الساعة ٦:٤٥ صباحًا
تسلل ضوء الصباح الخافت عبر نوافذ الشقة المتواضعة حيث تسكن لين مع حسن. استيقظت لين بحماس لأول أيامها في سنتها الثالثة بالمدرسة؛ قامت بسحب كرسيٍ صغير للوقوف فوقه، ثم فتحت النافذة ليحل نسيم الصباح الباكر على أرجاء الغرفة.
استنشقت بعمق تلك النسمات العطرة لتملأ صدرها بالهواء البارد، حملقت في السماء بابتسامة ثم قالت:
"صباح الخير أمي... اليوم هو أول يومٍ بالمدرسة، سأجعلكِ فخورةً بي، وسأحتفل معكِ بنجاحي في نهاية الفصل الدراسي ككل عام... حتى وإن لم تكوني جواري."
ضمت يديها فوق صدرها من دون إخفاء ابتسامتها، وأكملت حديثها:
"أدعو الله كل ليلة بأن تكوني الآن مع جدي... سعيدة."
صدر صوت نداء مرتفع من خارج الغرفة:
"لين!"
نظرت لين نحو الباب ثم إلى السماء مجددًا:
"إنه حسن.. لم أخلع بيجامتي!"
قبل أن تغادر قالت بسعادة:
"نسيت إخباركِ أن حسن قد حصل على عملٍ أخيرًا.. وأيضًا.. أحبكِ."
أرسلت قبلة في الهواء ثم هبطت من فوق الكرسي راكضةً خارج الغرفة. قبل أن تتجه إلى الحمام لمحت حسن في غرفة المعيشة يتحدث عبر الهاتف، وقد ارتدى ملابسه بالفعل؛ سترة داكنة أسفلها قميصه الأسود المعتاد ذو الياقة العالية. كان يتحدث مع شركة الشحن التي تعاقد معها مؤخرًا:
"سأمر على المتجر لاستلام الطلب."
تحدث الطرف الآخر عبر الهاتف -والذي لم تميز لين كلماته- استمع له حسن ثم أجاب:
"حسنًا... أرسل لي العنوان وسأمر في غضون ساعة."
أنهى المكالمة ثم استدار نحو لين التي كانت تشاهده، حدَّق بتلك الصغيرة التي لازالت بملابس النوم ثم قال:
"الطفيلية لم تبدل ثيابها بعد؟"
عقدت ذراعيها وقالت بنبرة شابهت خاصته:
"وأنت لم تعد لي الإفطار."
هبط على الأريكة مريحًا إحدى ساقيه فوق الأخرى، وتحدث أثناء إخراج قداحته وسيارة من جيبه:
"أولًا، لا أجيد الطهي، وثانيًا، لن أنتظركِ حتى تبدلي ملابسكِ؛ فلدي عمل بعد قليل، وإن لم أركِ مستعدة في غضون ربع ساعة... مع الأسف سينتهي يومكِ الدراسي الأول قبل أن يبدأ."
تجمدت في مكانها بذعر من فكرة تفويت يومٍ دراسي، وخاصةً الأول! عاودت الابتسام بخبث لتقول:
"لكنني مستعدة بالفعل."
حدَّق فيها حسن بازدراء، بينما بدأت لين بخلع قميص بيجامتها ليظهر قميص المدرسة أسفله، ثم سروالها المنزلي الذي كان تحته البنطال الداكن المخصص للزي الموحد.
كاد حسن أن يبتسم لتذكره قيامه بتلك العادة في صغره حتى يحصل على دقائق إضافية للنوم.
أخرج سيجارته التي لم يشعلها بعد من بين شفتيه وهمَّ بالسؤال:
"ظننت الفتيات لا يفضلن الطرق المختصرة.. مَن علمكِ تلك الحيلة؟"
اتسعت ابتسامتها وقالت بخدين متوردين:
"إنه صديقي آسر... في أيام مبيتي أنا وأمي في منزل والدته خالتي منى، كنا نلهو سويًا حتى يتأخر الوقت، علَّمني تلك الطريقة حتى نعوض الوقت الذي سهرناه في المساء لننامه في الصباح."
لم يميز عقل حسن أيًا مما قالته..
فلقد توقف تركيزه في بداية حديثها عند ذكرها لكلمة "صديقي".
عقد حاجبيه ثم مال للأمام وسأل بنبرة مظلمة:
"من آسر؟"
لم تفهم لين سبب تغير نبرته المفاجئة، فأجابت بتردد:
"لقد قلت.. إنه صديقي.. من الريف، كنا نلـ.."
قاطعها بنبرة حاسمة:
"ليس صديقكِ.. زميلكِ، لا صداقة لكِ مع الفتيان."
ظهر الإحباط على وجه لين ثم حاولت التوضيح له فقالت:
"ليس زميلي، فهو يكبرني بعام، إنه صديقي."
"زميل."
"صديق."
"زميل."
ضربت لين قدمها بالأرض في عناد:
"لكن الصديق هو من يكونُ معك بالأزمات والفرح والحزن! وكان آسر دائمًا جواري عند حزني قبل فرحي، إنه لطيف!"
"أزمات وفرح وحزن؟ ترى ما أزماتكِ يا عقلة الإصبع؟ نسيتِ قراءة قصة ما قبل النوم؟"
انزعجت لين من استهوانه بمشاعرها، وحاولت إيضاح مدى لطفه فقالت:
"في العام الماضي، مات عصفوري الذي كنت أربيه.. جاء آسر إلى منزلي حتى يواسيني، ثم عانقني وأحضر لي الحلوى ثمـ.."
انتفض حسن واقفًا ليزمجر:
"عانقكِ؟!"
ابتعدت لين خطوتين للخلف فزعًا من ردة فعله، ثم تاهت كلماتها بعدما أدركت أنها زادت الأمر سوءًا بما تفوهت به.
قالت بتلعثم تصاحبه ابتسامة صغيرة مصطنعة:
"أتعلم ماذا؟... لا شهية لي للإفطار اليوم و... اممم... يا للهول أنظر كم الساعة؟! سأتأخر على مدرستي.. أقصد ستتأخر عن عملك!"
لم تنتظر رده؛ أسرعت قدماها كالعجلات نحو باب الشقة لتتهرب من الموقف وتنتظره بالخارج، تاركةً إياه في منتصف غرفة المعيشة بوجه ممتعض. تمتم لنفسه بانزعاجٍ لم يفهم سببه أثناء ضرب كفه بجبهته:
"اهدأ يا حسن.. ماذا بك؟!"
التقط أنفاسه ببطء مسيطرًا على أعصابه، ثم لحق بها للخارج؛ فقد تأخرا بالفعل.
***
الساعة ٧:٢٢ صباحًا
في دار رعاية الأيتام الخاص بالسيدة أفنان، جلس عمر على المقعد الجلدي أمامها في مكتبها حتى يراجع احتياجات الدار في حال نقصها شيء، كما أمره كمال.
قالت أفنان بعد ارتشاف قهوتها:
"لم يكن عليك إتعاب نفسك بالحضور.. رقم السيد كمال معنا بالفعل."
أراح عمر جسده على المقعد مجيبًا إياها:
"أنتِ تعلمين ذلك الرجل وضميره الحي؛ أخبرته بذلك بالفعل أمس لأجده يتصل بي في السادسة صباحًا يوبخني للحضور بنفسي."
قلد عمر صوت عمه ليقول:
"انهض لتفقد أحوالهم يا عديم المسؤولية."
ضحكت أفنان ثم ردت بامتنان:
"أفضاله علينا كثيرة حقًا، إنه رجلٌ صالح."
أومأ لها بابتسامة قبل أن يرتشف من قهوته. وضع الفنجان جانبًا ثم حدق في ساعته وقال:
"حسنًا، أظن أن عملي هنا قد انتهى وسأعود إلى فراشي."
اعتدل للنهوض بينما وقفت السيدة أفنان لتقول:
"اجلس قليلًا بعد، فلم تنهـ.."
قاطع جملتها طرق على الباب. سمحت أفنان للطارق بالدخول:
"ادخل."
فُتح الباب وقد وقع نظرُ عمر على تلك الشابة؛ فتاة بدت في أوائل العشرينيات من عمرها، متوسطة الطول، مرتديةً حجابًا أبيض اللون وفستانًا فضفاضًا بلونٍ سماوي مزخرف من الأطراف.
كانت ملامحها مريحة للنظر؛ عينان كهرمانيتان واسعتان، جاحظتان قليلًا برموشٍ طويلة برزت اتساع عيونها، كانت عيناها مسحوبتين بشكلٍ ملفت، بينما غطى النمش بعضًا من وجهها.
حملت تلك الشابة طفلة صغيرة نصف نائمة؛ "مرام"، الصغيرة التي هربت من الدار مسبقًا لتلحق بعمر. قالت الشابة:
"صباح الخير سيدة أفنان.. عذرًا على المقاطعة."
قالت أفنان:
"ليلى.. ألم تذهبي بعد؟!"
ردت ليلى بتنهيدة:
"لذلك جئتُ إليكِ؛ من المفترض أن أصطحب معي مصطفى ومرام للمدرسة كما وعدتهم.. ولكن مصطفى يرفض المغادرة من دون أن تودعيه بنفسك."
ضحكت أفنان:
"ذلك الصغير المدلل، سأذهب إليه."
نظرت أفنان إلى عمر الذي كانت عيناه لا تزالان على ليلى، حمحمت أفنان ليلتفت إليها وقالت:
"عذرًا حقًا سيد عمر لتلك الفوضى، سأذهب لتفقد الصبي، كنت تريدُ المغادرة صحيح؟"
حدَّق عمر بأفنان ثم ليلى ثم إلى أفنان مجددًا:
"آه... سأكمل قهوتي وأغادر، لا تعيري لي همًا."
حدقت به أفنان بازدراء لتغيير رأيه المفاجئ:
"أخاف أن يكون لديك عملٌ مهم."
عاود عمر الجلوس على المقعد وقال:
"لا، أنا اليوم متفرغٌ تمامًا، كما أن القهوة هنا لذيذة للغاية."
عاودت عيناه التحديق بالشابة على الباب والتي لم تعره أي انتباه. كتمت أفنان ابتسامتها ثم استأذنت لتغادر المكتب. كانت ليلى لتلحق بها لولا استيقاظ الصغيرة مرام لسماعها صوت عمر؛ رفعت الصغيرة رأسها من كتف ليلى وتحدثت بصوتٍ ناعس:
"اممم... أين نحن؟"
ابتسمت ليلى وقبل أن ترد عليها، هتفت مرام بسعادة فور وقوع ناظريها على عمر:
"عمر!"
انزلقت مرام من بين ذراعي ليلى لتركض نحو عمر وتحاوط خصره بذراعيها في عناقٍ دافئ.
لحقتها ليلى إلى داخل المكتب لتناديها:
"مرام تعالي إلى هنا!"
ضحك عمر وقام بحمل مرام التي تذكرها على الفور:
"الصغيرة الهاربة اشتاقت إلى عمر؟"
انغلق ذراعا مرام حول رقبة عمر ثم أسندت خدها فوق كتفه:
"مرام تحب عمر."
توقفت ليلى في منتصف الطريق بتذبذبٍ لما يجب فعله. عاود عمر التحديق نحو الشابة ثم نهض واقفًا بينما لا تزال مرام بين ذراعيه، وقال موجهًا حديثه إلى ليلى:
"أظن أنها تحبني أكثر منكِ، صحيح؟"
تركت ليلى سؤاله معلقًا في الهواء، ثم حدثت مرام بنبرة حازمة قليلًا:
"مرام، هيا يا عزيزتي سنتأخر على المدرسة."
ردت مرام بصوت ناعس:
"اتركيني قليلًا، لم يأتِ مصطفى بعد."
رد عمر هو الآخر متحدثًا بنفس أسلوب مرام الطفولي:
"هذا صحيح.. اتركيها قليلًا، لم يأتِ مصطفى بعد."
تعجبت ليلى من راحة ذلك الغريب في الحديث معها رغم أنه لم يقابلها سوى منذ لحظات، تجاهلته مجددًا عاقدةً ذراعيها.
لاحظ عمر ذلك التجاهل، حمحم ثم عدَّل وضعية مرام لتكون على ذراعٍ واحد، ومد ذراعه الآخر فاتحًا كفَّه للمصافحة، ابتسم ثم قال:
"ليلى صحيح؟ لم أعرف عن نفسي؛ عمر... عمر أحمد سعد الله، رجل أعمال."
حملقت فيه ثم في يده الممتدة أمامها، رفعت أحد حاجبيها لتجيبه بازدراء:
"معذرةً؟"
رفعت مرام رأسها من فوق كتفه لتنظر بينهما وقالت لعمر:
"أستاذة ليلى لا تصافح الرجال."
شعر عمر بالإحراج يصفعه، أغلق كفه سريعًا ثم حرك يده نحو مؤخرة رأسه:
"أوه... اممم، أعتذر لم أكن أعرف."
نظرت ليلى في ساعتها ثم قالت لعمر بنبرة حازمة ولكن متزنة:
"عذرًا يا سيد، ألم تكن ستنهي قهوتك وتغادر؟"
"لن أغادر قبل أن أودع السيدة أفنان بنفسي؛ مصطفى ليس أفضل مني في شيء."
ضغطت ليلى على جسر أنفها في نفاذ صبر، ثم قالت بنبرة أقل حزمًا لمرام:
"مرام، ألن تأتي للأستاذة ليلى؟ ألا تحبين الأستاذة ليلى؟"
نظرت مرام إليها لبرهة ثم مدت ذراعيها نحوها مجيبةً إياها بصوتٍ لطيف:
"مرام تحب الأستاذة ليلى."
اقتربت ليلى ثم تناولت مرام سريعًا من بين ذراعي عمر الذي سأل بفضول تصحبه ابتسامة صغيرة:
"أستاذة؟ أأنتِ معلمة؟"
ردت مرام بصوتها الصغير:
"أستاذة ليلى تدرسني اللغة العربية بالمدرسة."
أومأ عمر بابتسامة جانبية:
"هكذا إذًا."
لم يعجب ليلى الموقف ولم يعجبها عمر شخصيًا، فقالت لمرام:
"حسنًا يا مرام هذا يكفي، هيا لننتظر مصطفى بالخارج."
استدارت ليلى سريعًا للتوجه إلى الخارج مع مرام، بينما لوحت له الصغيرة أثناء المغادرة من فوق كتف ليلى. رفع يده هو الآخر ليلوح ببطء، وقد تسارعت ضربات قلبه بشكل ملحوظ؛ تحرك نحو الباب ملاحقًا بعينيه ليلى حتى اختفت عن منظوره.
***
كانت دراجة حسن النارية مركونة أمام أحد المطاعم الصغيرة حتى يطلب طعام الإفطار للين التي "أكلت رأسه" طوال الطريق بأن معدتها تزقزق. ترك حسن لين على الدراجة محتضنةً حقيبتها الصفراء.
مدَّ حسن المال للرجل وقال:
"السلام عليكم، أريد ثلاث شطائر للإفطار."
رد الرجل السلام ثم تناول المال منه سائلًا:
"شطائر ماذا بالضبط؟ مربى.. جبن.. بيض؟"
تردد حسن قليلًا، فهو لم يلاحظ نفور لين تجاه أي طعامٍ قط فيما عدا التوت الذي شابهته في كرهه له.
هز كتفيه ثم أجاب الرجل:
"لا أدري، فقط طعامٌ مناسبٌ لطفلة في التاسعة."
أومأ له الرجل ثم بدأ في تحضير الشطائر.
مرت دقائق ثم ناوله الرجل الكيس، به ثلاث شطائر في خبزٍ ساخن. أخذه حسن ثم توجه إلى الدراجة؛ ظهرت السعادة على وجه لين فور رؤيتها لكيس الطعام يقترب، صفقت بحماس ثم انتشلت منه الكيس الورقي.
قال حسن بتعجب:
"على رسلكِ، هل خرجتِ للتو من مجاعة؟"
أجابت لين أثناء فتحها للكيس:
"لا أجيد التركيز في دروسي وأنا أتضور جوعًا، كما أنك لم تعد لي طعام الإفطار."
التقطت أول شطيرة والتي لاحظ حسن فورًا المكتوب على ورقتها. كيف نسي هذا؟! فتحت لين فمها لتناولها لكن حسن انتشلها سريعًا قبل أن تقضم منها. قالت بانزعاج:
"هاي! كنت أتناول هذا."
عض حسن على شفته ثم أراها الغلاف لتقرأه:
_ شطيرة زبدة فول سوداني _
حملقت لين في الغلاف ثم في حسن وقالت:
"لمَ أحضرتـ.."
قاطعها وقال:
"لم أحضرها بالطبع، نسيت حساسيتكِ وأخبرته بأن يصنع شطائر عشوائية."
انتشل الكيس من بين يديها لتفقده.
شطيرة مربى الفراولة.
شطيرة جبن مع شرائح خيار.
آمن.
ناولها الكيس مجددًا بينما تناول هو شطيرة زبدة الفول على قضمتين. استمتعت لين بتناول شطيرة الجبن بالخيار، مدت يدها له ممسكةً بالشطيرة:
"أحب الخيار، أتتذوق؟"
حدَّق بها ثم في الشطيرة، هزت يدها كإشارة إليه. اقترب وقضم منها. ابتسمت لتسأل:
"كيف هي؟"
ابتلع القضمة ليقول:
"مع زبدة الفول السوداني في فمي؟ مريعة."
كتمت ضحكتها حتى لا تختنق بالطعام في حلقها. وضعت شطيرة مربى الفراولة بحقيبتها لتناولها في استراحة المدرسة. صعد حسن على الدراجة ثم أغلق خوذة لين من الأمام، تشبثت به أثناء تشغيله للمحرك لتنطلق الدراجة سريعًا وسط قهقهتها بحماس من زيادة السرعة.
***
الساعة ٧:٤٩ صباحًا
توقفت دراجة حسن أخيرًا أمام مدخل المدرسة.
نزل هو أولًا ثم قام بإنزال لين من بعده. نزعت خوذتها من على رأسها بينما لاحظت نظرات الطلاب بإعجاب تجاه خوذتها والدراجة النارية السوداء. نظر حسن في ساعته ثم قال:
"أمامكِ تقريبًا عشر دقائق قبل بدء حصتكِ الأولى، بعد انتهاء اليوم سوف أستقلكِ للعودة إلى المنزل."
ضربت إحدى قدميها بالأرض رافعة يدها في تحية عسكرية لتقول في جدية مصطنعة:
"مفهوم كابتن حسن... أقصد كابتن والدي... كابتن حسن والدي!"
قبل أن تتجه للداخل أمسك بكتفها ليعيدها للوراء:
"ليس بهذه السرعة أيتها الآنسة."
عادت بخطواتها للوراء وقالت على الفور:
"لم أكن أنا من تناول شطيرة التونة أمس.. لقد سرقتها قطة الجيران!"
قطب حاجبيه بغير فهم:
"ماذا؟... عما تتحدثين؟!"
استوعبت أنه لم يوقفها ليسأل عن الشطيرة التي أكلتها بعدما استيقظت جائعة في منتصف الليل. اصطنعت ابتسامة صغيرة وقالت:
"أكنت تقول شيئًا؟"
ضغط على جسر أنفه، تنهد قبل أن يهبط إلى طولها ثم قال:
"تتذكرين قواعدنا اللطيفة قبل الذهاب إلى أي مكان؟"
قطبت حاجبيها لتسأل:
"كقواعد يوم شراء مستلزمات المدرسة؟"
أومأ لها:
"بالضبط كقواعد يوم أدوات المدرسة."
رفع أصابعه ليعد:
"أولًا، لا أريد شكوى منكِ؛ في حال أي شكوى تصدر عنكِ... لن أوصلكِ إلى المدرسة ولن أهتم من الأساس في حال عدم ذهابكِ إطلاقًا."
ازدردت لعابها لتومئ له.
تابع حديثه أثناء رفع ثاني إصبع:
"جيد.. ثانيًا لا تحدثي الغرباء ولا تأخذي أي شيء من أي أحد، لن يصطحبكِ أحدٌ من المدرسة سواي، وفي حال أرسلتُ سالم، فسأبلغكِ قبلًا، مفهوم؟"
أومأت له:
"مفهوم."
رفع إصبعه الثالث:
"ثالثًا وأخيرًا، لا حديث لكِ مع الفتيان؛ لا صديق ولا زميل."
"ولا حتى زميل؟"
"لقد ذكرتُ ذلك بالفعل."
"ماذا إن احتاج للمساعدة؟"
"هناك فتيان يمكنهم مساعدته."
"ماذا إن لم يكن؟"
"لماذا لن يكون؟! إنها مدرسة."
"ماذا لوـ"
أوقفها أخيرًا:
"لين!"
اعتدلت مستقيمة في لحظة من نبرته الحازمة ثم قالت:
"حسنًا لن أتحدث معهم! كان آسر صديقي الوحيد على أي حال."
أزعجه ذكر ذلك الصبي مجددًا لسبب يجهله:
"أيًا كان ذاك الفتى لا تقولي صديقي، ولا تسمحي لأحدٍ بأن يعانقكِ!"
مطت شفتيها وقالت بتملق:
"لكن العناق شيءٌ لطيف."
قال بغيظ مكبوت:
"لا، ليس كذلك؛ فأنتِ لا تعلمين نوايا الفتيان."
أمالت رأسها بغير فهم. استوعب أنها في التاسعة من عمرها وذاك الصبي الذي تتحدث عنه لا يكبرها سوى بعام، وهو؟
كان يحدثها كشخصٍ راشد، فهو كثيرًا ما ينسى أنها مجرد طفلة في النهاية. اعتدل واقفًا، تسللت أصابعه بين خصلات شعره الداكن مزيحًا إياه للخلف ثم قال:
"فقط... اسمعي ما قلت؛ لا حديث مع الفتيان، مفهوم؟"
أومأت له أخيرًا:
"حسنًا مفهوم."
حدق في ساعته ثم قال:
"لدي طلبات يجب علي توصيلها، سأنتهي عند الظهيرة ولن أتأخر.. انتظريني عند مدخل المدرسة من الداخل."
أراحت رأسها للخلف في ضجر ثم تذمرت قائلة:
"قواعد قواعد وأوامر... هل يمكنني الدخول؟ لن ألحق بالصفوف الأولى في الفصل على تلك الوتيرة."
أومأ لها:
"يمكنكِ الذهاب."
دون أن تنبس بكلمة أخرى، ركضت سريعًا للداخل بينما قام هو بركوب دراجته وارتداء الخوذة أثناء تمتمته لنفسه بانزعاج:
"ذلك الفتى... وتقول عنه صديقي... عانقها؟!"
تحرك بدراجته منطلقًا بها لاستلام الطلبات وتوصيلها إلى أصحابها في وظيفته الجديدة.
***
الساعة ٨:٠٢ صباحًا
سارت لين بين الممرات التي زُينت بحروفٍ وأرقامٍ ملونة باحثةً عن فصلها، بينما كانت يداها محكمتي الغلق على حقيبة ظهرها الصفراء التي ترتديها. وجدته أخيرًا ثم دفعت الباب للدخول.. كانت الصفوف قد امتلأت بالطلاب بالفعل؛ هذه مع صديقتها وذاك مع رفيقه. وجدت مقعدًا شاغرًا بمنتصف الفصل على اليمين، جلست فيه ثم أخرجت كتاب الرياضيات؛ فهي الحصة الأولى كما هو مذكورٌ بالجدول.
بدأت في حل مسائل الدرس الذي سوف يتم شرحه اليوم؛ تتحرك عيناها سريعًا في حساب أرقامٍ غير مرئية تزامنًا مع حركة أصابعها، لتقوم بعدها بكتابة الإجابة بلا تردد.
دلف معلم الرياضيات والذي قام بالتعريف عن نفسه وبدأ بالشرح مع وضع أمثلة للحل:
"هل يمكن لأحدكم حل تلك المعادلة البسيطة؟"
تحركت عينا الأستاذ بين الطلبة حتى وقعت نظراته على لين التي كان ذراعها ممتدًا لأعلى بحماس. أشار لها الأستاذ بحاجبيه:
"تفضلي، ما اسمكِ؟"
وقفت لترد بابتسامة:
"لين حسن."
أومأ لها الأستاذ:
"تفضلي يا لين."
أجابت بثقة:
"الإجابة ستكون (ج)."
أومأ لها الأستاذ:
"أحسنتِ يا لين، كما قالت زميلتـ.."
قاطعته لين مكملة:
"السؤال الثاني (أ)، الثالث (د)، الرابع والخامس (ج)."
حدَّق بها الجميع في ذهول بما فيهم المعلم؛ فهو قد اختلق تلك الأمثلة لتوه، أي أنها لم تكن بالكتاب لتعد إجاباتها مسبقًا. رمش المعلم بانبهار ثم قال:
"هل تعلمتِ ذلك الدرس مسبقًا يا لين؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"أنا في صف الرياضيات المتقدمة بجانب الأساسية... أحب الحساب."
هز المعلم رأسه بإعجاب ثم سمح لها بالجلوس. صدرت أصوات همس من أحد الطلاب محدثًا صديقه بسخرية:
"يسكنها شبح الرياضيات... لقد رأيتها تحرك عينيها وأصابعها كالمشعوذات."
وصلت أصوات ضحكهم إلى لين التي بهت حماس عينيها واختفت ابتسامتها تدريجيًا.
رفعت رأسها نحو الصبي الذي قام بالتنمر عليها..
كان مقعده في منتصف الفصل موازيًا لمقعد لين؛ نظرت في عينيه وقالت بنبرة يكسوها الغيظ مع عبوس حاجبيها:
"لستَ لطيفًا، لا شأن لك بي."
حدَّق الصبي بها بسخرية لتجرئها على الحديث معه بتلك النبرة، ألقى نظرة نحو الأستاذ الذي كان يتابع الشرح ثم عاود النظر إلى لين؛ قام بوغز صديقه أمامه الذي ابتسم بسخرية هو الآخر، بدأ كلاهما في تحريك فمهما بكلمة واضحة للقراءة على الشفتين:
"مشعوذة".
تسارعت أنفاس لين واحمر وجهها كاتمةً بكاءها، ثم وبدون سابق إنذار، ارتفع صوتها دون أن تشعر لتصرخ:
"لا شأن لك بي!"
التفت الصف بأكمله نحو لين بما فيهم المعلم الذي توقف عن الشرح وقال بنبرة جادة:
"لين.. قفي."
أطاعته ووقفت بينما لا يزال وجهها يغزوه الحمرة، أشارت نحو الصبي وقالت:
"هو مَن بدأ ونعتني بالمشعوذة."
كتم بعض الطلاب ضحكاتهم، أخرسهم الأستاذ بنبرة حازمة:
"هدوء!"
أشار نحو الفتى بعينيه وقال: "مالك.. قف أنت الآخر."
وقف مالك بينما حلَّت على ملامحه نظرات بريئة:
"لم أقل شيئًا يا أستاذ وإلا لكنت سمعتني."
شارك صديقه هو الآخر في الحوار:
"لم يقل شيئًا يا أستاذ، وفي الحقيقة؟ هي من نعتتنا بالغبيين بعدما أجابت عن أمثلتك."
صرخت لين:
"هذان الشريران.. كاذبان!"
ضحك بعض الطلبة لوصف مالك بالشرير ووصفه لها بالمشعوذة وكأنهما في رواية أسطورية. استشاط مالك غضبًا لم يظهر أيٌ منه على تعابير وجهه الذي حافظ على براءته.
كرر الأستاذ بنبرة أكثر حزمًا:
"هدوء!"
التفت ثلاثتهم للمعلم الذي تابع الكلام موجهًا حديثه إلى لين أولًا:
"أنا لا أسمح لأحدٍ بأن يرفع صوته خلال حصتي، تفوقكِ الدراسي لا يعني انعدام حسن السلوك."
قالت لين بصوت مرتجف: "لكنـ.."
"لم أنهِ كلامي..
إذا كان قد ضايقكِ فيمكنكِ إبلاغي بعد الحصة، لا أن تقاطعي الشرح عن زملائكِ."
نشقت لين بأنفها مطأطأة رأسها. تابع المعلم:
"وأنت يا مالك... لا أريد شكاوى وسأكتفي بتحذيرك معها، المرة القادمة سأخصم من درجات سلوككما.. تفضلا بالجلوس."
جلس كلاهما ثم تابع المعلم الشرح. وقعت نظرات لين على مالك الذي نظر إليها بنظراتٍ متوعدة محركًا فمه بجملة:
"انتظريني بعد انتهاء اليوم."
تسارعت ضربات قلب لين ثم عاودت النظر في الكتاب متذكرة كلمات حسن لها وتحذيره إياها من صدور أي شكوى عنها، مما جعلها تلتزم الصمت..
كالعادة..
التزام الصمت.
شعرت بغصة مؤلمة في حلقها، تلك الغصة أجبرتها على البقاء ساكنة؛ فإن تحدثت ستنفجر بالبكاء، همست بصوت خافت محدثةً نفسها:
"ليس عدلًا."
انتهت حصة الرياضيات، ثم حصة بعد الأخرى حتى بدأت الحصة الأخيرة.. حصة اللغة العربية.
دلفت المعلمة إلى الداخل؛ كانت صغيرةً في السن مقارنة ببقية المعلمين، حديثة التخرج..
همَّت بالتعريف عن نفسها بنبرةٍ متزنة وابتسامة رقيقة لم تفارق شفتيها:
"السلام عليكم، أنا الأستاذة ليلى... معلمة اللغة العربية لهذا العام، سيكون عامًا ممتعًا بإذن الله وسنستمتع به كثيرًا، كما أنني أريد حفظ أسمائكم جميعًا حتى نصبح أصدقاء مقربين.. ما رأيكم؟"
مسحت لين دموعها سريعًا قبل أن تسقط حتى تتابع سماع الشرح لتلك الأستاذة اللطيفة، وسرعان ما استعادت تركيزها بسبب طريقة المعلمة المميزة تجاه الصغار وأسلوبها المختلف في الشرح مما جعل الجميع ينصت لكل كلمة تقولها.
الساعة ٢:٠٥ ظهرًا
كان عمر على مكتبه أمام حاسوبه الذي من المفترض أن ينهي عليه بعض الأعمال؛ فالشركة لديها مشاكل بالتسويق لمنتجاتها ولديه الكثير من الاجتماعات بشأن ذلك الأمر.. ولكن شروده جعله كالغائب عن العالم، تابعت أصابعه الطرق فوق المكتب بحركاتٍ متتابعة..
قهوته تركت جانبًا حتى بردت. لم يتوقف رأسه عن التفكير في تلك الشابة ذات عيني المها؛ هو نفسه لم يفهم لمَ تلك الفتاة بالذات؟
فقد عاش خارج البلاد فترة ليست بقصيرة حيث تحتم عليه طبيعة عمله، وقابل من الشابات مَن هن أجمل منها وأعلى مستوى.
لم يكن عمر من النوع المتلاعب بالفتيات أو يسعى للتسلية، ولكن علاقاته -رغم كثرتها- لم تكن تكتمل لأسبابٍ مختلفة.
نظر نحو معصمه حيث من المفترض أن تكون ساعته الباهظة موجودة. ابتسم بثقة مستريحًا على مقعده الجلدي؛ فقد تركها متعمدًا في مكتب السيدة أفنان حتى يعاود الزيارة غدًا بحجة نسيانه إياها، فقط لرؤية ليلى وربما معرفتها بشكل أوضح، أو على الأقل معرفة أين تعمل..
فلم يكترث لصدها له اليوم، بل اعتبره تحديًا. حدق إلى الحلوى المغلفة على جانب مكتبه؛ فقد وضع خطة بديلة في حال رفضته مجددًا.
***
انتهى اليوم الدراسي ولم يرتح رأس لين من كثرة التفكير؛ ظلت الأفكار تتضارب بأحداثٍ سوداوية:
ماذا سأفعل إن ضايقني مالك؟
سيخيب أمل حسن بي من اليوم الأول.. لن يوصلني للمدرسة، ولن يتحدث معي وسيكرهني، أو... أو الأسوأ! ماذا إن أراد إرسالي لدار الرعاية مجددًا؟!
"مرحبًا... هاي."
رفعت لين رأسها لذلك الصوت الذي اخترق منتصف شرودها.
ليلى.
كانت تلوح لها أثناء لملمة أشيائها للمغادرة، قالت ليلى ممازحةً لين:
"هل أنتِ حارسة الفصل حتى عودة الطلاب؟"
رمشت لين عدة مرات ثم استوعبت مغادرة جميع مَن في الفصل ولم يبقَ سواها هي والمعلمة. لاحظت ليلى عدم ابتسام لين لما قالت، تركت حقيبتها ثم توجهت نحو تلك الصغيرة لتجلس في المقعد أمامها ملاحظةً شرودها:
"كنت أمزح.. تدركين ذلك؟"
حاولت لين الابتسام بينما لاحظت ليلى تعابير وجهها المشدودة قليلًا، فقامت بسؤالها بقلقٍ طفيف:
"أأنتِ بخير؟ هل تشعرين بالمرض؟ أأتصل بوالديكِ؟"
غمر لطف تلك المعلمة قلب لين، قالت بصوتٍ مبحوح:
"لا، أنا بخير... حسـ.. والدي ينتظرني بالخارج.. سوف يستقلني للبيت."
عبثت لين بطرف قميصها، أرادت إخبارها بشأن مالك..
"أستاذة ليلى.."
لاحظت ليلى ذبذبتها وتشتتها فيما تريد قوله، فالتزمت الصمت حتى تمنحها وقتًا للبوح بما تريد.
تنهدت لين ثم قالت:
".. فقط أردت إخباركِ بأني أحببتكِ وأعجبني شرحكِ."
حدَّقت بها المعلمة لبرهة؛ شعرت بأن ذلك لم يكن ما أرادت قوله، لكنها ابتسمت على أي حال ومسدت على شعرها بلطف:
"وأنا أحببتكِ كذلك."
أزاحت يدها من شعر لين ثم أمسكت بكتابها لتقرأ اسمها على الغلاف. وضعت الكتاب جانبًا وقالت:
"حسنًا يا لين... إن كانت هناك مشكلة تريدين مشاركتي بها فأنا موجودة، ولا تقلقي أنا كاتمة أسرار ممتازة ويقولون إنني أجيد حل المشاكل، ما رأيكِ؟ رقمي كتبته لكم على اللوح هناك في حال واجهتكم مشاكل أو تجدون صعوبة بالدروس، أي مشكلة.. اتصلي بي بلا تردد، اتفقنا؟"
قرأت لين الرقم وحفظته على الفور، ابتسمت حقًا وأومأت لها بامتنان:
"اتفقنا."
لملمت لين أغراضها هي الأخرى لتغادر الفصل مع المعلمة.. في اللحظة التي سارت بها لين باتجاهٍ معاكسٍ لليلى وافترقت عن طريقها، أسرعت خطواتها في الممر حتى لا تضطر للخوض في مشكلة مع مالك. تحولت خطواتها السريعة إلى ركض في اللحظة التي لمحت بها باب الخروج من الممر الذي يعقبه باب المبنى.. وقبل أن تصل.. عرقلها شيءٌ ما لتسقط أرضًا بقوة؛ ساق شخصٍ ما كانت ممتدة. شعرت بانتشار الألم في ركبتيها يلذع إثر الاحتكاك بالأرض.
"أتعلمين أنه لم يتجرأ أحدٌ من قبل على الحديث معي بتلك النبرة أيتها المشعوذة؟"
رفعت لين رأسها ببطء لتجد مالك أمامها عاقدًا ذراعيه وبجواره صديقه مع ابتسامة خبيثة تعلو شفتيهما.
Hana Elahmar