لقاء الافعى

لقاء الافعى

182 0

الساعة ٢:٠٨ ظهرًا

كانت لين جالسةً على مقعد الانتظار في ساحة المدرسة، تمسك بيديها مقرمشات الجبن التي اشترتها لها ليلى لتحسين مزاجها، وانشغلت بتناولها أثناء انتظار جرس المدرسة ليعلن نهاية اليوم.

لا تزال الهدية التي فازت بها بجوارها، فمها مشغولٌ بالمضغ وهي تشاهد زملاءها يلعبون بعشوائية في حصة التربية الرياضية أمامها. لم يرحل فريق إعداد البرنامج بعد، فقد كان يتابع تصوير الحلقة مع باقي الفصول للطلبة الأكبر سنًا.

كانت لين غارقةً في التفكير عما إذا كانت في خطرٍ أم لا، فلقد رأت وجه عمر من قبل في توقيتٍ ومكانٍ يؤكدان لها أنه خطر؛ فهي لا تنسى الوجوه، ولكن أسلوبه وحديثه وعدم تعرفه عليها لم يوحِ إليها بأي تهديد.

اقتربت ليلى من لين لتتفقدها:

"أنتِ بخير الآن، صحيح؟"

أومأت لها لين بابتسامة قبل أن ترتشف من عصير التفاح لتبتلع ما في فمها:

"أنا بخير... شكرًا أستاذة ليلى".

مسدت ليلى على شعرها ثم جلست بجوارها:

"لم أفهم حقًا مما خفتِ؟ أحقًا كنتِ خائفة من ذلك المدلل هناك؟"

أشارت بذقنها نحو عمر الذي كان مشغولًا في مكالمة هاتفية تخص العمل.

حملقت لين بينهما ثم قالت:

"لا.. فقط ظننته شخصًا آخر".

ملأت لين فمها بالمقرمشات ثم عبست بفضول لتسأل:

"لمَ تنعتينه بالمدلل؟"

أشاحت ليلى بوجهها كاتمةً ضحكتها قبل معاودة النظر إلى لين:

"أمثاله يظنون أن بإمكانهم شراء كل شيء أو اللهو بمن يرغبون، لابد أنه يظنني مثل معارفه و..."

توقفت ليلى عن الكلام لحظةً حين استوعبت هوية من تحادث، ثم قالت:

"مهلًا.. لمَ أخبركِ بهذا؟ لازلتِ صغيرةً يا فتاة على هذه المحادثات".

اتسعت ابتسامة لين، وقبل أن تتكلم، اقترب صوت خطواتٍ نحوهما. اختفت تعابير ليلى المبتهجة لتحل محلها ملامح وجهها الجادة.

قال عمر بنبرة خفيفة:

"كم أن الجو حار اليوم، ما رأيك في..."

نهضت ليلى مبتعدةً عنه قبل أن ينهي جملته بنبرة منخفضة:

"...عصير بارد".

تتبعتها عيناه وهي تبتعد بخطى سريعة دون التفات.

هبط جالسًا على المقعد مربعًا ساقيه، ليسند أحد كوعيه على ساقه وخدّه مستريح على كفه، بهيئة تتنافى مع بذلته الأنيقة. شعر بحركة جواره جعلته يلتفت نحو مصدرها؛ كانت لين بجواره تخلق مسافة بينهما، ترمقه بنظرات الريبة بعينين ضيقتين وكيس المقرمشات بين يديها.

ابتسم عمر لها بلطف:

"آه، إنها أنتِ".

لم ترد عليه لين، فتنهد عمر قبل أن يتابع كلامه:

"هل أبدو كشبح بالنسبة لكِ؟"

هزت كتفيها أثناء التقاط قطعة مقرمشات أخرى: "لا أثق بالغرباء".

"لا تبدو ردة فعلكِ طبيعية مع جميع الغرباء". حوّل نظره إلى العلبة بجوارها: "ما رأيك بالهدية؟"

حوَّلت لين نظراتها نحوها قبل أن ترد: "لم أفتحها بعد".

مد عمر ذراعه ثم قام بالتقاطها وبدأ في فتحها وسط ترقب لين. ظهرت داخلها كنزة ذات لونٍ أصفر مع شكل غيومٍ بيضاء في وسطها. تلألأت عينا لين إعجابًا بها، أخرجت منديلًا لتمسح به أصابعها المغطاة باللون البرتقالي إثر المقرمشات قبل أن تنتشلها من بين يديه لتتفقدها بنفسها: "إنها لوني المفضل!"، وضمتها إلى صدرها في فرحة طفولية.

رقت عينا عمر أثناء مشاهدتها مبتهجة، ثم حوَّل نظره إلى حيث ليلى.

أخفضت لين الكنزة لملاحظة أين ينظر:

"لا فرصة لك معها".

أدار عمر رأسه ناحيتها رافعًا أحد حاجبيه:

"معذرةً؟!"

هزت كتفيها لتعاود ما قالت بلا تعابير محددة:

"أقول إن لا فرصة لك معها، لا تشبهك من الأساس".

تنهد عمر قبل أن يخرج نفسًا أشبه بضحكة ساخرة:

"أولًا تقومين بعضي... والآن تغلقين الأبواب في وجهي، شكرًا جزيلًا أيتها الصغيرة".

عبست لين في استنكار:

"لمَ تشكرني؟ أكان عضي لك جيدًا أم سيئًا... لم أفهم؟"

رفع عمر حاجبيه مكافحًا ضحكته لعدم تمكنها من التفرقة بين الجدية والسخرية: "حسنًا حسنًا، دعكِ مما قلت".

انزل ساقيه ليعتدل في جلسته ناحية لين:

"لين، صحيح؟"

أومأت له بنعم.

"جيد... اسمعي يا لين، أريد أن أعرف ما الذي تحبه تلك المعلمة؟ أعني.. ما الذي قد يلفت نظرها؟"

قلبت لين عينيها في تفكير، ومطت شفتيها قبل أن تجيب:

"لا أعلم... كما أنها لا تتقبلك على ما يبدو، وأيضًا ما شأني بك؟ أمرني والدي ألا أحدث الغرباء".

"هيا يا صغيرة، نحن نتحدث منذ قرابة الربع ساعة... كما أنني أحضرت لكِ هدية، أشريرٌ قد يفعل هذا؟"

ضاقت عينا لين في تفكير لم يتخطَّ الثواني الثلاث قبل أن تومئ:

"عندما تقولها بهذه الطريقة تبدو منطقية في الواقع".

ارتسمت على وجه عمر ابتسامة جانبية منتصرة:

"علاوة على ذلك سأحضر لكِ الشوكولاتة".

"أريدها مع البندق و...، لحظة...".

هزت لين رأسها بالرفض:

"لا لا، يجب ألا آخذ شيئًا من الغرباء".

"ماذا إن كانت شوكولاتة بالبندق والحليب مع رشات الفستق؟"

لعقت لين شفتيها بينما تابع عمر:

"وأيضًا، انظري؟ لست غريبًا، مديرة المدرسة بنفسها التقطت صورًا معي بعد ترحيبها بي بحرارة".

أمالت لين رأسها في تفكير، تناست سبب خوفها منه منذ البداية، فكل ما تفكر به هو الصفقة الرابحة التي عرضها عليها…

كما أنه لا يبدو كشرير.

قالت بعد مهلة قصيرة من التفكير:

"منطقي... على كلٍ أستاذة ليلى تحب العديد من الأشياء، منها الشِّعر و..."

قبل متابعة لين، رن الجرس معلنًا نهاية اليوم، وفُتحت البوابة للسماح للآباء بالدخول أو الطلبة بالخروج.

صدحت أصوات الطلبة ببهجة، على عكس عمر الذي استند إلى ظهر الكرسي في استسلام:

"لمَ القدر ضدي اليوم؟!"

عدلت لين من ملابسها وحقيبتها قبل ارتدائها، وضمت هديتها إليها قبل أن تنهض:

"حسنًا انتهى اليوم... وداعًا".

سارت لين خطوتين قبل أن توقفها يد عمر الممسكة بذراعها، فقد بدأ يصاب بالإحباط ونفاد الصبر:

"انتظري يا لين، لم تخبريني أي شيء بعد".

نظرت إلى أصابعه حول ذراعها ثم قالت:

"والدي سيأتي الآن وعلي الذهاب، إذا جئت غدًا مجددًا قد أخبرك".

رفعت إصبعها كتذكير:

"لا تنسَ حلواي! وبدون فول سوداني".

فشل عمر في إخفاء ضحكته الخافتة تجاه هذه الصغيرة غريبة الأطوار والتي تسرق القلب في الوقت ذاته.

وقبل أن يرد..

التفت يدُ أحدهم حول معصم عمر منتشلةً إياه من ذراع لين بسرعة، ودفع عمر ليبتعد عنها.

رفعت لين رأسها، وحوَّل عمر نظره نحو من دفعه هكذا.

حسن.

"لماذا تمسكها من ذراعها هكذا؟ من أنت؟"

نهض عمر من المقعد، ضبط بذلته قبل أن يقول بنبرةٍ اختلفت تمامًا عن التي تحدث بها مع لين منذ ثوانٍ:

"من أنا؟! بل أنا من يجب أن يسألك من أنت بالضبط؟! كنت في حوارٍ مع هذه الصغيرة قبل أن تقاطع حديثنا وتدفعني بهذه الطريقة الهمجية".

"راقب لسانك أيها الـ..."

حملقت لين بينهما قبل أن تتحرك ناحية حسن لتقاطع كلامه:

"أرجوك... لا بأس إنه رجل المسابقة". نظرت نحو عمر لتتابع: "إنه والدي".

لم ينظر لها حسن، بقيت عيناه في تواصلٍ بصري مع عمر. قال عمر:

"يا للطريقة السوقية التي تخاطب بها الغرباء أمام ابنتك، لا عجب أنها تخاف بسهولة".

تقدم حسن خطوة للأمام نحو عمر مما دفع ليلى للتدخل بعدما شاهدت الموقف من بدايته. تحركت بينهما محاولةً تهدئة الوضع مخاطبةً عمر أولًا:

"ما بالك أنت؟!"

حدق بها عمر قبل أن يتنهد محاولًا تمالك أعصابه. استدارت ليلى نحو حسن لتتابع:

"سيد حسن... أنا معلمة لين، رجاءً لا شجار، نحن في المدرسة وليس الشارع".

قال حسن دون رفع صوته ولكن بنبرة يكسوها التهديد:

"إذًا عليكم اختيار من يدخلها من البداية، ليس أولاد الشوارع من يرتدون بذلات".

شهقت ليلى قبل أن تقول:

"سيد حسن، هذا لا يجوز!"

كان حسن على وشك المغادرة بعد رمي جملته التي أثارت أعصاب عمر. تقدم عمر متفاديًا لين وليلى ليمسك بذراع حسن:

"من تنعت بأولاد الشوارع أيها الـ..."

قاطع جملته ارتطام قبضة حسن في وجهه بقوة دفعته للخلف.

أمسك عمر شفته بألم وهو يشعر بالطعم المعدني في فمه. كتمت لين شهقتها بكفيها تشاهد ما يجري بعينين متسعتين، بينما هربت صرخة صغيرة من ليلى أثناء سحبها للين نحوها.

تدخل الأمن وبعض فريق الإعداد بينهما. صاح أحد رجال عمر في حسن بعدما لاحظ شفاه عمر النازفة أسفل كفه:

"من أنت أيها الحقير! ألا تعلم مع من تتعامل؟!"

تحرك رجال الأمن بينهما وليلى كذلك:

"أرجوكم، ما الذي تفعلانه؟! هناك أطفال هنا!"

حدًّق عمر بعينين مشتعلتين نحو حسن، لكن نارهما انطفأت شيئًا فشيئًا لملاحظته الصغار أمامه، والتجمع الذي بدأ في الاحتشاد، ونظرات ليلى التي تكسوها خيبة الأمل. تلك النظرات جعلته يستجمع شتات أعصابه.

لم ينتظر حسن أكثر، أحكم قبضته على يد لين قبل أن يسحبها خلفه:

"هيا بنا".

التفتت لين إلى الخلف نحو عمر وليلى:

"لكن حسن..."

تابع حسن المشي ليرد بنبرة حازمة:

"قلت هيا يا لين".

تابعت السير معه بينما تجاهل حسن تهديدات رجال عمر خلفه الذين بدأوا يسألون عن بياناته لتقديم شكوى بحقه.

واجهت ليلى عمر لتقول بحدة:

"ماذا بك؟! ألا تستطيع البقاء بلا افتعال مشاكل؟!"

كتم عمر غضبه ليجيب بنبرة حازمة محاولًا تمالك أعصابه:

"افتعال مشاكل؟! ليس وكأنكِ لم تري ما حدث".

"لمَ أمسكت بالفتاة من البداية؟! خافت منك في المسابقة، ثم هذا! ابتعد عنها فحسب.. وابتعد عني!"

استدارت قبل أن تمهله فرصة للرد.

شتم عمر تحت أنفاسه قبل مسح وجهه بعصبية والتحرك للخارج دون الرد على رجاله.

بالخارج..

استنكرت لين أعصاب حسن التالفة اليوم، خشيت سؤاله مما جعلها تلتزم الصمت.

لاحظت عدم وجود دراجته النارية مما دفعها لاستجماع شجاعتها والسؤال:

"أين الدراجة؟"

أجاب دون النظر إليها:

"تعطلت".

"ولكن... ماذا عن عملك؟"

"عملي معرض لإنهاء العقد بسبب تلك الشركة الحقيرة التي لا تهتم بمشاكل موظفيها، لا يهتمون سوى بإنهاء طلباتهم وجني الأموال... وعندما تتعطل وسيلة التوصيل؟ كل ما يستطيعون قوله هو: ليس من شأننا".

لم يعجب لين ما سمعته:

"لمَ لا تصلحها فقط وتعود؟"

تنهد حسن قبل أن يقول:

"تشاجرت مع الشركة".

فهمت ما يعني أن يتشاجر حسن مع أحد، فقد رأت نبذة عن ذلك منذ قليل. انخفض كتفاها بإحباط:

"ماذا عن عملك على الإنترنت كمترجم؟"

اقتربا من موقف الحافلات أثناء رد حسن:

"حين تكبرين ستدركين أنه ليس من المفترض أن تعتمدي على العمل الحر كمصدر دخل أساسي، خاصةً إن كنتِ في البداية... فهو ليس مضمونًا يا صغيرة، والآن هيا اصعدي".

لاحظت لين وصول الحافلة، همت بالصعود يليها حسن الذي دخل في دوامة إحباط جديدة.

***

الساعة ٣:١٥ مساءً

كان صلاح على متن طائرته للعودة إلى البلاد بعد فترة قضاها بالخارج لإنهاء أعماله من تجارة غير قانونية أو إنسانية البتة.

تناول قهوته باستمتاع قبل ملاحظة العديد من المكالمات الفائتة من ناصر. تذكر أمر تلك الفتاة والملف الذي سئم منهما معًا.

عقد قراره بالاتصال بناصر فور الوصول، ارتشف رشفة من قهوته الخالية من السكر قبل أن يفتح الرسالة من ناصر التي تحوي معلومات عن حسن؛ المعلومات التي حدثه عنها ناصر في مكالمة المستشفى.

ضغط زر الفتح:

_حسن عبد السلام شريف، عمل في المباحث الجنائية قبل أن يتم فصله نهائيًا في سن الخامسة والعشرين تقريبًا، انفصل عن زوجته بتول عزت في نفس العام بعد عرض طلبها للمحكمة برغبتها في إنهاء الزواج.

تمتم صلاح بسخرية:

"هي من أنهت الزواج؟... مثير للشفقة".

تابع القراءة:

_ بقي في مصحة لعلاج الاكتئاب والإدمان قرابة العام، لم يعمل في وظيفة ثابتة قط، تنقل من سكن لآخر في نفس الدائرة ثم اختفى من سكنه المعهود ليغير المنطقة بأكملها. لم يعلم أحد إلى أين غادر، ولكن لن يطول الأمر لمعرفة ذلك.

لم يكن أحد يعلم عنوان سكن حسن الجديد سوى سالم، فقد كانت شقته على مشارف المدينة بالقرب من مدرسة لين.

تأمل صلاح الرسالة متذكرًا الأقراص التي وضعها له سرًا وباستمرار في الشاي عند مقابلاتهم.

لم يكن صلاح يتوقع أن يستسلم حسن لتلك الأقراص حتى تصل إلى الإدمان بهذه السهولة والسرعة، بل واكتئاب أيضًا. على كلٍ، أراد صلاح إبعاده عن طريقه في تلك الفترة ونجح. لكن الجزء المثير للسخرية... هو أنه ها هو ذا يبحث عنه لملاقاته مجددًا.

***

الساعة ٧:٠٤ مساءً

وصل صلاح إلى أحد منازله منذ ساعة، تحمم واستراح قليلًا قبل أن تأتيه مكالمة من ناصر. تنهد صلاح قبل أن يجيب:

"نعم يا ناصر؟ إن كانت أخبارك قديمة وعديمة النفع كالسابق، فمن الأفضل أن تغلق".

على الجانب الآخر، كان ناصر أمام حاسوبه يتابع الحلقة التي تم تحميلها كاملةً، ولم يظهر بها وجه لين، لم تظهر سوى بظهرها أثناء حل المسائل. قال ناصر بثقة:

"إن كنت تدعو إيجادنا للفتاة معلومات عديمة النفع، فأنت أعلم مني".

اعتدل صلاح في جلسته سريعًا:

"وجدت مَن؟"

"الفتاة.. ابنة حسن عبد السلام، ظهرت في أحد البرامج والحلقة أمامي الآن، سأرسلها لك".

أرسل ناصر الرابط الذي فتحه صلاح على الفور من خلال حاسوبه المحمول: "دعاية تابعة لشركات سعد الله؟ لابد أنك تمازحني".

شغل صلاح المقطع، وبالفعل لم تظهر به لين سوى بضع ثوانٍ بظهرها.

قال صلاح عبر الهاتف:

"حسنًا، أرسل لي صورة الفتاة".

تنهد ناصر:

"ليس لها صور حديثة، الصورة الوحيدة التي توصلت إليها كانت في سن الخامسة عند تقديمها للمدرسة، وكأن والدتها كانت تتعمد إبعاد وجهها عن الإنترنت".

أعاد صلاح المقطع:

"ليس فقط بتول... الفتاة تبدو مدركة تمامًا لما تفعله".

راقب سرعة حلها للمسائل ليضيف:

"إنها ليست غبية إطلاقًا".

قال ناصر:

"أردت إرسال أناس ليتعقبوا منزلها اليوم عند عودتها، ولكني لن أفعل شيئًا كهذا بدون علمك، وبالطبع يا سيد صلاح لم تكن تجيب لهاتفك".

طرق صلاح أصابعه على حاسوبه اللوحي:

"إذا كانت تعيش مع حسن كما هو متوقع، فلن يخفي ملفًا كهذا في منزله، حسن ليس بهذا الغباء... ولكن هل تدرك ما يشغلني يا ناصر؟"

"ماذا يا سيدي؟"

"هو صمت حسن كل تلك المدة. لم أسمع منك أو من أحد الرجال عن أي محاولات تسريب معلومات تابعة للملف، ما الذي يجعله صامتًا طوال تلك المدة في رأيك؟"

فكر ناصر لبرهة:

"ربما يفكر بشيء أكبر".

"ولذلك بالضبط أريد مقابلته بنفسي".

نهض صلاح متجولًا في منزله الأنيق:

"لا أريد إضاعة المزيد من الوقت غدًا، أريده هو مَن يأتي إلي".

مط صلاح شفتيه في تفكير:

"ربما في مقهى فاخر مثلًا؟ ربما المقهى المعتاد"

ابتسم ناصر بسخرية:

"تبدو لي كمقابلة شخصية دافئة".

قهقه صلاح:

"هي كذلك بالفعل... لكن ما الذي قد يجعله يأتي برغبته يا ترى؟" قلب عينيه وقد خطر بباله شيء:

"قلت لي إنه ليس ثابتًا في وظيفة محددة، أليس كذلك؟"

اتسعت ابتسامة ناصر وكأنه فهم ما يرمي إليه: "يمكنك ترك ذلك لي".

***

الساعة ٨:٥٢ مساءً

تربعت لين فوق رخام المطبخ بالقرب من الحوض، في يدها كتاب اللغة الإسبانية، تراقب سالم أثناء طهيه تارة وتحفظ الكلمات تارة.

"عمي سالم، هل وضعت حبات الشوكولاتة في الكعك؟"

ابتسم أثناء تقطيع حبات الفراولة:

"إنها كعكة فانيليا يا لين وليست شوكولاتة".

ابتسمت لين:

"أحب الفانيليا".

عاودت التحديق بالكلمات بلا تركيز، فقد كان تفكيرها مشغولًا بحسن. رفعت رأسها وقالت:

"عمي سالم..."

"هممم".

"ألا يوجد عمل بالمشفى قد يناسب حسن؟"

رقت عينا سالم واتسعت ابتسامته، أخذ إحدى حبات الفراولة ليطعمها إياها: "الصغيرة منشغل بالها على والدها؟"

مضغت لين وهي تبتسم بخجل، ثم قالت باختفاء ابتسامتها:

"لا أريده أن يبقى عاطلًا مجددًا... أو إرسالي إلى..."

لم ترد لين إكمال الكلمات، فلا تزال تلك الذكرى تؤلمها.

تنهد سالم قبل أن يرفع ذقنها:

"اسمعي، ذلك الأحمق لن يرسلكِ إلى أي مكان... أمور العمل ليست من المفترض أن تشغلي بالك بها، كل ما عليك هو إنهاء مذاكرة هذا الدرس".

أضاف بابتسامة:

"ماذا تدرسين؟"

أجابت بنبرة خالية من الحماس:

"اللغة الإسبانية".

عقد ذراعيه ليسأل:

"آه، تلك اللغات الاختيارية. لمَ لم تختاري الفرنسية؟ حينها كان بإمكاني مساعدتك".

ردت لين ببساطة:

"حسن يتحدث الإسبانية".

استوقفته تلك الجملة لإدراكه كم تعلقت لين بحسن. قال بهدوء ساخر:

"إذًا سيكون عليكِ الاستعانة به في شيء مفيد أخيرًا".

أومأت له لين بهدوء.

عاود سالم تقليب المخفوق ونظراته تعود إليها، أراد تخفيف توترها فقال:

"إذا لم تنتهِ هذه الدروس الليلة، لن تكون هناك كعكة".

اتسعت عينا لين:

"لا لا!! سأدرس سأدرس".

قال سالم بمرح:

"تضعفين أمام السكريات؟ أظنني وجدت نقطة ضعفك".

لم تخفِ لين ضحكتها:

"أظن أنك متأخر كثيرًا عمي سالم، الجميع يعرفها".

قاطع اللحظة دخول حسن المطبخ، ولا تزال أعصابه مشدودة. ملأ البراد بالماء ثم وضعه فوق النار ليعد الشاي.

لم يتحدث أي منهما أثناء مراقبته. نظف سالم حلقه وقال: "ما الأخبار الآن؟ هل من جديد؟"

"لا جديد".

كانت إجابته مختزلة وحازمة، مما أحبط لين.

قال سالم:

"لين عزيزتي، راقبي الماء ونادني عند غليانه".

أمسك سالم بذراع حسن ليسحبه للخارج:

"حسن، أريدك في كلمة".

انتزع حسن ذراعه قبل أن يلحق به لغرفة المعيشة.

أخفض سالم نبرته:

"ماذا تعني لم تجد عملًا؟!"

قطب حسن حاجبيه:

"بالمعنى الذي فهمته. نشرت حسابي الإلكتروني ولم أجد شيئًا، وعملي كمترجم غير مستقر، أنت تعلم طبيعة العمل الحر".

تنهد سالم:

"على الأقل لا تظهر هذا الوجه أمامها، الفتاة تظن أنك سترسلها للدار مرة أخرى".

أزعج ذلك الحوار حسن مجددًا. صر على أسنانه:

"مِن . أين . سأطعمها . يا سالم؟"

"ماذا تعني؟!"

مسح حسن وجهه:

"أعني أنه يجب علي إيجاد بتول بأقصى سرعة. بمجرد أن ينتهي ما ادخرته، لن أتمكن من توفير احتياجاتها، وفتاة في عمرها تحتاج والدتها أكثر".

حدق به سالم:

"وهل ترغب أنت بذلك؟... في إرسالها بعيدًا عنك؟ ألا ترى حالك أثناء البحث عن وظيفة؟! ألم تلاحظ توترك؟ أكان هذا أنت؟ كنت لا تأبه بما سيحدث غدًا، وتمر عليك أيام لا تتناول فيها سوى السجائر، والآن بالك مشغول بشخص يهمك أخيرًا".

"لا يهم ما أريده أنا".

تنهد حسن تنهيدة عميقة ودفن وجهه بين كفيه:

"الأمر أصعب مما تخيلت يا سالم، لا أدري ما أفعل حقًا".

جلس سالم بجواره مربتًا على كتفه:

"اتبع ما تريد أيها الأحمق... لا تستسلم، لأنك لا تعلم أن ما تريده يريدك هو الآخر... أرأيت الصغيرة في المطبخ؟ كانت تروي لي ما حدث حين تعاركت مع الصبي بفخر، إنها الفتاة ذاتها التي نعتت نزالاتك بالغبية كانت في قمة سعادتها لضربها أحدهم، ألم تلاحظ رؤية نفسها فيك؟"

حوَّل حسن عسليتيه إلى باب المطبخ حيث لين.

أردف سالم:

"أتعلم أنها اختارت الإسبانية فقط لأنك تجيدها؟"

ارتسمت على حسن ابتسامة جانبية ليتمتم:

"تلك البلهاء الصغيرة".

رد سالم بسخرية:

"لديها حقًا ذوق سيء في اختيار قدوتها".

"مزعج كعادتك".

ضرب حسن ذراع سالم ولم يخفِ أي منهما ضحكته.

جاء صوت لين:

"عمي سالم! هناك فقاعات تتقلب بالماء وبخار يتصاعد".

نهض سالم مجيبًا إياها:

"هذا ما يدعى الغليان يا لين".

قبل أن يتجه سالم إلى المطبخ، التفت إلى حسن وقال:

"أردتُ فقط يا حسن إخبارك بألا تحارب ما تريده، بل حارب من أجله.. تهتم لأحد؟ أخبره. تحب شخصًا؟ قل له أحبك. أخطأت؟ اذهب واعتذر له في الحال.. لا تتكبر وتقل لن أفعل أو لا أهتم؛ فالكِبر من شيم الشيطان، وهو ما جعل من إبليس شيطانًا، فما بالك بالنفس البشرية الضعيفة؟ وما أغبانا نحن البشر حين لا نتعلم! نظن دومًا أن لدينا متسعًا من الوقت، وننسى أننا لسنا من نتحكم به أو نحدده.. لا نعلم ما إذا كنا سنجد من نحب في حياتنا غدًا أم لا".

​أنصت إليه حسن واجمًا..

فلم يكن حسن من النوع الذي يعبر عن مشاعره بسهولة طوال حياته، حتى ظهرت بتول..

تلك التي اخترقت قلبه وقلبت كيانه، وجعلته يبوح بما لم يبح به يومًا.

​نادت لين من جديد:

"عمي سالم!"

"قادم يا لين".

​نظر سالم لصديقه وأضاف بمرح قبل التوجه للمطبخ:

"كف عن هذه الدراما، فهي لا تناسبك".

أشاح حسن بوجهه ملتقطًا هاتفه:

"اغرب عن وجهي".​

عاود سالم الابتسام قبل أن يسير للمطبخ.

​بمجرد التقاط الهاتف، وجد إشعاراً بوظيفة شاغرة أُرسلت إلى حسابه.

مطلوب حارس شخصي، والمواصفات كانت تنطبق عليه تماماً:

الطول يتراوح بين المائة والثمانين حتى المائة والتسعين، خبرة في استخدام السلاح، العمر يجب أن يقل عن الأربعين، والراتب كان مغرياً جداً.

​أشرق وجه حسن أخيراً، أرسل حسن سؤاله عن موعد المقابلة بلا تردد؛ أتاه الرد على الفور بأن تكون غداً ظهراً، ثم تم إرسال موقع المقهى له.

​نهض سريعاً ليبلغ سالم، لكن قبل أن يتحرك دلف سالم وفي يده كوبا شاي ومعه لين بجواره، وكتاب اللغة الإسبانية تضمه إليها.

اختفى وجه لين الحزين فور رؤيتها حسناً المبتسم.

​قال سالم بابتهاج:

"هذا الوجه أعرفه... ما الوظيفة وكم الراتب؟"

***

​الساعة ١٠:٠٢ مساءً

​اختار صلاح بذلة أنيقة حتى يقابل حسناً بها، بعدما أمر حارسه الشخصي بأن يرافقه غداً إلى مقابلة ما.

لم يتوقع بأن يتناول حسن الطعم بتلك السرعة. أثناء مشاهدته سماء الليل المتلألئة من شرفته الزجاجية، التقط هاتفه حتى يتصل بشخص محدد؛ مجد.

​كان في شقته البسيطة في منطقة شعبية، أجاب فور رؤية اسم صلاح بكر على شاشة الهاتف:

"سيدي؟"

​جلس صلاح على فراشه قبل أن يرد:

"رغم عدم رغبتي بالاستعانة بك مجدداً بعد آخر مهمة، لكن للأسف من غيرك سيتعرف عليها بسهولة؟"

​عبس مجد باستنكار قبل أن يسأل عما يقصد، تابع صلاح كلامه:

"هل تتذكر وجه تلك الفتاة الصغيرة أثناء هربها منكم كالخراف؟ ابنة بتول".

​ازدرد مجد لعابه قبل أن يرد:

"نعم... أتذكرها جيداً".

​"جيد.. لديك مهمة غداً، سوف يكون معك اثنان من رجالنا لمرافقتك، سيكونون بالسيارة، ولكن أنت فقط من سيدخل لها إلى المدرسة؛ فنحن لا نريد لفت الأنظار".

​"عُلم سيدي.. هل سيأتي فضل؟ هو يعرفها كذلك".

​تنهد صلاح قبل أن يجيب:

"لا، إنه متسرع ويفقد أعصابه بسهولة... مهمتك بسيطة، ستدخل، تجدها، تأخذها إلى السيارة بالخارج وتنطلق دون جلبة".

​قال مجد بتوتر:

"كما تشاء سيد صلاح، لن يكون هناك أخطاء".

​"أتمنى هذا، سأرسل لك عنوان المدرسة والتوقيت بالتفاصيل".

أغلق صلاح المكالمة واستراح على فراشه، متخيلاً وجه حسن عند ملاقاته بعد كل تلك السنوات.

***

​الساعة ١١:٣٣ مساءً

​أعطى سالم لين طبقاً به قطعة من قالب الكعك بعدما انتهى من تزيينه، أخذته وبدأت بتناوله بالشوكة أثناء سيرها إلى حسن في الغرفة. كان يقوم بكي ملابسه الرسمية التي سيحضر بها غداً للمقابلة.

​لاحظ دخول لين وفمها ملطخ بالكريمة، هز رأسه باعتراض لينادي سالماً: "سالم! ألم أخبرك بألا تعطيها الحلوى؟"

​جلست لين على حافة السرير ثم اعترضت بفم ممتلئ:

"لمَ لا؟"

​وضع حسن القميص الذي انتهى من كيه ثم أخذ البنطال، أجاب أثناء انشغال يديه:

"عقاب لكِ؛ لحديثك مع الغرباء اليوم".

​هزت رأسها بالنفي:

"لم أحدثه، أقسم... هو من تحدث إليّ وجلس بجانبي".

​قلب حسن ناظريه قبل أن يجيب:

"وماذا عن أخذك منه تلك العلبة؟ الكنزة سيئة على كل حال، التي اشتريتها لكِ الأسبوع الماضي كانت أفضل".

​دخل سالم للغرفة ثم ألقى بنفسه على السرير ليقول بسخرية:

"قالت لك إنها كانت جائزتها... أتدرك أنك تقارن علامة تجارية معروفة بسترة اشتريتها من السوق المحلية؟"

​التقط حسن وسادة صغيرة كانت ملقاة على الأرض وقام برميها على سالم الذي تفاداها بين قهقهته. تمتم حسن:

"لا تساعد إطلاقاً، مزعج".

​ضحكت لين لشجارهما الذي وجدته ممتعاً. أسند سالم ذراعه خلف رأسه موجهاً حديثه إلى لين:

"سنشتري المثلجات بعد خروجنا من المدرسة غداً، ما رأيك؟"

​اتسعت عيناها بحماس:

"ليكن مخلوط النكهات! كان لذيذاً... عدا نكهة التوت".

​تدخل حسن في الحوار بعدما انتهى من كي الملابس:

"لا تنسَ حساسيتها للفول السوداني".

​حدَّق سالم بينهما بابتسامة إعجاب وقال:

"لن أنسى شيئاً، وأنت.. فقط ركز في مقابلتك تلك".

​تركت لين الطبق جانباً وربعت ساقيها:

"هل حقاً سيستعمل حسن السلاح ويعمل كحارس شخصي؟! كالأفلام بالتلفاز!".

​علق حسن ملابسه ثم قال:

"لا تجعلي خيالك يقودك بعيداً، لا تحدث تلك الاشتباكات كثيراً في الواقع... لقد سهرتِ كثيراً بالمناسبة".

​قال سالم:

"اتركها يا رجل، فأنا لا أبيت عندك كل يوم".

​عقد حسن ذراعيه رافعاً أحد حاجبيه:

"أليس لديك منزل لتعود إليه؟".

​"أتظن أن بقائي كل تلك المدة في إعدادي للكعك كانت بلا مقابل؟ لقد تأخر الوقت، كما أنني من سيحضر لين غداً، إذاً سأبيت".

​رفعت لين ذراعيها ثم هتفت بحماس:

"مرحى!".

​جلس حسن على الطرف الآخر من الفراش ثم قال أثناء دفع سالم بعيداً عن السرير:

"إذا كنت ستبقى إذاً كن ذا فائدة... قم بغسل الصحون التي تركتها، لم أطلب منك إعداد الحلوى".

​نهض سالم إثر دفع حسن له:

"سأنهض يا مفسد البهجة، لن تتذوق شيئاً منها أصلاً".

قبل خروجه من الباب غمز للين ثم قال:

"سآتي في غضون ربع ساعة، لدينا الكثير من الألعاب والأنشطة التي ستنال إعجابك".

​رفعت كلا إبهاميها في إعجاب وموافقة:

"لا للنوم الليلة!".

​تمدد حسن على الفراش في استعداد للنوم:

"لن أوقظ أياً منكما".

​قال سالم قبل أن يخرج:

"لم نكن لنطلب منك على أي حال".

بدأ سالم بغسل الصحون وإعادة كل شيء إلى مكانه ووضع قالب الحلوى بالثلاجة، عاد للغرفة متوقعاً أن تكون لين في انتظاره:

"حسناً سنبدأ اللعب بـ...".

​استوقفه عن الكلام ما رآه؛ نام حسن كما هو متوقع، إحدى ذراعيه يغطي بها وجهه، والذراع الأخرى كانت ممدودة على المساحة الفارغة من الفراش بجواره...

أو كان من المفترض أن تكون فارغة؛ فقد شغلتها لين أثناء ضمها لذراع حسن الممددة تلك وقد غطت هي الأخرى في نوم عميق.

رقت عينا سالم وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، أخذ الطبق الذي تركته لين مؤخراً على طرف الفراش، وأطفأ أنوار الغرفة ثم خرج إلى غرفة المعيشة حيث سينام.

***

​الساعة ٢:٢٨ ظهرًا

​قاد حسن سيارة سالم نحو موقع المقهى كما أُرسل له العنوان أمس. كان بكامل أناقته وبشعر مسرح بعناية. نظر للساعة ليتأكد من الوقت ثم اتصل بسالم، رن جرس الاتصال مرتين قبل أن يرد:

"هل وصلت إلى لين؟ سينتهي اليوم الدراسي في خلال بضع دقائق، لقد تأخرت".

​أجابه سالم الذي كان في حافلة النقل العام:

"أنت آخر من يتحدث عن المواعيد، موعدك كان في الثانية، وها أنت متأخر رغم أخذك سيارتي!".

​ضاقت عينا حسن نحو لافتة المقهى الأنيقة التي ظهرت أمام مرأى عينيه في نهاية الشارع:

"لستُ متأخراً، لقد وصلت بالفعل".

​قال سالم:

"أقسم يا حسن إن أفسدت شيئاً في السيارة تلك المرة فسوف...".

​"وداعاً".

أغلق حسن الخط قبل أن يكمل سالم تهديده، تمتم:

"ثرثار".

قام حسن بركن سيارته أمام المقهى ثم همّ بالخروج.

​في تلك الأثناء، وقف عمر بسيارته أمام المدرسة في انتظار خروج ليلى، كان وجهه عابساً بعد سوء التفاهم والمشكلة التي حدثت مع حسن؛ أراد أن يحسن صورته أمامها وقد أصبح الأمر عناداً أكثر من كونه إعجاباً.

​في داخل المدرسة، كانت لين قد انتهت من يومها الدراسي وفي طريقها نحو حيث من المفترض أن ينتظرها سالم. أثناء بحثها عنه في وسط احتشاد الطلبة والآباء، لمحت أحداً بين الزحام لم تتوقع أن تراه مجدداً.

​برد جسدها ليصبح كالثلج، شحب وجهها، وثبتت عيناها نحو ذلك الرجل الذي يرتدي كمامة الوجه وقبعة رأس.

عيناه تتفقدان المكان بحثاً عن أحد، كانت تعلم عمن يبحث، كانت متيقنة من كونها المقصودة.

ميزت عينيه فور رؤيتها؛ تلك العينين اللتين حدقتا بها بعدما قتل والدتها.

أخفض القناع قليلاً ليحك ذقنه،

تأكدت لين مما تراه لوجود تلك الندبة على ذقنه.

​أرادت الصراخ..

أرادت الركض..

لكنها شعرت كما المشلول، كأنها عادت إلى تلك الليلة وقدميها ترفضان الحركة من موضعهما، لم تتمكن من الشعور بأي شيء سوى بالدفء الذي بدأ بالتسرب بين طيات ملابسها مبللة بنطالها.

​في نفس تلك اللحظات..

دلف حسن إلى المقهى والذي كان فاخراً وليس مكتظاً إطلاقاً، حدق في هاتفه ليعاود قراءة رقم الطاولة من رسالة أمس، ثم رفع عينيه ليمسح المكان مقترباً من إحدى الطاولات حتى اقترب من الطاولة المطلوبة. رفع ناظريه إلى الرجل الجالس على الطاولة؛ تجمد حسن لمن يراه في اللحظة التي أخفض بها الرجل قائمة المشروبات التي كان يقرأها مظهرًا وجهه وملامحه.

​وقف صلاح فاتحاً ذراعيه لحسن مع ابتسامة عريضة ارتسمت على شفتيه: "حسن... اشتقت إليّ؟".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (49)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22
الفصل 7: نُزُل
2026/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة