نُزُل

نُزُل

1 0

"أمي إلى أين أنتِ ذاهبة..؟"

قالها حسن بعيونٍ ناعسة ملأها التساؤل وهو يشاهد أمه تجر حقيبة ملابسها خلفها نحو باب المنزل.. بعدما أستيقظ بمنتصف الليل على صوت صراخها مع والده.

لم تجبه، ولم تلتفت..

ركض نحوها ليشد على تلابيب ملابسها بعدما تمنعت من النظر نحوه:

"هل خاصمتني لأني لم أكمل طعامي..؟ سأكمله إذًا.."

تنهدت سهير وهي تسحب ملابسها من يده:

"أذهب إلى والدك يا حسن."

"أبي سيصرخ بي إن علم أني لم أحسن التصرف.. خذيني معكِ.."

رمشت سهير عدة مرات وهي تمنع وجهها من الانكسار، تتمالك ما بها من عزم حتى لا تتراجع عن قرار قد اتُخِذ بالفعل.

حوّلت بصرها نحو تينك العسليتين الدامعتين، وهو يشد حقيبتها حتى لا تغادر وتتركه.

قالت وهي تبعد يده عن مقبض حقيبتها:

"لا يمكنني البقاء هنا بعد الآن، هذا البيت لم يعد منزلي."

هز حسن برأسه مرارًا وعقله الصغير لا يفهم ما يدور حوله.

لا يفهم مفهوم كلمة الانفصال والطلاق.

ولا يستوعب معنى أن تغادر والدته من دونه.

مط حسن شفته المرتعشة وهو يتذمر باكيًا:

"لا يمكنكِ المغادرة وحدك.. رحلت الشمس منذ ساعات!"

هرول حسن لالتقاط ألعابه ضامًا إياها إلى صدره، ثم أخذ حذائه متجهًا إليها وهو لا يزال برداء النوم.

"أحضرت أغراضي مثلك.. سأذهب معكِ واحميكِ."

"لن تذهب إلى أي مكان يا حسن."

التفت حسن بغتة إلى صوت والده الجهوري..

اقترب عبد السلام من كليهما، وعيناه لا تفارقان سُهير، يحدق بها بملامح مشدودة مردفًا:

"أمك لن تعيش هنا بعد الآن، هي مَن اختارت.. وهي مَن تريد ذلك."

ذبلت ملامح حسن وأسقط العابه ليتشبث بأمه متوسلًا:

"سأحسن التصرف.. لا تغضبي مني وتتركيني.."

لم تخفض سهير نظراتها عن عبد السلام، مجيبةً كلماته بهمسٍ حازم:

"أنت السبب في هذا."

عقد عبد السلام ذراعيه رادًا بجمود:

"أنتِ من اختار يا سهير.. أنتِ حرة الآن."

فتح كفيه أمامها مسترسلًا:

"يمكنكِ عيش حياتك بلا قيد، أليس ذلك ما أردته؟ ألم تريدي الابتعاد عن البيت الذي يخنقكِ تحكماته؟ إذًا ابتعدي عنه بأكمله ولا شأن لكِ بحسن بعد الآن."

صمتت سهير وهي ترمقه بنظراتٍ متقززة..

فقد كان شرطه لانفصاله عنها، هو أن تترك صغيرها وتغادر.. 

رفضت بالبداية، ولكن بعدما لم تطق التواجد مع عبد السلام في بيت واحد أكثر من ذلك.

وافقت على شرطه..

هبطت مقلتيها إلى حسن الذي لم يتوقف عن النحيب حتى بللت دموعه ملابسها:

"سأذاكر وأقول حاضر.. سأنظف غرفتي بنفسي.. ارجوكِ لا تتركيني.."

هبطت إلى مستواه لتطوق وجهه بكفيها، وقد ابتل إثر الدموع، وكساه الزهر من شدة البكاء.

تفرسّت ملامحه ببطء، تطبع كل جزء فيه داخلها..

أبعدت شعره عن جبهته بكفها ومسحت دموعه أثناء نشقات أنفه، لتقول بحزم مصطنع:

"أنت قوي.. وكبير.. تستطيع تولي أمورك وحدك الآن، وأنا لم اتركك مع غرباء لتخاف، أنت مع والدك."

نوبة بكاء أخرى ألمّت به قبل أن يرتمي في حضنها، مطوقًا رقبتها بذراعيه:

"ماذا فعلت أنا..؟ أنا آسف.. أنا آسف إن أخطأت.. لا تغادري.."

فرّت دمعة يتيمة من عين سهير..

على أتّم اليقين أنها إن عانقته وانهارت، ستتراجع عن قرارها الذي حسمته.

رفعت كفيها لتكتفي بالتربيت على ظهره:

"ستكون بخير يا حسن.."

استقامت سهير بعدما أبعدت ذراعيه اللتين كانتا كالقفل حولها، يرفض تركها.

عدّلت ملابسها، وامسكت بحقيبتها لتجرها دون النظر خلفها..

احس حسن بيدي والده تستقر على كتفيه ليمنعه من اللحاق بها..

تمكنت شهقاته من سرقة أنفاسه، وصرخت حنجرته بعويل ونحيب من مجردة فكرة منزلٍ لا تتواجد فيه أمه..

"أمي.."

راقبها وهي تفتح الباب جارةً حقيبتها خلفها، لتختفي في ظلام الليل، مغلقةّ الباب بطرقة قوية..

باب.. أغلقت معه باب قلبها، وقلب ابنها.. وآخر فرصة قد تجمعها به.

***

"جدتي حية؟!"

اتسعت عينا لين فورما قالت سهير جملتها.

أجبرت سُهير شفتيها على الابتسام من وقع الكلمة، مدركة ما أوصله حسن إلى ابنته عنها.

لكنها لم تتوقع غير ذلك.. أجابت ببساطة:

"نعم أنا كذلك.."

حوّلت لين بصرها إلى حسن الذي آثر الصمت.. واشتدت قبضته على معصم لين.. 

لم يتمنَ لقاءها، أو أن تراها ابنته يومًا..

التفتت لين برأسها نحوه باستغراب لعدم تفاجؤه، ثم عادت لتحدق في سهير بابتسامة خجولة ومترددة، لتهمس بصوت مليء بالفضول والحماس لمقابلة جدتها:

"أبي.. هل هذه.. هل هذه حقاً..؟"

"لا، لقد أخطأنا العنوان.. سنغادر."

قالها حسن ببرود خالص.. 

وقبل أن يستدير ليرحل، اقتطعت سهير المسافة بينهما بمشاعر أمٍ أكل الشوق قلبها عقودًا. 

مدت كفها المرتجفة نحو وجه حسن، تريد لمس خده وإزالة لثام وجهه حتى يتسنى لها إشباع عينيها بملامحه..

"حسن.. بني—"

​لكن حسن تراجع للخلف بخطوة عنيفة، كمن تفادى نارًا تحرقه. 

"لا تتفوهي بهذا الاسم.. ولا تقتربي مني."

زادت شدة قبضته على لين حتى آلمتها مردفًا دون ببساطة رفع صوته:

"سنغادر."

تدخلت لين بملامح مشدودة من الخلط والذهول، وهي تقاوم جذبه لها:

"لكن.. هي تقول أنها جدتي! وأليست والدتك..؟!"

فتح حسن الباب ولين معه.. قبضت سهير على ذراعه لمنعه متوسلةً:

​"لقد رأيت النشرة... ارجوك يا حسن، على الأقل ادخل لتبحث عن مأمن لك ولابنتك، لا تكن قاسيًا هكذا…"

انتزع حسن ذراعه بعدم اكتراث، ملقيًا كلماته:

"لا أم لي، ولا ابن لكِ."

"حسن..."

أغلق حسن الباب من خلفه بضربة قوية..

انسالت دموعها وهي ترى ابنها غير آبهٍ بتوسلاتها ولا حنينها إليه، تمامًا كما فعلت هي به قبل عقود.

مسحت سهير دموعها بظهر يدها دون انتظار ثانية، فإن كان عنيدًا فلن يتخطى عنادها.

هرعت إلى خادمتها تناديها، لتأتي على الفور:

"سيدتي..؟"

"أين حسام؟!"

استغربت الخادمة من عجلة حديثها وسؤالها عن حارس المنزل، فتلعثمت كلماتها:

"غادر منذ قليل.. ألم.. ألم تمنحيه إجازة منذ قليل..؟"

هزت سهير رأسها سريعًا لتقول بحزم:

"لن يكون قد ابتعد كثيرًا، اتصلي به.. وأخبريه أن يحضر حالًا ليفعل ما سوف أخبره به!"

***

كان حسن يجر لين خلفه بسرعة جعلت الصغيرة تترنح في مشيتها، محاولةً مجاراة خطواته المسرعة..​

تسلل صوت لين محملاً بالدهشة وبقايا الأسئلة التي لم تجد إجابة في عقلها:

"لمَ فعلت ذلك؟ ألم تقل إنها جدتي؟ لماذا تركتها تقف هكذا وتبكي..؟"

شدّ حسن على معصمها أكثر بقوة جعلتها تتأوه، ولم يلتفت إليها، مردفًا بصوت حاد:

"اطبقي على فمكِ قليلًا وتابعي السير."

​ارتدّت كلماته كضربة على قلبها. 

انكمشت لين على نفسها، وابتلعت بقية أسئلتها بوجع وخوف، ممزوجين بنظرات حائرة، قبل أن تطبق شفتيها تمامًا مذعنة لأمره، عاجزة عن فهم هذا الجليد الذي كسا قلبه فجأة.

***

الساعة ٢:٠٩ صباحًا.

هناك.. حيث تنتهي رفاهية الطرق الممهدة وتتحول الشوارع إلى أزقة ضيقة مظلمة وموحلة، وتكتظ المباني بكتل خرسانية عشوائية متآكلة تكاد تلتصق ببعضها البعض كأنها تتهادت تحت وطأة الفقر والإهمال. 

كانت هذه البقعة سجناً كبيراً لمن لا قانون يحكمهم، ولا رقيب يردعهم؛ تضج بالوجوه المريبة التي تتوارى خلف زوايا المتاجر المغلقة، في منطقة عشوائية غير مأهولة بالأمان. 

هنا، لا أحد يكترث بالشرطة ولا بالنشرات الإخبارية، ولا أحد يسأل غريباً عن اسمه أو هويته؛ فالكل مشغول بسترة عيوبه والنجاة بجلده في هذا المستنقع المظلم.

لم تتفوه لين ببنت شفة مذ أن أمرها بالصمت، مبتلعة تعبها وإرهاق قدميها، وخوفها من مكانٍ لا تطأه قدم أطفال في العادة.

​توقف حسن أخيرًا أمام مبنى قديم متروك لحتفه، يعلوه باب خشبي متبوع بدرج حجري متكسر، وتتدلى من واجهته لافتة باهتة تكاد حروفها تختفي. 

وقف ينظر حوله بحذر إثر شعوره بأن أحدًا يراقبه..

مدققاً في كل زاوية، قبل أن يتقدم ويرفع يده ليدق بقوة على الخشب البالي.

يتذكر ذلك المكان القذر الذي لازمه بعد فترة تعافيه في المصحة.. 

فسمعته كمدمن ومجرم في نظر القانون وقتها، لم تسعف في قبوله بسكنٍ جيد، وظلّ بهذا المستنقع لفترة حتى ساعده سالم في إيجاد مكانٍ آخر.

​بعد لحظات ثقيلة من الصمت، انفتح الباب ببطء عن وجه رجل أربعيني، بعينين زائغتين وندبة عميقة تزين خده الأيمن. 

تفحص الرجل حسن ولين بنظرات فاحصة، قبل أن يسأل بصوت أجش غليظ يقطر ريبة وسخرية:

"ما الذي تبحث عنه في مثل هذه الساعة يا سيدي الأنيق؟"

​قال حسن باقتضاب، وهو يدخل يده في جيبه ليخرج ما معه من مال:

"أريد غرفة.. ليلتين أو ثلاثة.. بلا أسئلة، وبلا هوية."

​اتسعت ابتسامة الرجل بتهكم وهو يلمح النقود، فتنحى عن الباب للدخول مشيراً بيده للداخل بلا مبالاة:

"ادخل، وغرفتك في الممر الأخير، الغرفة على اليمين، طالما أنك تدفع."

تناول حسن المفاتيح و​دفع لين أمامه إلى الممر، ثم دخل إلى عتمة المكان ورائحته الخانقة..

أدار المفتاح في باب الغرفة، ثم دفعه لتظهر الغرفة..

كانت عبارة عن سريرٍ صغير، بملاءة لم تبدُ عليها النظافة تمامًا.. تلفاز قديم في الزاوية بشاشة سميكة، وباب الحمام بالجهة الأخرى.

لم تنظر لين إلى حسن.

خلعت سترتها وارتمت على الفراش بلا كلمة عاقدة حاجبيها.

مسح حسن على وجهه قبل أن يتجه بجوارها وقد أثقل تعب اليوم كاهله.

فورما هبط ثقله على المرتبة جوارها، ولّت بظهرها عنه متأففة.

قطّب حاجبيه باستنكار:

"ما هذا الآن؟"

"لا أتحدث معك.. ألم تطلب ذلك؟"

"قلت فقط أن تتحلي بالصمت قليلًا."

"هذا الشيء نفسه."

تنهد بإرهاق متمتمًا:

"وهذا ما كان ينقص اليوم بالفعل."

خلع حذائه وتمدد على ظهره مغطيًا عينيه بذراعه. 

حلّت لحظات من الصمت يفكر بها حسن في خطوته التالية.

ولو أنه قلق من أخذ أي خطوة، فيجد نفسه يغرق أكثر من ذي قبل.

بتر شروده لين التي استقامت في جلستها لتتذمر بعدم تصديق:

"هل حقًا ستنام دون أن تسأل عما أزعجني؟!"

رفع حسن ذراعه وفتح عينيه سائلًا بريبة:

"ألم تقولي أنكِ لا تتحدثين معي؟"

"وهل تود أنت ذلك؟! أيعجبك الأمر؟!"

عاود حسن المسح على وجهه بكلتا كفيه هامسًا:

"يا الله يا ولي الصابرين."

حدّق بها متسائلًا في نفسه:

"أقسم أنكِ امرأة في هيئة طفلة، أنا والدكِ لا زوجك."

ضاقت عينا لين بعدم فهم:

"هل سأطلب من زوجي الاهتمام أيضًا؟!"

"لن تتزوجي من الأساس و…"

توقف حسن عن الحديث ملاحظًا أين اتجه كلامهما، أغمض عينيه متداركًا لسانه ومرتبًا أفكاره قبل أن يفتحهما ويردف بنفاذ صبر:

"ما خطب الآنسة الحزينة؟"

عقدت لين يديها ملقية بما ضايقها باندفاع:

"أنت لا تلتزم بوعودك."

حوّل حسن وضعيته إلى الجلوس مستفهمًا:

"أي وعود؟"

ازدردت لين ثم أجابت:

"ألم نتفق على ألا نخفي شيئًا؟ وأن لا كذب بيننا أو خداع؟"

"ومتى كذبت أنا؟"

"اليوم!"

استرسلت لين وعلى ملامحها علامات الاستياء:

"كيف لجدتي أنت تكون حية وتخبرني بأنها ماتت؟ أليس ذلك كذبًا؟ ومن ثم اسألك عنها، فلا تخبرني وتأمرني بأن اطبق على فمي.. أليس ذلك إخفاءً للأمور؟"

مسحت لين دموعها قبل أن تفر بكم ملابسها مردفةً:

"وقبل ذلك.. أعلم من الأخبار أشياءً تفاجئني.. فتشرحها لي بدلًا من أن تخبرني بها من المقام الأول.. أليس ذلك اخلالًا باتفاقنا؟! أنت لا تهتم بي إطلاقًا!"

أنهت لين كلماتها منتظرة رده، فرأته يضم شفتيه كمّن يكتم ضحكته. ارتسمت على لين ملامح التفاجؤ إثر تهكمه، فهتفت:

"أتضحَك عَلى أحزاني؟!"

رد حسن بسخرية لم يتمكن من كبحها:

"ماذا أفعل إن كانت أحزانك مضحكة؟!"

مطت لين شفتيها من استهوانه بمشاعرها، فالتقط حسن أنفاسه حتى لا يبتسم مجيبًا بخفة:

"أنا السبب، تعلمين ذلك؟ هذا خطئي."

لم تفهم لين مقصده فتابع بنبرة أكتر إتزانًا:

"تعاملتُ معكِ براحة زائدة كما أتعامل مع أصدقائي.. كما أتعامل مع سالم وتيم وأصدقاء النزال، وأنسى كثيرًا أنكِ طفلة.. وفي النهاية ابنتي."

استرسل حسن بهدوء:

"يوجد أشياء لم يكن عليكِ معرفتها من الأساس، فهي لن تفيدك في شيء سوى تحميلك أعباءً ليست من شأنك.. ونعم لي أسرار، كفترة إدماني التي لا أتحدث عنها ولا أحبها، ولم يكن من المفترض أن تعرفيها، ولم تكوني لتعرفيها سوى من الأخبار، لأنني لم أكن لأرويها لكِ في المقام الأول."

أبدت لين رأيها بخفوت:

"ولكنك والدي.. من المفترض أن أعرفك، فلم تتواجد في حياتي من قبل.."

أومأ حسن مضيفًا:

"وكوني لم أكن في حياتك، هو سبب آخر يجعلني أتحدث معك بتلك الطريقة.. لأنني…"

ضغط حسن كفيه باحثًا عن كلماته:

"لأنني لم أكن مهيئًا نفسيًا لكِ.. أو لأكون أبًا.. فأجد نفسي أتحدث دون تفكير، وحين أحاول أن أبعد عنكِ ما قد يؤذيكِ أو يحطم قلبك.. أجد نفسي اختلق أمورًا أو أصمت، لأني لا أعرف طريقة أخرى أحمي بها مشاعرك."

التقط حسن نفسَه وقال:

"لذلك.. علي تصحيح ذلك الوعد السخيف، لأن الحقيقة إذا كانت ستؤذيكِ.. فلن تلامس لساني."

حلّ صمت هادئ ولين تقلب كلماته، تقدر ما يعنيه، وتتفهم محاولته حمايتها..

قبل أن تبدي امتنانها تجاه قلقه عليها، قال:

"وأنتِ عليكِ التصرف كطفلة قليلًا.. وألا تنسي أني والدك."

هزت لين رأسها بتذمر:

"لست لطيفًا."

"تأدبي."

اطبقت لين على شفتيها مجددًا، ولكن ليس لوقتٍ طويل، إذ فورما وجدته يستلقي موليًا بظهره ليستعد للنوم، سألته بفضول:

"حسنًا.. جدتي ليست أمرًا يخصك وحدك.. فهي من عائلتي كذلك، أكانت تلك هي فعلًا أم لا؟"

لم ينظر إليها حسن وظلّ بنفس وضعيته، صمت لثوانٍ قبل أن يجيب:

"هي."

عضت لين على شفتها مسترجعةً ما فعله، ترددت عند استفسارها:

"ولمَ.. لمَ كنت لئيمًا معها؟ لمَ أخبرتني أنها ماتت؟"

"لأنها كذلك بالنسبة لي."

فتحت لين فمها لتسأل مجددًا فقاطعها حسن:

"ولستُ مستعدًا للشرح الليلة، أنا مرهق."

أغمض حسن عينيه محاولًا النوم.. فقد يرحل عنه ذلك الصداع المزعج، والذي كان أشبه بمطرقة تطحن جمجمته.

وما كانت إلا ثوانٍ، قبل أن يشعر بيد لين تربت على رأسه، وتمسح على شعره بحنو.

"إن احزنتك فأنا لا أريد التعرف عليها.. وإن كنت لا تحبها فأنا لن أفعل."

لم يجب حسن على همسها الخافت متظاهرًا بالنوم، ينكر أن تلك اليد الصغيرة هي السبب في تلاشي صداعه تدريجيًا وتثاقل جفونه.

هكذا هن الإناث.. يغضبن في ثوانٍ وكأنهن بركان ثائر، وبعد لحظات تجدهن أرق من الفراشة بعد كلمة طيبة بسيطة..

إن كان حسن قد حُرِم من حنان والدته.. فقد رُزِق بحنان العالم مجتمعٍ في ابنته.

فعطاء الله غير مباشر، ولا تعلم من أين سيصيبك رزقك أو متى.. المهم هو ألا تقلق بشأنه، لأنه سيصيبك لا محالة!

قد ترفض عطاءه في البداية، وتنقده وتلعن حظك ظنًا أنه إبتلاء، دون أن تعلم أنه سيكون ما سيبدل حياتك إلى الذي لم تكن تتمناه.

غفت لين من بعده إثر إرهاق يومٍ طويل لم ترتح فيه لثانية..

وحلّ السكون أخيرًا على رأس حسن المتعب.

***

ركن سالم سيارته أمام مبنى شقته بعد مناوبة طويلة.. 

مرهق من العمل..

متعب من حالة والده الصحية التي تدهورت..

ومن الأخبار التي أصبحت تلاحق صديقه.. 

في خضم إعصارٍ يبتلعه، مرهقٍ كاهله.

دلف سالم إلى المبنى، ثم استقل المصعد إلى الطابق الرابع حيث شقته..

وما إن اقترب من الباب ليفتحه، لمح بطرف عينه حارس المبنى يشير إلى ضابطي شرطة كانا بانتظاره.. 

اقتربا منه ليوقفاه قبل فتح باب شقته، سأل أحدهما بحزم:

"أنت سالم منصور؟"

أومأ سالم بريبة:

"نعم أنا.. هل هناك مشكلة؟"

ابتسم أحدهما سائلًا بطريقة مباشرة:

"أنت تعلم مكان المتهم حسن عبد السلام."

حدق سالم بينهما ليجيب بهدوء:

"لا، أنا لا أعلم."

"هذا ليس سؤالاً يا سالم.."

قبل أن يستفهم سالم عمّا يقصد، رفع الضابط هاتفه ليسمعه تسجيلًا لمكالمة سالم مع حسن قبل فراره:

– ولا يمكنني إرسال أي مالٍ لك.. أنت تعلم الوضع، وفي حال ساءت الأمور.. فقد تركت لك عنوان شخصٍ قد يساعد.

– وألن تتكرم سيادتك وتخبرني لمن يخص هذا العنوان؟ أم في النهاية سأكتشف أنه عنوان صلاح.. المفاجأة الكبرى!

– فقط أذهب إليه في أسوأ الأحوال.. نحن لا نعلم ما يخبئ القدر من مفاجأت، صحيح؟

أغلق الضابط التسجيل سائلًا مجددًا بنبرة متلاعبة:

"أظنك كصاحبك لا تحب المفاجأت، لأن صدقني مفاجآت زنزانة المعتقل لن تعجبك."

مال الضابط برأسه مردفًا:

"والآن يا سالم، أين هو صديقك؟"

ضاق صدر سالم وكأن جبلًا قد أطبق عليه، لكن نظراته استكانت ثابتة في محلها كما هي:

"وأنا أخبرتك يا حضرة الضابط أني لا أعلم."

هز الضابط برأسه كأن هذا ما توقعه:

"إذًا سترافقنا قليلًا يا سالم، فالتستر على المجرم حوار لن ننهيه عند باب الشقة."

***

في عتمة الغرفة التي ابتلعت كل أثر للضوء، لم تعرف جفون ليلى طريقاً للنوم.

لم يكن صمت المكان راحة، بل كان مطرقة تهوي بلا توقف على جسدٍ تحول إلى كتلة من الجمر والرضوض. 

كل شهقة هواء كانت تحرق صدرها المكدس بآثار اللكمات، وكل حركة تقبض على أضلاعها بوجعٍ خانق.

كان ذلك الضرب المتتالي عقابًا قاسيًا إثر رغبتها في حريتها.

​كل ضربة تلقتْها كانت تترك وراءها حريقاً، لكن شيئاً لم يضاهِ جحيم ساقها اليمنى؛ حيث استقرت قصبة الساق المكسورة تحت تورمٍ ينبض بأوجاعٍ تعجز عن احتمالها، كأن شظايا من حديد محتدم تغرس في عظمها بلا رحمة مع كل حركة صغيرة.

انكمشت على نفسها مرتجفة بعنف في أقصى الزاوية ككتلة من الضعف والإنهاك، ضاقت بها الدنيا حتى ما عادت تسعها، وبلغت من اليأس مبلغاً جعلها تترجى الموت في سرها.. تمنَت لو يرحمونها برصاصة طائشة، أو ضربة قاضية تضع حدًا لهذا الكابوس، وتنتهي من هذا الجسد الذي بات سجناً خالصاً للألم.

***

الساعة ٢:٥٣ صباحًا.

فتح حسن عينيه ببطء وتثاقل.. 

رمق الساعة المعلقة على فوق التلفاز أمامه ليعقد حاجبيه بذهول ممزوج بالإحباط؛ لم يمضِ على استغراقه في النوم سوى نصف ساعة فقط. 

نصف ساعة لم تكن كافية لترميم جسدٍ أنهكه التعب، بل زادت الطين بلة؛ إذ هجم عليه صداعٌ حاد، يفتك برأسه. وبالطبع دواءه قد تُرِك بمنزل البحيرة.

​تنهد بحرقة، ودسّ أصابعه في جيب بنطاله ليلتقط علبة سجائره التي أوشكت على النفاد؛ التقط سجارة بين أصابعه، لعلها تُخفف شيئًا من وطأة هذا الصداع الذي يكاد يفقده صوابه.

​التفت برأسه قليلاً نحو الفراش حيث تنام لين بعمق، وقد هدأت أنفاسها. 

تذكر لمسات يدها الصغيرة الحنونة على رأسه قبل أن تغفو، فابتسم خفية، قبل أن ينفض هذا الشعور العابر وينهض بحذر حتى لا يوقظها.

قرر الخروج إلى الممر الخارجي أمام باب الغرفة ليتنفس شيئًا من الهواء ويدخن بهدوء بعيدًا عنها.

​وما إن تخطى عتبة الباب مقابلًا الممر المعتم، حتى التقطت عيناه حركة مريبة في ركن مظلم وبعيد. 

شخص يقف بثبات، موجهًا نظره وتركيزه نحو باب غرفة حسن.

​توقف حسن مكانه لثانية وجيزة، وفور أن لاحظ ذلك الشخص تحرك حسن، بادر هو الآخر بالانسحاب متراجعًا بحذر نحو مخرج المبنى.

​واصل الرجل طريقه بهدوء، متجنبًا إحداث أي ضجيج يذكر، حتى وصل إلى باب المبنى الرئيسي ودفع الخشب البالي ليترجل إلى الخارج. 

توقف هناك لبرهة قصيرة، يلتفت حوله يميناً ويساراً بحذر ليتأكد من خلو المكان وأنه لم يترك خلفه ما يثير الريبة.

​ولكن.. في ومضة ودون أن يشعر..

وجد نفسه قد دُفِع بعنف ليضرب ظهره الحائط من خلفه. 

وفي نفس اللحظة، كانت مدية صغيرة لامعة قد استقرت بنصلها على بعد مليمترات من عنقه، محكمة الإغلاق.

​شد حسن على قبضته، وعيناه تشتعلان بشرار الغضب والريبة، ليهمس بنبرة خفيضة وصارمة:

​"من أنت؟ ولمَ تراقبني وتتسلل خلف خطاي؟!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (49)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22
الفصل 7: نُزُل
2026/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة