مطاردة.

مطاردة.

2 0

الساعة ١٠:٠٢ صباحًا.

مع زيادة انتشار منشور فاتح كالوباء، زادت الكراهية والسب تجاه حسن..

حسن الذي لا يستطيع تحمل المزيد وقد قرر تقديم بلاغ بشأن فاتح.

كان أمام المرآة يضبط ياقة سترته بوجهٍ خالٍ من أي تعابير محددة.. بينما كان هاتفه يرن والمتصل كان سالم.

دلفت لين من خلفه بعدما استعدت لترافقه؛ فهو لا يستطيع تركها وحدها طرفة عين في خضم هذه الفوضى..

حدقت في الضمادة بمؤخرة رأسه قبل أن تسأل بقلق:

"هل لا زالت تؤلمك؟"

مط شفتيه بعدم اكتراث مجيبًا:

"صداع فقط.. عندما يثير شيء حنقي."

انتهى من ضبط ملابسه ثم التقط هاتفه ليجيب..

من الجانب الآخر.

كان سالم بالمشفى في وقت الاستراحة، وقد نال ما يكفي من تعليقات مزعجة تجاه صديقه..

جاء صوته مرهقًا يسأل:

"قدمت الشكوى؟"

صبّ حسن شايه في كوبه، يحاول الاستفاقة:

"كنت على وشك الذهاب الآن.. بالمناسبة ليس عليك تضميد رأسي مجددًا، يدك ثقيلة عند تنظيف الجرح."

اتسعت عينا سالم شاعرًا بالإهانة بعد تغيير الضمادة على رأس حسن أمس:

"عذرًا؟! معظم عملي في الجراحة! يدي كالمرهم يا جاحد المعروف!"

زفر سالم ليلقى بسبب اتصاله:

"وإن كنت لا تريد، فلا تتأمل.. لن استطيع تغيير شيء لك يا عديم الامتنان! جد لك شخصًا آخر."

قطّب حسن حاجبيه قبل أن يرتشف من شايه الذي يغلي:

"هل هذا تهديد؟"

"لا، هذا يسمى وردية إضافية وعدم تفرغ.. ساءت حالة والدي الصحية وأحتاج لإرسال المزيد من المال."

تنهد سالم مسترسلًا:

"ولا يمكنني إرسال أي مالٍ لك.. أنت تعلم الوضع، وفي حال ساءت الأمور.. فقد تركت لك عنوان شخصٍ قد يساعد."

قلّب حسن مقلتيه وهو يشعر بالفصول ينهشه:

"وألن تتكرم سيادتك وتخبرني لمن يخص هذا العنوان؟ أم في النهاية سأكتشف أنه عنوان صلاح.. المفاجأة الكبرى!"

فر من سالم زفير ضاحك قبل أن يخبو شيئًا فشيئًا.. لا يعلم إن كانت تلك المرأة ستساعده بالفعل أم لا..

في النهاية، آثر أن يصمت..

"فقط أذهب إليه في أسوأ الأحوال.. نحن لا نعلم ما يخبئ القدر من مفاجأت، صحيح؟"

"وأنا أكره المفاجأت."

أنهى حسن المكالمة وقد أثار سالم استفزازه.

استدار ليجد لين تحدق بكوب شايه وقد التقط ما يجول في خاطرها.

"لم أتناول سوى رشفتين.. اصنعي لنفسك كوبًا آخر، الحليب في الثلاجة."

قطّبت لين حاجبيها وعسليتيها لا تفارقان الشاي:

"أريد من كوبك."

"طفيلية."

قبل أن يضيف أي منهما كلمة أخرى، رن جرس الباب..

حدق كلاهما ببعضهما في ارتياب.

ترك حسن الكوب واتجه نحو الباب لفتحه..

وقد ظهر وليد على العتبة بزي عمله.

رفع حسن حاجبيه في تفاجؤ:

"كنت على وشك أن آتي لك."

خطا وليد عبر العتبة، وجال بنظراته الفاحصة في أرجاء الصالة بمسحٍ خاطف، قبل أن يحط بصره على لين القائمة بجوار الطاولة.

أومأ لها برأسه بتحيةٍ مقتضبة، ثم التفت نحو حسن قائلاً بنبرة متزنة:

"لم أعلم أنك ستأتي.. المكان هنا أهدأ من القسم على أي حال."

​أفسح له حسن المجال ليدخل، وأغلق الباب خلفه مستفسرًا بجمود يحاول عبره حجب إرهاقه:

"كنت على وشك الخروج لتقديم بلاغ رسمي ضد تلك الحملة الحقيرة."

​توقف وليد في منتصف الغرفة، وجال ببراعته في تأمل ملامح حسن الشاحبة والضمادة التي تلف مؤخرة رأسه، متجاهلاً الحديث عن فاتح في الوقت الحالي.

قال وهو يضم يديه خلف ظهره:

"رأسك.. كيف حال الجرح اليوم؟"

​رد حسن باقتضاب، مستغربًا سبب زيارته:

"بخير.. لمَ أتيت بالضبط؟"

​"لن أطيل عليك."

ظلّت لين واقفة عند المطبخ المفتوح تراقب وليد، لا يروق لها ولا تشعر بأن زيارته توحي بالخير..

جلس كلاهما متقابلين في وسط انتظار حسن، صامتًا ليسمح له بالحديث.

تلاشت الملامح العادية من وجه وليد، وتلبّست عينيه حزامة رجل الشرطة وهو يحدج حسن بنظرة نافذة:

"حسن.. دعنا نتحدث عن ليلة الحريق."

أجابه بنبرة مستنكرة:

"ماذا بشأنها؟ أخبرتك مسبقًا بما حدث."

​"ليس كل التفاصيل.."

رد وليد بصوت خفيض يتخلله حذر شديد مردفًا:

"لماذا ألححت على الشرطي علاء ليلتها لتسترد مسدسك؟ ولماذا كنت تصر على أخذ السلاح منه بتلك القسوة؟"

​اتسعت عينا حسن لبرهة، ومرت في حدقتيه ثوانٍ خاطفة من التعجب قبل أن يستعيد ثباته الصلب.

عقد حاجبيه وسأل بتوجس:

"هل أفاق الشرطي؟"

​أومأ وليد ببطء، وجاء صوته هادئًا يزن كل كلمة:

"استعاد وعيه، وتحدثت معه في المشفى. يذكر كل شيء بدقة؛ يذكر كيف اقتربت منه بنبرة حادة، وكيف حاولت الضغط عليه ليتخلى عن السلاح وتأخذه فورًا.. وكيف رفض التنازل عنه والتزم بالتعليمات، قبل أن يتلقى ضربة غادرة على رأسه من الخلف أفقدته الوعي وسُرق على إثرها المسدس."

​لم تظهر على ملامح حسن أية ردة فعل مضطربة..

بل العكس تمامًا..

فقد كان يلتقط بحذر ما يرمي إليه وليد..

سحب نفسًا عميقًا ثم شبك أنامله معًا، محتفظًا بهدوئه، وقال:

"كنت أتصرف وفقًا لما يمليه علي الموقف ليلتها. في تلك اللحظات، لمحت حركة غير طبيعية بين الظلال القريبة من سيارة الشرطة.. كان هناك شخصٌ يراقبنا ويتربص بالمكان."

​تابع حسن وهو يثبت عينيه العسليتين في عيني وليد:

"شعرت بدنو الخطر، وتولدت لدي قناعة تامة أن المتسبب الرئيسي في كل هذه الكارثة كان على بعد خطوات منا في العتمة.. لم أكن أملك سلاحًا لأحمي به نفسي أو أتدخل إذا ساءت الأمور، ولهذا ذهبت للشرطي مطالبًا بمسدسي. رفض بالفعل، وتركته وانصرفت دون أن ألمسه.. ولا علم لي بمن جاء من بعدي وضربه على رأسه."

​ساد الصمت الغرفة.

طال تحديق وليد في ملامح حسن، وكأنه يزن صدق كلماته، يفتش عن أي اضطراب أو تردد في نبرته.. لكن حسن كان ثابتًا تمامًا.

​زفر وليد ببطء شديد، واستقام في جلسته، لتكتسي ملامحه بوجومٍ.

​قال وليد بصوتٍ خفيض:

"رواية منطقية.. لو أن المعمل الجنائي لم ينتهِ للتو من فحص المقذوفات."

​سكن حسن تمامًا، فيما واصل وليد اندفاعه:

"الرصاصة التي أُطلقت على ظافر وأنهت حياته في موقع الحادث.. ثبت معمليًا أنها خرجت من ذلك المسدس تحديدًا.. مسدسك الذي كان بحوزة علاء."

​توقف وليد لثانية، ثم أردف ونظراته تخترق وجه حسن:

"والأدهى من ذلك كله.. أن معاينة الموقع وتقارير رفع البصمات والأثر المسحي أثبتت أمرًا آخر."

​دنا وليد بجسده قليلاً، وقال بنبرة حاسمة:

"لا يوجد أي دليل مادي.. ولا حتى أثر واحد يثبت أن صلاح كان متواجدًا في موقع الحدث تلك الليلة."

ضغط حسن على فكه قبل أن يجيب محاولًا الحفاظ على نبرته:

"لستُ كاذبًا.. وتوقف عن ذلك الغباء الذي اجتاح رأسك، هل أصبت بعدوى مواقع التواصل وتردد ما يقولون؟!"

استنشق حسن نفسًا عميقًا مسترسلًا:

"أصبت بنفس الضربة على رأسي التي ضُرِب بها الشرطي.. ما مقدار توافق طريقة الضرب في نظرك؟!"

مطّ وليد شفتيه بعدم اقتناع ليسأل ببساطة:

"لمَ لم تخبرني بأنك طلبت مسدسك من الشرطي؟"

صمت حلّ على الأرجاء قبل أن يجيبه حسن:

"ربما لأني لم أحصل عليه في النهاية؟"

لم يبعد وليد نظراته ليسأل مجددًا بثبات:

"لمَ أحضرت معك مسدسًا؟ ولمَ كلماتك معي أوحت لي برغبتك في القتل؟ لمَ يتردد اسم صلاح على لسانك دون دليل كافٍ نحوه؟"

مال حسن برأسه قليلًا، وسأل بجمودٍ رغم أنه يدرك تمامًا الإجابة التي ينتظرها:

"وليد.. لمَ جئت إلى هنا تحديدًا؟"

​تغيرت ملامح وليد، واختفت منها أي مساحة للمداهمة أو الود القديم.

استقام في جلسته، وألقى بكلماته كالرصاص:

"جئت لأن هناك أمرًا بالضبط والإحضار.. أنت مطلوب للتحقيق فورًا يا حسن."

​ساد سكونٌ مسموم في أرجاء الصالة.

شحب وجه لين القائمة عند المطبخ، وتراجعت خطوة للخلف بنظراتٍ مذعورة.. لكن حسن لم يطرف له جفن، وظلت عسليتاه متسمرتين في عيني وليد، بينما انخفض صوته لدرجة صارمة:

"لن أذهب معك."

​"هذا ليس قرارًا تتخذه."

قالها وليد بنبرة لا تقبل المساومة مسترسلًا:

"الأمر حُسم رسميًا.. وعليك المجيء معي الآن وبكل هدوء."

​رد حسن بصلابة قاطعة:

"أنت تعلم تمامًا كيف تسير هذه الإجراءات.. التحقيقات ستستغرق أيامًا، ربما أسابيع وسط هذه الفوضى، والمجرم ما زال طليقًا يتجول بحرية.. لن أترك لين بمفردها في هذه القذارة، ولن أسمح بأن تصبح هدفًا سهلاً له بينما أنا مكبل الأيدي خلف القضبان بسبب استنتاجاتكم الواهية."

​زفر وليد بنفاذ صبر، ووقفت قامته بزي الشرطة العسكري ليبسط سلطته، قائلًا بثبات:

"ستكون لين في أمان وسنوفر لها الحماية الكافية.. ولا يمكن التراجع عن هذا الأمر.. الأدلة والتقارير المبدئية تشير إليك، وأنت الآن متهم رئيسي في جريمة قتل.. والتحقيق معك أمرٌ لا مفر منه."

​استمر حسن في التحديق في عمق عيني وليد دون أن يزيح نظره عنه.

كان يتنفس بهدوءٍ مريب، ووجهه خالٍ تمامًا من أي تعبير، وكأنه يزن خياراته في أجزاء من الثانية وسط هذا الخناق المحكم.

​وبصوتٍ خفيض، صارم، وجه كلماته إلى لين القابعة خلفه دون أن يحيد بعينيه عن وجه الضابط لحظة واحدة:

​"لين.. اتجهي نحو الباب."

ازدردت لين بصعوبة وخوف، دون أن تفهم ما يحدث..

التقط حسن حركة وليد نحو الأصفاد في حزامه، ليصرخ للين:

"الآن!"

مع انتزاع وليد للأصفاد المعدنية من حزامه، اندفع حسن نحو الأمام بلمح البصر دون أن يمنحه ثانية واحدة لتثبيته. ضرب معصم وليد بأسفل كفه ليرد يده الممسكة بالأصفاد، ووجه بيده الأخرى لكمة خاطفة نحو فكه.

​أمال وليد رأسه في اللحظة الأخيرة ليتفادى الضربة جزئيًا، واستغل اندفاع حسن ليلتحم به بكتفه، دافعًا إياه بقوة نحو الطاولة المجاورة..

ارتطم جسداهما بصلابة، فاهتز الخشب وتساقطت الأوراق وبعض الأغراض على الأرض، بينما انطلقت صرخة مذعورة من حنجرة لين وهي تتراجع للوراء محتمية بجدار المطبخ.

"المقاومة ليست في صالحك، سلّم نفسك وسأساعدك!"

​ثبّت وليد ذراع حسن خلف ظهره بممارسة شرطية متمرسة، محاولاً حشره ومنعه من الحركة..

فرّت كلمات حسن بين تنهيداته وصرير أسنانه:

"وغد! إن احتجزت وصلاح طليق.. فلن أرى الشارع مجددًا!"

التوى حسن بجسده ووجه ضربة عكسية بكوعه استقرت في أضلع وليد.

زفر وليد بألم، ورغم ذلك شدد قبضته على قميص حسن ودفعه بكتفه ليصدم ظهره بالحائط مجددًا، ضاغطًا بكل ثقله على صدره لتقييده.

"لا أريد أذيتك يا حسن!"

"لا تريد سوى مصلحتك يا وليد!"

حرر حسن معصمه ليستدير أخيرًا ويباغته بلكمة قوية في فكه بعدما لوى ذراعه..

"اترك أبي!"

قبل أن يستوعب وليد ما يحدث..

حرارة مفاجأة التحمت مع جلده ليفرّ عنه أنين متألم..

فقد ألقت لين بكوب الشاي الساخن على ظهره أثناء ارتجافها وتحديقها بهيئتهما المخيفة..

استغل حسن الفرصة ليباغته بضربة أخرى تاركًا إياه أرضًا.

استدار سريعًا لالتقاط حقيبته الملقاة ومفاتيح السيارة من فوق الطاولة، ثم قبض على يد لين المرتعشة بقوة وجذبها خلفه:

"هيا!"

​اندفعا خارج المنزل على الفور..

​وما إن لفحهما هواء البحيرة الطلق، حتى ضغط حسن على مفتاح السيارة ليفتح أقفالها، ودفع لين سريعًا إلى المقعد المجاور للقيادة، قبل أن يقفز هو خلف عجلة القيادة ويغلق الأبواب.

سأل وهو يدير المفتاح على عجلة:

"هل تفضلين أفلام الحركة؟"

أجابته لين بتلعثم وهي ترى وليد قد اندفع من الباب ليلحق بهما:

"ليس.. ليس كثيرًا.."

مطّ حسن شفتيه هازًا برأسه:

"ليس جيدًا إطلاقًا."

داس على دواسة البنزين بكل قوته، لتنطلق السيارة أفقًا بصوت صرير حاد للإطارات، مبتعدة بسرعة فائقة، في الوقت الذي خرج فيه وليد يمسك برقبته المحمرة، وانقبضت ملامحه بحنقٍ عارم وهو يرى ذيل سيارة حسن يغيب نحو الطريق..

لم ينتظر؛ أخرج هاتفه اللاسلكي من حزامه فورًا، وضغط زر الاتصال المباشر بغرفة العمليات، يصف لهم رقم ونوعية السيارة.. مستدعيًا الدعم.

​اندفع وليد نحو سيارته القابعة على جانب الطريق، قفز خلف عجلة القيادة، وأدار المحرك الذي انطلق بصريرٍ حاد يمزق سكون المنطقة، ليشق الإسفلت مطاردًا الأثر.

​في هذه الأثناء، كانت سيارة حسن تقطع الطريق المحاذي للبحيرة كالسهم.

كان الشارع في هذه الساعة والمنطقة خاليًا تمامًا، والأشجار الممتدة على الجانبين تتراجع للخلف.

داخل السيارة..

كانت لين تتشبث بحزام الأمان بكلتا يديها، لا تصدق ما يحدث..

"هل نحن مجرمون؟!"

صرخت بها دون سابق إنذار لينتفض حسن في مكانه..

عاد تركيزه إلى الطريق وهو يهز رأسه نفيًا:

"لسنا كذلك، ذلك الوغد هو الذي فقد عقله."

كان حسن يطبق بكفيه على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصاله.

​سألت لين بنبرة متهدجة تفيض بالذعر:

"ليس لطيفًا، عمي وليد ليس لطيفًا! لمَ كان صديقك؟!"

"لأني أختار أصدقائي من مكب النفايات."

عاود النظر إلى المرآة ليلاحظ سيارة وليد من خلفه..

​لم يكد يلتقط تحركه حتى أضاءت شاشة الهاتف المهتز داخل حقيبته..

فتحتها لين والتقطت الهاتف لتريه إياه، واهتز بنغمة متواصلة تحمل اسم وليد.

​تسمرت عينا لين على الشاشة بوجل، بينما مدّ حسن يده وضغط زر مكبر الصوت دون أن ينقص من سرعة السيارة.

​جاء صوت وليد عبر السماعات هادرًا:

"حسن! توقف فورًا! أنت ترتكب حماقة ستكلفك بقية حياتك! الفرار، والمقاومة، والاعتداء على ضابط شرطة أثناء تأدية عمله.. كل هذه التهم ستدفنك تحت القضبان إلى الأبد!"

​رد حسن بنبرة قاطعة تتسق مع دوي المحرك وهو يميل بعجلة القيادة ليتفادى انعطافًا حادًا:

"الدفن الحقيقي هو أن أقبض على يدي وأجلس في زنزانة مغلقة بينما القاتل الحقيقي يتجول بحرية! أنت تعلم في أعماقك مَن خلف هذا الخيط القذر، وتصر على الانصياع إلى البلبلة من حولك."

​"القانون لا يدير عجلة التحقيق بالظنون والمشاعر!"

خرق صوت وليد السماعات بنبرة ألمٍ وغضب مسترسلًا:

"ما تفعله يؤكد لي ظنوني.. عُد إلى رشدك وسلّم نفسك، وإن كنت بريئًا سيُثبت.. ابنتك ستكون في حماية تامة وفي أمانٍ مطلق حتى اكتشاف الحقيقة!"

​افترقت شفتا حسن عن ابتسامة تهكمية باردة، وقال:

"أمانك هذا لا يساوي شيئًا، تمامًا كضياع حق بتول بعد التكتيم على موتها.. أنت تريد إرضاء رئيسك.. إرضاء الرأي العام، وغلق قضايا تضمن ترقيتك.."

شتم وليد في سره قبل أن يقول بصوتٍ بدأ يتداخل مع صفارات إنذار أخرى:

"حسن، لا تجبرني على التعامل معك كمجرم.. الدوريات تُغلق المنطقة من الأمام الآن!"

​"جرب حظك."

​قبل أن ينطق وليد بحرفٍ آخر، فتح حسن النافذة المجاورة له، وألقى بالهاتف ليضيع في الطريق الممتد، رافعًا الزجاج مجددًا ليقطع أي أثر لتعقّبه.

دخلت السيارة الحدود السكنية للمدينة، وتبدلت طبيعة الطريق..

تراجعت المساحات المفتوحة لتفسح المجال للشوارع المتقاطعة، والبنايات المترامية، والسيارات المدنية المتحركة من حولهم..

​من الخارج، كانت سيارة حسن تناور بين الحارات؛ تنحرف بزوايا وإطاراتها تطرق الإسفلت بصوت صرير حاد..

خلفها بمسافة تتضاءل تدريجيًا، كانت سيارة وليد تلاحقها باستماتة، وانضمت إليها دوريتان إضافيتان تحاولان تقنيع المسار ومحاصرته من الجوانب.

كانت لين تصرخ بصوتٍ مكتوم مع كل انعطاف مفاجئ:

"لقد أحضر اصدقائه.. ليسوا لطفاء! ليس جيدًا!"

​لم يجبها حسن؛ كانت حدقتاه تنتقلان بين الزجاج الأمامي والمرآة بتركيز..

طرق المقود مرارًا بتوتر خفي.. يحاول تمالك أعصابه حتى لا يربكها معه؛ خاصةً بعدما لاحظ حركة سيارتي الدورية وقد أدرك أنهما سيغلقان عليه الطريق، وصداع رأسه يكاد يسحق جمجمته..

حرك حسن عسليتيه إلى لين ثم إلى المقعد من خلفه كمّن يبحث عن شيء.

عاد بصره على الطريق قبل أن يسأل لين:

"تعرفين لعبة الشبح؟"

اتسعت عينا لين لتصرخ:

"هم مخيفون أكثر من الأشباح!"

وقعت عينا حسن على الزقاق الضيق في نهاية الطريق..

ألقى بكلماته دون زحزحة بصره:

"ما رأيك أن نختفي كالأشباح؟"

قبل أن يتركها في حيرتها، أردف سريعًا أثناء خلع سترته الخارجية:

"أحتاج إلى شريطة شعرك."

***

"سحقًا!"

ضرب وليد عجلة القيادة بكفّه بقوة وهو يرى سيارة حسن تنحرف بحدّةٍ لتغوص داخل الزقاق الضيق.. متجاوزة نطاق رؤيته في كسرٍ من الثانية.

​أفقده الانعطاف الخاطف زاوية الملاحقة، فداس على المكابح بضراوة لتصرخ إطارات سيارته فوق الإسفلت، متوقفة بعنف بعد مخرج الزقاق بمترين.. فتابع تحركه من طريقٍ آخر..

​انطلقت سيارتا دورية بسرعة جنونية لتلتفا حول المربع السكني، وفي لحظاتٍ قليلة، كانت الأصداء المزعجة لصفارات الإنذار تملأ المخرج الخلفي للزقاق..

ركنا من الجانب الآخر لحصار مخارج الزقاق تمامًا.

​وصل وليد بسيارته إلى الجهة المقابلة لمخرج الزقاق، ليجد أضواء الدوريات الحمراء والزرقاء قد شكّلت سدًا معدنيًا نصف دائري يُغلق الشارع بالكامل.

ترجل وليد خاطفًا مسدسه الميري من حزامه، واستند بكتفه على باب سيارته المفتوح، واضعًا سبابته على الزناد وموجهًا نظراته النارية نحو فوهة الزقاق لضرب إطارات السيارة إن لزم الأمر.

​ساد سكونٌ مشحون بالتوتر..

ثم، انبثق صوت المحرك من قلب الظلمة..

​ظهرت مقدمة السيارة الرمادية من بين ظلال الزقاق.. كانت تتهادى ببطء شديد..

ابتسم وليد بثقة وقد وقعت السيارة في الكمين..

استمرت السيارة في تقدمها البطيء دون أن تتسرّع أو تنحرف، حتى ارتطم صدامها الأمامي بخفةٍ ودون أي قوة بحديد الدورية المتوقفة، ثم سكنت في مكانها تمامًا بينما ظل محركها يئنّ بنغمة منخفضة متواصلة.

​أشار وليد بيده للضباط للثبات في مواضعهم، ثم تقدم بخطواتٍ حذرة ومحسوبة نحو جانب السائق، ثاقبًا بحدقتيه الزجاج الجانبي المظلل.

اقترب أكثر، وجذب مقبض الباب الأيسر بقوة وسحبه للخلف مائلًا بجسده وموجهًا مسدسه نحو الداخل..

​تجمّدت الكلمات في حنجرته، وانعقد لسانه..

​كانت المقاعد خاوية تمامًا.

لا أثر لحسن، ولا وجود للين..

​انخفضت عينا وليد بتوجّس نحو المساحة السفلية عند مقعد السائق..

​عند دواسة البنزين، كانت سترة حسن الخارجية مطوية ومكبوسة بقوة لتقليل حجمها وزيادة ثقلها، ومربوطة بإحكام بشريطة شعر وردية ناعمة تخص لين.

كانت السترة المحشوة محشورة بين أسفل المقعد ودواسة الوقود، تضغط بثقلٍ ثابت.. كافٍ لدفع السيارة للأمام بخط مستقيم وسرعة بطيئة، متكفلة بإبقاء المحرك في حالة حركة وإخراج السيارة من المخرج الخلفي كتمويهٍ كامل..

"اللعنة عليك يا حسن!"

ضرب وليد بحذائه الأرض مبعدًا شعره للخلف بحنق.

في وسط نظرات رجاله المحتارة.

على بُعد مسافة ليست ببعيدة، ولكن متوارية..

كان حسن بقميصٍ أبيض خفيف، بنصف كم..

يلقي بنظرة خاطفة عليهم من خلف المبنى، مطبقًا يده على فم لين ليمنع شهقاتها المذعورة.

تنفس الصعداء ليتوارى برأسه إلى الظلال، ثم أبعد يده ببطء عنها.. رفعت رأسها بشعرها المنساب لتهمس بخفوت:

"هل افلتنا منهم؟"

هز برأسه نفيًا وهو يتفقد المنطقة يمنة ويسرة.

"ليس بعد.. علينا التحرك."

***

خيّم الليل بستاره الداكن على أطراف المدينة..

بينما كانت زغاريد الضوء الخافت في الأزقة الشعبية تُشيع دفئًا زائفًا وسط حارةٍ متداخلة المباني..

حيث رائحة الفحم والشاي المغلي المتصاعدة من المقاهي الشعبية الصغيرة، لا وجود لكاميرات المراقبة، ولا متسع لمركبات الشرطة التي تضل طريقها بسهولة في هذه المتاهة الخرسانية.. في منطقة للطبقة تحت المتوسطة.

​كان حسن يرتدي سترةً داكنة رخيصة الثمن ابتاعها للتو من أحد الباعة المتجولين..

سترة ذات قلنسوة سحبها إلى الأسفل مظللة نصف وجهه.

وبجوار حائطٍ متهالك تُغطيه إعلانات ورقية ممزقة، انحنى على ركبتيه أمام لين، التي بدت ضائعة داخل سترة فضفاضة تفوق حجمها الصغير بأضعاف.

حرّك القلنسوة ليعيدها إلى وجهها حتى تخفي ملامحها، غير آبهٍ بتذمرها:

"لا أريدها! أبدو كالفتيان ورائحتها سيئة."

ضبطها حسن من جديد متجاهلًا كلماتها.

"من الأفضل أن تبدي كالفتيان، سيتم البحث عن مواصفاتكِ قريبًا."

تأففت لين بعدم اقتناع.

"تأدبي."

"لم أقل شيئًا!"

استقام مجددًا ملاحظًا التوقيت المتأخر وبقائها بلا طعام حتى هذه اللحظة..

اخفض حقيبته وأخرج محفظته، يحدق بالمال المتبقي معه، وبالشيء القابع في جيب المحفظة، والذي لم يتمنَ بيعه يومًا.

تنهد ملتقطًا يد لين متجهًا إلى متجرٍ ما.

لحقت به وهو متحلٍ الصمت.

دلف إلى الداخل وقد كان متجر للصاغة.. ترك لين تجلس جانبًا بينما اتجه هو ليتبادل مع الرجل حديثًا قصيرًا.

لم تلتقط لين ما يدور، ولكنها رأت حسن يناول البائع شيئًا ما في كف يده..

شيئًا صغيرًا..

ولّى الرجل بظهره متفحصًا إياه، قبل أن يستدير مجددًا مناولًا حسن مالًا بقيمته.

شكره حسن وأشار للين حتى تلحق به.

ترجلا من المكان وهو يعد المال قبل دسه في محفظته، مثيرًا تساؤل لين.

"ما هذا الذي أعطيته للرجل؟"

أغلق محفظته متابعًا السير مجيبًا باقتضاب:

"ليس بالشيء المهم."

ربما كان بالنسبة له في تلك اللحظة ليس بالشيء المهم مقارنةً بابنته.. ولكن في أعماقه..

كان يمتعض خنقًا، يلعن الظروف ألف مرة ومرة التي أجبرته على بيع خاتم زواجه، والذي ظلّ محتفظًا به طوال تلك السنوات..

ذلك الخاتم الذي قضى الأشهر الماضية، يترقب في أملٍ زائف بإرتدائه مرة أخرى.

وما كان لهذا الأمل إلا أن يندثر متلاشيًا كبقايا آماله..

توقف حسن أمام مطعمٍ شعبي بسيط.

يحدق في القائمة بوجبات الشطائر وأسعارها مانحًا للين المساحة للاختيار:

"يمكنكِ طلب ما تشائين.. اختاري وجبتين؛ لعشاء اليوم وطعام الغد."

حملقت باللوحة ثم رفعت عسليتيها نحوه:

"ماذا عنك؟"

"لستُ جائعًا."

مطت لين شفتيها عابسة بحاجبيها، لم تجبه واتجهت لتختار، طالبةً من الرجل ما تريد.

أثناء مراقبة حسن إياها.. أخرج ورقةً مطوية في جيبه..

ذلك العنوان الغامض الذي منحه سالم إياه دون توضيح لمَن يكون أو لماذا قد يذهب إليه.

لكن ما باليد حيلة الآن.

يتمنى ألا تسوء الأمور أكثر من ذلك.

وبعد دقائق.. طلب أمين الصندوق من حسن الحساب قاطعًا شروده.

أخرج محفظته وأعطاه إياه ملتقطًا الطعام الذي كان كيسين..

كل كيس يحتوي على شطيرتين متنوعتين بين مالحٍ وحلو، مع علبة عصير.

اتجه إلى طاولات المقهى الشعبي بالشارع، مستريحًا على المقعد الخشبي، مانحًا لين مساحةً للأكل.

لم يلحظ حدقتي لين التي انتقلت بين كيس الطعام وبينه أثناء فتحها إياه.

أخذت لين الشطيرة، قضمت منها قضمة بالكاد تذكر، ثم قالت بدرامية مبتذلة:

"يا للهول! لقد أخطأ الرجل ووضع في الشطيرة تلك النكهة اللاذعة التي تفضلها أنت.. لا أحبها، ولن أتناولها."

رفع أحد حاجبيه باستنكار:

"هل وضع في باقي الشطائر؟"

فتحت لين الكيس الآخر من أجل تفقده، هازةً برأسها:

"لا، فقط الكيس الذي معك."

أوما برأسه وهو يعطي لها الشطيرة الأخرى، يستعد للنهوض:

"لا بأس، سأذهب لتبديلها."

اوقفته لين على الفور:

"لا يمكنك! لقد قضمت منها!"

استغرب حسن ولكنه أجزم أنه خطأ عادي.. استند على مقعده ليقرر تناول الشطيرة بالمستردة.

حصلت لين على الشطيرة الأخرى التي كانت في كيسه لتتفقدها، متابعةً طريقتها الدرامية:

"وانظر أيضًا؟ يبدو أنه أخطأ ووضع كذلك زبدة الفول السوداني بالشطيرة الأخرى."

هزّت بكتفيها بقلة حيلة مصطنعة:

"يبدو أني لن أتمكن من تناولها، ستضطر أنت لذلك."

ثبتت عينا حسن فجأة على خاصتيها، ومال برأسه مع ابتسامة جانبية متهكمة ارتسمت على محياه.

"هل الرجل هو مَن أخطأ؟"

اقتطعت لين قضمة كبيرة لتحشو بها فمها، متحاشيةً النظر إلى مقلتيه، تجيبه بفمٍ ممتلئ:

"لا أستطيع أن أجيبك، فمي مشغول."

"عنيدة خبيثة."

التقط حسن الشطيرة وهمّ بتناولها..

وما كانت إلا دقائق حتى توقف فمه عن المضغ..

فقد سمع اسمه يذكر في شاشة تلفاز المقهى، وعلى قناة الأخبار..

بمسمى مجرم هارب..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (47)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة