– أصدرت وزارة الداخلية قبل قليل بيانًا رسميًا بشأن مستجدات التحقيق مع المتهم 'حسن عبد السلام' الذي أثار جدلاً واسعًا خلال الساعات الأخيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكد البيان صنيع الجنايات والفحص المعملي للمقذوفات التي أثبتت تورط السلاح الشخصي الخاص بالمتهم 'حسن عبد السلام' في إطلاق الرصاصة القاتلة للمجني عليه 'ظافر محمد' الذي قد لقي مصرعه بحريق مستودع الأطفال المختطفة.
وأفاد المصدر الأمني أن المتهم قام صباح اليوم بمقاومة السلطات، والاعتداء المباشر على ضابط شرطة أثناء تنفيذ أمر ضبط وإحضار صادر عن النيابة العامة، قبل أن يلوذ بالفرار برفقة طفلته القاصر 'لين حسن عبد السلام' ذات التسع سنوات، متخذًا طرقًا فرعية للهروب من الملاحقة الأمنية.
وتهيب المصلحة العامة بالمواطنين الكرام عدم التستر على المتهم أو تقديم أي شكل من أشكال المساعدة له، مؤكدة أن كل من يثبت تورطه في إيوائه سيعرض نفسه للمساءلة القانونية المشددة.
وتُهيب السلطات بمن يتعرف على المتهم أو يملك معلومات عن مكان تواجده، الإبلاغ فورًا عبر خط النجدة المباشر أو أقرب فرع للشرطة، مع أخذ الحيطة والحذر نظراً لاحتمالية خطورته.
***
تجمد حسن في مكانه بعد سماعه النشرة الإخبارية، وتعليقات الناس في المقهى حوله، من مسبة ودعاء..
اتسعت عسليتا لين في صدمة، حدقت في حسن لتهمس له بارتعاش شفتيها:
"هذا ليس صحيحًا.. أنت لم تفعل ذلك.."
أشار حسن بسبّابته على شفتيه كإشارة لها بالتزام الصمت..
التقط كيسي الطعام وقبض على معصمها ثم نهض من مقعده قبل عرض صورهم ومواصفاتهم على الشاشة من جديد.
تحرك حسن ليختفي بين الأزقة الداخلية.. واضعًا في عين الاعتبار اخفاض قلنسوته مع خاصتها.. متحاشيًا أعين المارة.
***
في منزل المزرعة المنعزل عن الحياة المحيطة..
في غرفة المعيشة أمام التلفاز..
قهقه صلاح بشدة وهو يشاهد الأخبار بمرح حتى مال جسده للأمام:
"أقسم أن فاتح ذلك تحفة تسير على قدمين!"
رفع كفيه أمام زايد مردفًا:
"رأيت؟ قد فتح عليه ذلك الضابط فيضانًا من المصائب، وأنا لم ألمسه حتى!"
مال زايد برأسه مجيبًا:
"أنسيت ظافر يا قائد؟"
لوّح صلاح بيده بلا مبالاة:
"مقتل ذلك الرجل لم يكن إلا قطعة الكرز التي تزين الكعكة.. فاتح صنع الكعكة، وأنا وضعت فقط لمستي الأخيرة، ليتناولها حسن بالهناء."
ضحك زايد بخفوت وهو يشاهد التلفاز.. لم تمر سوى لحظات حتى عاد صوت طرقٍ مزعج من أرضية الغرفة العلوية، فتذمر زايد بنفاذ صبر:
"لقد سئمت تلك الفتاة بالأعلى.. لقد مرّ قرابة الأسبوعين! متى سنتبادلها مع الصغيرة ونتخلص منها؟"
استند صلاح على الأريكة بأريحية أثناء رده:
"الصبر.. فقد تحلى بالصبر، علينا أن نعذر عزيزنا عمر، الشرطة نفسها لا تعلم مكان حسن بالصغيرة، فهل سيعلم هو؟"
تأفف زايد:
"وإن لم يعلم؟! أسننتظر هكذا؟"
"عزيزي زايد، ركز في الأمر قليلًا.. الشرطة تبحث عنه مع البلدة بأسرها، أين سيذهب؟ إن لم يعثر عمر عليه فسيفعلون هم."
مط صلاح شفتيه بابتسامة مسترسلًا:
"ثم انظر من الجانب الآخر.. الرمز لا يزال مجهولًا، ومع هربه من الشرطة.. لن يستطيع حتى تبليغهم إياه في حال معرفته."
رفع زايد أحد حاجبيه باستغراب:
"من أين علمت أن الرمز لا يزال مجهولًا لديهم؟"
"أتابع مع ناصر بالفعل، فيخبرني أن الحساب لا يزال مجمدًا.. إذًا لم يفتحه أحد."
طرقٌ عاد من جديد مصدره الطابق العلوي، جعل زايد يشتم في سره أثناء نهوضه.
"سأكسر قدمها التي تطرق بها تلك!"
توجه زايد إلى الطابق العلوي وصلاح يناديه بزفير ضاحك:
"لا زلنا نحتاجها حية يا زايد!"
وصل زايد إلى باب غرفتها، ثم أدار المفتاح في القفل ودفع الباب للدخول..
"طرقك المزعج ذاك قد سبب لي الصداع."
كانت ليلى منكمشة في طرف الغرفة، بيدين لم تعودا مقيدتين..
على عكس قدمها التي كانت مكبلة بحلقة معدنية مشبوكة في الحائط تمنعها من التحرك من مكانها..
ركبتاها مضمومتان إلى صدرها..
ملابسها في حالة مزرية، ومعصميها قد تشكل عليهما موضع الحبال سابقًا..
ازدردت ليلى ريقها جافًا قبل أن تهمس بصوتٍ مبحوحٍ واهن:
"أحتاج الذهاب إلى الحمام.."
تأملها زايد بازدراء:
"ولهذا كل ذلك الطرق؟"
أجبرت ليلى صوتها على الخروج:
"الأمر ليس بيدي."
تنهد زايد قبل أن ينادي على أحد رجاله لفك قيد قدمها واصطحابها..
عاود النظر إليها ليقول بتقزز قبل أن يغادر:
"أمامك دقيقتين لا أكثر، أظنك حفظتِ القواعد طول فترة ضيافتنا لكِ."
خفضت لين من مقلتيها مجيبة بخفوت أثناء فك الرجل قيد ساقها:
"حفظتها.. لن أتأخر.."
قبض الرجل على معصمها ليدفعها إلى النهوض.. جارًا قدميها الخائرتين إلى خارج الغرفة.
دفعها الحارس أمامه في الممر الضيق، وصولاً إلى باب الحمام المظلم. فتح الباب بعنف وألقى بجسدها إلى داخل دون كلمة..
أغلق الباب وراءها، وسُمع صوت وقوفه بالخارج يتكئ على الجدار.
تأملت ليلى هيئتها وملامحها الشاحبة في المرآة المنكسرة بحسرة..
تنهدت سريعًا وتغيرت نظراتها، فهي تعلم يقينًا أن حياتها لا معنى بالنسبة لهم.
وأنهم سيقتلونها في جميع الأحوال، إذًا لا مانع من المخاطرة.
"ساعدني يا ربي."
همست بها ليلى قبل أن تقرر أن تفعل ما تفكر به منذ أيام..
خلخلت أصابعها في خصلات شعرها لتخرج منه دبوسها الصغير..
أجبرت جسدها على الصعود فوق صندوق المرحاض، لتصل إلى النافذة المغلقة.
أدخلت دبوسها لتعاود محاولتها بفتح القفل..
لم تكن المحاولة الأولى، بل كانت بعد العديد من المرات الفاشلة.. حتى نجحت أمس أخيرًا في خلخلة القفل..
أعادت المحاولة على عجلة وهي تعد في سرها الوقت المتبقي لها.
حاولت فكه بسرعة أكبر..
توترها يزيد، ودموعها تفّر قسرًا.
"أرجوك.. فقط افتح.."
وما إن انفتح أخيرًا ودفعت بالزجاج لأعلى.. تنهدت ليلى بابتسامة أملٍ يعود إلى صدرها.
كانت النافذة مرتفعة جدًا حتى تصل قدمها إليها للخروج.
ولكن ليس هذا ما سوف يعيقها الآن..
تشبثت بطرف النافذة، حاولت دفع جسدها المنهك للأعلى..
عضلاتها تخونها لتهبط من جديد.
"أنتهى وقتك!"
تسارعت ضربات قلب ليلى هلعًا من الصوت الذي باغتها..
حدقت بالنافذة وحاولت الصعود مجددًا..
عاد الطرق يضرب بقوة أكبر:
"أقسم سأفتح الباب إن لم تخرجي من تلقاء نفسك!"
انتظر الرجل عشر ثوانٍ وقد استغرب السكون الذي لا يشغله سوى صنبور الماء المفتوح.
قطّب حاجبيه بعصبية قبل أن يدير المقبض ويدفع الباب:
"أنتِ من جلبته لنفسك و—"
تسمر الرجل في مكانه للمنظر أمامه.
فقد كانت النافذة مفتوحة، الحمام فارغ، وإحدى فردتي حذاء ليلى ساقط أرضًا.
"الفتاة هربت! لقد هربت الفتاة من النافذة الخلفية!"
تردد صدى الصرخة في الممر الضيق، متبوعًا بوقع خطوات ثقيلة ومتسارعة هرعت نحو الطابق السفلي..
في هذه اللحظة، وفي الظلام الدامس للخزانة الخشبية الضيقة تحت الحوض..
كانت ليلى تنكمش على نفسها كجنين، حاشرة جسدها النحيل بين أنابيب المياه المعدنية وزجاجات المنظفات القديمة.
رائحة النفاذة للغبار والمنظفات تخنق حنجرتها، وحاجتها للسعال تصارع غريزة البقاء الجارفة في صدرها..
كانت كفها المرتعشة تطبق على فمها بقوة لتكتم زفيرها المتسارع، بينما الحافة الصلبة للأنبوب تغرس في ظهرها المنهك وتسبب لها ألمًا حادًا لم تحفل به.
ارتفع صوت شتائم صلاح لرجاله وهو يتجه إلى الباب الخلفي حيث تطل نافذة الحمام..
تعالت الصيحات في الخارج، واهتزت أضواء الكشافات اليدوية عبر زجاج الشباك المفتوح، قبل أن يبدأ المنزل في الغرق بصمت تدريجي، بعدما اندفع الجميع إلى الحقول الخلفية.
مرت ثوانٍ كأنها دهور على ليلى في مكمنها الخشبي الضيق.. وأصبح صراخ الرجال يبعد شيئًا فشيئًا في المدى الخارجي.
بأصابع ترتجف، دفعت ليلى دلفة الخزانة الخشبية ببطء قاتل يخشى الصرير.
انسل جسدها الضئيل ليهبط على أرضية الحمام.
لامست قدمها الحافية برودة الأرضية لتنهض.
لم تضيع كسراً من الثانية..
حبست أنفاسها وهي تخطو بخفة خارج باب الحمام.
كان الممر العلوي خاليًا وباردًا.
تسللت نحو الدرج الخشبي، تنزل درجاته بحذر شديد وهي تتجنب موضع الخشب الذي يعزف صريرًا.
عندما بلغت أسفل الدرج، وتأكدت من خلو المكان..
هرعت مهرولة بذعر نحو الباب الأمامي لمنزل المزرعة..
دفعت الباب الثقيل بصمت حتى اتسع لجسدها، لتستقبل وجهها نسمات الليل الباردة المحملة برائحة التراب والنباتات الندِيّة.
تطلعت بلمحة خاطفة نحو الفناء الخلفي؛ رأت حزم أضواء الكشافات وهي تتراقص بين الأشجار البعيدة، وصياح زايد يتردد من الناحية المعاكسة.
دون تردد، انطلقت حافية القدمين فوق الأرض الترابية القاسية.
اندفعت نحو الطريق الأمامي المظلم والمنعزل، يلفها السواد الشديد وصوت أنفاسها اللاهثة الممزوجة بضربات قلبها المتسارعة، وهي لا تفكر في شيء على وجه الأرض.. سوى أن تستمر في الركض.
هرولت حتى آلمتها كعوبها أكثر من ذي قبل.
ركضت حتى تعالت أنفاسها وباتت مسموعة.
أبعدت خصلاتها الملتصقة بجبهتها وهي تلتفت في كل النواحي لتحاول معرفة أين هي..
ما كان يستقبلها سوى حلكة الليل، لا ينيرها سوى ضوء خافت كان من طاحونة ضخمة مجاورة..
ذات لون أزرق..
تضارب قلبها كطبول الحرب، متابعةً الركض مجددًا..
تردّد صدى صرخات غاضبة من جهة المزرعة قطعَت سكون الليل، يرافقها جلبة تخبط أقدام ثقيلة بين الأعشاب الجافة.
تسمّرت ليلى خلف برميل معدني صدئ، وهرعت تعتصر جسدها في المساحة الضيقة بينه وبين شجيرة صبار برية. ابتعلت ريقها المُر، وضغطت بيديها على فمها لتكتم صوت صفير أنفاسها المتهدجة التي كادت تفضح مكمنها.
مرّت أطياف الضوء النافذ من كشافات الحراس تتراقص على جدار الخشبي، بل إن إحدى حزم الضوء قطعت الظلام على بُعد سنتيمترات قليلة من رأسها المبتل بالعرق.
انقبض قلبها برعب أليم..
متضرعة في سرها ألا يلتفت أحدهم.
وما إن ابتعدت أضواء الكشافات قليلاً واتجهت نحو البساتين المجاورة، حتى انسلّت ليلى، زاحفةً على ركبتيها بين الأعشاب، متجهة نحو سور المزرعة الخارجي.
كان السور يتكون من أسياخ شبكة معدنية يكسوها الصدأ.
تجمّعت الدموع في عينيها وهي تنظر إلى علوّه، ولكن أصوات تحركهم لم تترك لها خياراً للتفكير.
تخللت أصابعها شبكة السور، وغرست قدميها الحافيتين بين فتحات السلك بعزمٍ يائس.
كل خُطوة صعود كانت تؤلمها أكثر، وحواف الحديد الصدئة تخدش معصميها.
وصلت إلى أعلى السور، وبحركة خاطفة تفتقر إلى أي توازن..
ألقت بجسدها إلى الناحية الأخرى لتسقط على الأرض خارج حدود المزرعة.
ارتطم جسدها بالأرض بقوة نزعت النفَس من صدرها..
فرّ عنها أنين باكٍ لتكتمه بفمها، هامسة بوجع:
"أريد العودة إلى المنزل.."
نهضت مترنحة وانطلقت تركض.
ركضت على الطريق المظلم غير الممهد، يحيط بها الخلاء من كل جانب.
كانت الحجارة الحادة تشق أسفل قدميها مع كل وطأة، لتخلف وراءها آثار دماء دافئة تلطخ التراب.
ظلّت تركض لفترة لم تستوعبها..
تظل تهمس باسم والديها كطفلة في الخامسة تاهت عنهما وتريد العودة لهما من جديد..
توسعت حدقتاها هلعاً وهي تلتفت خلفها مع كل صوت تشكله الريح، تتخيل أيديهم الممتدة لتمسك بها مجدداً.
تزايدت حرقة قدميها حتى باتت تجرّهما جراً، والدموع تعمي بصريها، تتوسل لأي شعاع أمل يُنقذها من هذا الجحيم.
وفجأة.. شقّ السوادَ الحالك شعاعان ضوئيان قادمان من بعيد!
مصابيح سيارة تقترب من أفق الطريق المنعزل!
شهقت ليلى بصوتٍ واهن، وقُذف في قلبها سيلٌ عارم من الرجاء.
جمعت ما بقي في جسدها المتهالك من رمق، وقذفت بنفسها إلى منتصف الطريق، ترتعد وتتلوى لتلفت الانتباه.
رفعت يديها لوجه الضوء الساطع الذي أعمى عينيها، وأخذت تلوّح بهستيرية وهي تصرخ بصوت مبحوح شقّه البكاء:
"توقفوا! أرجوكم.. أرجوكم! توقفوا!"
ارتفع صوت صرير مكابح السيارة حاداً ومفاجئاً، لتقف المركبة على بُعد خطوة واحدة من جسدها المرتعد.
سقطت ليلى على ركبتيها أمام مقدمة السيارة من شدة الإعياء، وغطت وجهها بيدها تتقي الضوء الباهر، بينما صدرها يعلو ويهبط بضربات قلب كادت تخرق أضلعها. بكت بحرقة وهي تتنفس الصعداء، ظانةً أن القدر قد كتب لها النجاة أخيراً.
توقف محرك السيارة، وانفتح الباب الجانبي ببطء شديد..
خرجت قدم تعتلي حذاءً جلدياً أسود لمع تحت أضواء السيارة، تلتها قامة طويلة ترجلت بكل أريحية وهدوء.
اتسعت عينا ليلى برعبٍ شلّ أطرافها عندما انحجب الضوء الساطع فجأة بظل الرجل الواقف أمامها مباشرة.
رفعت رأسها ببطء، لتلتقي عيناها بملامح صلاح المطمئنة ببرود، وشفتيه اللتين امتدتا بابتسامة تهكمية مظلمة وهو ينظر إلى حالتها..
مط شفتيه بدرامية:
"لمَ ضيفتنا تريد الرحيل بتلك السرعة؟ ألم تعجبكِ ضيافتنا يا ليلى؟"
تاهت عينا ليلى وكأن عقلها يعجز عن الاستيعاب، بينما أردف صلاح:
"أخبرتك قبلًا أنكِ لا تفضلين المعاملة اللطيفة، وأنني صبور بما يكفي.."
أظلمت ملامحه تدريجيًا واختفت ابتسامته ليسترسل:
"ولكن الليلة.. قد كسرتِ ما تبقى من صبري."
لم تركز ليلى على أيٍ مما قال..
لم ترَ سوى وقع أحذية تتقدم إليها، قبل أن تشعر بأن جسدها يهوى، واجفانها تسقط، ليبتلعها الظلام.
***
الساعة ١٢:٠٢ صباحًا.
كان أزيز محرك حافلة النقل العام يقطع سكون الليل، بينما تتأرجح أضواء مصابيحها الخافتة الصفراء فوق الوجوه القليلة المجهدة للرُكّاب الذين تناثروا في المقاعد الخلفية للحافلة.
وقف حسن في المنتصف، قابضًا بيده على الحزام المطاطي المتدلي من السقف.
عيناه الزائغتان تراقبان الطريق عبر الزجاج، قبل أن ترتدا لتتفقدا وجوه الركاب؛ خشية أن يتعرف أحدٌ على ملامحه التي باتت مطاردة في كل شاشة ونشرة أخبار.
وعلى الكرسي الملاصق له، كانت لين تجلس منكمشة على نفسها ككتلة ضئيلة، تبتلعها سترتها الكبيرة، وقد غرق رأسها الصغير تحت القلنسوة الداكنة.
تباطأت حركة الحافلة تدريجيًا، وانبعث صرير المكابح الصاخب متبوعًا بهسيس الهواء المضغوط معلناً الاقتراب من العنوان المطلوب.
انحنى حسن بجسده قليلاً نحوها، وهمس بصوتٍ خفيض يُغلفه الاستعجال:
"لين، وصلنا."
لم يتلقَّ منها أي إجابة، وظل جسدها ثابتاً ورأسها يميل بزاوية واهنة نحو جدار النافذة.
"لين."
لم تجبه مجددًا، فمدّ حسن أصابعه وزحزح طرف القلنسوة عن وجهها..
لتنكشف له ملامحها الغارقة في نومٍ جارف من فرط الإنهاك.
توقف حسن في مكانه، وغمرته موجة عارمة من الشفقة والذنب وهو ينظر إلى تلك الصغيرة التي رُميَ بها في دوامة خوف ومطاردة دون ذنب..
تتنقل معه من مكان لآخر، تتلفت بذعر، وتعيش شقاءً لا يُطاق لطفلة بعمرها.
أعاد سحب القلنسوة فوق وجهها ليغطيه تمامًا عن أعين المارة وسائق الحافلة.
انحنى نحوها، وأدخل كفيه تحت ذراعيها ثم همّ برفعها.
حملها بحرص واضعاً وجنتها على كتفه، فتنهدت الصغيرة في نومها واستكانت رأسها بعدما تشبثت أصابعها في سترته..
توقفت الحافلة تمامًا وانفتحت الأبواب.
عدّل حسن من وضعيتها وحقيبته، ثم خطا نحو السلم، يهبط من الحافلة إلى الشارع..
تحركت الحافلة مبتعدة لتترك وراءها سكونًا مطبقًا وهواءً لاسع البرودة.
وجد حسن نفسه يقف على طريق مرصوف، في حي سكني راقٍ وهادئ تبدو عليه ملامح الثراء والهدوء. الشوارع نظيفة تخلو من أي مخلفات، والبيوت هنا عبارة عن منازل فارهة، وتتوسطها حدائق منسقة بعناية وأسوار قصيرة مزينة بأسيجة نباتية أنيقة.
لا وجود لصخب المدينة أو عيون المارة الفضوليين هنا؛ فكأن العالم بأسره قد غط في نوم عميق، باستثناء وميض الأضواء الخافتة المنعكسة على النوافذ المغلقة.
شدّ حسن غطاء قلنسوته أكثر على وجهه، وعدّل وضع الصغيرة بين ذراعيه.
مرّت دقائق وهو يمشي بخطوات سريعة وحذرة، يتفرس في لوحات الأسماء والأرقام المعلقة على الأسوار بحثًا عن العنوان المنشود.
بدأت لين تتحرك بتململ خفيف على كتفه، وفركت عينيها بظهر كفها قبل أن تفتحهما بتثاقل، لتخرج منها تنهيدة واهنة محملة ببقايا نعاس ثقيل.
"أين نحن..؟"
"أخيرًا استيقظتِ."
توقف حسن في منتصف الرصيف، وانزلها بحركة سريعة إلى الأرض لتستقر على ساقيها، وهو ينفض كفيه متذمراً:
"ما بال وزنك هذا؟ متى زدتِ وزنًا؟!"
تثاءبت لين قبل أن تعدّل من ملابسها وتربت على بطنها:
"اظنني سأكمل عشائي الآن."
تمتم حسن في سره عاجزًا عن فهم ألية عمل معدتها وجسدها بأكمله!
تأملت لين المكان من حولها باستغراب:
"الحي يبدو كالبيوت الأنيقة في الأفلام، هل سنبقى هنا؟"
لم يسمعها حسن إثر تركيزه على المنازل وارقامهم.
يبحث عن منزلٍ محدد..
لمَن؟
لا يعلم..
ثقة حسن بسالم صلدة، تكاد تكون عمياء.. يعلم أنه طالما أخبره بمعلومة، فلن يتحرى خلفه.
وبالرغم من ذلك، لم يختفِ ذلك الضيق المزعج الذي لم يجعله يرتاح.
وصل أخيرًا إلى المنزل المطلوب..
المنزل رقم سبعة عشر.
عدّل حسن قلنسوته ورفع قماشة سوداء أشبه بلثام لتغطية ملامحه، متوقعًا وجود كاميرات مراقبة قريبة.
تخطى الحديقة واقترب ليدق الجرس.
ما كانت إلا ثوانٍ قبل أن ينفتح الباب لتظهر الخادمة بعيونها المترقبة.
اقشعرت وتراجعت خطوة للخلف فورما رأت هيئة حسن وفي هذا الوقت المتأخر..
ليبدو ولو أنه سارق أتى لانتشال ثروة سيدتها!
لو علمت أن حسن كان يخفي مدية في جيبه، لأبلغت الشرطة دون انتظار كسر ثانية.
حاولت الخادمة طمئنة نفسها بوجود طفلة معه، وبهيئة مبتسمة.
نظفت حلقها قبل أن تسأل بريبة:
"كيف أساعدك..؟"
ضاقت عينا حسن سائلًا:
"أنتِ صاحبة البيت؟"
هزت السيدة رأسها بخفوت:
"سيدتي بالأعلى.."
استوعبت شيئًا أقلقها أكثر حياله:
"لمَ قد تزور بيتًا لا تعرف صاحبه؟"
"لا شأن لك.. أريد مقابلة صاحبة البيت."
تسارعت ضربات قلب الخادمة وهي لا تشعر تجاهه بالأمان إطلاقًا..
"الوقت متأخر.. يمكنك زيارتها في الصباح."
دفعت السيدة الباب لغلقه في وجهه بعدما تملكها الخوف..
ولكن شيئًا ما أعاق غلقه، فقد مد حسن حذائه سريعًا ليمنعها.
شهقت الخادمة محاولة غلقه بالرغم من قدمه، فتح حسن الباب قسرًا محاولة تدارك الوضع، فصرخت الخادمة بذعر:
"سيدتي! أبلغي الشرطة! النجد—"
بترت الكلمات في حلقها إثر انغلاق كف حسن على فمها دافعًا إياها للداخل، مغلقًا الباب خلفه بقدمه:
"لمَ تبحثين عن المشاكل؟! طلبت منكِ شيئًا واحدًا."
قبل أن تحاول لين دفع والدها بعيدًا عن الخادمة، التفتت نحو الصوت الذي أتى بغتة من بداية الدرج:
"مَن أنت وماذا تريد؟!"
حوّل ثلاثتهم نظرهم نحو تلك السيدة النحيلة التي تقف بالأعلى، بمسدسها بين يديها..
كانت في أواخر الخمسينات من عمرها.. وبالرغم من ذلك، لم يبدُ عليها العجز، ملامحها ولو أنها أصغر سنًا، حتى من الإجهاد الظاهر عليها.
كانت السيدة بشعرٍ أبيض، ناعم، وقصير، مختلطٍ بخصلات بنية تروي عن جينات شعرها الأصلي.. مع رداء نومٍ طويل بأكمامٍ واسعة..
انكمش وجهها بشدة وهي توجه مسدسها بتهديدٍ نحو حسن، تحدق بعسليتيه المألوفتين دون إرخاء سلاحها، ولكن ملامحها استكانت على الفور عندما وقعت على لين..
اتسعت مقلتاها بعدم تصديق..
سقط المسدس من بين أصابعها على الأرض بدويٍ مكتوم، ورفعت كفها لتغطي بها شفتيها التي انسالت منها ابتسامة مرتعشة.
تحاول استيعاب ما إذا كانت تحلم أو لا..
وقد أتى إليها بنفسه!
فورما سقطت كف حسن عن فم الخادمة، تراجعت إلى الخلف لتفر بعيدًا عنه محذرة سيدتها:
"سيدة سُهِير! سوف أبلغ الشرطة!"
"إياكِ!"
انتفضت الخادمة من نبرتها المذعورة..
تخطت سهير السلالم في غضون ثوانٍ وعينيها لا تفارقان حسن..
حسن الذي لم يتوقع رؤية تلك المرأة مجددًا في حياته..
تلك المرأة التي عهدها اسمًا بلا روح، بلا ذكرى.. حتى لو تغيرت ملامحها بفعل الزمن..
اقتربت سهير من لين بابتسامة وهي تمد لها كفها، متذكرةً رؤيتها لتلك الصغيرة في المشفى:
"لين؟ أليس كذلك..؟"
تشبثت لين في كم سترة حسن وهي تخفي وجهها في القلنسوة، خوفًا من تلك المرأة التي كانت تحمل سلاحًا تخافه لين.. فقبض حسن على معصمها على استعداد للمغادرة.
فرّ صوت لين هامسًا بتردد:
"مَن أنتِ..؟"
اتسعت ابتسامة سهير وهي تحوّل وجهها مرارًا بينها وبين حسن، لتجيبها أخيرًا:
"ألا تريد حفيدتي.. التعرف على جدتها؟"
Hana Elahmar