تحدث سالم لاهثًا إثر الركض:
"أين هي؟! الأرجوحة فارغة!"
"ربما سقطت من السلم الكهربائي، تفقده!"
قبل أن يتحرك سالم ناحية السلم، حرك انتباه كليهما احتشاد عدد قليل من الناس حول هيئة صغيرة أمام متجر الشاشات في وسط تهامساتهم:
_ ما بها؟
_ اهدئي يا عزيزتي.
_ أين والداكِ؟
اخترق حسن الحشد أولًا يعقبه سالم من خلفه، توقف كلاهما من منظر لين متكورة أرضًا، مستندة على الحائط..
ركبتاها مضمومتان نحو صدرها..
لا تستمع أو ترد على أحد.. وكأن الخوف قد شلَّ حواسها.
تهمس بشيء ما مرارًا وتكرارًا، وكوب المثلجات مسكوب على الأرض جانبًا.
سألها حسن بنبرة حازمة:
"لين، ماذا حدث؟"
ارتجفت شفتاها دون أن تجيب.
لم يرتخِ عبوس حسن، فعندما لمس يدها وجدها باردة كالثلج.
تصرف سالم أخيرًا وبدأ في إبعاد الناس بذراعيه:
"حسنًا يمكنكم التحرك، لا شيء يدعو للمشاهدة... أنتم تعيقون التنفس."
بدأ الناس في الابتعاد متمتمين بتذمر عن إهمال الأهل.
لم تتحدث لين عما حدث.
تحرك نظر حسن ليمسح المكان ما إذا كان هناك شيء غير طبيعي؛ كل ما وقعت عليه عسليتاه كان طبيعيًا.
السلم المتحرك..
متجر المثلجات الملون..
متجر للشاشات يعرض بثًا مباشرًا لحدثٍ ما..
لا شيء غير اعتيادي.
أعاد ناظريه نحو لين التي قابلت عسليتاها خاصتيه أخيرًا.
تحدثت بصوتٍ منكسر، خائف، بالكاد مسموع:
"أريد.. العودة إلى المنزل."
حدق سالم بغير فهم لأي شيء تجاه تلك الصغيرة وتصرفاتها.
أمسك حسن بها من أسفل ذراعيها وقام برفعها حاملًا إياها بهدوء.
التف ذراعا لين حول رقبته وأسندت رأسها على كتفه، شعر بأصابعها الصغيرة تحكم الإغلاق حول سترته.
استدار حسن مقابلًا سالم، قال بنبرة هادئة:
"أحتاج إلى توصيلة."
أومأ له دون كلمة إضافية.
بدأت السماء تتحول تدريجيًا إلى اللون الرمادي حيث تتجمع السحب الداكنة.
على الطريق..
كانت لين في المقعد الخلفي للسيارة بحالٍ أفضل، تقوم بشرب عبوة عصير التفاح التي قام سالم بشرائها حتى يساعدها السكر على التركيز، ولكنها لم تتوقف عن مراقبة الطريق..
لم تتوقف عن الالتفات هنا وهناك وكأنها سوف يتم العثور عليها.
كان الطريق هادئًا.
حسن في المقعد المجاور لسالم.. ساندًا رأسه للخلف مغمضًا عينيه رغم استيقاظه.
كسر سالم ذلك الهدوء محولًا ناظريه نحو لين عبر المرآة:
"إذًا.. هل ستخبرينا ما حدث هناك؟"
أبعدت لين علبة العصير قليلًا:
"ما حدث؟"
"نعم.. ما حدث."
أكمل سالم حديثه هازًا رأسه وهو يعد الأحداث:
"صرخة أيقظت الموتى.. حشود.. أنتِ على الأرض خائفة وشاردة، ترى هل ضايقكِ أحد؟"
تحاشت النظر نحوهما معاودةً التحديق بالنافذة:
"نعم، ضايقني فتى و… وأسقط مثلجاتي."
ارتفع أحد حاجبي سالم باستنكار:
"تجمدتِ وكأنكِ رأيتِ شبحًا بسبب ذلك؟ أهذا كل شيء؟"
اصطنعت لين ابتسامة صغيرة، حركت رأسها وأجابت:
"نعم نعم، كل شيء."
رفع حسن رأسه فاتحًا عينيه، استدار بنصف جسده لمقابلتها:
"تدركين أنك كاذبة سيئة، صحيح؟"
ضاقت عينا لين باستنكار:
"هل هناك كاذب جيد؟ أليس الكاذب دائمًا سيئًا؟"
اعتدل حسن مجددًا مستندًا على المقعد مرة أخرى مغطيًا عينيه بكفه:
"لا.. حقًا أنا لستُ مستعدًا لخوض نقاشاتك الآن بتاتًا."
بعد دقائق من الهدوء، نظر سالم إلى حسن قبل أن تعاود عيناه مراقبة الطريق:
"إذًا.. يا كونان."
"نعم؟"
"ليس أنتِ يا لين."
"حسنًا."
تابعت لين شرب عصيرها بهدوء.
أجابه حسن دون النظر إليه:
"ماذا الآن يا سالم؟ رأسي يدور في مائة دوامة."
تساءل سالم:
"هل لاحظت أي شيء قد يتسبب في ذلك؟"
تنهد حسن قبل أن يجيب:
"لا شيء غير اعتيادي لردة الفعل تلك.. كما أنها غريبة الأطوار أحيانًا."
رمشت لين لاستيعاب ما تسمع، ضاقت عيناها بارتياب قبل أن تسأل:
"أتلك أنا؟"
أجابها حسن بلا مبالاة:
"نعم هي أنتِ هذه المرة."
قلبت عينيها وأجابت بابتسامة:
"أحب غرباء الأطوار على أي حال.. فهم مختلفون عن البقية."
فتح حسن عينيه مكملًا أثناء عده على أصابعه:
"أضيفي إليهم التالي.. ثرثارون، مزعجون ويتسببون في أزمة قلبية لمن حولهم دون ذكر السبب."
اتسعت عينا لين:
"أزمة قلبية؟ أتعاني من أمراض القلب؟!"
أمسك حسن رأسه بعدم احتمال:
"سالم، إذا قفزتُ من السيارة الآن على تلك السرعة.. هل تضمن لي ألا تقوم بإنعاشي؟"
"لا يمكنني تفويت طلب كهذا لصديقي العزيز."
بدأت قطرات المطر تنهمر تدريجيًا متراقصة على النوافذ والأرصفة معطرة الجو برائحة الشتاء البارد.
توقفت السيارة أمام منزل حسن.
همَّ بالنزول من السيارة خلفه لين وزخات المطر فوق رأسيهما.
حملقت في سالم للحظة في انتظاره أن يرافقهما، سألت:
"ألن تأتي؟"
تفقد سالم التوقيت في ساعته مجيبًا:
"لدي الكثير من العمل بالمشفى الآن وقد تأخرت بالفعل."
لوح لها بابتسامة:
"أراكِ لاحقًا يا صغيرة."
لوحت له لين هي الأخرى:
"إلى اللقاء عمي سالم."
هز حسن رأسه بضحكة مكتومة متمتمًا لنفسه:
"وتناديه عمي."
راقبت لين السيارة وهي مبتعدة أثناء متابعتها للتلويح نحوه، على عكس حسن الذي تحرك للداخل دون انتظار، لاحظته لين أخيرًا ثم سارعت في الركض خلفه متسببة في تناثر مياه الأرض المبتلة مع كل خطوة أسفل قدميها، صاحت:
"انتظرني!"
***
الساعة ٥:٢٢ مساءً
دلف كلاهما إلى الداخل.
ريثما خلع حسن سترته ليظل بقميصه الصوفي ذي الياقة العالية، التقطت أذناه صوت عطسةٍ صغيرةٍ من خلفه.
تمتم حسن:
"رائع."
استدار مقابلًا لين التي صدرت عنها عطسة أخرى مغطيةً فمها بطرف كُم سترتها، عبست ثم قالت:
"لا أحب العطس."
"تلك ضريبة الوقوف بالمطر حتى تودعي ذلك الأحمق."
ضغط على مقبس الضوء.
لا شيء.
مجددًا.
لا يزال ظلامًا.
تنهد محدثًا نفسه:
"هذا ما كان ينقصني."
مطت لين شفتيها بضيق أثناء اقترابها ناحيته:
"لا كهرباء؟"
أسند حسن إحدى يديه على خصره:
"لا.. إما أنه بسبب العاصفة أو أنني لم أدفع الفاتورة، في كلا الحالتين سنحتاج إلى إشعال بعض الشموع، فبطارية الهاتف لن تحتمل طويلًا للإضاءة."
عطسة أخرى من لين تبعتها نشقة بأنفها:
"أظنني سأمرض."
أجابها أثناء إشعاله لبعض الشموع:
"اتصلي بسالم.. فأنا لا أجيد التعامل مع المرضى."
عبست قبل عقد ذراعيها:
"لست لطيفًا أبدًا."
استرخى على الأريكة فاتحًا هاتفه:
"على الرحب والسعة."
اشتد صوت المطر مختلطًا بضجيج الرعد.
ضمت لين شفتيها في تفكير ثم تحركت نحوه:
"ألست جائعًا؟"
لم يبعد عسليتيه عن شاشة الهاتف عند رده:
"بلى."
"اطلب لنا الطعام إذًا."
"التوصيل غير متوفر بالعواصف."
تنهدت قبل أن تقول:
"على الأقل أعد لي بعض الحساء.. فلا أريد أن أزداد مرضًا."
"لا أجيد طبخ الحساء."
"الإنترنت موجود."
رفع ناظريه عن الشاشة مقابلًا تلك الابتسامة المتحمسة.
***
الساعة ٦:٣١ مساءً
لم يتوقف المطر عن الانهمار فوق أرضية الشوارع بل كثر مع ازدياد أصوات الرعد، هذا يحتمي بمعطفه وذاك ينتظر أحدهم أسفل شرفة أحد المنازل، بعض البيوت مضاءة باللون البرتقالي الدافئ الصادر عن مدفئتهم بينما البعض الآخر يكتفي بدفء أسرته..
على عكس حسن..
"فقط اتركي القدر ودعيني أشاهد المقطع مرة أخرى."
وضعت لين القدر جانبًا وقالت:
"طماطم، بصل، ملح، فلفل، زيت ودجاج.. لا حاجة للإعادة، حفظت المكونات والطريقة بخطواتها، هل يمكننا البدء؟.. أنا جائعة!"
تسمر لثوانٍ في حالة تعجب أمام تلك الصغيرة فوق الكرسي عاجزًا عن فهم عقلها الصغير.
تساءل:
"كيف قمتِ بـ_"
هز رأسه مستوقفًا سؤاله قبل إكماله.. همَّ بالإمساك بالسكين وقال:
"حسنًا هيا."
بدأ حسن بتقطيع الخضروات على مهل ثم هبط بها داخل القدر.
قام بسكب المياه المغلية تاليًا.
أشارت لين نحو القدر أثناء قطوب حاجبيها وقالت:
"ألم يكن عليك إضافة الدجاج قبل وضع المياه؟"
تابع حسن وهو لا يزال يضيف المزيد من المكونات مجيبًا:
"لا يهم، كلهم سيختلطون في النهاية."
هزت برأسها نفيًا:
"لا ليس كذلك، هل يمكنك ارتداء المعطف قبل القميص؟"
رفع رأسه في اتجاهها مجيبًا بتذمر:
"ما هذا التشبيه الغريب؟... على كلٍ لن أسكبه وقد حدث ما حدث."
تأمل المطبخ الذي انقلب رأسًا على عقب من أجل حساءٍ فقط، تنهد قبل أن يسأل:
"ما هو المكون التالي آنسة حاسوب؟"
أجابت لين بابتهاج:
"دجاج!"
همَّ حسن يبحث في الثلاجة، ثم المجمد.
تمتم محدثًا نفسه أثناء مسح عينيه للرفوف:
"ليس هنا.. ليس هنا."
هبط كتفا لين بإحباط:
"لا دجاج؟"
أغلق المجمد ثم أعاد البحث في الثلاجة مرة أخرى:
"كان يجب أن يكون هنـ، ها هو."
أخرج كيس الدجاج من الثلاجة والذي لم يحتوِ سوى على قطعة واحدة.
حملقت بها لين بخيبة أمل:
"تلك فقط؟"
أغلق حسن الثلاجة ثم اتجه إلى القدر حتى يضع الدجاج:
"أعتذر سيدتي المبجلة لم أشترِ سوى نصيبي من الطعام.. المرة القادمة سأتوقع ظهور كائن طفيلي يشاركني حياتي وطعامي."
حدقت بين القطعة والقدر ثم قالت بإحباط:
"لكنها صغيرة بالنسبة لكمية الحساء."
زفر أثناء فتحه أحد الأدراج بحثًا عن شيءٍ صغير مكعب الشكل.
راقبته لين بترقب قبل أن تسأل بفضول:
"ما تلك في يدك؟"
أغلق الدرج بينما يقوم بفتح ما في يده:
"مكعب من المرقة قد يفيد."
وضعها مع الدجاج في القدر ثم بدأ في التقليب.
بعد دقائق.. بدأت الرائحة اللذيذة تنتشر في الأرجاء.
استنشقت لين الرائحة الشهية بمتعة:
"أظنني أحب المرقة."
رفع حسن أحد حاجبيه باستغراب من تلك الفتاة التي تحب كل شيء تقريبًا، سألها بسخرية:
"ألم تسأليني منذ قليل عن ماهيتها؟ فكيف لكِ أن تحبيها؟"
هزت كتفيها بغير علم أثناء تقليبها للحساء:
"جعلت رائحة الحساء شهية، رغم صغر حجمها إلا أنها جعلت القدر بأكمله أفضل من ذي قبل، جعلت رائحته وربما طعمه أفضل، تستحق الحب."
شرد قليلًا لما قالته متأملًا كلماتها بعمق... عاود النظر إلى تلك الصغيرة أمامه.
لاحظ كم يشبه شعرها شعر بتول في لونه الكستنائي وتموجاته التي تهبط على ظهرها بانسيابية، أما وجهها؟
كان أغلبه نفس ملامحه من حيث لون العيون والأنف حتى الغمازة على خدها الأيمن...
كانت ظاهرة بوضوح لضغطها على شفتيها أثناء تركيزها بتقليب القدر وكأن إعداد الحساء مهمة مصيرية.
سألها بنبرة هادئة:
"من أين تأتين بتلك الكلمات؟"
ضمت حاجبيها في تفكير، مالت برأسها ثم أجابت:
"عقلي... أظن؟ ثم فمي، كما أن فمي جائع."
زفر مجددًا معلنًا هزيمته أمام ردودها التي دائمًا ما تقطع أفكاره.
عطست لين في كمها بعيدًا عن القدر.
مر بعض الوقت.. سمعت لين صوت غليان الحساء، حملقت به محدثةً نفسها:
"يشبه حمم البركان."
تحرك حسن متذوقًا إياه:
"ابتعدي قليلًا.. يبدو أنه انتهى."
هبطت لين بحماس من فوق الكرسي ثم ناولته طبقًا كان على الطاولة.
بدأ بملئه بالحساء ثم قطعة الدجاج.
ناوله للين والتي وضعته فوق الطاولة ثم عادت إليه بطبقٍ آخر حتى يبدأ بالغرف من جديد.
قالت له أثناء مشاهدة الطبق يُغرف:
"لا تضع به الكثير من البصل.. فأنا لا أفضله مع الحساء."
توقفت يده عن الغرف للحظة.
حملق في طبق الحساء بالدجاج على الطاولة ثم عاود النظر إلى الطبق في يده قبل أن يرفع ناظريه نحو لين.
ألحت لين بعدم صبر:
"هيا! أنا جائعة."
قطَّب حاجبيه في تساؤل:
"أليس الذي على الطاولة هو طبقك؟"
حوَّلت عسليتيها للطبق ثم عاودت النظر إلى حسن:
"لكن الطبق على الطاولة.. بالدجاج."
هز رأسه بغير فهم:
"بمعنى؟"
عقدت يديها خلف ظهرها ثم قالت:
"أخبرتني أنك لم تشترِ سوى نصيبك من الدجاج.. إذا تناولته أنا سأكون كائنًا متطفلًا... لا أريد أن أكون كائنًا متطفلًا، فهو يعتمد على تناول طعام غيره للبقاء على قيد الحياة، هل تعلم ذلك؟"
رمش عدة مرات لاستيعاب ما تقول:
"ما دخل هذا بذاك؟ كيف تدخلين الأمور ببعضها هكذا؟!"
هز رأسه سريعًا متظاهرًا بأنه لم يسمع شيئًا مما تفوهت به، أجابها بحسم:
"تناولي الحساء الذي بالدجاج حتى تسارعي بالشفاء.. فأنا لا أريد مرضى بمنزلي، يكفيني المرضى النفسيون في حياتي."
حدقت لين نحو الحساء بالدجاج أثناء عبثها بطرف كُم سترتها:
"ألن يزعجك؟ أعني... أنت لم تأكل أيضًا و_"
تنهد مقاطعًا إياها:
"إذا برد لن أقوم بتسخينه."
ارتفعت شفتاها ببطء في ابتسامة صغيرة ثم تحركت بسرعة نحو الطاولة ممسكةً بالملعقة لتبدأ بالأكل، قالت بفمٍ ممتلئ ساخرةً من نفسها:
"أنا الآن طفيلية رسميًا."
أجابها حسن دون تردد:
"أنتِ كذلك بالفعل."
ثم فجأة.. صدرت من حسن عطسة قوية.
غطت لين فمها بقلق:
"أكان ذلك بسبب عطسي فوق القدر؟"
جلس حسن على المقعد مسندًا جبهته على الطاولة:
"ألهمني الصبر يا ربي، فأنا لن أتحمل."
***
على مسافة بعيدة...
بين حقول المزارع المجاورة لإحدى القرى، وفي داخل أحد المنازل حيث كانت تدور محادثة بين صديقتين في حيرة من أمرهما لاختفاء صديقتهن فجأة وبدون سابق إنذار.
أمسكت مُنى الهاتف بإحكام، لا تدري إن كان قلقًا أم محاولة فاشلة لجمع شتات نفسِها.
قالت منى بضيق:
"أقسم لكِ لم تحدثني قبل مغادرتها."
ردت صديقتها:
"كيف لها أن تفعل ذلك؟ المغادرة هكذا؟! ببساطة دون حتى أن تودعنا؟!"
جلست منى على طرف سرير أحد أطفالها مداعبة خصلات شعر ابنها النائم بعمق، تستمع إلى صديقتها سمر.
من الجانب الآخر، أسندت سمر كوعها على سور شرفتها مكملةً حديثها:
"أتعلمين يا منى؟ كانت بتول غريبة الفترة الأخيرة بعض الشيء، قلقة، متوترة، لا تبتعد عن حاسوبها الخاص أو عن ابنتها.. هل لديكِ أي فكرة عما يدور في رأسها؟"
صمتت منى قليلًا قبل أن تتنهد تنهيدة خفيفة وتقول:
"لا أعلم حقًا يا سمر، فأنتِ تعلمين بتول وتلميحاتها غير المفهومة."
لحظة من صمت يليها سؤال فضولي من منى:
"سمر... أخبريني مجددًا عما كانت تحويه الرسالة النصية التي أرسلتها بتول لكِ صباحًا."
"سأرسلها لكِ، لكن ليكن بعلمك أنها قامت بتغيير رقم هاتفها، فقد حاولت الاتصال بالفعل لكن تم تعطيل الرقم."
"حسنًا يا سمر، شكرًا لكِ."
"لمَ الشكر؟ أريدك فقط ألا تعيري همًا.. فبتول قوية وتستطيع تولي أمرها هي وصغيرتها."
"أعلم.. تصبحين على خير عزيزتي سمر."
"تصبحين على خير."
بعد إغلاق الخط، أرسلت سمر إلى منى الرسالة التي تم إرسالها عبر رقم بتول:
_ لقد غادرتُ القرية، أنا بخير ولكن لن أتمكن من العودة مرة أخرى فلقد رحلت إلى بلد آخر.
قرأت منى الرسالة مرة ثم الأخرى.
لم تدرِ لمَ.. لكن لم يرتح قلب منى أبدًا لسفرها المفاجئ ذاك، لكن ما باليد حيلة.
أغلقت هاتفها متأملة ابنها النائم لتهمس له مع ابتسامة حزينة:
"ستشتاق إلى تلك الصغيرة.. أليس كذلك؟"
مالت نحوه مقبلةً جبينه قبل أن تنهض تاركةً الغرفة.
مع حلول منتصف الليل، اشتد الرعد قوة مع زخات المطر التي تضرب الأرصفة محدثةً ضجيجًا يمنع إحداهن من النوم..
لين.
تكورت على الأريكة محتضنةً بطانيتها الصغيرة، عاجزة عن الراحة، متذكرة ما رأته في المركز التجاري.
أغمضت عينيها ثم همت بالتكرار داخل رأسها:
لن يجدك..
لن يجدك..
لن يجدك..
انتفضت من مكانها فجأة بسبب صوت الرعد الذي ازداد علوًا.
تنهدت لين ثم أزاحت البطانية جانبًا وهبطت بقدميها من فوق الأريكة للأرض.
لا تزال محتضنةً وسادتها لتأخذها معها نحو الغرفة المجاورة حيث غرفته.
حسن.
استند حسن على وسادته بعدما دهن وجهه بالمرهم مرة أخرى.. كان ممسكًا بهاتفه متأملًا محرك البحث وما كتبه عليه:
[دار رعاية للأطفال]
حملقت عسليتاه بالنص من دون قراءته، فقد كان رأسه مشغولًا في تضارب أفكاره.. فقد كان ضجيج عاصفة رأسه أعلى من الرياح والمطر بالخارج.
أخذت رأسه تحدثه:
لا وظيفة..
لا خبرة..
لا شيء..
تلك الصغيرة لن تصمد أكثر.
كما أنني لا أستطيع أن أكِّن لها أي مشاعر.. فلم أتواجد في أي مراحل حياتها.
لا أستطيع تقبل الوضع..
لا أستطيع أن أكون..
أبًا؟
تلك الكلمة كانت غريبة له حتى بالنسبة إلى أفكاره.. أفكاره وذكرياته التي كانت تضربه أقسى من أي لكمة عند معاودتها تذكيره بتفاصيل حياته قبلًا.. منذ سنوات..
"مبارك تخرجكِ آنستي الصغيرة بتول."
انحنت بتول بفستان تخرجها الأزرق بانحناءة مطابقة لانحناءته الرسمية المبتذلة أمامها عند تهنئته لها.
قامت بسرقة قبعته العسكرية من فوق رأسه لترتديها هي بدلًا من قبعة التخرج.
"صغيرة؟ أنا خريجة! وبعد شهرين سأكون سيدة بتول بالمناسبة."
ابتسم رافعًا حاجبيه:
"هكذا إذًا؟"
أومأت له:
"هكذا إذًا، كما أنك لم تبدِ رأيك بفستاني."
تأملها ببطء مما جعل ضربات قلبها تتسارع خجلًا بسبب ملاحظتها لنظراته.
اتسعت ابتسامته مجيبًا بهدوئه المعتاد:
"يليق بكِ."
ردت بتول بثقة رغم خجلها:
"بالطبع يليق بي، لمَ تخبرني بشيء أعرفه بالفعل؟"
صاعقة رعدية أعادت ذهن حسن إلى الحاضر.
قام بدعك عينيه بأصابعه مستطردًا تلك الذكريات.
ثم.. طرقات صغيرة على باب غرفته.
حذف محرك البحث سريعًا قبل غلق الهاتف.
"ادخلي."
فُتح الباب لتظهر تلك الصغيرة المحتضنة لوسادتها.
همت بالدخول بخطى بطيئة.
حدق بها حسن سائلًا إياها:
"لمَ لم تنامي بعد؟"
خطت نحو سريره ثم أجابته:
"أنت أيضًا لم تنم."
جلست على طرف السرير متأملة غرفته التي لم تكن واضحةً تمامًا بسبب ضوء الشموع الخافت، كل ما ظهر كان..
كيس ملاكمة..
بعض الملابس هنا وهناك..
صناديق مغلقة..
لاحظ حسن مسحها لغرفته بنظراتها:
"هل تستمتعين بمشاهدة الغرفة أم تطمعين في السرير؟"
هبطت عسليتاها عليه قبل أن تهز كتفيها بقلة حيلة:
"لا أشعر بالنوم."
ضاقت عيناه بازدراء:
"ترى ما الذي يشغل بال السيدة الصغيرة؟"
احتضنت وسادتها بقوة متحاشيةً عينيه، قالت بتردد:
"لقد... لقد كذبت صباحًا."
ابتسم بسخرية: "بالطبع كذبتِ."
اعتدل في جلسته سائلًا بفضولٍ لا قلق:
"هل تنوين قول ما حدث؟"
تذبذبت أفكارها..
هل تخبره الحقيقة؟
هل سيصدق؟
ماذا إن تعرض للخطر وقتلوه هو الآخر؟
تحدثت أثناء العبث في كُم سترتها:
"في متجر الشاشات... كان يوجد شيء على... على الشاشة."
أمال برأسه قليلًا:
"شيء؟"
ازدردت لعابها.. فكرت بقول الحقيقة، عاودت التفكير مجددًا وأخيرًا تحدثت بسرعة:
"كان فيلمًا مرعبًا وخفت منه."
رفع حاجبيه بسخرية:
"هل تسمين البث المباشر فيلم رعب؟"
ضمت شفتيها لانكشاف كذبتها بتلك السهولة.
أسند ظهره مجددًا إلى الوسادة ملتقطًا هاتفه:
"لا تختبري دقة ملاحظتي مجددًا يا صغيرة، وأيضًا..."
أشار بسبابتيه نحوها متابعًا:
"أنتِ أسوأ كاذبة قابلتها في حياتي."
دفنت وجهها في الوسادة متمتمةً:
"ليس جيدًا.. ليس جيدًا إطلاقًا."
صاعقة أخرى رجت أرجاء المنزل.
تحركت لين قليلًا ناحية حسن الذي لاحظها دون إبعاد نظره عن الهاتف:
"لين."
أجابت بصوتٍ مكتوم بوجهٍ لا يزال مدفونًا بالوسادة:
"نعم؟"
"العاصفة لن تأكلك."
رفعت رأسها مقابلةً نظراته:
"أعلم.. لكنها لا تزال مخيفة."
مرت دقائق صامتة بينهما حتى انتهى شحن هاتفه.
تركه جانبًا ثم استلقى على ظهره مغلقًا عينيه في محاولة للنوم.. محاولة يعلم أنها فاشلة..
"حسن."
"ممم."
حدقت به بفضول:
"هل أنت نائم؟"
"لا.. أجرب شعور الموتى."
دقيقة..
أخرى..
ثم..
"حسن."
تأفف بانزعاج فاتحًا عينيه:
"ماذا يا لين؟"
ترددت في السؤال لكن تلك المرة غلبها فضولها:
"هل.. يسمعنا الموتى حين نحدثهم؟ هل يشعرون بنا؟"
قابل تينك العسليتين المتسائلتين قبل أن يعاود التحديق بالسقف من فوقه.
صمت قليلًا قبل أن يجيب:
"نتمنى ذلك ولكن في النهاية.. العلم عند الله."
قطب حاجبيه في ازدراء:
"من أين ظهر هذا السؤال؟"
هزت كتفيها:
"لا أدري.. فقط خطر ببالي."
أغمض عينيه مجددًا:
"حاولي النوم.. كان اليوم طويلًا وأنا مرهق."
حولت نظرها نحو النافذة.. لا تزال قطرات المطر تضرب الزجاج بقوة.
وضعت الوسادة جانبًا وضمت ركبتيها إلى صدرها مراقبةً جفنيه.
صدرت عنها ضحكة صغيرة:
"مقلتاك تتحركان أسفل جفنيك."
فتح عينيه معتدلًا في جلسته بعصبية:
"طفح الكيل.. بأي لغة تفهمين كلامي؟"
"أنت أيضًا لا تستطيع النوم! إذًا هذه مشكلة كلانا."
"ليست كذلك، هي مشكلتك وحدك."
"بلى هي كذلك."
"ليست كذلك."
"بلى هي كذلك."
فتح فمه للشتم ولكنه تمالك نفسه ممررًا أصابعه بين خصلات شعره مصطنعًا ابتسامة توحي بنفاد صبره:
"وما الذي تقترحينه إذًا أيتها الـ_، أيتها العبقرية؟"
اعتدلت في جلستها بحماس:
"حين يعجز عقلك عن النوم عليك بإرهاقه حتى يتعب وينام."
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه:
"إذًا لديكِ القدرة على تنويم مدينة بأكملها."
عبست بانزعاجٍ مما قال ولكن لم يختفِ حماسها تمامًا:
"لست لطيفًا."
فكرت لبرهة قبل أن تبدأ في الشرح:
"أعني استخدام عقلك في التركيز بشيء ما حتى ترهقه، مثلًا..."
مسحت عيناها أرجاء الغرفة باحثةً عن أي شيء:
"هل لديك أي شيء يستدعي التركيز؟ مثل القراءة.. الكتابة أو ربما الشطرنج.."
بدأ في مجاراة حديثها ربما تنجح فكرتها ويتمكن هو من إرهاق عقلها حتى تنام وتدعه وشأنه، قال:
"لا أفضل القراءة ولستُ بكاتب... لدي شطرنج بالفعل ولكنها تحتاج إلى لاعبين_"
اتسعت عيناها بحماس:
"ألديك شطرنج؟! أريد اللعب! أحب الشطرنج."
صدرت عنه ضحكة صغيرة ساخرة:
"أنتِ؟ تجيدين لعب الشطرنج؟"
لم تجبه لين بل نهضت واقفة لإحضار الشطرنج دون حتى معرفة مكانه:
"أين تحتفظ به؟ هل هو في إحدى تلك الصناديق؟"
تحركت نحو صندوقٍ صغير أسود اللون دون انتظار رده.
صرخ بها فجأة:
"لا تلمسي هذا!"
انتفضت متحركةً خطوتين للخلف بعد سماعها تلك النبرة التي أرعبتها.
نهض سريعًا من فراشه وقد وصل إليها في خلال خطوتين.
بدأ بالتأكد من إحكام غلق ذلك الصندوق الذي يحوي مسدسه.
مغلق..
آمن.
فتح خزانته ثم وضع الصندوق بالداخل في رفٍ مرتفع.
تنهد ثم استدار نحو لين محدثًا إياها بنبرة حازمة:
"لن تلمسي أيًا من أغراضي مجددًا دون إذني.. أكلامي مفهوم؟"
تجمدت في مكانها دون حركة.
"مفهوم؟!"
تبعثرت كلماتها أثناء الرد:
"مـ.. مفهوم.. مفهوم."
مسح على وجهه جامعًا شتات أعصابه.
فتح أحد أدراج مكتبه الصغير الذي يعج بالفوضى باحثًا عن علبة الشطرنج.
وجدها أخيرًا وقد كانت مغطاة بالتراب.
أخرجها ثم عاود الجلوس على الفراش، قام بفتحها وقد بدأ في ترتيب القطع بمكانها.
لاحظ لين التي لم تتحرك من موقعها:
"هل سألاعب شبحي أم ماذا؟"
ظهرت على وجهها ابتسامة خافتة غير متأكدة.
سارت نحوه بخطوات صغيرة.. جلست ببطء على السرير أمامه وهمت بترتيب قطعها.
لاحظ ترتيبها الصحيح لموضع كل قطعة، قال:
"ليست المرة الأولى لكِ على ما يبدو."
ضاقت عيناها أثناء الترتيب وأثناء تفكيرها:
"تقريبًا المرة... المرة الثالثة والسبعون."
كتم ضحكته متمتمًا بسخرية:
"نعم نعم بالطبع."
بحثت عن قطعة الحصان.. وجدتها ثم وضعتها في مكانها، قالت له:
"سألعب بالأبيض."
تابع الترتيب مجيبًا إياها:
"تحبين البدء إذًا؟"
أومأت بنعم.. وبعد ثوانٍ انتهى كلاهما من الترتيب.
أشار حسن بسبابته لوضع شروطه:
"دورٌ واحد، حين أفوز ستنامين، لا اعتراض."
حدقت به لين بتحدٍ، قالت:
"حسنًا وإن فزت أنا.. سوف أشاركك السرير، فالأريكة ليست مريحة إطلاقًا."
مدت له يدها في إشارة إلى الاتفاق.
حملق بيدها أمامه ثم قال معلقًا:
"علمت من البداية أنك تطمعين في سريري."
صافحها بقبولٍ للاتفاق.
بدأت باللعب.. حركت البيدق الأبيض كبداية.
أراد إنهاء الجولة سريعًا، حرك قطعته الأولى.
لاحظ تعابيرها التي تغيرت عن المعتاد؛ تحرُك مقلتيها السريع على كل قطعة قبل تحريك قطعتها التالية.
ضاقت عيناه قليلًا.. حركة جيدة.
بعد تحريكهما لبضع قطع علم أنها ليست بلهاء إطلاقًا.
اعتدل في جلسته مائلًا قليلًا للأمام في تركيز.. فلقد اعترته الدهشة بسبب عدم توقعه لذلك.
مرت الدقائق دون أن يشعرا ثم مرت قرابة الساعة وهما منخرطان باللعب دون أن ينبس أي منهما بكلمة.
كلاهما كان منغمسًا في حالة تركيزه القصوى أثناء تلك المعركة على هيئة قطعٍ صغيرة، وأخيرًا.. توقف كلاهما.
تعادل.
هزت لين رأسها في ابتسامة صغيرة:
"فاز كلانا إذًا."
رفع عسليتيه إلى خاصتيها، مر الاندهاش بعينيه خاطفًا قبل أن يخفيه، قال:
"لستِ سهلة."
أمالت برأسها قليلًا:
"أهذا جيد؟"
بدأ بجمع القطع متجاهلًا سؤالها، فلم يعد يعلم ما إذا كانت تدعي البراءة أم لا:
"هل تنوين السهر للصباح؟"
التقطت وسادتها لتضمها من جديد وقالت بتملق:
"حسنًا... قلت إنك إن فزت فسأنام دون نقاش."
ضاقت عيناه لنبرتها الخبيثة، تابعت:
"وأنا قلت إن فزت أنا، سأبقى هنا... وقد تعادلنا! هذا يعني اختيار حلٍ يضمن الاتفاقين."
تنهد قبل أن ينهض لفتح درج مكتبه ويعيد علبة الشطرنج في مكانها، بينما قالت لين أخيرًا:
"سأنام هنا في السرير!"
قفزت على فراشه دون انتظار إذنه وقد دفنت نفسها أسفل بطانيته الثقيلة، ضحكت ببلاهة مستنشقةً عطره العالق في الغطاء:
"تشبه رائحتك."
استدار لمقابلة تلك الصغيرة في فراشه نائمةً على وسادته أثناء احتضانها لخاصتها، قال:
"لا طاقة لي الآن لمجادلة طفيلية مثلك، تأكلين طعامي والآن تنامين في فراشي."
بدأ صوتها يغط في النوم تدريجيًا:
"أنت من... سمح لي بتناول قطعة الدجاج تلك."
عقد ذراعيه محدثًا نفسه:
"كم أنتِ محتالة صغيرة."
لم تصدر أي إجابة منها فقد استسلم جسدها الصغير أخيرًا للغوص في نوم عميق.
تحرك ببطء نحو النافذة وقد لاحظ العاصفة التي بدأت في الخمود.. قاطع هدوء عقله تسلل ذاكرته إلى ما حدث اليوم في المركز التجاري، تساءل بفضول:
~ما الذي رأته قد يتسبب في تلك الحالة؟~
هز بوجهه مستطردًا الفكرة، تمتم بانزعاج:
"ولمَ أهتم حتى؟ فالأطفال قد يخافون أي شيء."
تراكمت أحداث اليوم في رأسه حتى أرهقته، فآثر أن يضع حدًا للتفكير.
Hana Elahmar