه على فخذيه

"لين ... من أين تعرفين محسن ؟"

عقدت حاجبيها بإستغراب

"أليس من المفترض أن اعرفه؟ إنه جدي .... أعني ليس جدي بيولوجيًا لكنه مَن ربى أمي"

"أعلم .. لم اقصد هذا ... أعني ماذا تعرفين عنه ؟ ، ماذا حكت لكِ بتول ؟"

ضمت شفتيها أثناء تحرك عسليتيها في تفكير

"هممم ، الكثير من الحكايات في الواقع و كلها جعلتني أتمنى مقابلته ... فقد مات قبل أن أولد بسبب مرض القلب ، سأقابله في الجنة بإذن الله "

تنهد بإرتياح لعدم معرفتها بالقصة كاملة

فهي لا تعرف انه لقى حتفه بأزمة قلبية ..

و لكن في السجن ..

بسببه ..

أسند رأسه للخلف مغمضًا عينيه لبرهة

"سنقابله ... بإذن الله"

همس بتلك الكلمات التي لم يسمعها سواه

أنهت لين تجهيز دفاترها و حقيبتها ثم لاحظت حسن الذي شرد مرة اخرى

تحركت نحو الأريكة و جلست بجانبه ثم أسندت رأسها للخلف مثلما فعل ، تراقب حركاته لتقوم بتقليدها

فتح إحدى عينيه و رفع احد حاجبيه بإستنكار

"ماذا تفعلين ؟"

هزت كتفيها بغير علم

" اقومُ بالذي تفعله أنت "

اعتدل في جلسته و أدار رأسه صوبها ليقابلها بنظراته بعدما فتح كلتا عينيه

"أأنتِ متفرغة لتلك الدرجة ؟ أليس لديكِ مدرسة غدًا ؟"

تأملته لين ، شعرت بدفء يغمر قلبها ، فقد شعرت للحظة أنها فتاة طبيعية يوبخها والدها بسبب تأخرها في النوم من أجل مدرستها غدًا

ابتسمت قليلًا ثم سألت بنبرة دافئة :

"سوف توصلني غدًا ... صحيح؟"

أجاب بسخرية :

"لا ، سوف اعطيكي مفاتيح الدراجه لتقوديها بنفسك"

رمشت مرتين في محاولة فهم ما إذا كان جادًا أم لا ، لاحظ نظراتها البلهاء و قد ارتسمت إبتسامة جانبية على شفتيه من سذاجتها ، تنهد باستسلام ثم قال:

"سأوصلك يا لين ، هل يوجد غيري ؟! ...اخلدي للنوم "

ابتسمت مجددًا أثناء العبث بأصابعها

"هذا لا يمنع أنني أريد تعلم قيادة الدراجة النارية مثلك"

رفع حاجبيه في تفاجؤ من رغبتها في تقليده

فهو لم يرَ نفسه كمثالٍ يحتذى به في اي شيء منذ سنوات

حدق بها و قال :

"هكذا إذًا ؟!"

اومأت له بثقة

"نعم ، هكذا إذًا"

هز رأسه يمينًا و يسارًا بغير تصديق بينما صدرت عنه ضحكة مكتومة

"حين تصبحين أطول ... أيتها القزمة "

لم تنزعج لين تلك المرة من وصفه له ، بل ضحكت ببراءة مظهرةً اسنانها ، كانت الأجواء هادئة و دافئة على عكس المعتاد ، حدَّق حسن لبرهة إلى ملامحها المبتهجة ، لانت ملامحه قليلًا و قال :

"هيا ...أخلدي للنوم"

اومأت له بابتسامة لطيفة ثم نهضت من على الأريكة متجهةً إلى الغرفة بينما حدَّق هو في كوب الشاي بالحليب الفارغ أمامه .

تاه عقله مجددًا ... غاص دماغه مرة اخرى في قاع ذكرياته المؤلمة متذكرًا نظرات بتول المصدومه في تلك الليلة

منذ عشر سنوات ...

~ كان حسن على الأريكة ، لم تتوقف قدمه عن الاهتزاز في حركة عصبية لا اراديه و عقله عن التفكير .

يجب أن يفكر في حل لمشكلته في العمل

فهو لم يظلم احدًا من قبل ، و يجب عليه التفكير في كيفيه كشف تلك الأوراق التي مضى عليها و وافقها

يتمنى أن يخرج ذلك الرجل الذي لا يعرفه حتى من تلك القضية التي شارك في تلفيقها له

مسح على وجهه ثم مرر يده في شعره

ماذا يفعل؟

كيف يتصرف ؟

فهو لن يختلف كثيرًا عن أولئك المجرمين الذي يحقق معهم إذا لم يجد حلًا لتلك المشكلة دون أن يمس احدهم زوجته بسوء

شعر بصدره يضيق و بغصة في حلقه يكسوها شعوره بالذنب

كره حسن اليوم الذي قابل به ذلك الرجل الذي أدخله في تلك الدوامة.

كره نبرته التي لا تنفعل إلا نادرًا .

صلاح

صلاح الذي أرغمه على ظلم أحدهم

فذلك الغريب الذي أقحمه حسن في تهمةٍ ما ، لم يكن يعرف حسن عنه شيئًا سوى كره و عداوة صلاح له

دلفت بتول إلى غرفة المعيشة و في يدها كوبين من الشاي ، وضعت احدهما أمامه ثم جلست بجواره مبتسمةً بابتسامتها التي تغمر قلبه بدفء فاق دفء الشاي

"ألا تنوي اخباري ما يدور برأسك ؟"

تأملها قليلًا ...

ذابت عسليتاه في خضراويها اللتين لطالما أحب الغرق فيهما ... و كأنهما غابةٌ حلَّ عليها الربيع الأخضر من بعد شتاءٍ بارد لتدفئ قلب كلُ من يتوه فيها

ابتسمت بخجل ثم طرقعت اصابعها في الهواء ليركز

"هاي ، ايها السيد المبتذل.. أتسمعني ؟"

تنهد ثم ارتشف رشفةً من الشاي قبل أن يجيب بصوت مرهق :

" لا شيء ... كيف حال قضاياكِ ؟ "

"اوه .. الأخيرة حقًا كانت مضحكة .. آتاني رجلٌ أنيق لأتولى قضية أخيه و الذي تثبت أوراقه أنه بريئ .. أحزر ماذا ؟ الأوراق مزورة و اخوه البريئ ذاك كان تاجر الممنوعات الذي قبضت عليه منذ اسبوعين "

حركت كتفيها مع إبتسامة بلهاء قبل المتابعة :

"آه لو كان يعلم أنني زوجة ذاك الضابط الوسيم الذي أفسد مخططاته .. اتعلم أنني كنت سأقبل قضيته و أثبت براءته ؟"

قال حسن بسخرية :

"ساذجة"

لكمت بتول ذراع حسن بلكمة خفيفة ثم التقطت كوب الشاي بعدها لتتمتم

"لستُ ساذجة "

اتسعت إبتسامة حسن من لكمتها ..

أمال رأسه قليلًا بعد الذي قالته و كأنه يسألها

حقًا؟

قلبت ناظريها لتتحاشى عينيه

"حسنًا ، ربما ساذجة قليلًا "

ارتشفت شايها ثم قالت بنبرة أقل حماسًا

"لا تزال أموال أبي مُجمدة ... تحفظوا عليها كلها "

قطب حسن حاجبيه في تساؤل

"لم أفهم حتى الآن لمَ الشك في مصدر ثروته؟ كل البلدة تعلم أنه محامٍ ماهر منذ سنواتٍ طويلة ، لمَ الآن؟"

"لا أعرف حقًا !"

قالتها بتول بإنفعال ثم وضعت الكوب جانبًا مرة اخرى لتتابع :

" يقومون بالتحقيق معه كل يوم و أنت تعلم أن مرضه اشتَّد عليه في الآونةِ الأخيرة "

تنهدت ثم انسكر صوتها محاولةُ منع تلك الغصة في حلقها من اجبارها على البكاء

"اخاف عليه يا حسن ... ليس لي سواه هو و أنت في تلك الدنيا "

اغرورقت عيناها في ثوانٍ و ارتجفت نبرتها .

اقترب منها حسن ثم ضمها إلى صدره ممسدًا على شعرها حتى هدأت .

مضت ساعات قليلة على تلك الجلسة بينهما ، كان حسن في الشرفة يفكر فيما يجب فعله ثم ..

صرخة مدوية تليها صوت بتول تناديه بهلع

"حسن !"

ركض حسن للداخل ليجد بتول على ركبتيها، تحدق بالهاتف بعينين متسعتين و يدها تغطي فمها كاتمةً شهقاتها في وسط ارتجاف جسدها بالكامل من الرسالة على هاتفها

هبط حسن على ركبتيه أمامها مطوقًا وجهها بين كفَّيه بينما مسح ابهامه دموعها

"ماذا بكِ ؟! ماذا حدث؟؟"

هزت بتول رأسها لتعاود النظر نحو الأسفل غير قادرة على الحديث او التقاط أنفاسها من شدة البكاء

أجبر وجهها على النظر إليه ليعاود الحديث بنبرة حاسمة

"بتول ... بتول انظري إلي ... انظري إلي "

بالكاد رفعت وجهها بينما لا يزال كفيه يحاوطان خديها و دموعها تنهمر بغزارة حاجبةً الرؤية بوضوح ، هدأت شهقاتها قليلًا محاولةً تكوين كلماتها بصعوبة

"أنه ... أنه ابي يا حسن "

"ما به ؟؟"

انهار صوتها مجددًا

"لقد قبضوا على ابي بتهمة غسيل الأموال !!" ~

رمش حسن عدة مرات قاطعًا ذكرياته مشيحًا بنظره بعيدًا عن الكوب الذي شربته لين.

قام بفرك عينيه مراراً ثم تنهد ماسحًا وجهه

فهو لم يكن يعلم بأن عدو صلاح كان محسن سليمان

لم يكن يعلم بأن الرجل الذي شارك حسن في تلفيق إحدى التهم إليه كان الرجل الذي ربى بتول و احبَّته اكثر من اي شيء في تلك الدنيا

لا يزال يتذكر ليلتها كيف واساها حتى غفت بعد إرهاق جسدها من شدة البكاء .

فهو بالطبع لم يخبرها بأنه السبب ، و حفظ الأمر كسِرٍ ثقيل رغم علمه بأنه سوف ينكشف في يومٍ ما ... و قد حدث بالفعل

عدَّل وضعية جسده ليتمدد على الاريكة مسندًا كفه خلف رأسه

فلديه عملٌ في الغد

و توصيل لين إلى المدرسة

تحركت عسليتاه لتلمح من خلال الباب الذي كان نصف مفتوحًا ، تلك الصغيرة متكورة اسفل البطانية

رقَّت عيناه للحظة متذكرًا كلام لين في المشفى عما قالته بتول لها عنه ..

في كونه يحب الصغار ..

لن ينكر أنه أراد انجاب الكثير من الاطفال

و لكن بعد الذي حدث و بعد كل تلك السنوات ...

تغيرت الكثير من الأشياء بداخله

و هناك شىءٌ آخر لن ينكره كذلك ، و هو أنه من بعد دخول لين حياته ... هناك أشياء أخرى تتغير حتى و إن كره الاعتراف بذلك .

*****************************

الساعة ١٢:٣٤ صباحًا

غطت الانوار باللوني الأحمر و الأزرق أوجه الضباط أمام منزل بتول ، الإسعاف على أحد الجوانب ، و رجال الشرطة بسياراتهم في كل مكان بينما شاهد بعض سكان القرية المنظر أمامهم برهبة ،إغلاق كيس الموتى على جثمان بتول لنقله إلى سيارة الإسعاف حتى يتم عرضه على الطب الجنائي بعدما تم العثور عليه ، ففي الصباح قد اتصل حمزة شقيق منى بالشرطة بعدما شعروا بوجود أمرٍ ما ليس طبيعيًا اطلاقًا

و بعد التحقيقات لم يتواجد اسم بتول من بين قائمة المسافرين على مدار الشهر ... أي أنها لم تغادر البلاد من الأساس

قاموا بإرسال محقق في مقتبل العمر يدعى فاتح

و الذي لم يتوصل لشيء سوى إيجاد جثمان بتول تحت تراب حديقة المنزل و جاري البحث عن صغيرتها لين التي تم الاشتباه بمقتلها هي الاخرى بسبب اختفائها .

لم تستطع منى تمالك نفسها من هول المنظر و فقدت الوعي .

لا تستطيع التصديق بأن صديقتها المقربة طوال تلك السنوات قد ماتت .

لا لم تمت ..

قُتلت !

قتلت و دُفنت في حديقة منزلها لتفنى بتلك الطريقة البشعة

"منى .. هيا يا عزيزتي افيقي ، منى ؟!"

ربت حمزة على خد أخته مرارًا بينما كان رافعًا جسدها قليلَا بذراعه الآخر حول كتفيها ، و فجأة قام بالصراخ على أهل القرية المتفرجين بقلة حيلة

"فيما تحدقون ؟! فاليأتني احدكم بزجاجة عطرٍ او اي شيء ، تحركوا !"

ناوله احدهم زجاجة عطرٍ صغيرة ، قام بفتحها سريعًا ثم همَّ بتحريكها اسفل مستوى أنفها

همهمت منى بينما بدأت عيناها في الارتعاش

ابتهج حمزة قليلًا

"أنه حمزة يا منى ، أنتِ بخير "

قبل أن تفتح عينيها كليًا ، انهمرت دموعها بينما تحدثت بنحيب مبحوح

"بتو..ل"

ضمها حمزة كليًا بقلبٍ منفطرٍ على حالِ اخته الكبرى

بدأت منى بالنحيب بعدما دفنت وجهها في كتف أخيها ثم احكمت ذراعيها حول رقبته باكيةً بشدة

خرج صوتها المنكسر بالكاد أعلى من الهمسات

"هل .. هل رحلت بتول يا حمزة؟ .. ارجوك ...ارجوك اخبرني انها ليست هي"

عض حمزة على شفته السفلية مغمضًا عينيه بقوة و كأن اغماض عينيه سوف يمكِّنُه من الهروب مع اخته من ثقل الموقف

فتح عينيه مجيبًا إياها بصوتٍ منكسر

"ادعي لها بالرحمة ...ادعي لها "

اغمضت منى عينيها بقوة بينما لم تتوقف دموعها عن السيلان ولو للحظة ، بكت حتى احترق صوتها و آلما صدرها

"لم تكن صديقتي يا حمزة ... لقد كا..نت ... كانت اختي"

ربَّت حمزة على ظهرها في قلة حيلة ، آخر مرة رأى فيها اخته بهذا الشكل كان عند وفاة زوجها منذ عامين .

كان حمزة هو الآخر مصدومًا من تلك الجريمة الشنيعة ، فبتول كانت لطيفةً مع الكل ،لم تكن من النوع الذي يتسبب في المشاكل ، و الآن تختفي ليجدوها مقتولة؟!

تحدثت منى بين شهقاتها ، لا يزال وجهها على كتف حمزة الذي ابتل بفِعل دموعها

"و أنا لم ابحث عنها ! ... اي نوعٍ من الصديقات أنا ؟! .. لقد تُركت وحيدة اسفل التراب في هذا البرد ..و أنا ؟ صدقتُ تلك الرسالة الغبية رغم عدم اقتناعي بها ... لمَ ؟!"

مسد حمزة على رأسها في وسط همسه لها بنبرةٍ حنونة

"ارجوكِ اهدئى ....ليس خطأك "

اقترب فاتح ناحيتهم و قال :

" أستاذ حمزة ، نحتاج أخذ بعض أقوال السيدة منى لكونها من اقرب الناسِ للمتوفية "

امتعض وجه حمزة بينما لا تزال منى منهارةً بين ذراعيه

"أتتهم اختي ؟؟ الا ترى حالتها ؟!"

تحدث فاتح بنبرةٍ عملية :

"لا أقصد هذا أبدًا ، و لكنه إجراءٌ يجب علينا القيام به ، ليست السيدة منى هي الوحيدة ...الأمر ليس شخصيًا ، لكن يستوجب علي استجواب معارفها ، حتى انت شخصيًا"

صرَّ حمزة على أسنانه من تلك القسوة و انعدام الإنسانية ، فقد كانت منى غير واعية حتى لأي حديثٍ يدورُ حولها ، جمع حمزة شتات نفسه قبل أن يومئ للمحقق

"كما تريد يا حضرة الضابط ... لكن انت ترى حالة منى ، لا اظن انها حالةٌ تسمح بالاستجواب بتاتًا "

اومأ له فاتح

"بالطبع .. سوف أعاود الزيارة على أي حال بعد معرفة رأي الطب الشرعي و ارجو ألا يقترب احدٌ من المنزل ، أثناء تلك الفترة إذا شككتم في اي شخص، لا تتردد في الاتصال بي "

اومأ حمزة لفاتح قبل ان يسير بعيدًا متوجهًا نحو زملائه .

ساعد حمزة أخته على النهوض ببطء ، أراد أخذها بعيدًا عن ذلك المكان ، ارتجفت ساقيها غير قادرتين على حملها ، اسندها شقيقها طوال الطريق بينما لم تتوقف منى عن البكاء و النحيب

فلقد تركتها من اعتبرتها شقيقتها ..

و صغيرتها لين التي تم الاشتباه في مقتلها

ماذا ستقوم لابنها الصغير آسر حين يرى والدته تبكي؟

أتخبره أن صديقته المفضلة لين التي تربى معها ماتت ؟

هي بنفسها لم تستوعب رحيل بتول

لم تدرك منى متى وصلت للمنزل مع أخيها او كيف وصلت للفراش

حمدت الله على نوم صغارها حتى لا يرونها بذلك الشكل

كتمت بكاءها قدر المستطاع بينما لم يفارق حمزة جانبها حتى غفت

انتهت الليلة بنوم حسن الذي دقَّ قلبه املًا في إيجاد بتول و تصحيح ما فات ،

بينما على بُعد أميال ... كان يُكتب اسمها في تقرير الطب الشرعي بصيغة الماضي .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (49)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22
الفصل 7: نُزُل
2026/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة