كش مات

كش مات

130 0

منذ ليلة ماضية..

تحت ضوء مصباح سقفٍ يتوسط الغرفة، لينبعث فوق الطاولة التي يعلوها لوح الشطرنج..

استراح صلاح على المقعد أمام أحد رجاله يلاعبه الشطرنج باستراتيجيته المفضلة..

"أتعلم يا زايد ما أمتع شيء في الشطرنج؟"

صمت الرجل في تركيز، بينما مدّ صلاح أطراف أصابعه بثبات، ودفع بجنديّه خطوةً إلى الأمام، ثم أردف بصوت خفيض:

"أن منافسك يتوهم أنه يملك زمام المبادرة.. يظن بجهلٍ أنه يفوقك علماً بالخطوات التالية، وأنه من يحرك قطعه بحرية. لكن الحقيقة؟ تلك ليست سوى الممرات الضيقة التي سمحتَ له أنت بالمرور منها. يسير في مسارٍ رسمتَ خريطته بنفسك.. بينما تجلس أنت براحة، تراقب تخبطه باستمتاع وهو يتحرك وفقًا لخيوطك."

ضاقت عينا زايد في تركيز وانعكس ضوء المصباح الشاحب في حدقتيه وهو يزن خياراته، قبل أن يحرك قطعته بحذر. ابتسم صلاح ابتسامةً ساخرة:

"هل ترى قطعة الملك تلك؟ عديمة النفع.. لا يتحرك سوى خطوة واحدة مقيدة، بينما من المفترض على الجميع حمايته، على عكس الوزير، الذي له حرية التحرك في البطش والقتال.. في رأيي هو أهم قطعة."

التقط زايد الموقف بذكاءٍ خاطف، وبحركةٍ جريئة أطاح بوزير صلاح ليطرده خارج اللعبة، ثم قال بثبات:

"ولكنه قابل للسقوط أيضًا."

ارتفعت شفتي صلاح ببسمةٍ هادئة لا تزلزلها المفاجآت. بلمسة خفيفة وواثقة، دفع بالجندي المنسي خطوةً أخيرة ليصل إلى المربع الأخير من رقعة الخصم، ليستعيد الوزير المفقود ويعيده إلى ساحة القتال.

"ويمكنه العودة كذلك.. ويترقى الجندي إلى الوزير.. ليحكم هو مسار اللعبة من جديد.."

اندفع زايد بحركةٍ خاطئة أملتها عليه الحيرة، فتجلت على وجه صلاح نظرةُ رضا، كأن العرض المسرحي المكتوب سلفًا قد بلغ ختامه.

"أرأيت الآن أنني من كنت أحرّك أصابعك قبل قطعك يا زايد؟ والآن، أضع لمستي الأخيرة..."

قالها صلاح بثقة طغت على نبرته، وبحركةٍ خاطفة واحدة، حُوصر الملك في زاويةٍ لا مناص منها.

"كش مات."

***

اللحظة الحالية..

الساعة ٤:٠٢ صباحًا.

اختلطت أصوات أجهزة اللاسلكي طلبًا للإسعاف والإطفاء، مع صرخات الصغار التي خفت بعضها ليدفن مع ازدياد ألسنة اللهب أحمرارًا والتهامًا للمبنى..

حرك حسن رأسه يمنة ويسرة، يرفض عقله التصديق بأن ما يحدث مجرد صدفة!

لمَ عملهم يحترق؟!

لمَ تحديدًا اليوم والآن؟!

"لا.. لا.. لا!! لقد سبقنا بخطوة! لقد علم صلاح مسبقًا بمجيئنا!!"

صاح بها حسن غير قادرٍ على التحكم بأعصابه..

لم يلتفت أيٌ رجال الشرطة في وسط حالة الذعر التي أصابت الكل..

أقترب وليد ليقول بصوتِ مجلجل وعلى عجلة:

"الإطفاء لا زالت في الطريق! الصغار هم الشاهد على تفاصيل أفراد العصابة.. إن ماتوا سنفقد دليلنا.. تحركوا!"

قبل أن يستوعب أيٌ منهم ما يقول، فتح وليد باب سيارته ليخرج زجاجات مياه الشرب، فتحها سريعًا ليسكبها على جسده وملابسه، رفع سترته ليغطي بها وجهه وانطلق نحو المبنى، أوقفه أحد الضباط معترضًا:

"أترمي بنفسك إلى التهكلة؟! لن ينجو الصغار!"

"إن كنت تريد أن تقف بلا فائدة.. لك ذلك!"

دفع به وليد وانطلق ليختفي بين الدخان، وفي اللحظة ذاتها، أنطلق خلفه ثلاثة آخرين بعدما غطوا أنوفهم.. يليهم البقية يحاولون إطفاء ما يقدرون عليه أو إيجاد مداخل آمنة..

ظل حسن كالتمثال متجمدًا في مكانه..

تراجع خطوتين للخلف، ثم حرك رأسه ومقلتيه ينظر حوله، مسحت عسليتاه المكان من كل جانب..

"لن يبتعد.. ذلك الوغد لن يبتعد!"

دون إنتظار لثانية أخرى، ركض حسن نحو الطريق الرئيسي حيث الشرطي الذي أخذ سلاحه مسبقًا، والذي كان يحرس السيارة حيث ظافر والسائق الآخر بالأصفاد..

"أعطني سلاحي! أحتاج لتفقد المكان!"

اعترض الضابط بلا تردد:

"لا يمكنني.. تلك أوامر.. تنحَ جانبًا من فضلك!"

"أقول لك المتسبب بالحريق لا يستطيع الابتعاد كثيرًا.. يمكن أن يكون قريبًا!"

"ابتعد من هنا يا سيد!"

صر حسن على أسنانه وهو يلتفت نحو الغصون والأشجار على الجانب الآخر من الطريق..

قلة حيلة.. عجز.. مجددًا!

لن ينتظر حتى يساعده أحد، فلا وقت تلك المرة للانتظار..

وفورما تحرك للأمام، قابله ظلٌ ساكنٌ بين الغصون، ثم اختفى الظل ليتحرك للداخل.. ولو أنها بدت حركة مقصودة للفت نظر حسن..

اتسعت عيناه بحنق، وانطلق للداخل دون تردد..

***

ما إن دلف وليد للمبنى حتى تطاير الشرر في كل ركنٍ و زاوية..

تداعت العوارض الخشبية المحترقة من السقف لتتهشم على الأرضية في دويٍّ مرعب، مبعثرةً سحابةً من الشرر الملتهب الذي أكل ما تبقى من هواء الغرفة. كان الدخان الأسود يلتف حول وليد، يخنق أنفاسه ويتسرب عبر السترة المبللة التي يضغط بها على وجهه، بينما كانت النيران تهدر بصوتٍ يشبه الزمجرة..

​مسح الدموع التي انهمرت من عينيه بفعل الدخان، وقاوم رغبة جسده الفطرية في التراجع. كانت حرارة الجو تطهوه حية.

​"هل من أحدٍ هنا؟! أين أنتم؟!"

​صرخ بها بنبرةٍ تقطّع في حشرجة جافة، لكن صوته ابتلعته فرقعة الخشب المشتعل.

تسلل إلى أذنيه وسط هذا الجحيم صوتٌ بكاءٍ خافت، نبرةٌ طفولية مبحوحة اختنق صاحبها من شدة الدخان.

​اندفع وليد نحو مصدر الصوت، يطأ جمرًا يتأجج تحت قدميه، متفاديًا كتلةً خشبية مشتعلة سقطت أمامه مباشرةً لتفصل الممر.

في زاوية الغرفة الداخلية، تحت طاولة خشبية ضخمة كانت النيران قد بدأت تلتهم أطرافها، وجد طفلين لم يتجاوز أكبرهما ثماني سنوات. كان الصغير يضم شقيقته الصغرى إلى صدره، يغطى رأسها بقميصه الممزق، وجسداهما يرتجفان برعبٍ شلّ حركتهما تمامًا.

​"أأنتما بخير؟!"

دون انتظار رد الصغيرين الذين لم ينبسا ببنت شفة، ​هوى وليد على ركبتيه، تجاهل الألم الحارق الذي ضرب ركبتيه فور ملامستهما الأرضية الساخنة.

مدّ يديه وجذب الفتاة الصغيرة أولاً، كانت مغشيًا عليها تقريبًا، شاحبة الوجه وشفتيها افترقتا وقد مالتا للزرقة من أثر الاختناق.

ضمها إلى صدره بيده اليسرى، وثبت رأسها تحت سترته المبللة لحمايتها.

​لكن الصبي، من شدة الرعب والذهول، تمسك بساق الطاولة المشتعلة ورفض الفلتان، كانت عيناه المذعورتان ترقبان سقف الغرفة الذي بدأ يتداعى.

​"أمسك بي! اترك الطاولة الآن!"

صرخ وليد وهو يمسك بمعصم الصبي بكل قوته.

​في تلك اللحظة.. انكسر العارضة الرئيسية للسقف فوقهم مباشرة.

لم يكن هناك وقت للتفكير؛ انحنى وليد بجسده بالكامل فوق الطفلين، جاعلاً من ظهره درعًا بشريًا. سقطت جمرة ضخمة وقطعة من الخشب المشتعل لتستقر على كتفه الأيمن، واخترقت الحرارة قماش ملابسه لتلتحم بجلده. تجمدت أعصابه من شدة الألم، وصدرت منه أنة مكتومة شقت حنجرته، لكنه لم يتحرك إنشًا واحدًا حتى لا يمس الجمر الطفلين.

​بحرقة غضب وألم، نفض القطعة المشتعلة بيده المجردة، وانتزع الصبي بقوةٍ أبعدته عن الطاولة التي انهارت بعد ثوانٍ معدودة لتتحول إلى جمرة متقدة.

​حمل الفتاة الصغيرة بين ذراعيه، وسحب الصبي بقوة ليضمّه إلى جنبه الأخر.

انطلق راجعًا وسط هذا الجحيم، كان طريقه الذي دخل منه قد أُغلق تقريبًا بكتل النيران، والرؤية انعدمت تمامًا بفعل الغيوم السوداء.

​بدأ رأسه يدور، ورئتاه تصرخان طلبًا للأكسجين الذي تلاشى.

تعثر بأحد الأنقاض وكاد يسقط، ضغط على أسنانه حتى كادت تتكسر، ودفع بجسده للأمام يعبر ألسنة اللهب التي لفت ذراعيه.

​ومع آخر رمقٍ من قوته، اخترق حاجز الدخان والشرر عند البوابة الرئيسية، ليتهاوى خارج المبنى وتسحبه أيدي زملائه على الفور ملتقطين الصغار، وقد بدأ الصبي يتنفس ويبكي بينما بدأ الإنعاش القلبي للصغيرة..

رفع وليد عينيه الحمراوين ليجد زميله قد أخرج طفلًا آخر.. وقد احترق نصفه وسكن صدره بشكلٍ مروع..

التقط أنفاسه بصعوبة وهو يعيد نظره للمبنى حيث المزيد من الصغار ينتظرون مصيرهم الشنيع..

***

في غرفة هادئة قد غطى السكون كل ركنٍ بها..

شغل صمتها صوت أنين مكتوم وهمهمة فرّت أسفل قماشة قد أحالت صرخاتها..

كانت الشابة تتلوى بقلة حيلة، تحاول الفكاك من حبالٍ غليظة التفّت حول معصميها وقدميها، تحزّ جلدها بقسوة حتى استحال أحمر قانيًا.

انهمرت دموعها ومنعت القماشة أنفاسها المنتظمة لتتحول إلى شهقاتٍ متسارعة تثقل صدرها.

أمالت رأسها يمنة ويسرة في محاولة يائسة لإزاحة القماش عن وجهها، لكن العقدة ظلت ثابتة، بينما انزلق حجابها أكثر من ذي قبل لتتناثر خصلات من شعرها على جبهتها وعينيها اللتين تحملان رجاءً خائفًا متوسلاً للفراغ... علّها تفهم سبب وجودها في هذا المكان المظلم، أو تجد مجيبًا يطلق سراحها.

وفي وسط ذلك الهدوء المتوتر..

تسارعت ضربات قلب الشابة عند اقتراب وقع خطوات تجاه غرفتها..

فُتِحَ الباب ليظهر رجلٌ مغطاة ملامحه على عتبة الباب..

أرادت الابتعاد خوفًا وفزعًا، ولكن استحالت الحركة إثر تقييدها بقسوة.

سار الرجل نحوها بخطوات وئيدة.

وقف أمامها تمامًا، ثم جثا ليكون موازيًا لها، وخط بصره مقابلًا لخاصتها..

"لا زلتِ تحاولين المقاومة منذ أمس؟ اهدئي قليلًا، لم يأتِ دورك بعد."

قالها بتهكمٍ مظلم، وبمجرد أن مد يده نحو رقبتها.. انتفضت الشابة لتزيد همهمتها المذعورة أسفل القماشة على فمها مانعةً صراخها.

لم يبتعد الرجل، بل هز رأسه ساخرًا وهو ينتزع قلادتها الذهبية حول رقبتها:

"على رسلكِ أيتها المعلمة.. لن يلمسك أحد."

انتشل القلادة ليتأمل بريقها قليلًا بإعجاب واسم الشابة محفورٌ عليه..

اسم ليلى..

"نشأتِ في دار وترتدين الذهب؟! ترى هل أحضرها لكِ عزيزك الخائن أم مَن؟"

اسدلت ليلى جفنيها لتحكم إغلاق عينيها بقوة، والدموع تتسلل فوق خديها.. لا تفهم أي شيء مما يحدث..

استقام الرجل متجهًا نحو الباب متجاهلًا أنّاتها المتوسلة.. استدار ليتأملها لمرة أخيرة وقال:

"نصيحتي أن تنامي قليلًا.. لا أضمن لكِ أمكانية الراحة قريبًا."

***

بالسيارة حيث من المفترض أن يكون ظافر والمجرم الآخر مكبلين بالأصفاد..

كان الباب الخلفي يترنح مفتوحًا، والمقعدان خاويين تمامًا.. والضابط الذي من المفترض أن يحرسهما، كان ملقى على قارعة الطريق برأسٍ نازف بعدما ضُرِب عليه بغتة من الخلف دون أن يرى الفاعل.. وقد سُرِق سلاحٌ ما كان بحوزته..

بين كثافة الغصون وظلال الأشجار التي لا ينيرها سوى ضوء القمر، كان الملثم بملابسه السوداء يركض بخطواتٍ حثيثة متناسقة، يتبعه مساعده زايد بعدما فكا أسر السجينين.

تتلاحق أنفاس ظافر المتعبة وهو يلهث غير مستوعبٍ مَن هذا الذي امتدت إليه يد النجاة من قلب الهلاك. توقف الأربعة أخيرًا ليلتقطوا أنفاسهم بين الأشجار المظلمة.

التفت الملثم بزرقاويه الحادتين نحو زايد، وأشار له بنبرة صارمة:

"خذ خليل وغادر.. اتركني مع ظافر."

​أومأ زايد باقتضاب، واقتاد السجين الآخر ليختفيا بين الأحراش.

استدار الملثم بكامل هيئته نحو ظافر، الذي وقف يجمع شتات نفسه، مشتتًا بين الامتنان والخوف:

"سيدي.. هل.. هل الضابط لا يزال حيًا؟"

حدّق الملثم به قبل أن يجيب بخيبة أملٍ مصطنعة:

"ألم تتعرف على صوتي بعد يا ظافر؟"

تأمله ظافر للحظة وقد بدت النبرة مألوفةً للغاية..

"هل أنت.. سيد صلاح؟"

قلّب صلاح مقلتيه وتنهد بتبرمٍ ولو أنه ينتظر الإجابة منذ دهر:

"حقًا أنا مستاء.. ألم تعرفني من عيني حتى؟"

ازدرد ظافر مستجمعًا قواه وقال والعرق ينساب من جبهته:

"اسمعني يا سيد صلاح، يريدون القبض علي.. لستُ إلا مرسالًا.. أنت حتى لم تطلعني على أي تفاصيل.. و.."

"أعلم أعلم.. أعلم كل هذا يا ظافر."

قاطعه صلاح بنبرةٍ هادئة مريبة، ثم أردف:

"وقد أتممت ما أملي عليك على أتم وجه، وقبضت بما فيه الكفاية لتأمين مستقبل أولادك.. صحيح؟"

استنكر ظافر النبرة الغريبة من صلاح.. فتلعثمت كلماته بريبة:

"ماذا تعني بالضبط بقولك؟"

​في تلك اللحظة، انسلت يد صلاح المكسوة بقفازٍ أسود إلى داخل معطفه، لتخرج مسدسًا أسود لامعًا.

شحب وجه ظافر، واتسعت حدقتاه برعبٍ شلّ أطرافه، بينما قلّب صلاح السلاح بين يديه بتلذذٍ ظاهر:

"لم أكن أعلم أن حسن يقتني طرازي المفضل من الأسلحة.. لدي قطعاتٌ شقيقة له، رغم أنه طرازٌ قديم بعض الشيء."

تجمد الدم في عروق ظافر..

يداه المكبلتان بالأصفاد ترتجفان..

"سيدي.. لمَ هذا المسدس..؟ أنا لدي عائلة!"

​أجابه صلاح وهو يحكم تثبيت كاتم صوت الرصاص، بنبرةٍ دافئة تغلف موتًا محققًا:

"والله يا ظافر لن ينساك أحد، ليكن بعلمك أن تركك لنا لن يكون هباءً، بل بالعكس، سيكون عملًا بطوليًا لإنقاذنا جميعًا."

أصابت حالة الذعر ظافر، فهز برأسه مبتعدًا للخلف بهستيرية..

"لا.. لا.. لا!! لقد ساعدتكم! لماذا؟!"

أقترب صلاح ليقبض على ذراع ظافر، جذبه نحوه ليهمس بين صرير أنفاسه:

"لا ضغينة بيننا يا صديقي، اتفقنا؟"

وبحركةٍ خاطفة، عرقل قدمه ليهوي ظافر على ظهره فوق التربة الرطبة.

وقبل أن تشق صرخة الاستغاثة حنجرته، أطبق صلاح بقفازه الثقيل على فمه، ضاغطًا بجهدٍ حازم، بينما استقرت فوهة الكاتم مباشرةً فوق صدر ظافر المقاوم.

​ضغطة واحدة على الزناد.

​انتفض جسد ظافر مكتومًا، واتسعت حدقتاه في جحودٍ أخير، قبل أن ترتخي أعصابه تدريجيًا وتخبو الحياة فيه، وتبدأ بقعة دماءٍ داكنة بالتوسع ببطء فوق قميصه.

​رفع صلاح يده بحذر عن فم ظافر الميت، ووقف يتأمل الجثة بثباتٍ حتى اطمأن لصلابة الصدر وسكون النبض. ارتسمت ابتسامة ساحرة وباردة أسفل لثامه وهو يتأمل مسدس حسن بين أنامله..

كان ذهنه يشرد باستمتاعٍ في الذهول الذي سيصيب الشرطة والطب الجنائي حين يكتشفون أن الطلقة التي أردت السجين قتيلًا خرجت تحديدًا من سلاح حسن الشخصي..

ذلك السلاح الذي صرخ يتوسل الضابط لاستعادته قبل دقائق!

​تنهد صلاح براحة ، لكن حواسه التي لا تنام التقطت فجأة صوت هشيمِ أغصانٍ وخطواتٍ تقترب بحذر.

أسرع بإخفاء المسدس في طيات معطفه، وانطلق يتوارى بين ظلال الغصون المتشابكة.

***

الساعة ٥:٢١ صباحًا.

وصلت أخيرًا سيارات الدعم؛ وانشق سكون الظلام تحت ومضات الأضواء الملونة المتراقصة لمركبات الإطفاء والإسعاف.

خرج وليد يترنح بخطواتٍ مجهدة، يحمل بين ذراعيه آخر طفلٍ انتشله من المبنى الذي استحالت جدرانه إلى أطلالٍ متفحمة.. غدا المكان خاويًا وموحشًا، تخنقه رائحة الدخان الكثيف وبقايا نيرانٍ خمدت بعدما التهمت كل شيء.

​هرع رجال الإسعاف يتخطفون الصغير الفاقد للوعي من بين ذراعي وليد، وثبتوا قناع الأكسجين فوق وجهه الضئيل بينما تسارعت أيديهم لتفقد نبضه الواهن.

​جالت مقلتا وليد في الأرجاء، ولانت صلابته وتغشّت عيناه بمرارةٍ وهو يرى الحروق القاسية التي نهشت أجساد الصغار؛ ندوبًا غائرة ستبقى وسمًا أليمًا يرافقهم طوال حياتهم، شاهدًا أبديًا على جحيم هذه الليلة.

​أغمض عينيه بأسى، محاولًا الفرار من هول المشهد، وما إن فتحهما مجددًا حتى وقعت نظراته على طفلةٍ صغيرة مرتخية الجسد.. كان المسعف يجذب الغطاء الأبيض ببطء حتى وارى وجهها الناعم، بعد أن فاضت روحها الصافية واستسلمت للموت، كغيرها من الضحايا الذين انطفأت أنفاسهم في هذا الخراب.

ما كان ذنبهم؟

ماذا فعلوا في حياتهم القصيرة حتى يكون ذلك هو مصيرهم؟

هل الأحياء منهم سوف يتخطون ما عاشوه؟

أسئلة بدون إجابات جالت في رأس وليد المنهك..

ما إن وقعت عينا أحد ضباط الشرطة على هيئة وليد المترنحة، حتى سارع إليه ليسنده..

"ضابط وليد.. تحتاج الذهاب إلى المشفى."

هزّ وليد رأسه وقد احترق صدره إثر ما استنشقه من أدخنة، وآلمه جسده نتيجة الحروق المتفرقة.

انسالت كلماته مبحوحة وضعيفة:

"لمَ.. احترق.. المكان؟"

التقط الضابط ذراع وليد ليلفها حول كتفه ويسنده:

"سيتم التحقيق بشأن الأمر.. عليك فقط أن تريح جسدك، تعال لتضع قناع تنفس."

"فقط حاوطوا المكان وتفقدوه.."

حاول وليد التركيز من حوله ليستنكر ويسأل بوهن:

"أين.. حسن؟"

***

تباطأت خطوات صلاح بين ظلال الأشجار، وجالت زرقاواه الباردتان في العتمة، تحاولان التقاط حشرجة الأغصان التي تتكسر خلفه بإصرار.

ولّى بظهره أثناء مشيه ليتفقد المكان من خلفه، وما إن استدار لينظر أمامه، حتى تسمر في مكانه..

إلى ذلك الرجل الذي يحدق به بعسليتيه اللتين أظلمتا..

وأعصابه التي اشتدت..

حسن.

ضاقت عينا صلاح دون أن يرّف له جفن..

فمال حسن برأسه وهو يخطو خطوة للأمام، فارتفعت طرف شفاهه في بسمة جانبية أظهرت غمازته:

"الأفعى تريد الفرار إلى جحرها؟ ولمَ السرعة؟"

هزّ صلاح برأسه وهو يقترب، فأجاب براحةٍ وخفة:

"وهل تبحث أنت عن لدغة الأفعى إذن؟"

تسمرت خطوات حسن، وتأمله بعينين تغليان بالوعيد:

"الشرطة الآن في طريقها إلى سيدك أيها الخسيس.. لقد انتهيت يا صلاح.. ستدفع ثمن كل روحٍ ازهقتها لا محالة."

انطلق صوت صلاح بقهقهةٍ خفيضة تردد صداها بين جذوع الأشجار:

"سيدي؟ لا سيد لي يا صديقي.. كل خطوةٍ كُتبت في هذه الليلة كانت محسوبةً بدقة."

تلاشت ضحكته فجأة، وانحطت نبرته إلى همسٍ مسموم:

"ثم.. كيف لك أن تتفوه بإزهاق الأرواح وقد أزهقت روحًا بالفعل؟"

اشتعل الغيظ في أوردة حسن، فانقضّ عليه كالمجنون، وأطبقت قبضتاه على تلابيب ملابس صلاح:

"أنت من قتلت محسن أيها القذر! أنت السبب في كل شيء!"

​اتسعت ابتسامة صلاح من أسفل اللثام ببرودٍ يثير الجنون، وأردف بنبرة استنكارٍ مريضة:

"ومن تحدث عن محسن؟ ألم تقتل ذلك الرجل المسكين بنفسك قبل قليل؟ كيف طاوعك قلبك لتطلق النار عليه بدمٍ بارد؟ لقد جثا أمامك وأخبرك أن لديه أطفالاً!"

​شحبت ملامح حسن، واتسعت حدقتاه بذهولٍ وصدمة شلّت تفكيره لثانية من هول التهمة المبتكرة ووقاحة النظرة في عينَي صلاح من دون حتى أن يعلم مَن الذي يقصد أو أي هراء يتفوه به؟!

وفي تلك اللحظة بالذات، حيث ترنح تركيز حسن تحت وطأة الاستنكار، استغل صلاح الذهول الخاطف.. وبحركةٍ مباغتة وقاسية، نطحه بجبهته بقوةٍ استقرت على أنفه، لتتراجع رأس حسن إلى الخلف بدوارٍ خاطف..

سال خط دماءٍ رفيع من أنف حسن ليتسلل فوق شفته..

انتفضت الشرايين في عنق حسن، وبدلاً من التراجع، انقضّ بكامل ثقله على صلاح قبل أن يلوذ بالهرب، ليصطدما معًا ويهويا على التربة الرطبة.

تساقطت الأوراق الميتة من حولهما وهما يتمرمغان في الطين، وجّه حسن ضربةً خاطفة بمرفقه استقرت على ضلع صلاح، فخرجت من حنجرته حشرجة ألم..

وبدلاً من أن يستسلم لوطأة الضغطة، استغل صلاح انحناءة حسن الخاطفة، ليرفع ركبته بقوة غاشمة مستهدفًا بطن حسن.

​انحسرت الأنفاس من رئتي حسن فورًا وشعر بغثيان حاد، وما إن انحنى رأسه للأمام بفعل الصدمة حتى أتبعها صلاح بلكمةٍ مباشرة بسلسلة قبضته استقرت على فك حسن الأيسر، لترتج رأسه إلى الخلف ويتطاير رذاذ الدم من شفته المشقوقة.

​لكن الغيظ الجارف في أوردة حسن كان مخدرًا أشد قوة من الألم؛ كشر عن أسنانه الملطخة بالدماء، وفي اللحظة التي استعد فيها صلاح لتوجيه لكمة متابعة، مال حسن بجسده للجانب بحركة خاطفة، وقبض على معصم صلاح الممتد ليثنيه بقسوة، ثم أرسل قبضةً صلبة كالحجر استقرت تمامًا فوق وجنة صلاح.

​خرجت من حنجرة صلاح أنة مكتومة، وتدحرج الاثنان معًا على التربة المبتلة، يتصارعان بوحشية ومقتٍ خالص.

الطين والأوراق الميتة التبسا بملابسهما المبتلة، والعرق يمتزج بالدماء على وجهيهما.

لكمة أخرى وجهها حسن لتستقر في صدر صلاح أجبرت الهواء على الفرار من صدره..

تسربت الدماء الحارة من جروح صلاح المفتوحة لتستقر داكنةً على اللثام الأسود حول وجهه..

ورغم الخنقة القاتلة والألم المبرح الذي يعتصر جسده، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريضة، وهمس بنبرةٍ مسمومة يقطعها عجز أنفاسه:

"أليس... من الغباء... أن تترك... ابنتك مجددًا...؟"

​صرّ على أسنانه بتوجعٍ يغالبه، وأردف مستفزًا:

"ألا تتذكر... ما حدث لها... سابقًا...؟"

​بصق حسن الدم الذي ملأ فمه جانباً، دون أن يزيح عسليتيه اللتين أحالت الصدمة والغضب بريقهما إلى جمرٍ يشتعل.

ذكرُ ابنته كان الشرارة التي نسفت ما تبقى من ضبط نفسه؛ صلب فكّه، واحتدمت دماء القتل في رأسِ، ليحكم كفيه حول حنجرة صلاح بكامل وزنه وقوته الغاشمة.

​دنا حسن بوجهه المحتقن منه حتى كادت أنفاسهما الثقيلة تتصادم، وانزلق صوته كالصلب البارد:

"لم أنسَ.. ولن أنسَى ما حييت كل ما فعلته.. لا تقلق بشأن ابنتي.. أما أنت؟"

​اشتدت قبضتاه كالقيد الفولاذي، وانتفخت أوداجه وبرزت عروق جبهته وهو يهمس مردفًا:

"أنت ستكون في خبر 'كان'."

​ارتفعت سعلات صلاح حادة ومختنقة، وبدأت قدماه تتخبطان فوق التربة الرطبة في حركةٍ يائسة، يحفر الأرض بحذائه بحثًا عن أي مخرج.

رفع صلاح يديه بوهنٍ يتهاوى، محاولاً لكم حسن أو زحزحة قبضتيه الصلبتين عن حنجرته، لكن حسن كان كالكبس الثقيل؛ لا يزيده التخبط إلا قسوة وضغطًا يقطع الوتين.

​انحنى حسن فوقه أكثر، وخرجت كلماته كالفحيح المشتعل من بين أسنانه المطبقة:

"هكذا قتلتُم بتول.. أليس كذلك؟!"

​ذوت النظرة الباردة في عيني صلاح، وغامت زرقاواه وهو يصارع الدوار والسواد الذي بدأ يبتلع وعيه.. انفرجت شفتاه أسفل القماش المبتل بالدم، يجاهد في رمقٍ أخير ليسترِق ذرة أكسجين واحدة من الهواء.. دون جدوى.

وفي وسط تلاشي وعي صلاح..

ضربة قوية بسطحٍ صلب أصابت رأس حسن صدرت بدوي حاد دفعت بجسده جانبًا ليسقط عن صلاح..

جثا زايد نحو صلاح الذي بدأ يشهق ويسعل ملتقطًا أنفاسه.. فأزاح زايد اللثام عنه حتى يسهل دخول الهواء.. فظهرت الكدمات على وجهه..

"أأنت بخير؟!"

أومأ صلاح لزايد على الفور بتعب، فأسنده لينهضا سريعًا..

استرق زايد نظرة على حسن من خلفه والذي كان يئن بألمٍ على الأرض، وقد تسربت بعض الدماء لتختلط بين خصلات شعره..

استوعب صلاح ما يفكر به زايد فأشار له بلا مبالاة ووهن:

"اتركه.. دعنا نرحل.."

أومأ زايد مسندًا صلاح ليلوذا بالفرار تاركين حسن من خلفهم ككتلة مهملة..

حاول النهوض.. فلم يتمكن سوى من أن يزحف قليلًا ثم يحبو على ركبتيه وكفيه ليتلطخ بالتراب والطين على الأرض..

سقط مجددًا وضربة رأسه جعلت الرؤية أمام مرمى بصره تتشوش وتضاعف ما يرى إلى اثنين..

دقائق..

والأخرى..

مرّ الوقت ولو أنه ساعات..

أنينٌ خافت انسال من بين شفتي حسن وهو يقسر عضلاته المتشنجة على القيام، معتمدًا بكليته على كفيه اللتين انغرزتا في لحاء الشجرة.

خطوة... تتبعها أخرى بوهنٍ يتهاوى.

​بدأ شعاع الفجر الأول ينبثق بين الأفق..

قطّب حسن حاجبيه، يغالب الضباب الذي يلتهم بصره، محاولاً استيعاب الحركة المضطربة المتجهة نحوه.. أهي حقيقةٌ أم مجرد سرابٍ ينسجه رأسه المتألم؟

​تردد في المدى صدى صوتٍ مألوف، يناديه بلهفةٍ واضطراب... مَن هذا..؟ أهذا وليد..؟

​لماذا لا يستجيب جسده للحركة؟ لمَ تخذله قواه؟

​كانت كلمات صلاح المسمومة تتلظى في عقله تأكله من الداخل.. لم يكن يبتغي سوى أمرٍ واحد، روحٌ واحدة يفتديها.. أراد فقط أن ينطق، أن يخبرهم بالاتصال بسالم، ليتأكد من سلامة لين ويطمئن أنها على ما يرام.

​وفور أن انفرجت شفتاه المجهدتان ليهمس بتلك الوصية..

​انقلبت مقلتاه ونفدت آخر ذرة مقاومة في بدنه.

استسلم جسده المنهك ليهوى فوق الأرض الباردة، ليبتلعه الظلام الدامس، بينما كانت الدماء تسري في صمتٍ لتكسو ياقة ملابسه باللون القرمزي القاني.

***

الساعة ٧:٢١ صباحًا.

فوق أريكة منزل البحيرة، استكان جسد لين الضئيل بعدما غلبتها نوبة نومٍ متقلب عقب أذان الفجر.

في الجهة المقابلة، كان الإرهاق ينهك ملامح سالم الذي طرد النوم عن عينيه لليلةٍ كاملة؛ يقطع صمت المكان بانتظارٍ غير مريح، ويمسح شاشة هاتفه بإبهامه يعيد تحديث صفحة الأخبار مرارًا وتكرارًا، علّه يقرأ عن أي خيطٍ يطمئنه.

​تسللت من خلف الباب المغلق همهماتٌ خافتة للضابطين الموكلين بالحراسة؛ نبرةٌ متوترة ومتحفظة لم ترق له وأثارت ريبته فورًا.

ترك مكانه بخطواتٍ حذرة كي لا يزعج نوم الصغيرة، وفتح الباب ليسأل بنبرةٍ يقتتل فيها الخوف مع الترقب:

"أهناك أخبار؟"

​رفع أحد الضابطين رأسه نحو سالم، وتبادل مع زميله نظرةً خاطفة شابتها الحيرة والتردد، قبل أن يجيب بصوتٍ ثقيل:

"صديقك حسن..."

​قطّب سالم حاجبيه، واحتدت عيناه بريبةٍ طغت على علامات التعب:

"ما به حسن؟!"

​تدخل الضابط الآخر بنبرةٍ حازمة تحاول الثبات:

"هو.. في المشفى الآن يا أستاذ."

​اتسعت حدقتا سالم بذهولٍ أطاح بكل ثباته:

"ما الذي تتحدث عنه؟! أي مشفى؟! ماذا حدث له؟!"

​"صدقني.. لا نملك أي معلوماتٍ عن حالته سوى اسم المشفى، والتعليمات مشددة؛ لا يمكننا مغادرة الموقع أو ترك الفتاة بمفردها هنا."

​أدار سالم رأسه نحو الداخل عبر الباب الموارب، وتطلع إلى وجه لين الشاحب ورجفة أنفاسها المجهدة في نومها.. ساد صمتٌ ثقيل لوهلة وهو يزن وينظر إلى الخيارات المتاحة، قبل أن ينشرس في ملامحه حسمٌ قاطع، ملتفتًا إلى الضابطين:

"إذن سنأخذها معنا.. يمكنكما تحضير السيارة."

***

أمام المرآة الخافتة، وقف صلاح يحدق بجمودٍ في انعكاس صورته المنهكة.

اللثام الأسود ملقى جانبًا بالفعل، لتنكشف ملامحه الحادة المحتقنة تحت الضوء.

امتدت أنامله بحذرٍ لتتفحص وجنته التي تبدلت إلى بقعةٍ داكنة من الزرقة، والخدوش الغائرة التي تشعبت على ذقنه، لكن نظراته تسمرت برعبٍ وغضبٍ مكتوم على رقبته.. حيث تحلقت آثار أصابع حسن كأطواقٍ بارزةً بقسوةٍ تشهد على اللحظة التي أشرف فيها على الموت.

​صرّ صلاح على أسنانه، وما إن لامست أطراف أصابعه تلك العلامات المحفورة حتى سرت رعدة ألمٍ حارقة في جسده، وامتقع وجهه بصفارٍ غير معتاد؛ صفارِ كبرياءٍ مجروح وإهانةٍ لم يذقها قط.

​انفتح الباب ببطء، ودلف زايد بخطواتٍ خافته يحمل بين أصابعه أنبوبة مرهمٍ صغيرة. وقعت عيناه على العلامات البارزة حول عنق قائده، فدنا منه بنبرةٍ حذرة تشوبها الشفقة:

"قائد.. أعتقد أن هذا قد يخفف الأثر ويساعد قليلاً."

​اصطدمت المبادرة بكبرياء صلاح الثائر، فارتفع صدره وانخفض بأنفاسٍ مثقلة..

التفت نحو زايد بحدة، واشتعلت عيناه بنظرةٍ أعمى فيها الغيظ كل بروده، امسك كوبًا زجاجيًا ليضرب به المرآة التي تهشمت وتناثرت شظاياها أرضًا، ثم استدار ليصرخ به بصوتٍ جارف شق سكون المكان وهز أركانه:

​"قلتُ لك لا أريد شيئًا!!"

تراجع زايد خطوةً إلى الخلف لتفادي الشظايا المتناثرة على الأرضية، لكنه لم يفزع.

امتص صدمة الغضب بثبات، وانخفض رأسه قليلاً ينطق بنبرةٍ خفيضة هادئة تسعى لترويض هذا الطوفان:

"هدئ من روعك يا قائد.. الغضب غشاوة، وكنت أنت الفائز بالنهاية."

​تسمّر صلاح في مكانه، ورئتاه تعلوان وتهبطان كأنهما مضخة هواء تُصارع الاختناق.

أغمض عينيه لبضع ثوانٍ، حابسًا أنفاسه ليجبر حواسه على الانصياع..

وعندما فتحهما مجددًا، كانت تلك الجليدية الباردة قد عادت لتستقر في عمق زرقاويه.

​زفر هواءً حارًا، وتجاوز شظايا الزجاج بخطواتٍ رزينة وثابتة، متجاهلاً وجود زايد كليًا.

اتجه نحو مكتبه الخشبي القابع في زاوية الغرفة المظلمة، وسحب درج المكتب العلوي بهدوءٍ مريب، ليخرج منه دفتر ملاحظاتٍ صغيرًا مغلفًا بالجلد الأسود، يعجّ بتخطيطاتٍ يدوية ورسوماتٍ بيانية تشبه شباك العناكب.

​تناول قلمًا، وبأصابع ثابته، خطّ بسنه خطًا أحمر قاطعًا ليوازي اسم 'كمال سعد الله'.

لم يتوقف، بل أتبعها فورًا بخطٍ حادٍ آخر حفر به الحبر ليطبعه فوق اسم 'حسن عبد السلام'، حاسمًا إخراجهما من رقعة اللعبة.

​توقف القلم لبرهة فوق أسفل الصفحة.. أمال صلاح رأسه، وانفرجت شفتاه عن ابتسامةٍ واثقة.

تحركت يده ببطء لترسم دائرةً سوداء محكمة حول اسم التالي..

'لين'.

​أغلق الدفتر بدويٍّ مكتوم وأعاده إلى الدرج.

استقام في وقفته بثباتٍ استعاد فيه هيمنته، ومرّ بجوار زايد متوجهًا نحو الباب الخشبي المترامي في نهاية الممر.

"هل تسببت الفتاة بأي مشاكل؟"

أجاب زايد وهو يلحق به:

"أصواتٌ مزعجة وحسب."

توقفا أمام باب غرفتها، أدار زايد مفاتيح الغرفة و​فُتِح باب غرفة ليلى ببطء، لينسل الضوء الخافت إلى الداخل، كاشفًا عن هيئتها المقيدة فوق الأرضية المظلمة.

فتحت عيونها لترمش عدة مرات تحاول أن تستوعب مَن الذي جاء..

رفع صلاح يديه في الهواء وهو يخطو للداخل:

"أعتذر آنستي في حال أيقظناكِ.. فقط أردت أن نتعرف بشكلٍ أوضح."

حملقت به ليلى دون أن تتحرك، عبس حاجبيها دون إصدار أي صوت..

عقد صلاح ذراعيه يتأملها قبل أن يقول:

"اسمي صلاح.. وأنا..."

مطّ شفتيه متظاهرًا بالتفكير:

"مهلًا.. ألم يخبركِ عمر بالفعل عن هويتي؟ لا أظن أنه يخفي عنكِ شيئًا الآن، صحيح؟"

ارتخى حاجبا ليلى وقد تعرفت على اسمه، وفي غضون ثوانٍ قليلة.. تبدلت نظراتها من فزعٍ وخوف إلى استحقارٍ ومقت وإن لم يختفِ الرعب عن قلبها..

ارتفع ثغر صلاح بضحكةٍ خافتة:

"وها هي معلمتنا تعرفت علي، لم أتوقع أن أكون بتلك الشهرة."

اتسعت ابتسامة صلاح ليميل برأسه وهو يتأمل نظراتها له مع ارتجاف يديها:

"لا تقلقي يا عزيزتي.. أنت فقط وسيلة لا أكثر.. هدفنا لطيفٌ وصغيرٌ جدًا.. في الواقع صغيرة، وبرأسٍ يعجبني."

استدار صلاح ليسأل زايد بنبرةٍ مرتاحة:

"هل أرسلتم الهدية إلى عمر؟"

​أومأ الرجل بثقة:

"نعم.. ومرفقٌ بها رسالتك الصغيرة كما أردت."

​ارتسمت معالم الارتياح الثقيل والسيطرة على وجه صلاح وهو يهمس لنفسه بثقةٍ:

"جيد جدًا."

***

في شقته الأنيقة التي خيّم عليها الهدوء ولكن ليس هدوءًا ساكنًا..

وقف عمر أمام المرآة يحاول إحكام أزرار قميصه بأصابع لم يحل عليها الثبات إثر القلق الجارف.

كانت الشاشة المظلمة لهاتفه القابع على الطاولة تنعكس أمامه، تحمل صمتًا قاتلاً يلتهم أعصابه؛ لا سالم يرُد على اتصالاته المتكررة، ولا حسن يمنحه جوابًا يُهدئ ثورة الشكوك في رأسه..

لا يجيبه أحد أو يلتقط اتصاله..

​كان عقله يدور في ألف دوامةٍ ودوامة؛ أفكارٌ تتصادم بلا رحمة عن عمّه الذي أضحت الشرطة على وشك الإطباق عليه، والاختفاء المفاجئ والمريب لليلى والذي يعتصر قلبه قلقًا وريبة..

ناهيك عن جهله التام بما شهدته الساعات الماضية من أحداثٍ دامية ومصير حسن الذي انقطعت أخباره بالكامل. حسم أمره بقلبٍ يفركه الخوف، وارتدى معطفه على عجلة، ناسيًا ترتيب إحكامه، عازمًا على التوجه فورًا إلى مركز الشرطة للإبلاغ عن اختفاء ليلى قبل أن تفلت الثواني من يديه..

​وفي اللحظة التي مدّ فيها يده ليأخذ مفاتيح سيارته، شقّ سكون الشقة صوتُ جرس الباب برنينٍ حاد ومباغت.

​توقف عمر لثانية، وانتابه أملٌ خاطف في أن يكون القادم هو سالم أو حسن يحملان له أخبارًا تهدئه تجاه مواجهته بعمه التي أقتربت..

اندفع نحو الباب وأدار المقبض بلهفة، لكن رجاءه تبدد فورًا حين فتح الباب..

​لم يكن عند العتبة سوى رجل توصيلٍ يقف بزيّه الرسمي، يحمل بين يديه تنسيقة وردٍ أنيقة ذات ألوانٍ زاهية.

ابتسم الرجل بنبرةٍ ميكانيكية وهو يمدّها إليه:

​"السيد عمر؟ هذه الشحنة مُرسلةٌ باسمك شخصيًا."

قطّب عمر حاجبيه باستغراب:

"مَن الذي أرسلها؟"

"لا أعلم يا سيد.. معها ظرف يمكنك تفقده."

استلم عمر منه باقة الزهور، أومأ العامل قبل أن يغادر مغلقًا الباب خلفه، ترك عمر باقة الورود جانبًا والتقط الظرف بريبة..

فمَن الذي قد يرسل أزهارًا في وسط تلك الظروف القاتمة؟!

بمجرد أن مزق عمر الظرف ليرى ما داخله، تجمدت كل خلية من جسده..

سقط في كفه عقدُ ليلى الذهبي؛ ذلك العقد الرقيق الذي طالما زَيّن عنقها ولم يكن يفارقها أبدًا.

​ارتجفت أنامله برعشةٍ حادة، وغشيت عينيه الرؤية لثوانٍ، بينما انقبض صدره برعبٍ لم يذق له مثيلاً وهو يتأمل الورقة المطوية المصاحبة للعقد.

التقطها بذهولٍ تام، وفردها لتصفعه السطور المكتوبة وما تقول.. والتي لم تزد حالته إلا سوءًا!

(اعتراف لطيف في الحديقة، هل أنت مستعد لتثبت استحقاقك لها؟ عرضي بسيط وليس بصعب، خاصة بكونك على مقربة خاصة بالصغيرة.. فتاة مقابل فتاة.. الاختيار لك، وأنت المسئول عن النتائج.)

هوى عمر بجسده فوق الأريكة بعدما سقط العقد من بين يديه..

ودفن وجهه بين كفيه في صدمة شلت تفكيره.. وتضارب قلبه إثرها..

في بداية لمعركة محاربيها قلبه وعقله..

فأيهما سيطيع؟

***

يتبع

***

بإذن الله الجزء الثالث والأخير لسة مش عارفة هنزل فصوله امتى، ومش هقدر أنزل منه غير بعد الإنتهاء من معظمه..

اتمنى تكونوا استمتعتم بالجزء الثاني🤎

أحب اسمع رأيكم..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (48)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة