أفعى أم حرباء.

أفعى أم حرباء.

3 0

تسمّرت خطى كمال في منتصف الغرفة، وشخصت عيناه بنظرة تتأرجح بين الذهول والصدمة. كان يُمني نفسه برؤية صلاح ليخلصه من هذا المنزلق، لكن حضور عمر.. ذلك الشاب الذي سكب فيه عصارة حنانه واعتبره ابنه الذي لم ينجبه.. هزّ أركانه وجعله يبدو كمن أُلقي عليه ماءٌ باردٌ فجأة.

​حاول كمال التقدم خطوة نحو الأمام، مرتسمًا على وجهه تعبيرٌ متزن هادئ:

"عمر.. لا أعرف من هي ليلى أو ما الذي تظنه، لكن—"

​"إياك أن تنطق باسمي!"

​جاء صوت عمر كالرعد، متخشبًا بالقهر والحرقة. تقدم نحو المكتب بخطواتٍ بطيئة حثيثة، وعيناه المحتقنتان بالدموع والشرر تغرسان خناجرها في وجه عمه. رفع قبضته المشدودة ثم فتحها ببطء أمام عينَي كمال، ليتدلى منها العقد الذهبي.. عقد ليلى.

​اطردت أنفاس عمر المتهدجة وقال بصوتٍ مبشوم بالحرقة:

"أين اخذتموها بالضبط؟! قل لي أين هي قبل أن أنسى من تكون بالنسبة لي!"

"أنت تهذي.. لمَ قد اختطف فتاة لا أعرفها؟!"

اقترب كمال منه بلا تردد دون قطع التواصل البصري مردفًا:

"وأنت؟ ظننتك جئت لمساعدتي لترى أي إبتلاء حلّ علي، وأي مصيبة اتهموني بها!"

تأسست على شفتَي عمر ابتسامة ساخرة، ابتسامة مريرة تعصر قلبه قبل أن تظهر على ملامحه. هز رأسه بأسى وهو ينظر إلى الرجل الذي طالما رآه قدوته وسنده في الحياة، وقال بصوتٍ يرتعش تحت وطأة الانكسار:

"ما زلت تمارس اللعبة ذاتها.. الذكاء، والمراوغة، وارتداء قناع الضحية البريئة! ألهذا الحد تستصغر عقلي؟ أم أنك اعتدت على إتقان الأدوار حتى صدقت كذبتك؟"

قطّب كمال حاجبيه بتوتر خفية وملامح حافظت على توازنها، فاندفع عمر بكلماته بنبرة خفيضة حازمة:

"أتظن أن الورقة التي وقعت بين أيديهم كانت بمحض الصدفة؟ أم هل تظن أن أمر ملفك القذر بجرائمك لا يعرفه غيرك؟!"

ازدرد كمال بصعوبة وصدمة، بينما استرسل عمر بنبرة تشتد أكثر:

"كنت غبيًا طوال تلك السنوات.. أقف بظهرك، افتك بمن يمس اسمك بسوء.. كنت أدافع عن قاتل يطعمني بدماء ملوثة.. دماء أطفالٍ ذاقوا اليتم مثلي تمامًا.."

ترقرقت عينا عمر بدموعٍ ترفض أن تهبط، فضرب كفه بالطاولة ليصيح بألم:

"اعتبرتك أبي يا هذا! هل تعلم ما فعلته بي؟!"

كسر عمر التواصل البصري بينهما، واستدار سريعًا محاولاً كبح شهقة قهر خنقت حنجرته. كانت كتفاه تهتزان بخفوت تحت وطأة انكساره..

"لقد حدث ما كان من المفترض أن يحدث"

تسمر عمر إثر كلمات عمه، ثم استدار بعيونٍ أظلمت تحاول استيعاب ما سمعت.. فأردف كمال كلماته بثبات، بنبرة لم تحمل ذرة ندم:

"لن اعترف بما تقول، ولن أقول أني فعلت ذلك.. لكن كل ما قمت به طوال حياتي، كان من أجلك.."

"إياك أن تقحمني في قذارتك وتظن أن —"

"اسمعني!"

ارتد صوت كمال في أنحاء الغرفة، فاسترسل بالرغم من رأسه الذي كاد ينفجر بضغطه الذي ارتفع:

"هل تظن أن حياتك لتكون هكذا إذا لم أجعلها أنا هكذا؟"

مط كمال شفتيه وهو يعد:

"دراستك في أفضل الجامعات.. شركتك التي تتكئ عليها.. أعمالك بالخارج.. اسمك المحترم بين الناس.. حياتك المترفة كلها؛ لولاي لما كان لها وجود إطلاقاً! لولاي لكان مصيرك مشردًا في ميتم مهمل، أو طفلاً يمسح السيارات في الشوارع! وكنتُ أنا لأكون ميتاً ومقبوراً منذ زمن بعيد من قلة العلاج والرعاية الصحيحة التي لم نكن نملك ثمنها!"

رفع كمال كفيه ببساطة في الهواء:

"انظر من حولك يا بني.. تعرف على العالم الحقيقي، العالم يقتل مَن لا يأخذ منه هو أولًا"

ساد الصمت للحظات.. ثم صعد صوت تصفيقٍ خافت ومتهكم يجول بالغرفة.

​فرّت من عمر ضحكة خفيفة ومكسورة أثناء تصفيقه المتواصل فورما أنهى كمال كلامه، نشق بأنفه بين ضحكاته قبل أن يسأل:

"لذا قتلت والديَّ إذًا؟ حتى.. تحميني صحيح؟ هكذا تسير معادلتك"

قلّب مقلتيه بتصنع قبل أن يردف بتهكمٍ مظلم:

"فبالطبع أموال أبي أنت أعلم بإدارتها منه.. وبدء شبكتك كانت تتطلب رأس مال، أليس كذلك؟"

ارتفعت نبرة كمال فجأة، نبرةٌ امتزج فيها الغضبُ بالمرارة الحارقة، وصاح وهو يشير بسبابته المرتعشة صوب عمر:

"إياك! إياك أن تتجرأ بفتح هذا الباب معي!"

اهتز جسد كمال إثر ثورة ضغطه المتصاعد، لكنه واصل حديثه وهو يتنفس بصعوبة:

"أحمد كان أخي.. كان سندي في دنيا لم ترحمنا! يوم رحيله انكسر ظهري قبل أن ينكسر ظهرك! أتعلم ماذا يعني أن تلملم أجساد أسرتك من بين حطام سيارةٍ محترقة؟ أتعلم ما معنى أن تقف أمام مقبرة أخيك وتعده وأنت تنتحب بكاءً بأن ابنه سيكون في حدقتيك ما حييت؟!"

حدق به عمر بتقزز ليهمس ببرود:

"ليت السيارة احترقت بك أنت.."

انشقت الكلمات في صدر كمال، فأمسك رأسه بصداعٍ كاد يفتك بجمجمته. 

سحب كرسياً ليتهاوى عليه، وقال بصوتٍ خفت خبوّه:

"كله كان من أجلك.. لا زلت لا تفهم شيئًا.. لا زلت ساذجًا"

رفع كمال مقلتيه إلى عمر وأردف:

"وإن أردت أن اختطف أحدًا كما تقول أنت.. فما الذي قد أريده منك؟ لمَ لا آخذ ما أريد مباشرة منك دون لوي ذراعك؟"

رفع عمر حاجبيه مجيبًا:

"تسقط الأقنعة وتظهر الادمغة.. تعرف جيدًا طرقك"

وقبل أن ينبس كمال بكلمة أخرى، قطع المشهد صوتُ طرقتين حادتين على الباب، ثم دفعه الشرطي لفتحه قليلًا، متيحًا لضجيج القسم الخارجي أن يتسلل إلى صمت الغرفة المسموم. قال الشرطي بنبرة رسمية قاطعة:

"عذرًا يا أستاذ عمر.. انتهت العشر دقائق المسموح بها للزيارة، والضابط بانتظارك بالخارج."

​كانت تلك الطريقة بمثابة الصفعة التي أعادت عمر إلى الواقع؛ تذكر ليلى.. وتذكر أن كل ثانية يضيعها في مجادلة هذا القاتل هي اقتطاعٌ من أمل نجاتها. لم يعد صدره يحتمل العيش في هواء هذه الغرفة الملوث ثانية واحدة أخرى.

التفت عمر برأسه قليلاً ليمنحه نظرة جانبية أخيرة، نظرة خالية من أي رابطة قديمة:

"إن مسّ ليلى أذىً واحد.. فلن يكفيني سجنك.. ولن تغفر لك روح أبي، لأنني أقسم لك.. سأقتلك بيدي هاتين."

​أدار عمر المقبض ودفع الباب، ليخرج بخطواتٍ ثابتة وموزونة، تاركًا خلفه أصداء كلماته المسمومة تصطدم بجدران الغرفة الضيقة.

​انغلق الباب بنقرةٍ حادة..

​بقي كمال بمفرده في منتصف الغرفة، يتنفس بصعوبة. وضع يده على رأسه الذي كاد ينفجر من شدة الصداع والضغط المرتفع، غارقاً في صمته وعزلته القاتلة.. وقلبه الأسود الذي فقد الضوء الوحيد فيه..

***

الساعة ١٠:٤٢ صباحًا.

دلف صلاح إلى قسم الشرطة بخطى متمهلة نحو مكتب وليد..

سأل عن مكانه ثم اتجه إليه في هدوء بعدما تم استدعائه..

وقف أمام مكتب الضابط وليد، طرق الباب طرقتين متزنتين، ثم دفعه بهدوء دون أن ينتظر الإذن الكامل..

​كان المكتب غارقًا في فوضى القضايا؛ ملفات متراكمة، أكواب قهوة جافة، وهواء ثقيل يفوح برائحة التبغ.. 

خلف المكتب..

كان وليد يجلس بعينين محتقنتين من قلة النوم، وجسدٍ أرهقته ملاحقة الخيوط المنفلتة. 

فور رؤيته لصلاح، استقام في جلسته، وارتسمت على وجهه ملامح جادة تحمل كرهًا دفينًا يدركه صلاح جيدًا.

​أغلق صلاح الباب خلفه بنقرة خفيفة، ثم تقدم بخطوات موزونة نحو المكتب، ممررًا نظرته التفحصية على المكان قبل أن ينبس بنبرة هادئة، تقطر بالدبلوماسية:

"صباح الخير يا حضرة الضابط.. قيل لي إنك طلبت رؤيتي، وأتيت فور وصول الاستدعاء احترامًا للقانون ولشخصكم الكريم."

​سحب صلاح الكرسي المقابل للمكتب دون أن يُدعى للجلوس، وضع ساقه فوق الأخرى، وأسند يديه المتشابكتين على ركبته، منتظرًا بابتسامة باهتة لا تزول عن ثغره.

استند وليد بكفيه على سطح المكتب، وظل يحدق بوجه صلاح لثوانٍ طالت، محاولاً اختراق ذلك الثبات المصنوع. خفض وليد نبرته لتصبح رصينة ومتوازنة:

"تقديرنا لتعاونك كبير.. الاستدعاء مجرد استيضاح بسيط بشأن قضية كمال سعد الله التي شغلت الرأي العام."

​ارتسمت على شفتي صلاح ملامح استنكار طفيف، ونشقت أنفاسه بعجبٍ مصطنع، ليرد بنبرة أسفٍ هادئة:

"قرأت عن الأمر في صحف الصباح.. صدمة حقيقية في الوسط التجاري! لم أكن أتوقع أن رجلًا بمكانته وعمره قد يورط نفسه في جريمة بشعة كالإتجار بالبشر.. أمرٌ مقزز بحق."

أومأ وليد برأسه، وسأله بأسلوب استفساري غير مباشر:

"ما هي طبيعة العلاقة التي تجمعك بالسيد كمال؟ أو ما حجم التعاملات التجارية بين عملك وشركاته؟"

​أطلق صلاح ضحكة خفيفة وساخرة، لا تخلو من التهذيب، وهز رأسه نفياً:

"علاقة؟.. يبدو أن هناك خلطاً في الأمر يا حضرة الضابط. السيد كمال رجل أعمال ينتمي لجيلٍ قديم، لم تجمعني به أي شراكة أو معاملات مالية قط. كل ما في الأمر أننا نلتقي مصادفة في بعض المؤتمرات أو حفلات الافتتاح الرسمية.. لقاءات لا تتعدى المصافحة العابرة، لا أكثر ولا أقل."

​شاب الغرفة صمتٌ محمل بالتوتر، ثبّت فيه وليد ناظريه على عينَي صلاح الزرقاوين الحادتين، ثم قال ببطء شديد:

"غريب جداً.. لأن المحامي الخاص به، وبمجرد احتجازه، صرح بحضورنا أن كمال طلب استدعاءك أنت بالاسم.. بل وأكد أنك الرجل الوحيد الذي 'يمتلك المفاتيح كلها' لحل أزمته."

​لم ترمش عين صلاح، ولم تظهر على ملامحه أي ردة فعلٍ مفاجئة. اكتفى بابتسامة باهتة ومتحفظة، وعدل ساعته الذهبية على معصمه قائلاً:

"الغريق يتعلق بقشة يا حضرة الضابط.. كمال رجل يواجه الفناء والتهم الثقيلة، ومن الطبيعي في لحظات الذعر والإفلاس العقلي أن يلقي بالأسماء يميناً ويساراً.."

استراح صلاح في مقعده وتابع:

"يمكنكم سؤاله بأنفسكم، فأنا شخصيًا لا أعرف ما يريد تحديدًا."

ضيّق وليد عينيه، وانحنى بجسده للأمام قليلاً فوق المكتب، ليرمي بورقته القادمة ببرودٍ حذر:

"دعنا ننتقل لأمرٍ آخر أكثر تفصيلاً.. أين كنت ليلة الحادث تحديداً؟ في الوقت الذي اندلع فيه الحريق المروع في المستودع المهجور على أطراف المدينة؟"

​هنا، لم تظهر على صلاح أدنى علامة اضطراب، بل اتسعت ابتسامته بمرونة واثقة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال تحديداً.

​كان صلاح قد حكَم خطته بدقة متناهية قبل أن يطأ قرب ذلك المستودع؛ فقد علم أن مغامرته الشخصية هناك قد تحفها المخاطر، ولذا صنع لنفسه غطاءً قانونياً لا يخترق. 

قبل الحادثة بساعات.. 

حضر صلاح حفل عشاء عملٍ لمؤسسة رجال الأعمال في أحد أكبر الفنادق، واعتلى المنصة متحدثاً أمام المئات وعدسات الصحافة، ثم حرص على البقاء في جناح الفندق الخاص، معتمداً على بديلٍ يتنقل بسيارته لتشتيت أي تتبع.. مستغلاً تسجيلات الكاميرات، ليظهر كأنه لم يغادر حرم الفندق طوال الليل.

​رفع صلاح حاجبيه بذهولٍ متصنع وقال:

"الحريق؟ كنت في فندق (الماسة) أحضر الحفل السنوي لرجل أعمالٍ يدعى سيد جلال، حتى الساعات الأولى من الصباح.. هل هناك من يدعي عكس ذلك؟"

استمع وليد لكلامه جيدًا، ثم أردف وعيناه تغرسان النظرات في وجه صلاح:

"حسن عبد السلام.. يذكرك جيدًا."

​عند سماع اسم حسن، لمعت في عيني صلاح جمرة خفية وسريعة، لكنه سرعان ما طمسها خلف قناع الاستغراب، وقال بنبرة مشوبة بالشفقة المصطنعة:

"حسن؟ آه.. الذي تعرض لحادث أليم مؤخرًا؟ طالعني اسمه في الأخبار.. مسكين حقًا، سمعت أنه أصيب بضربة حادة في الرأس.. أتمنى له الشفاء العاجل."

ساد السكون لبرهة، فتابَع وليد وهو يثبّت ناظريه على عيني صلاح الزرقاوين:

"وفي أول كلمات نطق بها فور استعادته لوعيه.. أكد لي بوضوح تام أنه التقاك هناك، وجهًا لوجه.. بل وقال إنك كنت في قلب الموقع عندما كانت النيران تلتهم المكان، وأنه اشتبك معك شخصياً."

تنهد صلاح بأسفٍ مصنّع وأردف:

"أنا أقدر حجم الصدمة التي تعرض لها، ولكن يا حضرة الضابط.. رجل خرج للتو من إصابة حادة في الرأس، وارتجاج بالمخ، ونقص في الأكسجين، وتحت تأثير مخدرات وتسكينات شديدة القوة.. هل يُعتد بحديثه قانوناً؟ من الطبيعي جداً في حالته أن تتشابك لديه الأطياف بالواقع، أو ينسج عقله الباطن خيالات وأوهاماً بوجود أشخاص يظنهم أعداءه."

​انحنى وليد للأمام قليلاً.. 

واستند بكوعيه على المكتب واضعاً يديه أمام وجهه، وقاطع حجيجه بنبرة خفيضة:

"حسن يذكر بالتفصيل أنه قبض بيديه على رقبتك بضراوة قبل أن يفقد وعيه.. يذكر المكان، والمواجهة تماماً."

​تحركت عين وليد لتستقر على الوشاح الحريري الملفوف بإحكام حول عنق صلاح، واسترسل بابتسامة:

"وما دمنا نتحدث عن الواقع لا الأوهام.. فالطقس دافئ اليوم يا أستاذ صلاح، ألا تجد أن إحكام إغلاق وشاح حريري حول رقبتك ثقيل بعض الشيء؟"

​توقفت أصابع صلاح لثانية واحدة فوق الوشاح، لكنه سرعان ما مسح عليه برفق وهو يبتسم ببرود، ودون أن تتزحزح ثقته، فقال أثناء نزعه من حول عنقه:

"لفحة هواء خفيفة داهمت حنجرتي البارحة وأنا في الحديقة.. والإنسان عليه أن يعتني بصحته.. لكن على العموم أشعر بتحسن."

تسمر عينا وليد بعد نزعه للوشاح، فقد كانت رقبته بخيرٍ تمامًا..

دون أدنى خدشٍ بها..

ثم انحنى صلاح للأمام بدوره، وتحدث بنبرة هادئة:

"ثم إنني أتساءل.. لو كان حسن رأى ما يدعيه، أين بقية الأدلة؟ أين ملفاته؟ أين شهوده؟ رجلٌ يندفع بحماقة في الأخطار دون حذر، طبيعي أن يستيقظ وهو يتخيل أن الجميع حوله يهاجمونه.. أتمنى له الشفاء العاجل، لعل عقله يستعيد صوابه قريباً.."

هز وليد رأسه وقد حوصرت أسئلته:

" إذًا.. أنت لم تقابله يومها.."

قلّب صلاح ناظريه وأردف متنهدًا:

"حسن هذا حقًا قد تعبت منه، إذا بحثت عن تاريخه يا حضرة الضابط.. ستجده أنه اتهمني منذ سنوات بقضية أخرى، والآن يتهمني بمحاولة قتله، وآخر يقحمني في مصائبه.. ماذا فعلت حتى تتلاحق عليّ الاتهامات هكذا؟"

​ساد صمتٌ خانق في الغرفة..

مال وليد برأسه تجاه تلاعبه الذي لا يستطيع تكذيبه، فأمال صلاح برأسه مواكبًا نظراته..

نهض وليد من خلف مكتبه، ووقف بثبات ليضيف بنبرة حازمة:

"خمس دقائق يا صلاح.. سأمنحك خمس دقائق فقط لتسمع ما لدى كمال سعد الله."

​عدّل صلاح زر سترته بهدوء، ولم تظهر على وجهه أي علامة تردد، بل أومأ برأسه بابتسامة متزنة:

"لا بأس.. إن كان ذلك سينهي هذه المهزلة ويساعدكم في إغلاق هذا الملف، فلا مانع لدي."

​دُفع الباب الحديدي الثقيل لغرفة الاحتجاز المؤقتة، ليصدر حفيفاً مزعجاً تقشعر له الأبدان. خطى صلاح إلى الداخل بتمهل وأناقة تتناقض تماماً مع بؤس المكان وحوائطه الشاحبة.

​كان كمال يلتصق بالكرسي الخشبي، يضع رأسه بين كفيه، وجسده يهتز إثر ضغطه المرتفع وما تجرعه من خيبة وانكسار عقب خروج عمر. فور سماعه لوطأة الخطوات، رفع كمال رأسه بشحوب، وشخصت عينيه المجهدتان نحو صلاح.. كان يرى فيه حبل النجاة الأخير، العقل الذي طالما أنقذ المنظومة من أعتى الأزمنة.

​انغلق الباب خلف صلاح، وتوقف على بُعد خطوات قريبة، يطالعه بنظرة باردة خالية من أي مشاعر، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة لا تحمل ذرة دفء.

​هتف كمال بصوت خفيض ومتهدج، امتزجت فيه المهانة بالرجاء:

"صلاح.. أخيرًا أتيت.. يتهمونني بالإتجار! الملفات تسربت.. والنيابة تستعد لمواجهتي! عليك أن تتحرك بسرعة.. المحامون، العلاقات، النفوذ.. أخرجني من هذا الجحيم!"

​ظل صلاح صامتاً لثوانٍ، يطالع هذا الرجل الذي كان يوماً ما يترأس الطاولة، يملي الأوامر بصوته الجهوري ويحكم قبضته كـ "سيد ورئيس" ينحني له الجميع. 

خفض صلاح رأسه قليلاً وهزّه بأسى تصنّعه ببراعة:

"أخرجك؟ وبأي صفة يا سيد كمال؟.. أنا مجرد مواطن استُدعي لاستيضاح أمرٍ لا شأن لي به. جئت بناءً على طلبك فقط لأسمع سبب إقحام اسمي في مصائبك."

​تسمر كمال مكان، واتسعت عيناه بصدمة زلزلت أركانه:

"ماذا تقول؟! أنسيت من أكون؟ أنسيت أنني من صنعك؟!"

​شحب وجه كمال لدرجة الموت، فاسترسل صلاح بنبرة عقلانية، وكأنه يمنحه نصيحة مجردة:

"الأوراق كاملة ضدك، والملف مع تواجد الصغار في الوقت ذاته.. أصلد من أن يثقبه أي محامٍ في هذه المدينة.. مكابرتك وإنكارك لن يجلب لك سوى حبل المشنقة.. لو كنت مكانك.. لاعترفت بالتهم المعروضة، وسلّمت بما اقترفت يدك.. الاعتراف قد يرأف برقبتك ويمنحك مؤبداً خلف الأسوار، فتضمن على الأقل أن تظل أنفاسك تتردد في هذا العالم بدلاً من الإعدام."

​التهبت حدقتا كمال بالغضب، واندفع للأمام وهو يكبس كفيه المرتعشتين على الطاولة، ليصيح بصوت مكتوم:

"تطالبني بأن أضحي بنفسي وأحمل الجريمة بمفردي؟! تظن أنك ستنجو بقذارتك وتتركني أتعفن في السجن؟! أنت من دمر كل شيء! خسرت عمر بسببك.. خسرت كل ما بنيته!"

​توقفت ابتسامة صلاح تماماً..

استقرت في زرقاويه نظرة مظلمة.. 

انحنى أكثر حتى غدت ملامحه على بعد شبرٍ واحد من وجه كمال المنهك، وتحدث بنبرة خفيضة جداً، حريصة كل الحرص ألا تسجلها أجهزة التنصت سوى كأحاجٍ غير مفهومة، لكنها كانت كفيلة بإعادة تشكيل تاريخ كمال بأكمله في ثوانٍ:

​"عمر؟.. الولد الذي أنفقت عليه عقوداً من الزمن من دماء أبيه وأمه؟.. تتحدث عن الخسارة يا كمال.. وتنسى كيف شُيّد هذا العرش من الأساس؟"

تجمعت قطرات العرق على جبهة كمال، وساد صمتٌ مرعب، بينما استرسل صلاح بلعبٍ متقن بالكلمات:

"كنت تبحث عن رأس مال.."

مط صلاح شفتيه أثناء عده:

"مشروع أحمد.. الورث.. الحادث"

تجمّدت الدماء في عروق كمال، وشُلّت حركته تماماً كمن ضُرِب بصاعقة. 

سقطت كلمات صلاح في أذنيه ليس كاعترافٍ خفي، بل كزلزالٍ هدم آخر جدارٍ كان يستند عليه حطام عقله.

​أخي.. أحمد؟ وزوجته؟

السيارة.. الفرامل.. الحريق.. الورث..

​لم تكن حادثة قضاء وقدر.. لم يكن القدر سخياً كما ظن طوال عقدين من الزمن.. بل كانت تدبيراً شيطانياً من هذا الوحش القابع أمامه!

​تضخمت حدقتا كمال، وصعد الدم إلى رأسه دفعة واحدة حتى أظلمت رؤيته لثوانٍ، وسمع أزيزاً حاداً ينخر جمجمته. تشوهت ملامح كمال بنوبةٍ من الرعب والغلّ والمستحيل.. رأى أمامه الرجل الذي شاركه الخبز، والرأي، والسر.. هو ذاته السفاح الذي هشم عظام أخيه، وجعله يرعى ابن قتيله وهو يظن نفسه وليّ النعم!

​"أنت..."

فرّت الكلمة من بين شفتي كمال كمزيجٍ من الفحيح والشهقة، اهتز جسده بالكامل، وفي كسور من الثانية..

انطلق كمال عبر الطاولة الخشبية بجسدٍ يهتز، مجرداً من أي وقارٍ أو هيبة، ليطير بنصفه الأعلى ممتداً نحو صلاح. قبضتاه المرتعشتان، والعروق الزرقاء الملتوية على ظهرهما كالأفاعي، امتدتا بطريقة وحشية نحو عنق صلاح، وانشق صراخه المكتوم ليرج أرجاء الغرفة الضيقة:

​"يا شيطان!.. يا قاتل!.. أنتَ؟! أنت قتلت أخي!"

في تلك اللحظة بالذات، اندفع الباب الحديدي الثقيل بقوة جعلته يصطدم بالحائط الحجري، واندفع الضابط وليد برفقة شرطيين مدججين للسلاح.

​"ثبتوه فوراً! امسكوه!"

صرخ وليد بصوتٍ حاد وهو يرى المشهد.. رجل أعمالٍ وقور يُهاجَم بشراسة من قِبل متهمٍ يبدو أنه يقف على شفا الجنون. 

اندفع الشرطيان وقبضا على ذراعي كمال، يجرّانه إلى الخلف بقوة قاسية، بينما اقتلع وليد يدي العجوز عن ياقة صلاح.

​كان كمال يتلوى بين أيدي العساكر، يرغد ويصرخ بصوتٍ متهدج تقطعه ثقوب الهواء:

"هو السبب!.. هو من قتل أحمد وزوجته! هو من دمّر كل شيء!.. اسألوه! اقبضوا عليه! هو السفاح الحقيقي!"

​لكن الكلمات بدأت تخرج من ثغره ممتزجة برغوة خفيفة، ونبرة ثقيلة متلعثمة تتآكل حروفها.. فقد كان جلياً للجميع أن الرجل يمر بنوبة عقلية ونفسية.

انفجر الضغط المرتفع.. ليتهاوى على الأرض بثقل، يلهث بصوتٍ خفيض أشبه بالنحيص، عاجزاً حتى عن إكمال شتيمته أو تحريك أصابعه نحو خصمه.. أثناء محاولة الشرطيين إسناده.. 

تطلع وليد إلى كمال القابع على الأرض ينبض بالحشرجة، ثم حوّل ناظريه بنظرة بحدة وريبة نحو صلاح.. 

ساد صمتٌ ثقيل قبل أن ينطق وليد بنبرة خفيضة:

"ماذا صنعت به؟!"

​التقط صلاح أنفاسه ببطء، وهز رأسه بشفقة وأسى، وهو ينظر إلى كمال المطروح أرضاً:

"لم أصنع شيئاً يا حضرة الضابط.. فقد صرخ فجأة يتهمني بجريمة جديدة.."

​انحنى صلاح قليلاً ليلتقط وشاحه الحريري الذي سقط أرضاً أثناء الاشتباك، طواه بعناية وأمسكه بين يديه، ثم التفت نحو وليد بابتسامة متزنة لا تشوبها شائبة:

"عن إذنك.. أظن أن زيارتي انتهت، وأرى أن طبيب السجن يجب أن يُستدعى فوراً لرعاية هذا المسكين.. إن كان في العمر بقية."

​استدار صلاح واستقام في وقفته، متجهاً نحو المخرج بخطواتٍ ثابتة.. تحسس بها عنقه ليتأكد من ثبات المكياج قبل أن يفحص أصابعه بعدها..

كان ثابتًا يخفي بقايا الآثار حول عنقه.. 

تخطى صلاح هلع الشرطة وصراخ الطبيب المُستدعى في الرواق.. ترك كمال خلفه سجين الجسد والعقل، مسجوناً داخل جسده الذي لم يعد يطيع أوامره، ليذوق أفظع أنواع العذاب.. أن يعرف الحقيقة كاملة.. حين فقد القدرة على النطق بها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (47)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة