الساعة ١:٠٢ صباحًا
في جوف الليل البارد، ظلَّ الرجل الأجنبي الأنيق بجوار ولده الصغير الذي حاصرت الأجهزةُ أنحاء جسده بعد تلك العملية الشاقة.
حدثه الطبيب بأن العملية سارت على خير، وأن ابنه سوف تتحسن حالته سريعًا. بعد ذلك.. توجه الطبيب نحو صلاح الذي كان أمام ساحة المشفى الخارجية في الهواء الطلق، مشغولًا بإجراء مكالمة ما من مكالماته العديدة.
فور انتهائه، استدار ليجد الطبيب أمامه.
سأله صلاح:
"كيف حال الصغير؟ هل نجحت العملية؟"
أومأ له الطبيب قبل أن يجيب:
"سارت على تمام الخير، لكن ذلك الصبي.. اليتيم.. أصابه نزيف حاد، ربما لن يصمد للصباح بكليةٍ واحدة."
هز صلاح رأسه بتفهم:
"سيكون خسارة بسبب فصيلة دمه."
تنهد مريحًا يديه في جيبه قبل أن يكمل:
"على كلٍ، إن عاش فسننقله إلى المكان المعتاد فربما نحتاجه في عملية أخرى، وإن مات.."
مطَّ شفتيه بلا مبالاة ثم أردف:
"أجلُه وقدرُه، ولن نعترض على القدر، أليس كذلك؟"
أومأ له الطبيب بلا تردد:
"طبعًا طبعًا سيد صلاح."
ابتسم صلاح مربتًا على كتف الطبيب قائلًا:
"سلمت يداك، سأدخل لتفقد والد الفتى، فسوف أرافق أباه خارج البلاد لاستكمال حالته، أما الآخر.. تفقده أنت لتحدد مكانه."
سار كلاهما للداخل كأنهما في وسط عمل روتيني معتاد بعد تدمير حياة روح بريئة.. روح في وسط أرواح كثيرة لم يكن لها أي ذنب سوى تواجدها في الحياة بلا أحد.
***
الساعة ٧:١٥ صباحًا
رنَّ منبه حسن ليعلو صوته في أنحاء غرفة المعيشة، تأفف باحثًا عنه بيده دون رفع رأسه. استمر المنبه في الرنين بشكل مستمر مزعج بنغمة متكررة أجبرته على رفع رأسه.
مدَّ يده نحو الطاولة الصغيرة حيث الهاتف محاولًا الإمساك به، مدَّ ذراعه أكثر ثم أمال بجسده حتى سقط من على الأريكة صادمًا رأسه في قدم الطاولة.
"تبًا!"
التقط هاتفه وأسكت المنبه أخيرًا.
نهض ليجلس على الأريكة بشعرٍ أشعث وعيونٍ نصف مغلقة، محاولًا تذكُّر لِمَ ضبط المنبه ومتى غفا في غرفة المعيشة أصلًا؟
حكَّ رأسه ببلاهة قبل أن يفتح الهاتف وينظر إلى تاريخ اليوم.
تذكَّر سبب ضبط المنبه؛ اليوم هو يوم التقديم لمدرسة لين.
فرك عينيه بتململ قبل أن ينهض.
همَّ بأخذ حمامٍ سريع وتفريش أسنانه، وخرج من الحمام ليجد لين خارج غرفة النوم، تقوم بفرك عينيها، لتتحدث بصوتٍ ناعسٍ مبحوح:
"هل سنغيّر الشقة مجددًا؟"
تحرك حسن ناحية المطبخ ليعد كوبًا من الشاي، متحدثًا أثناء انشغال يديه بملء البرّاد:
"هل نسيتِ اليوم بتلك السرعة؟"
ضاقت عيناها بتفكير:
"الأحد... تقريبًا؟"
أثناء تذكرها، وقعت عسليتاها على حقائب التسوق بأغراض الدراسة بجوار الباب، الأغراض التي قاما بشرائها مسبقًا، فاتسعت عيناها فور تذكرها:
"دراسة! كيف نسيتُ أنا؟!"
ركضت نحو الحمام لغسل وجهها سريعًا، بينما تمتم حسن ضاربًا جبهته:
"لو كنتُ أكملتُ نومي لما لاحظت."
قام بصب الشاي ثم التوجّه نحو غرفة النوم.
كانت مرتبةً، فيما عدا السرير الذي نامت عليه لين. لاحظ عدم وجود أي أثرٍ للملف، لم يشغل باله به الآن، فتوجه نحو الخزانة لتجهيز ملابسه.
تلك المرة كانت الملابس مهندمة وأنيقة؛ بنطال أسود يصحبه حزام بنفس اللون، قميص أبيض تعلوه سترة داكنة بلا ربطة عنق.
مرَّ وقتٌ طويل منذ آخر مرة ارتدى فيها ملابس رسمية.
بدأ في تغيير ملابسه، فارتدى البنطال ثم القميص، وأخذ يغلق أزرار القميص واحدًا تلو الآخر.
ترجلت لين من الحمام لتدخل نحو غرفة النوم التي كان بابها نصف مفتوح. دخلت لتجد حسن ينهي ارتداء قميصه.
"لمَ لم تُغلق باب الغرفة ما دمت تستعد؟"
أجاب أثناء المتابعة:
"لم أعتد وجود طفيلية في حياتي بعد."
ضمت شفتيها بانزعاج:
"لست لطيفًا."
أخذت تبحث في حقيبتها عمّا ترتديه، فلم يكن لديها الكثير.
اختارت سترة جينز وردية اللون تعلو قميصًا صوفيًا ذا ياقةٍ عاليةٍ أبيض اللون، وتنورة سوداء قصيرة، أسفلها جوارب بيضاء طويلة.
أخذتهما لتغيّر ملابسها في الحمام، بينما انتهى حسن من ملابسه وبدأ في تسريح شعره. اكتفى بتمشيطه للخلف، ثم أضاف رشةً من العطر.
أحسَّ كأنه حسن عبد السلام.. شعر كنفسه مرةً أخرى، نفسه التي اختفت منذ عشر سنوات ولم يرها مجددًا. رأى حسن الذي وقعت بتول في حبه، حتى لو كان فقط مظهرًا خارجيًا، فما بالداخل لم يكن الشخص ذاته.
التقط ساعته ليقوم بإغلاقها حول معصمه أثناء السير نحو المطبخ حيث الشاي الذي أعده وعلى وشك أن يبرد. تناوله واتجه نحو غرفة المعيشة، استراح على الأريكة واضعًا ساقًا فوق الأخرى مستمتعًا بشرب شايه في هدوء.
ترجلت لين من الحمام وقد أنهت ارتداء ملابسها، خطت نحو الغرفة بشعرها المموّج الذي تساقطت خصلاتٌ عشوائية منه على وجهها، وعصبيةٌ لم تخفَ على ملامحها.
تحرّكت كثيرًا داخل الغرفة بينما لم يفهم حسن ما الذي تفعله.
توجهت نحوه أخيرًا، وفي يدها فرشاة شعر، مدّت يدها لتناوله الفرشاة:
"لقد جرّبت عدة تسريحات ولم تلبق بالزي، سرّحه لي."
وضع الشاي جانبًا قبل أن ينظر نحو الفرشاة بحاجبٍ مرفوع ثم نحوها ليقول بسخرية:
"أنا؟"
أومأت له:
"نعم، لا يوجد سوانا، وقد سئمت من المحاولة."
فتحت كفه بنفسها لتضع بها الفرشاة دون انتظار رده، ثم جلست أرضًا مربّعة ساقيها وظهرها مقابِلٌ له. كتم ضحكته قبل أن يقول بتهكم:
"أصبحتِ جريئةً مؤخرًا، ألم تلحظي ذلك؟ وأيضًا.. ما الذي يجبرني على ذلك حتى؟"
أدارت رأسها لتقابل عسليتيه. حدقت به بعينيها الدامعتين بينما مطَّت شفتها السفلية متحدثةً ببراءة:
"أمي كانت لتفعل.. وهي ليست هنا.. ظننتك ستفعل."
ضاقت عيناه بمكر قبل أن يقول:
"تدركين أنه لن ينطلي عليّ هذا، صحيح؟"
اختفى ذلك الوجه البريء في خلال ثانية ليحلَّ محله عبوسٌ طفيف:
"ليس جيدًا، لست لطيفًا إطلاقًا."
"لمَ لا أقصّه لكِ وينتهي عذابك؟"
"لا لا! حسنًا، لا تسرّحه، سأنهض."
اعتدلت للوقوف سريعًا، ولكن حسن جذبها من شعرها لتعود إلى وضعية الجلوس مجددًا.
تأوهت بانزعاج:
"هذا مؤلم!"
بدأ في محاولة تسريحه متذمرًا:
"دعينا ننتهي، فقد سئمت من بطئكِ الشديد، كم أن الإناث جميعهن متشابهات."
بدأ في محاولةٍ فاشلةٍ لتسليكه، فانجذب رأسها للخلف عدة مرات.
"يدك ثقيلة، هذا مؤلم!"
"لمَ هو متشابك هكذا؟! متى كانت آخر مرة قمتِ بتسليك تلك الغابة؟"
عقدت ذراعيها شعورًا بالإهانة:
"شعري ليس بغابة! فرّقه إلى نصفين وقم بتمشيطه من الأطراف ثم الجذور، وليس العكس!"
قام بتفريقه إلى نصفين كما قالت، ألقى بالنصف الأول للأمام لينسدل على وجهها بينما يحاول تمشيط النصف الآخر.
أبعدت شعرها الذي دخل في عينيها وفمها:
"أشعر بأنني أغرق في شعري، ستكون مصفف شعرٍ شنيعًا."
عضَّ على شفته بغيظٍ مما قالت، ليقوم بشد شعرها بقوة أثناء تمشيطه كحركةٍ مقصودة، فانجذب رأسها مجددًا للخلف لتتأوه.
ابتسم بانتصار قبل أن يسأل:
"هل كنتِ تقولين شيئًا، عزيزتي لين؟"
تنهدت قبل أن تجيب بتعب:
"لم أقل شيئًا!"
أومأ بابتسامةٍ خبيثة:
"حسنًا إذًا."
تابع التمشيط حتى انتهى أخيرًا، أصبح منسدلًا بتموجاته الكستنائية على ظهرها. دفع ظهرها دفعةً بسيطة لتنهض:
"ها قد انتهينا."
لم تستدر أو تنهض، بل قالت:
"انتهينا؟ أنت لم تسرّحه حتى، هذا تمشيط، أريد ضفيرة."
رمش مرتين مستوعبًا ما قالت:
"كل تلك المعركة ولم نبدأ حتى؟!"
أومأت له وهي تهتز كتفيها إثر كتم ضحكتها بكفيها:
"صحيح... لم نبدأ حتى."
دفعها لينهض بضجر، وقبل أن يبتعد استدارت ممسكةً بساقيه لتمنعه:
"سأشرحها، ليست صعبة، أقسم!"
جلس مجددًا قبل أن يجيب:
"طالما أنها سهلة، لمَ لا تقومين بها لنفسك؟"
"كنتُ أصنعها لشعر قمر الصغيرة، ولكن لا أستطيع صنعها لنفسي."
رفع أحد حاجبيه سائلًا باستنكار:
"مَن قمر؟"
استدارت مجددًا ليقابله شعرها قبل أن تجيب:
"ابنة صديقة أمي، والآن أرجوك، لقد تأخرنا."
تنهد ليستسلم أخيرًا:
"أخبريني ما أفعل، وليكن بعلمك إن تشابك مجددًا ستذهبين به هكذا."
"اتفقنا."
قامت برفع يديها للشرح في الهواء:
"ستقوم بتقسيمه إلى ثلاثة أجزاء متساوية."
حاول تقسيمه كما قالت رغم عشوائية أسلوبه. تمتم أثناء التركيز:
"لو قمتُ بقصّه سيكون أسهل."
"لا لا!"
صرخت في محاولة للنهوض، فقام بشد شعرها مجددًا لإعادتها إلى وضعية الجلوس مستمتعًا بإرباكها. سألها:
"ما الخطوة التالية؟"
تابعت الشرح بيديها في الهواء رغم الانزعاج الذي بدا في صوتها:
"ستقوم بوضع الخصلة الطرفية في منتصف الخصلتين بالوسط، ثم تعيد الكرّة من الناحية الأخرى."
حاول فعلها طبقًا لشرحها، وبالكاد كوّن أول خصلة في الضفيرة، لكنها كانت مشدودة للغاية تجاه فروة رأسها. تأوهت لين:
"مؤلم، مؤلم، مؤلم! أرخِها قليلًا!"
ترك حسن الضفيرة لتنفك وينسدل شعرها من جديد:
"طفح الكيل، أعطني ربطة الشعر تلك."
سحب ربطة الشعر المطاطية من الطاولة ليربط شعرها بعشوائية في ذيل حصان. قالت لين بنبرة محبطة:
"ولكنني أردت ضفيرة."
أنهى حسن ربطه ثم استقام واقفًا، وقال بتذمر:
"اجعلي قمر تصنعها لكِ."
نهضت خلفه بسرعة مجيبة إياه:
"إنها في الثالثة!"
تجاهلها أثناء التقاطه لمفاتيحه مع مفاتيح الشقة. لم تكن مفاتيح سيارة سالم..
توجه نحو الباب للخروج، أمسكت لين بحقيبة ظهرها ثم ركضت خلفه:
"انتظرني! لم أتناول إفطاري حتى!"
سار لخارج الشقة ولين تتبعه على عجلة. نزلا السلالم في وسط تذمر لين من كون معدتها تزقزق جوعًا. خرجا للشارع الذي لم يكن مزدحمًا، وتوجه حسن نحو شيءٍ ما مغطى بقماشٍ داكن. سارت خلفه محملقةً به في استنكار:
"ما هذا؟ ألن نركب السيارة؟"
أجاب قبل سحب القماش:
"لا، ذلك المزعج يحتاجها وقد أكل رأسي أمس بسبب تكرار أخذي لها، وما معي لن يكفي لشراء سيارة، لذلك..."
قبل أن يكمل جملته، همَّ بسحب القماش ليظهر ما تحته، وأردف قائلًا:
"...لذلك اشتريتُ هذه."
سقط فكُّ لين بحماسٍ مختلطٍ بانبهار؛ كانت دراجة نارية سوداء اللون، بلمساتٍ ذهبيةٍ خفيفةٍ غطّت جزءًا صغيرًا من العجلات، أنيقة رغم أنها لم تكن باهظة كثيرًا، ومعها خوذة بنفس لونها الأسود.
بالكاد كوّنت لين كلماتها:
"كيف... كيف اشتريتها؟!"
بدأ في تفحصها أثناء الرد:
"بقية الأموال من المنزل، كما أنها مستعملة ولم أنتهِ من دفع أقساطها بعد... اصعدي."
لم تغلق لين فمها بعد، متأملة إياها ببطء:
"هل... تعرف كيفية قيادتها؟ أم ستتسبب لنا في حادث؟"
تناول الخوذة متجهًا إلى لين، بينما تعلو شفتيه ابتسامة ثقة تكاد تكون غرورًا:
"أعرف؟... اصعدي يا صغيرة."
قام بإلباسها الخوذة التي سقطت لأسفل بسبب اتساعها بالنسبة لرأس لين الصغير. حدقت به لتسأل:
"لكن كيف ستدفع أقساطها المتبقية؟"
جثا ناحيتها ليضبط الخوذة على رأسها، وقام بإغلاق الجزء المقابل للعين منها. حمل لين من أسفل ذراعيها ليجلسها فوق الدراجة، ثم صعد هو للأمام. همَّ بوضع المفاتيح أثناء الإجابة:
"اتفقت مع إحدى الشركات لتوصيل بعض الطلبات لأصحابها بتلك الجميلة التي تركبينها... الآن تشبثي بي."
رمشت مرتين أسفل الخوذة لتستوعب ما قال قبل أن تتسع ابتسامتها بفرح:
"مهلًا، هل حصلت على عمل؟!"
ترك السؤال معلقًا في الهواء، وأدار ذراع الوقود فجأة لتنطلق الدراجة كالسهم. تشبثت لين به بمجرد انطلاق الدراجة. ارتطم الهواء بوجه حسن محركًا خصلات شعره مع الرياح، صرخت به لين:
"خفف السرعة! خفف السرعة!"
استمتع حسن بصرخاتها المرتبكة. قام برفع صوته قليلًا حتى تتمكن من سماعه:
"ألم نكن متأخرين منذ قليل؟!"
تفقد ساعته قبل أن يقوم بزيادة السرعة قليلًا، فصرخت لين مجددًا:
"أنا أطير!"
مع تسارع الدراجة، بدت المدينة كما لو أنها شريط يُسحب للوراء، والمباني على جانبي الطريق كأنها خطوطٌ باهتةٌ تتلاشى مع التحرك للأمام.
***
في القرية حيث نشأت لين مع بتول، وصل شاب يحمل طردًا مغلفًا، قام بركن دراجته النارية بجانب الحقول، ونظر في البطاقة بيده ليتأكد من العنوان الذي لم يكن سهلًا بسبب انعزال المنزل عن بقية منازل القرية.
المنزل أمامه كان مريبًا...
النباتات جافة في الحديقة الأمامية، ذابلة، منحنية للأمام ملامسة للأرض، مات معظمها بالفعل. توجه نحو الباب للطرق مناديًا، لعل من طلب ذلك الطرد منذ مدة تخطت الشهر قد يرد، عاود النظر في البطاقة ليبحث عن اسم المشتري قبل أن يهم بالطرق.
"سيدة بتول عزت؟"
انتظر...
لكن لم يجبه أحد.
طرق مجددًا:
"سيدة بتول، لقد وصل الطرد."
قبل أن يطرق مجددًا.. استوقفته تلك الرائحة الغريبة التي اخترقت أنفه. امتعض وجهه من قوتها وبشاعتها. كان مصدرها الباحة الخلفية للمنزل. تردد قليلًا قبل أن يقرر تتبعها، ومع كل خطوة يخطوها كانت الرائحة تزداد سوءًا.
تسمر مكانه فور وصوله للباحة..
خلف السور..
كانت هناك بقرة ملقاة على الأرض، جسدها متصلب، وقد بدأت معالم التحلل تظهر عليها. وبجوارها... دجاجات نافقة، مبعثرة بشكلٍ فوضوي، وكأنها ماتت حيث سقطت. ازدرد لعابه بصعوبة؛ هذا... ليس طبيعيًا.
عاد أدراجه بسرعة أكبر، وكأن المكان بدأ يضغط على صدره. طرق الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة بقوة:
"سيدة بتول؟!"
لا أحد.
نظر إلى الطرد في يده... ثم إلى المنزل. شعور غير مريح بدأ يتسلل إليه. إن كانت قد غادرت المنزل…
فلماذا تترك الحيوانات لتموت بهذا الشكل المروع؟
استدار بسرعة متوجهًا إلى دراجته، شغّلها، وانطلق نحو أقرب منزل. كان بحاجة لأن يسأل أحدًا...
قبل أن يتحول هذا الفضول إلى خوف حقيقي.
***
الساعة ٧:٥٥ صباحًا
توقفت الدراجة النارية أمام المدرسة، نزل حسن من فوقها، تتبعته لين التي ترنحت قليلًا بسبب شعورها بالدوار.
"كان ذلك ممتعًا، هل لنا بجولة أخرى؟"
ثبّت حسن كتفيها حتى لا تسقط، ثم نزع خوذتها وقال:
"سأستقلك بها بعد الدراسة على أي حال، والآن هل تريدين أن تُقبلي بتلك المدرسة أم لا؟"
استقامت في وقفتها بحماس:
"بالطبع!"
"ستُحسنين التصرف بالداخل، ولا تنسي ألا تناديني بحسن، ذلك غير طبيعي، ناديني بأبي."
قطبت حاجبيها محاولة تحاشي النظر إليه:
"لا أشعر... أعني... لا أرغب بقولها."
لامست تلك الكلمة شيئًا داخله.. شيئًا أزعجه.. ولكن لم يعترف عقله بذلك.
تحدث بنبرته المعتادة:
"ألستُ أباكِ أم ماذا؟ أيتها المحتالة."
عبثت بيديها مجيبة إياه:
"أنت والدي، ولكن... لا أدري، أشعر بالغرابة لقولها."
تنهد متقبلًا شعورها ليقول:
"حسنًا، ناديني بوالدي، هل تلك مقبولة؟"
أومأت له موافقة.
جثا حتى يكون بمستوى نظرها:
"إذا سألوكِ عن أي شيء أثناء المقابلة، أجيبي مباشرة بلا ارتباك، فأنتِ ترتبكين كثيرًا."
هزت رأسها وقالت:
"لا أرتبك."
"بل تفعلين، أمس حين سألك ذلك الرجل في المنزل ماذا سرقتِ توترتِ ولم تجيبي، أكنتِ سارقة؟"
هزت رأسها نفيًا:
"لا، لم أكن... ولكنه أخافني، كان ضخمًا و... مخيفًا."
أحكم يديه على ذراعيها ليقول:
"لكنك لم تكوني كاذبة.. حين تكونين على صواب، لا ينبغي للخوف أن يمنعكِ من قول الحقيقة، لا يهم مقدار التوتر الذي تشعرين به أو حجم التهديد أمامك أو حتى ما قد يترتب عليه من عواقب، أنتِ على صواب؟ إذًا أجيبي بقلب من حديد وواجهي ما يترتب بعد ذلك بنفس تلك القوة... أفهمتِ؟"
حدقت به قليلًا، تقلب كلماته في عقلها، متذكرةً كمَّ المواقف التي وجب عليها فعل ذلك ومنعها الخوف والعواقب. شعرت وكأنه اخترق عقلها، وعلم بكذباتها، ولامس مقدار الخوف الذي يجتاح قلبها كلما اقتربت الحقيقة من شفتيها.. الحقيقة التي سوف تغيّر كل شيء.
تنهدت لتومئ له:
"فهمت."
تركت يداه ذراعيها واعتدل واقفًا مشيرًا إليها بالتحرك. سار كلاهما لداخل بوابة الساحة الرئيسية للمدرسة. كان هناك صغار يلعبون في الساحة، وصوت الفصول المكتظة بالطلاب مسموع من داخل المبنى. سارت لين بجواره بينما ارتسم الإحباط على وجهها:
"هل بدأت الدراسة بالفعل؟"
توجه إلى المبنى الإداري بينما لحقته لين، وعلق بتهكم:
"لم أرَ في حياتي شخصًا يحب الدراسة لذلك الحد، ألا تنامين في حصص الرياضيات؟"
شهقت مما قال:
"أنام؟! إنها حصتي المفضلة!"
تمتم لنفسه:
"غريبة أطوار."
وصلا إلى المبنى الإداري، ثم توجها نحو مكتب المديرة. أوقفتهما المساعدة لتسأل عن وجهتهما:
"عذرًا يا أستاذ.. لكن الفصول ليست من هنا."
أجابها حسن:
"نحن هنا من أجل التقديم."
سألته المساعدة بنبرةٍ عملية:
"هل لديك موعد مسبق؟"
"لا، لم يكن لدي علم بحجز موعد، لِمَ عليّ حجز موعد من الأساس؟ أَتلك عيادة أم ماذا؟"
خشيت لين من أسلوبه ذاك، فربما يتم رفضها بسبب ما يتفوه به لسانه بلا تفكير. عبست المساعدة بانزعاج من لسان ذلك الرجل أمامها الذي يتنافى مع مظهره الأنيق، وأجابته محاولةً الحفاظ على نبرتها:
"لقد بدأت الدراسة أمس، ولا أظن أنها ستقبل بطلاب جدد، على كلٍ سأبلغ المديرة ما إذا كانت متفرغة."
اختفت المساعدة للداخل قبل أن تسمع رده. حولت لين ناظريها إلى حسن محدقةً فيه بتوسل:
"هل يمكنك أن تكون مثل باقي الآباء اليوم فقط؟ أرجوك، يمكنك أن تكون فظًا من جديد بعد الانتهاء."
نظر للأسفل نحو تينك العسليتين المتوسلتين، رمش مشيحًا بوجهه بعيدًا، منزعجًا من غرابة الموقف بالنسبة له.
مثل باقي الآباء؟
أب؟
قبل أن يجيبها، انفتح الباب لتظهر المساعدة من جديد، بدت وكأنها تمنت طرده، قالت بتململ:
"تفضل يا أستاذ... يمكنك الدخول."
تخطّاها حسن، تتبعه لين إلى داخل المكتب الذي كان به ثلاثة معلمين على الأريكة المجاورة، والمديرة على مكتبها، والتي بدت في منتصف الخمسينيات من عمرها، رحبت به بحرارة:
"أهلًا بك يا أستاذ..."
جلس على المقعد المقابل لها:
"حسن.. حسن عبد السلام."
"أهلًا بك يا أستاذ حسن، أنا السيدة نرجس.. لقد تم إبلاغي بأنك تريد التقديم لابنتك في مدرستنا.. للأسف قد اكتمل عدد الطلاب في الفصول."
أجابها:
"لم أكن أعلم ببدء الدراسة بتلك السرعة بسبب انشغالي بعض الشيء."
استغربت المديرة قليلًا، فالفصل الدراسي الثاني لا يصعب تفويت موعده بسبب إجازته القصيرة. تحدث أحد المعلمين الذين تابعوا الحوار:
"أعذرني يا أستاذ، ولكن كيف لك أن تسهو عن دراسة ابنتك؟ أين والدتها؟"
قبل أن يجيبه حسن، تدخلت لين في الحوار أخيرًا:
"لن تستطيع أمي الحضور."
حوّل الجميع نظرهم نحو لين. بدأت بالرمش سريعًا في محاولة فاشلة لكبح دموعها بسبب ذكر والدتها، فبتول كانت دائمًا بجوارها في تلك المواقف. تابعت لين كلامها أثناء فتح حقيبتها وإخراج أوراقها:
"انفصل والداي و... وتركتني أمي لوالدي.. كان والدي مشغولًا قليلًا في الفترة الأخيرة حتى يهتم بي."
ازدرد حسن لعابه في وسط تسارع نبضات قلبه.
أزعجه ذِكر انفصالهما كما كره غموض لين تجاه والدتها بتول..
كره ترك بتول للين لسبب يجهله، شعر بالغضب من بتول...
غضب اختلط باشتياق أربكه، أراد رؤية عينيها الخضراوين تتأمل عسليتيه كما اعتاد...
أراد أن يوبخها على ترك ابنتها، وفي نفس الوقت أراد ضمها بقوة وسماع صوتها الناعم يخبره أنها سامحته عما تسببه لها من ألم، وأن كل شيء سيكون على ما يرام.
انقطع حبل أفكاره عندما تحدثت المديرة، التي تأثرت بالحزن الذي تكوّن على وجه لين، ظنًا أنها حزينة فقط كباقي الأطفال عند انفصال الأهل.. فمن يعلم ما مرت به تلك الصغيرة من حادثٍ بشع لا يزال يقلق منامها ويلاحق رأسها؟
تناولت الأوراق من يد لين، والتي كان من بينها ورقة تثبت انفصال والديها منذ زمن. ضمّت المديرة حاجبيها باستنكار:
"لكن تم الانفصال منذ زمن... هل عشتِ مع والدتك فقط كل تلك المدة؟"
ارتبكت لين قليلًا لتجيب:
"نعم... واضطرت أمي إلى تركي للعيش مع والدي بسبب سفرها..."
حاولت لين تجميع شتات أنفاسها حتى لا تبكي، وأردفت:
"سفر مفاجئ... لم يكن في الحسبان."
رقَّ قلب المديرة من أجل تلك الصغيرة، وانعكس الأسى في عينيها.
على عكس أحد الحاضرين.. حيث همس أحد معلمي اللغة الإسبانية بسخرية:
"Seguro que dejó a la niña por otro hombre del que se enamoró"
التقطت أذنا حسن ما تفوه به المعلم بوضوح، وارتسم على ملامحه غضب مكبوت لم يخفَ على أحد بسبب ذكر بتول بتلك الطريقة.
أجاب هو الآخر بالإسبانية، بلهجة واثقة لم تخلُ من التهديد المبطن:
"Mejor mete la nariz en tus propios asuntos y no en los de los demás, antes de que te la rompa"
تبادل الحاضرون النظرات بغير فهم لما قالاه، ولكن توتر الأجواء كان كافيًا. ازدرد المعلم لعابه بتوتر متجمدًا في مكانه. بالطبع لم يعلم أحد أن طبيعة عمل حسن كمحقق سابق وضابط مباحث أجبرته على تعلم بعض اللغات من أجل مهمات خاصة... وكان حسن من أمهرهم.
ابتسمت المديرة بإعجاب:
"تجيد الإسبانية، سيد حسن؟"
أجاب حسن دون إبعاد ناظريه عن عيني المعلم وكأن نظراته تخترقه:
"نعم... خبرة قديمة، حتى أن المعلم الفاضل كان يسألني ما إذا كانت التربية بتلك الصعوبة، وكنت أجيبه بمدى صعوبتها، أليس كذلك يا... معلم؟"
حمحم المعلم بتوتر:
"نعم... أنا.. أشعر بأن الجو حار بعض الشيء... سأنتظر بالخارج."
لم ينتظر أكثر وهمَّ بالخروج وسط حالة عدم فهم من باقي الحاضرين. اختفت دموع لين لتحل محلها نظرات إعجاب ودهشة.
اقتربت لتهمس إلى حسن:
"دراجة نارية، لغة إسبانية وملابس رسمية... تبدو كالمافيا!"
أدار حسن وجهه ليقابل المديرة متظاهرًا أنه لم يسمعها:
"حسنًا سيدة نرجس، هل توجد فرصة في قبول لين؟"
قلّبت السيدة نرجس الأوراق بين يديها لتومئ ببطء:
"أرى أنها الأولى على مدار العامين الماضيين، نحن نهتم كثيرًا بالتفوق."
ابتسمت لين بأمل. تابعت المديرة، التي تأثرت بما مرت به الصغيرة:
"نحن لا نهتم كثيرًا بما يعمل به ولي الأمر ما دامت الوظيفة لا تتنافى مع القانون، نحن نهتم بالطالب أكثر، وفي الواقع أنا منبهرة من علاماتك في الرياضيات المتقدمة، تحبين الرياضيات إذًا؟"
ابتسمت لين لتومئ لها:
"كثيرًا."
بدأت السيدة نرجس في سؤال لين أسئلة متنوعة تضم مواد مختلفة، مستعينة ببعض المعلمين للتأكد من مستواها بشكل عام، فقد شجعت علامات لين المديرة على قبولها.
***
طرق..
طرق..
طرق..
صوت الطرقات هذه المرة كان أكثر إلحاحًا. فُتِح بابُ أقربِ المنازلِ لمنزل بتول.. منزلُ منى.
ظهر فتى التوصيل على العتبة، مترددًا قليلًا، قبل أن يقول بأدب:
"صباح الخير يا سيدتي... عذرًا لتطفلي."
عدّلت منى حجابها الذي قامت بلفّه سريعًا قبل فتح الباب، وقد حملت صغيرتها قمر على أحد ذراعيها، ونظرة حذرة استرقت في عينيها، قالت:
"صباح الخير... أهناك مشكلة؟"
هز برأسه سريعًا:
"لا، لا مشاكل بإذن الله، ولكن..."
توقف لثانية، كأنه يبحث عن كلماته، وأردف قائلًا:
"هناك منزل قرمزي اللون، ذو حديقة واسعة في وسط الحقول... هل تعرفينه؟"
أومأت له منى:
"نعم، منزل صديقتي، تركته وسافرت مع ابنتها منذ مدة.. لماذا؟"
انحنى الشاب قليلًا، يلتقط الطرد من دراجته، ثم رفعه كدليل:
"السيدة بتول عزت طلبت هذا منذ فترة... وعندما وصلت، اشتممت رائحة شنيعة مصدرها الباحة الخلفية، فتتبعت الرائحة لأجد.. حيواناتٍ ميتة."
شدّت قمر إليها أكثر، كأنها تحميها من شيء غير مرئي:
"حيوانات... ميتة؟"
أومأ ببطء:
"بقرة... وبعض الدجاج، وحتى النباتات.. ذبلت، كل شيء هناك.. بدا كأنه تُرِك ليموت، لم يبدُ لي المشهد طبيعيًا إطلاقًا، فأردت إعلام أحد الجيران."
ضمّت منى ابنتها نحوها أكثر:
"لا... هذا ليس طبيعيًا، ما كانت بتول لتترك حيواناتها خلفها وترحل تاركةً إياها لتفنى بتلك الطريقة المخيفة."
سكت الشاب للحظة ثم قال:
"لا أعلم يا سيدتي... لكن الطرد مدفوع، ولا أعرف أين أُسلّمه."
مدّت يدها وأخذته هي.. قرارها جاء أسرع من تفكيرها. بعد دقائق، كانت قمر في حضن آسر، والهاتف على أذنها بعدما اتصلت بأخيها:
"حمزة... تعال فورًا."
كان هناك شيء...
شيء خاطئ. ولم يكن بسبب الحيوانات فقط، بل كان أيضًا ذلك القلق الذي تسلل إليها منذ أن قرأت رسالة بتول قد عاد الآن مرة أخرى.
***
في إحدى الشقق الفاخرة بالدولة الأجنبية التي كان ينهي بها صلاح أعماله البشعة، كان صلاح في غرفة المعيشة يتناول فطوره بهدوء وكأن العالم كله تحت أمره، رن هاتفه قاطعًا هدوء صباحه.
"مجد."
ضغط صلاح زر الرد، ثم ظهر صوت مجد الذي بدا عليه التوتر:
"سيد صلاح... يوجد أمر طارئ."
ارتشف صلاح قهوته قبل أن يرد:
"مجد... ظننت أنني أخبرتك ألا تحدثني من رقمي مباشرةً."
"عذرًا سيدي، ولكن الأمر لا يحتمل الانتظار."
"تكلّم."
على مسافة من منزل بتول، وفي سيارة صغيرة، كان مجد عند مقعد السائق يراقب شابين مع امرأة يتجهون نحو منزل بتول.
تحدث مجد عبر الهاتف:
"هناك مَن يتجهون نحو ذاك المنزل."
أكمل صلاح احتساء قهوته:
"ثم؟"
ازدرد مجد لعابه أثناء مراقبة منى التي غطّت وجهها من منظر الحيوانات النافقة، مختبئةً في صدر أخيها لتتحاشى المنظر:
"يبدو أنهم يشكّون في اختفائها... نظراتهم لا توحي بالخير."
"هل تركتم أي بصمات في تلك الليلة؟"
"لا، المنزل نظيف من البصمات."
"جيد إذًا، ليس لكم دخل بهم... لكن أريدك أنت وفضل أن تتركا المنطقة حتى لا يلاحظكما أحد، لا أظن أن مدللتها الصغيرة سوف تعود إليها على أي حال. ابتعدوا قبل لفت الأنظار، وسأتحدث أنا إلى ناصر حتى أستعلم عمّا وصل إليه."
تتبعت عينا مجد تفحّص شقيق منى لأرضية الحديقة في بقعة معينة بدت مختلفة عن البقية. تصبب وجه مجد عرقًا أثناء تشغيله محرك السيارة:
"عُلِم، سيدي."
ترك صلاح القهوة جانبًا، ثم أمال جسده للأمام قليلًا، مسندًا كوعه على ركبته ليسأل بنبرة ثقيلة:
"أخبرني يا مجد... أين تخلصتم من الجسد بالضبط؟"
تسارعت ضربات قلب مجد قبل أن يرد:
"دفنته... في حديقة المنزل."
Hana Elahmar