الساعة ١:٣٢ ظهرًا
ارتجفت فوهة المسدس الباردة الملتصقة بصدغ لين، وتحركت عسليتاها بعبثية بين ملامح والدها المذعورة، وبين البقعة التي تقف فيها ليلى. كانت أنفاس الرجل المضطرب وراءها حارقة، تلفح عنقها وصدره يعلو ويهبط بجنون.. لكن ليس أسرع من نبضاتها..
نقل وليد بصره سريعاً بين حسن والخاطف. يده التي تحمل سلاحه ثابتةً بفضل سنوات التدريب، لكن قلبه كان يقرع كطبول الحرب.. كان يعلم أن خلف الباب الزجاجي للمقهى، هناك قوات الدعم التي أرسل إليها قبل دقائق.. لكن اقتحامهم الآن يعني حكماً بالإعدام على لين.
قال وليد بنبرة حازمة، محاولاً السيطرة على الموقف وتهدئة الزعيم:
"المكان محاصر بالكامل يا هذا.. سيارات الدعم تقف خلف الزجاج الآن. إن تركت الصغيرة، أضمن لك مخرجاً آمناً وقضية ترويج ممنوعات عادية.. لا تضف إليها تهمة قتل عمد من الدرجة الأولى!"
أحكم الزعيم قبضته على لين لتئن بألم قبل أن يصيح مجيبًا:
"ابتعد يا حضرة الضابط واخفض سلاحك.. أمّن لنا مخرجنا أولًا، وقتها سندعها تذهب"
حاول حسن الاقتراب للأمام خطوة، فحوّل الرجل سلاحه نحوه:
"أبعِد صديقك هو الآخر وإلا سيندم!"
"لا تقترب يا حسن!"
زمجر بها وليد ليطيعه حسن على الفور:
"أنا بعيد.. لا سلاح معي.. لن أقترب"
تنحى حسن جانبًا أثناء تتبع وجه لين له، تترجاه ألا يتركها، لكنه تحاشى النظر إليها..
تأوهت لين من جديد إثر ضغط ذراع الرجل حولها ليهمس لها بنبرة مسموعة:
"اخرسي قليلًا ولا تثيري أعصابي"
حاول وليد مفاوضة زعيمهم مجددًا في جدالٍ عديم الفائدة..
حوّل حسن مقلتيه نحو ليلى في ركنٍ جانبي من المقهى.. يشير لها بذقنه نحو الطاولة، التقت ليلى بنظراته نحوها لكنها لم تفهم مقصد اشاراته.. أشارت إلى هاتفها بتساؤل فهز حسن هزة خفيفة برأسه نفيًا..
"قوموا بتأمين المخارج استعدادًا لتحركهم، معهم رهينة ولن نتمكن من اعتقالهم"
تجاهل حسن حديث وليد في اللاسلكي، لا تزال عيناه على ليلى، أشارت له بتوترٍ نحو الكأس الزجاجي، فأومأ لها حسن.
حركت شفتيها المرتعشتين بكلمة:
- أأكسره؟
هز رأسه إيجابًا مرة أخرى..
امسكت ليلى به بأصابع مرتجفة، حرك حسن يده ببطء خلف ظهره لترى ليلى إشارته، يعد تنازليًا:
ثلاثة..
اثنان..
واحد..
تهشم الكأس أرضًا ليبتر الهدوء المتوتر مجبرًا رؤوسهم على التشتت إلى مصدر الضوضاء، وقد كانت تلك لحظة حسن لينقض على زعيمهم القابض على لين، أمسك بمعصمه ليدفعه للأعلى لتنطلق رصاصة اخترقت السقف، يتبعها صرخات المتواجدين..
صوّب أحد الرجال سلاحه نحو حسن، لكن وليد تحرك ليقبض على ذراعه مغيرًا مسار سلاحه لتندفع رصاصة المجرم حتى تخطئ حسن وتستقر في ذراع زعيمهم الذي صرخ بتوجع..
انزلقت لين من ذراع الرجل إثر المقاومه لتزحف أرضًا للخلف في فزع.. مقلتاها على حسن، وقد كان يلوي معصم الزعيم ليديره، فأصبح ظهره مواجهًا لصدر حسن الذي قبض بذراعه حول رقبة المجرم، ويده الأخرى احكمت على المسدس الذي تمكن من انتشاله، يشير به نحو رأس الزعيم وقد تبدلت الأدوار..
تسارعت أنفاس حسن إثر الادرينالين، يحكم ذراعه أكثر حول عنقه ليستمتع بأنينه كما فعل هو مع ابنته منذ قليل، اقترب وجه حسن من أذن الزعيم ليهمس بحدة:
"لمَ التأوه؟ أتؤلمك؟ اخرس قليلًا ولا تثر أعصابي"
أنّ الزعيم بألمٍ بينما صرخ أحد رجاله:
"اتركه وإلا ستتأذى أيها الضابط"
أطلق حسن زفيرًا تهكميًا من ظنهم له أنه ضابطٌ كوليد، اجابهم بثقة والمسدس لم يتنح عن صدغ زعيمهم:
"تدركون أني لستُ مضطرًا حتى لقتله؟ سلمت يدا الذي أطلق الرصاصة، لقد قام بالواجب وفوقه، فالنزيف سيتسبب ببتر ذراعه إذا ماطلنا أكثر"
أصاب الزعيم حالة ذعرٍ فأمرهم على الفور:
"اخفضوها.. اخفضوا الأسلحة!"
تبادلت نظرات الحيرة والارتباك بين رجاله قبل أن يصيح بهم مجددًا:
"قلت اتركوها!"
أطاعوه بخفض اسلحتهم ليسقطوها أرضًا رافعين أذرعهم، فأشار وليد إلى القوات التي تنتظر عبر الباب بالتدخل..
انفجر الباب الزجاجي الأمامي للمقهى تحت وطأة اقتحامٍ عنيف. اندفعت قوات الدعم المقنعة. تعالت الصيحات الحازمة التي رجت أركان المكان لتطغى على كل صوتٍ آخر:
"قوات خاصة! اثبت مكانك! انبطح أرضًا.. يديك فوق رأسك!"
تحركت العناصر بانتشارٍ تكتيكي سريع..
في لحظة من الثانية، رُكِلت الأسلحة النارية الساقطة بعيدًا عن متناول رجال العصابة، الذين أُلقي بهم أرضًا تحت وطأة أجساد الجنود المدربين. تعالت أصوات ارتطام أجسادهم بالبلاط، تلتها نقرات القيود الحديدية السريعة وهي تُطبق على معاصمهم بقسوة.
في تلك الأثناء، تقدم ضابطان ملثمان نحو حسن الذي كان لا يزال ممسكًا بزعيمهم النازف كدرع. ارخى حسن قبضته عن عنق الرجل المذعور بتقزز. انزلق الزعيم متأوهًا بضعف ليلتقطه الجنديان على الفور، يثبتانه أرضًا لتقييد يديه بينما كان يئن ممسكًا بذراعه المصابة بالرصاص. تراجع حسن خطوتين إلى الخلف، يمسح دماء الرجل عن ذراعه:
"مقرف"
وقبل أن يستوعب الحركة التي تقترب نحوه.. أحكم ذراعان صغيران حول خصره، اخفض رأسه ليقابله وجه لين المدفون بملابسه، وجسدها يكافح بين ضحكات ودموع..
ابتسم لوهلة ثم جثا ليبادلها العناق شاعرًا بهزّاتها وشهقاتها تجاهه، أبعد وجهها عنه ليقول بتهكمٍ خافت:
"غبية ومتهورة، تركضين نحوي وسط الأسلحة؟"
نشقت بين دموعها محاولةً تكوين كلماتها المبعثرة:
"أحب.. أحبك.."
فتحت فمها لنوبة بكاءٍ جديدة قبل أن تدفن وجهها به مرة أخرى.. استسلم حسن لها مربتًا على ظهرها بخفة..
اقترب وليد ملاحظًا الدماء على ذراع حسن ليسأل بقلقٍ دفين:
"أُصِبت؟"
هز حسن رأسه:
"الدماء ليست لي"
حوّل وليد بصره نحو لين المتشبثة به:
"والصغيرة؟"
"بخير"
قطّب حاجبيه مستنكرًا:
"كلاكما بخير، إذًا لمَ الفتاة تبكي؟"
هز حسن كتفيه كأنه يجيب أمراً بديهيًا:
"أنثى"
مط وليد شفتيه باقتناع.. استدار لينهي عمله ويتولى زمام القيادة صانعًا جدارًا من الانضباط وسط الفوضى العارمة. تحرك بخطواتٍ سريعة وصوتٍ جهوري يوزع التوجيهات عبر جهازه اللاسلكي تارة، وبإشارات يده الصارمة تارة أخرى:
"أمنوا المحيط الخارجي فورًا، أريد سيارة إسعاف عند المدخل الجانبي، ولا تسمحوا لأي وسيلة إعلام بالاقتراب من النطاق الأمني"
التفت وليد نحو زوايا المقهى حيث انبطح الزبائن وعمال الخدمة خلف المقاعد والمنصات الخشبية، يرتجفون رعبًا. أشار لثلاثة من جنوده بالتقدم لمساعدتهم، وبدأ يوجه صوته الهادئ والمطمئن للجمهور المذعور:
"الوضع تحت السيطرة تمامًا.. أرجو من الجميع النهوض بهدوء واتباع تعليمات رجال الأمن للخروج من الباب الخلفي.. تحركوا دون تدافع، المكان آمن الآن"
سارت ليلى بركبتين مرتخيتين صوب لين التي ترفض الابتعاد عن عناق حسن..
هبطت ليلى على أقرب كرسي أمامهما لتتذمر بضحكة بلهاء:
"ثلاثة وعشرون عامًا على قيد الحياة.. أكبر تهور قمت به كان ركوب ساقية الملاهي.. والآن منذ أن تعرفت على تلك الصغيرة وأنا أشعر أن حياتي فيلم مغامرات!"
ابتسم حسن بينما أبعدت لين وجهها عن كتفه لتستدير مواجِهةً لليلى.. نشقت بأنفٍ كساه الزهر:
"هل.. أنتِ بخير؟"
مسحت أهدابها المبتلة بكم ملابسها لتردف:
"هل تأذيتِ؟"
"بخير؟! يا فتاة! لقد وجدتُ ما سأرويه لصغار الميتم لباقي العام!"
ضحكت لين لتحل البهجة ملامح وجهها، استقام حسن ممسكًا بيدها، قال لليلى:
"أيمكنكِ البقاء معها ريثما أغسل ذراعي؟"
تشبثت لين في بنطاله تحدق فيه برفضٍ لتركها.. أبعد يدها عن بنطاله ليحدثها أثناء إشارته نحو دورة المياه:
"الحمام هناك.. لن أرحل بعيدًا.. معكِ ليلى ووليد، ثانيتين وأعود"
"وسنرحل بعدها؟"
تنهد حسن مجيبًا:
"وسنرحل بعدها"
لمح ترددها فألقى بكلماته:
"تودين الدخول إلى دورة مياه الرجال؟"
"لا لا أرغب! مقرف!"
"هذا ما ظننته"
تركها مع ليلى ليستدير متجهًا نحو الباب، سحبت ليلى لين فجأة لتجلسها فوق حجرها هامسةً لها بمرح بعدما رأت ذراع حسن المتسخ بالدماء:
"أظنني الآن أفضل مخفوق الفراولة يغطيني"
انكمش كتفا لين بقهقهة من اقتراب أنفاس ليلى من رقبتها.
اقترب وليد نحو لين مبتسمًا، رفعت لين رأسها لتواجهه لأول مرة، سألته بفضول:
"أنت صديق والدي؟"
أومأ لها:
"يمكنكِ قول ذلك"
"كنتما تطلقان على زملائكم الألقاب المضحكة بالمدرسة في صغركما؟"
ضم وليد شفتيه غير متوقع لسؤالها الغريب، أو حتى لتذكر حسن أيامهما ليرويها لابنته:
"نوعًا ما.. هل لا يزال يفعل؟"
هزت لين كتفيها بحيرة قبل أن تجيب سؤاله بسؤال:
"هل 'عقلة الأصبع' يعد واحدًا؟"
ارتفع ثغر وليد ليقول:
"بالرغم من أنه أكثر احترامًا مما كنا نطلقهم، إلا أنه مناسب للغاية"
قطّبت لين حاجبيها بامتعاض:
"لست لطيفًا أنت أيضًا"
لاحظ وليد عبوسها الذي شابه روح والدتها، وإن لم تكن بالملامح التي شابهت والدها.
ما إن تعالى صوت باب يرتد..
نهضت لين من حجر ليلى لتركض إلى حسن الذي ترجل من الحمام، التقطت يده ليسيرا معًا للخروج..
توقف حسن أمام وليد ليقول:
"ما عندي لم ينتهِ.. وإن كنا سنتعامل كشرطي ومواطن.. فلدي ما سيرقي رتبتك."
حملق وليد في حسن لبرهة قبل أن يرد:
"سنرى بشأن ذلك.. انتبه على ابنتك وابتعد عن المشاكل"
"لا احتاج توصيتك.. أما المشاكل؟ فهي التي تلاحقني"
اقتربت ليلى لتجثو وتقبّل خد لين، قبل أن تهمس في أذنها:
"لديكِ أبٌ رائع.. لا تتخاصما مجددًا"
عانقت لين ليلى مجددًا ثم لوّحت لها بعدما افترقا لتضيف لين:
"سأتصل بكِ عند وصولي للبيت"
"سأنتظر بفارغ الصبر"
بادلتها ليلى التلويح قبل أن تخرج هاتفها لتطلب سيارة أجرة تعيدها إلى شقتها.. بينما عقد حسن في قرار نفسه ألا يوافق على أي مقابلة سوف تتم في مقهى فاخر وقت الظهيرة!
***
بالمبنى المهجور على الطريق حيث الصغار المختطفين، استند صلاح على مقعده الجلدي بغرفة مكتبه، وقدميه واحدة تعلو الأخرى فوق طاولة المكتب بأريحية..
يناقش رجاله بعد إذ تطورت مشاكله الشخصية مع كمال مؤخرًا، قال بنبرته الباردة المعتادة:
"أنا من يضع يده في العمل.. لذا أنا من تأخذون منه الأوامر"
تبادل الرجلان الواقفان أمامه نظراتٍ مرتبكة، قبل أن يتقدم أحدهما خطوة، فرك كفيه ضابطًا نبرته لتكون هادئة:
"مفهوم يا سيد صلاح.. نحن لا نناقش هذا، ولكن.. الوضع أصبح مشحونًا للغاية. السيد كمال لم يعد يحتمل أي تأخير، وبصراحة.. بات يفقد أعصابه بسرعة جنونية في الأيام الأخيرة."
لم يتحرك صلاح من وضعية استرخائه، بل اكتفى بنقل عينيه الباردتين نحوهما، يبدد الصمت بنقراتٍ منتظمة بأصابعه فوق المكتب:
"وما الجديد في ذلك؟ السيد كمال رجل يعيش خلف الشاشات، تحركه الأرقام فقط.. وحين تضطرب الأرقام، من الطبيعي أن يضطرب"
صمت لثانية، ثم ارتشف من قهوته، مكملاً بنبرة واثقة تكاد تخلو من أي احترام لشريكه:
"السيد كمال ليس أكثر من رأس مال.. هو المحفظة التي تمول، أما أنا؟ أنا العقل الذي يدير الأرض، الجسد الذي يتحرك، والقوة التي تحميكم وتحميه. بدوني، أمواله ليست سوى ورق لا قيمة له في هذا المبنى المهجور. لذا، حين أتحدث.. تستمعون إليّ"
ابتلع الرجل الثاني ريقه، متطلعًا إلى الأرض قبل أن يجمع شجاعته ويتحدث:
"نعلم ذلك تمامًا يا سيدي.. لكن الضغط هذه المرة مختلف.. السيد كمال قلب المكتب رأسًا على عقب بالأمس بسبب ذلك الرمز اللعين.. وصار يصرخ في وجه الجميع من أقل خطأ، يرفض إعطاء أيًا منا أجورنا كاملةً دون إعادة الحساب المجمد"
ارتسمت على شفتي صلاح ابتسامة ساخرة، باردة.. أنزل قدميه عن الطاولة ببطء، ليعتدل في جلسته ويستند بمرفقيه على السطح الخشبي، مقتربًا منهما:
"الرمز سيعود حين يحين الوقت.. فقط طمئنوا سيدكم وأخبروه أن كل شيء تحت السيطرة"
ثم صمت فجأة، وضاقت عيناه كأنه يتذكر شيئًا، فتابع الرجل الحديث محاولاً تغيير مجرى الموضوع ليحذره بحزم:
"هناك أمر آخر.. مجد يتذمر كثيرًا مؤخرًا.. خاصةً بعد الذي حدث له في الغابة دون التكفل بمصاريف علاجه."
توقفت أصابع صلاح عن الحركة تمامًا:
"ماذا تريد أن تخبرني؟ هل يتمرد؟"
"لم يفعل.. لكن ما أريد توصيله أنه إن قرر التمرد وتم الإمساك به، فلن استبعد وصول الشرطة إلينا في حال أدلت الصغيرة بملامح وجهه للشرطة مسبقًا"
ساد الغرفة صمتٌ ثقيل، لدرجة أن صوت أنفاس الرجلين باتت مسموعة. ثبتت عينا صلاح عليه بنظرة حادة، خالية من أي تعبير، لكنها حملت تهديداً مبطناً جعل أحدهما يتراجع نصف خطوة للخلف.
نفث صلاح الدخان ببطء شديد، ثم سأل بنبرة خفيضة، مرعبة في هدوئها:
"الصغيرة.. تعرف شكل مجد؟"
أومأ الرجل برأسه دون أن ينطق.
تابع صلاح، وعيناه تزدادان ضيقًا:
"والسؤال الأهم هنا.. لماذا لم أسمع هذا بالتحديد من مجد نفسه؟ كيف يخفي عني أمرًا كهذا؟ لمَ لم يقل إن وجهه كُشِف؟"
حدّق الرجلان ببعضهما في حيرة، وخلت ألسِنتهما من أي إجابة.. تلاقت أعينهما بتوتر.. فتنحنح ذو الندبة محاولاً الدفاع:
"في الواقع.. نحن لا نعرف يا سيدي، ربما ظن أن الفتاة لم تركز، أو..."
بتر صلاح كلماته بيده، مغلقًا موضوع التبريرات تمامًا.. التفت نحو الباب وهتف بصوت حازم، هادئ، ولا يقبل النقاش:
"احضروا لي مجد.. الآن."
تحرك الرجلان للوراء قبل أن يفتحا باب المكتب الثقيل ويغادرا الغرفة، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى فُتِح الباب مجدداً. دلف ذو الندبة أولاً، يتبعه مجد، بينما أغلق الثالث الباب خلفهما.
كان مجد يخطو بثباتٍ نسبي، ولم تكن ملامحه تحمل معالم الرعب التي بدت على البقية، بل كان وجهه مكشراً، يكسوه جفاءٌ واضح. كانت بقايا لكمات حسن لا تزال محفورة على بشرته؛ كدمة زرقاء مائلة للاصفرار تحيط بفكه الأيسر، وتورم خفيف أسفل عينه جعل جفنه يبدو مسترخياً وضيقاً.
رفع صلاح مقلتيه متأملاً آثار اللكمات على وجه مجد لثوانٍ دون تعبير.
أشار نحو الرجل ذا الندبة فاقترب الأخير منه بانحناءة لتكون أذنه بالقرب من شفتي صلاح.
مال صلاح بجسده قليلاً وهمس في أذنه ببضع كلماتٍ خفيضة وسريعة.. في تلك اللحظة، تجمدت ملامح الرجل، وارتعش فكه بتوترٍ ملحوظ، ثم أومأ برأسه بسرعة وانسحب من الغرفة بملامح يملؤها القلق، متجهاً لتنفيذ ما أُمِر به دون نقاش.
أعاد صلاح بصره نحو مجد، شبك أصابعه فوق سطح المكتب، وسأل بنبرته الهادئة التي تحمل في طياتها برودة الموت:
"مجد.. أسألك سؤالاً بسيطاً وتجيبني بوضوح.. لمَ لمْ تخبرني أن ابنة حسن رأت وجهك في الغابة؟"
حافظ مجد على نبرته الطبيعية المستقرة، لا يقبل بنهب حقه:
"لأن الأمر لا يستحق الذكر يا سيد صلاح.. كان ظلاماً دامساً وقتها، ولم تكن بالغابة بل بالريف.. ولم تكن سوى بضع لحظات لا أكثر"
"ولم تخبرني يا صديقي؟ أنا حقًا مستاء"
قلّب مجد مقلتيه بتوترٍ دفين ليجيب:
"مستاء؟! هل سألت أنت كم كلف علاجي؟؟ هل سألت الخطر الذي نعرض حياتنا له ولا نلقى القدر الكافي من المال؟!"
بقي صلاح صامتاً، يتابع حركة شفتي مجد بنظراتٍ ثاقبة، وكأنه يزن صدق الكلمات بعدم رضا.
في تلك الأثناء، عاد ذو الندبة إلى الغرفة.. كانت خطواته متثاقلة، ويحمل في يده زجاجة مياه بلاستيكية شفافة.. لكن السائل بداخلها لم يكن يتحرك بخفة الماء العادي، بل بدا وكأنه أثقل قليلاً، يتوهج تحت ضوء المصباح بلونٍ غريب.
تقدم ذو الندبة ووضع الزجاجة على طرف المكتب أمام صلاح، ثم تراجع فوراً ليفق بجانب زميله، وعيناهما تشيحان بعيداً عن مجد، وكأنهما يعرفان تماماً ما سيحدث تالياً.
لاحظ مجد النظرات المتهربة لزميليه، ثم هبطت عيناه نحو الزجاجة الموضوعة. شعر بوخزة قلقٍ مفاجئة بدأت تتسلل إلى صدره، وارتسم التوتر كاملًا على ملامحه. بلع ريقه جافاً، وقال بصوتٍ اهتزت نبرة الثبات فيه:
"سيد صلاح.. أنت تعرف أن السيد كمال لا يسمح بقتل رجاله من أجل هذه الأمور.. هو يريد الرمز والملفات فقط."
تحركت زاوية فم صلاح بابتسامة خبيثة، ورفع عينه نحو مجد، ثم امتدت يده ببطء نحو الزجاجة، ليمسكها من عنقها ويبدأ بفك غطائها البلاستيكي بهدوء مرعب، متمتماً بنبرة ساخرة:
"ومن ذكر القتل يا مجد؟ أنا أحترم رغبة السيد كمال تماماً.. لسنا قتلة"
وضع الغطاء جانباً، ثم استقام في جلسته، ورفع الزجاجة في الهواء وهو يتابع ببرودٍ قاتل:
"نحن فقط.. سنغير من ملامحك قليلاً.. بحيث إذا أدلت الصغيرة بوجهك للشرطة، لن تكون لملامحك وجود في هذا العالم"
لم يمنحه صلاح كسر ثانية ليستوعب الكلمات؛ بل بحركة خاطفة وسريعة، القى محتوى الزجاجة بالكامل مباشرة في وجه مجد.
انفجرت أركان المبنى المهجور بصرخة مزقت السكون.. صرخة عذابٍ دوت بحدّة، حاملةً معها تفاصيل الألم الخالص وهو يتلوى أرضاً، يتفاعل الحمض، ليرتفع بخارٌ خفيف يصاحبه صوت غليانٍ مرعب ينهش اللحم المحيط بالعينين والوجنتين.
بينما كان صلاح يراقب المشهد وعيناه تعودان لبرودهما المعتاد، كأن شيئاً لم يكن.
***
الساعة ٥:٣٣ مساءً
قاربت الشمس على الغروب ليمتزج دفء خافت بالسماء، مع نفحة عطر اليود الصادرة من موج البحر، مرتطمًا بموجاته في الصخور المتراصة حيث تجلس لين بعدما طلبت من حسن بعدم العودة إلى منزل الآن.
خطا حسن من خلفها حتى أصبح بجانبها.. يحمل كوزين من الذرة المشوي من بائعٍ جوّال كان يمر بعربته..
جلس حسن جوارها مناولًا إياها أحد الكوزين، اخذته لين لتضعه فوق حجرها في صمت، تبعد بيدها الأخرى خصلات شعرها السائب عن كتفيها، حدق بها حسن في هدوء ليسأل وصوته يختلط بنغمة حركة الأمواج:
"هل تريدين التحدث الآن؟"
ظلت لين هادئة قبل أن تتأفف من تناثر خصلاتها على وجهها مجددًا إثر الرياح..
ترك حسن كوز الذرة الخاص به جانبًا، ثم رفع يده نحو شعرها مبعدًا إياه عن جبهتها وخديها، قبل أن يبدأ بفصله إلى ثلاث خصلات، ثم همّ بتضفيره كما رأى مُنى تفعل.. هبط ذراعا لين ليختفي توترها بعض الشيء.
"أنا خائفة.."
همست لين بكلماتها بخفوت، مستوقفةً يدا حسن البطيئتين لوهلة، قبل أن يتابع محاولة تضفيره ليجيب باتزان:
"خافي إذًا.. لا بأس بالخوف"
ازدردت لين لتضيف:
"لستُ شجاعة.."
ارتفعت شفتا حسن في تهكم وعسليتيه على شعرها مجيبًا:
"أنظروا إلى التي كانت تركض بين الرصاص"
خفضت لين من مقلتيها بينما زفر حسن ليردف بنبرةٍ تعود إلى جديتها:
"الشجاعة هي أن تواجهي ما تخافين منه، ليست ألا تخافي"
"وهل.. تخاف أنت؟"
ابتسم حسن إثر سؤالها البريء، أومأ ليرد ببساطة:
"أخاف"
قطّبت لين حاجبيها باستغرابٍ بينما تابع حسن:
"أخاف أن أتعلق فأُترَك كما..."
أراد حسن أن يذكر تخلي والدته عنه، لكنه لم يرد أن يثقل قلبها الصغير فاستبدل كلماته:
"فأُترَك كما تخلى عني صديقي منذ أعوام.. كما.. أخاف أن أخطئ، فأُعاقب لسنوات.. كما عوقبت بانفصالي أنا ووالدتك"
رمشت لين تحاول استيعاب كلماته، فرفعت رأسها قليلًا، غير قادرة على التحرك بحرية إثر إمساكه بشعرها، سألت باستنكار:
"ألم يكن الأُناس السيئون هم من تسببوا بابعادك عنا؟"
ضم حسن شفتيه متحاشيًا ذكر التفاصيل قبل أن يجيب بهدوء:
"نعم..كان الأُناس السيئون.. ووالدك أخطأ حين لم يتمكن من إبعادهم عن أسرته"
ارتجفت شفة لين السفلية.. محاولةً كبح رغبتها في البكاء مجددًا:
"أنا اكرههم.."
أنهى حسن ضفيرتها التي لم تكن مثالية تمامًا، ملاحظًا عدم وجود ربطة شعرٍ في نهايتها، فبدأ يلملمها كالكعكة ليثبت طرفها بمشبك الهرة في شعرها..
"أنا أيضًا أكرههم.. من أجل ذلك علينا إيقافهم.. هم يريدون إبعادك عن دراستك.. سالم.. عمر.. وحياتك، يودون أخذك مني.. ولذلك عليكِ مساعدتي والتحلي بالشجاعة ضدهم.. مثلما أواجه أنا خوفي بدلًا من الاختباء منه، فخوفي من الفقد هو من جعلني أُخطئ من البداية.. وجعلني أفقد نفسي السابقة"
قلّبت لين كلماته مطأطئةً برأسها، فرفع حسن اصبعه أسفل ذقنها مجبرًا إياها لرفع وجهها تجاهه، لتتقابل عسليتاهما المتشابهتان، سأل حسن بحزم:
"اليوم.. ما الذي خطر ببالكِ حين تحركت خطوتين بعيدًا عن اسلحتهم وذلك الحقير يمسك بكِ؟"
أجابته لين بصراحة:
"ظننتك ستتركني.."
"هل فعلت؟"
هزت لين رأسها نفيًا.
ترك حسن ذقنها وأردف:
"كان ذلك جزءًا من خطة لم تريها أنتِ.. خطة هدفها انقاذك.. كما الآن أحاول تنفيذ خطة هدفها ابقائك بخير لنعيش في سلام، أنا لن أترككِ.. أفهمتِ؟؟"
لانت عسليتا لين لتغمرها كلماته مانحةً إياها شعورًا بالأمان يحاوطها من جديد:
"فهمت"
ملأت لين صدرها بالهواء العليل قبل أن تقول:
"هل يمكننا أن نعقد اتفاقاً؟"
رفع حسن أحد حاجبيه مانحًا إياها المساحة لتكمل:
"لن يخفي أحدٌ أي شيء عن الآخر.. لا كذب بيننا أو خداع.. هل ممكن؟"
سكت حسن لبضع ثوانٍ ثم هز برأسه موافقاً:
"ممكن"
"وعد؟"
"وعد"
ارتفعت شفتا لين في بسمة عريضة أخيرًا، حوّل حسن مقلتيه من وجهها المبتهج إلى كوز الذرة المشوي فوق بنطالها ليقول:
"تناولي الذرة قبل أن يبرد"
التقطته لين لتقضم منه، توقفت عن المضغ للحظة لتقول باعتذار:
"صحيح.. أنا آسفة من أجل الأوراق التي ألقيتها بالماء"
ابتلع حسن الذرة قبل أن يجيب دون النظر إليها:
"اعتذارك غير مقبول.. ومتأخر"
"ها..؟"
ارتفع طرف فمه في سخرية مظهرًا غمازته:
"كانت مجرد نسخة.. الأصلية بخير"
رمقها بطرف عينه بتوعدٍ ليضيف:
"إذا فكرتِ بإعادة فعلتكِ مجددًا، فسألقيكِ خلفها"
انكمش كتفا لين لتهز رأسها سريعًا:
"لن أفعل! لن أفعل!"
"هذا ما ظننته"
ضمت لين حاجبيها أثناء تحديقها بالذرة لتقول باعتراض:
"وأنت لم تنفذ وعدك بعد"
"أي وعد؟ لقد كان ذلك منذ دقيقتين فقط"
"نعم! ولم تصارحني بما تخفيه"
رمش حسن مرتين دون يفهم ما تقصد:
"وماذا أخفي أنا يا كونان؟!"
رمقته لين بخبث لتجيب:
"بشأن جلساتي النفسية مع ندى شقيقة عمي سالم"
حملق حسن بها في تفاجؤ كسا وجهه:
"مَن أخبرك؟؟"
هزت كتفيها بلا مبالاة أثناء قضمها من الذرة، تجيبه بفمٍ ممتلئ:
"لم يخبرني أحد.. سمعتك تصيح مع عمي سالم في الصباح التالي من تعرضي للحمى"
"ذلك الوغد"
قهقهت لين من تمتمته وقالت بعدما اختفت ابتسامتها تدريجيًا:
"ما.. ما معنى جلسات نفسية؟"
حاول حسن إبقاء نبرته عادية:
"تلك الجلسات.. هي فقط.. حديثك مع طبيب نفسي يحاول مساعدتكِ لتكوني أفضل بعد مروركِ بشيء سيئ"
عبست لين متذكرةً أمرًا ما، أفصحت به في تذبذب:
"في مدرسة القرية سابقًا.. كان لدينا فتاة ذهبت والدتها إلى طبيب نفسي.. ولقبها مَن في القرية بالمجنونة، حتى أن البعض تكهن أن بها شبحًا يؤذيها، وتوقف زملائي عن زيارة ابنتها للعب معها"
رفعت مقلتيها نحوه لتقول بتساؤل:
"هل بي مشكلة؟"
نبرة لين القلقة هي ما أثارت عقدة في صدره.. لذلك تمامًا لم يشأ إخبارها من البداية، حاول إبداء الأمر بصورة أبسط حتى يمحي تلك الخزعبلات من رأسها:
"ذلك ليس إلا جهلٌ يتوارثه الحمقى.. حين تصابين بألمٍ في المعدة، تحتاجين طبيبًا لا أسحارًا.. كذلك الطب النفسي"
طرق على جبهتها بظهر أصبعه ليضيف بخفة:
"أما أنتِ يا عقلة الأصبع، فمررتِ بما لا يتحمله الكبار ولا زلتِ تفعلين.. وفوق ذلك، حالتكِ لم تتطلب دواءً.. مشكلتكِ ليست عصيبة وسوف تتخطيها"
"هل لأني ذكية؟"
أنهى حسن كوز ذرته لينهض منفضًا يديه:
"بل لأنكِ تثيرين حنق أي شخصٍ لدرجة هروب اضطرابك النفسي خوفًا من الإصابة بالصداع"
استقامت لين لتلحق به:
"لست لطيفًا"
ابتسم حسن مريحًا يديه في جيبه وقد اشتاق سرًا لثرثرتها.. يفكر في وعده ما إذا سيستطيع الايفاء به، يقلب رأسه ما إذا كان وليد سيقدم عونه أم لا، معركة لا تهدأ داخل عقله، تبعته لين محاولةً مواكبة خطواته لتخمد حرب أفكاره بسؤالها:
"جائعة.. هل يمكننا تناول البرجر بالجبن؟"
***
الساعة ٦:١٤ مساءً
"كم تبقى على انتهاء المناوبة يا سالم؟ أشعر أن روحي تفيض!"
قالها صاحب سالم بتململ وهو مستلقٍ على أحد الاسرّة الفارغة بالطوارئ، ورأسه مرفوعة قليلًا.
أجابه سالم دون رفع مقلتيه وهو ممسكٌ بالهاتف:
"تبقى ست ساعات.. أغسل وجهك وأفِق"
هبطت رأس زميله على الوسادة في تعبٍ بينما كان تركيز سالم منصبًا في محادثته مع حسن بعدما أخبره بشأن وليد:
- وهل تظن أن صديقك ذاك سيبحث عن بيانات صلاح كما تود؟؟
ظهرت إشارة الكتابة قبل أن يأتيه الرد:
- وليد يحب التحدي، هو خسيسٌ وضيع، لكنه ضابطٌ جيد.
- ما رويته من أحداث اليوم تثبت لي عكس كونه 'جيد'.
أتاه رد حسن بعد لحظات:
- كنت أتفوق عليه في الجانب العملي أكثر من النظري بالجامعة.. وهو العكس.. وبالرغم من ذلك، أثق أنه كان لديه خطة لإنقاذ الموقف اليوم، لكني لم أطق الانتظار بينما ذلك الوغد يمسك بلين.
قرأ سالم الرسالة قبل أن يضيف حسن بأخرى:
- أما بالنسبة لمساعدته، فهناك ورقة حصل عليها عمر من مكتب عمه، لن أستفيد بها سوى بتواجد ذلك الأحمق.
قبل أن يأتي رد سالم، ارسل حسن بعدما أكلت لين رأسه:
- وعقلة الأصبع ترسل لك سلامها.
أطلق سالم زفيرًا أشبه بضحكة خافتة ليكتب:
- تم إصلاح الأمور؟
- قصة طويلة.
قبل أن يجيبه سالم.. سمع صوت صياح وصراخ لسيارة الإسعاف التي وصلت الطوارئ بحالةٍ عاجلة.. تنهد قبل أن يلقي بالهاتف جانبًا ويستقيم ناهضًا، طرق على كتف زميله ليقول متهكمًا:
"لا تحتاج غسل وجهك للاستفاقة، حضرت الإسعاف لإيقاظك بنفسها"
***
أغلق حسن الشاشة مع آخر رسالةٍ لمحادثته مع سالم، بعدما تم تجهيز طلبه، أخفض من زجاج السيارة حتى يأخذه من نافذة الاستلام ويدفع نقدًا..
فورما استلم الكيس الورقي، انتشلته لين لتحصل عليه وكأنها لم ترَ طعامًا قط، شغل حسن المحرك لينطلق بالسيارة أثناء تساؤله:
"هل أجوعكِ يا ترى؟!"
عبثت لين بالكيس أثناء الرد:
"كثرة الحديث تصيبني بالجوع"
"هذا يفسر الكثير.. هل يمكننا الخصام مجددًا؟"
تجاهلت لين كلماته بامتعاض، تصب تركيزها على الطعام، التقطت لين إحدى الشطيرتين لتسرع بتناول أول قضمة منها، وسرعان ما انقلب وجهها:
"لمَ بها نكهة لاذعة؟"
حوّل حسن نظره إلى الشطيرة قبل العودة إلى الطريق:
"التي بها مستردة لي.. خاصتك بالجبن"
ناولته لين إياها لتحصل على خاصتها، أبعدت الورقة لتقضم منها، وما إن امتزج طعم اللحم مع الجبن في فمها، ذابت لين في مقعدها، قالت بفمٍ ممتلئ:
"هذا أشهى برجر تذوقته طوال حياتي"
قضم حسن منه وقد حفظ مذاقه عن ظهر قلب:
"هو مطعمي المفضل.. وكان المفضل لوالدتك أيضًا"
"حقًا؟!"
أومأ لها حسن بابتسامة جانبية:
"كنا نذهب إليه كثيرًا في فترة خطبتنا"
"إذًا هذا يجعل حبي له منطقيًا"
"أنتِ كلكِ لستِ منطقيةً من الأساس"
ضاقت عيناها دون التقاط مزاحه، فتنهد حسن ليعيد تركيزه على الطريق..
ساد الصمت للحظات بينما سألت لين بفضول بعد ذكره فترة خطبتهما:
"كيف التقيتما؟؟"
طرق حسن على عجلة القيادة متبسمًا:
"كيف التقينا.."
كررها حسن في سره قبل أن يردف:
"ولو أنكِ لا تعرفين؟"
"لكنني لا أعرف بالفعل"
نظر حسن إليها لثانية وقد بدت صادقة، مطت شفتيها لتستعطفه وتحايله.. أعاد حسن بصره على الطريق وبدأ يخبرها بعدما نجحت نظراتها البريئة:
"كنت في الحادية والعشرين من عمري إن ذاك.. ووالدتك في التاسعة عشرة"
استراحت لين في جلستها ولو أنها تستمع إلى مسلسل، قال حسن:
"كنت في سنة تخرجي.. أتابع قضية مع أحد أصدقاء أبي كتدريبٍ لي، اعطيهم ملاحظاتي التي استنتجتها.. حتى جاء محامٍ معروف ليشاركهم العمل، ومعه متدربته هو الآخر"
راقبت لين ابتسامته وعينيه اللتين لانتا، أردف حديثه:
"اقتربت تلك الفتاة وبدأت تعدل على استنتاجي.. لم يعجبني اسلوبها فجادلتها متمسكًا برأيي، ارتفع صوتها فرفعت صوتي، حتى أصبح صياحنا يملأ أرجاء المكان.. وتلك كانت.."
"أمي!"
قالتها لين بفخرٍ وفم متسع، فأومأ حسن مرة واحدة قوية:
"أمك"
تابع فقال:
"جاء صديق والدي وذاك المحامي المعروف وقد كان محسن.. بالكاد فصلانا ونحن نلقي بسيل من الألفاظ فوق بعضنا.. كانت عنيدة حد الإزعاج.. وأنا غاضبٌ حد الجنون"
التقطت لين اصبع بطاطا مقلية لتمدها نحو فمه:
"كانت أمي لطيفة معي.. أكانت بالماضي عنيدة مثلي؟"
التقط حسن البطاطا بفمه مجيبًا أثناء مضغه:
"هي ملاكٌ أمامك"
سحبت لين عبوة الطعام لتضعها بعيدًا:
"لا بطاطا"
مد حسن ذراعه الطويلة ليلتقط كبشة من البطاطا بسهولة، مردفًا وكأنه لم يسمعها:
"بعد فترة استمرت لأسابيع.. أراها كل يوم أثناء التحقيق بالقضية، كانت ملاحظاتي أنا هي الصحيحة، وتم إثبات الجرم أخيرًا، كانت لحظة انتصارٍ لي أمامها.. أو هذا ما ظننته، لأن بعدها بفترة قصيرة.. هي مَن انتصرت علي لتجبرني دون المحاولة على التقدم لخطبتها"
أضاف حسن بالنهاية:
"انتصرت عليها بوجهة نظري.. وهي انتصرت على قلبي.. وحتى في انتصارها، اكتشفت أني كنت الفائز بها"
أنهى حسن حديثه ملاحظًا هدوء الأجواء.. أدار وجهه ليجد لين فاغرة فمها وعينين تكاد الفراشات تخرج منهما، لا تصدق أن والدها من يحدثها، وحسن قد شرد تمامًا في حديثه دون أن يستوعب أنه يتكلم مع ابنته ذات التسع سنوات، صاحت لين بلا مقدمات:
"والدي لديه مشاعر!! أبي كان عنده مشاعر و..."
بتر كلماتها كومة البطاطا التي حشرها حسن في فمها بغتةً، ضحكت لين بخدين منتفخين حتى كادت تختنق بالطعام..
لم يتمكن حسن من منع ابتسامته من الظهور للحظة حتى أجبرها على الاختفاء مرة أخرى:
"ولديكِ لسان أطول منكِ".
مضغطت لين ما بفمها أثناء خفوت قهقهتها شيئًا فشيئًا.. تتذكر كلمات بتول عن والدها.. ثم حديث حسن الآن عن والدتها..
رغبت بشدة بالتواجد وسط دفئهما معًا..
وبالرغم من عمرها الصغير.. أدركت أننا لا نحصل أحيانًا على كل ما نريد.
***
Hana Elahmar