مركز التسوق

مركز التسوق

207 0

الساعة ٢:١٢ ظهرًا

إلى نحو قرابة الربع ساعة، ظل حسن جالسًا فوق فراشه أمام الحاسوب يقرأ ما كتبته ندى عن حالة لين لتشخيصها بعد حوالي ثلاث جلاساتٍ للآن، والذي أرسلته إلى الحساب الوهمي بموقع جلساتها..

راحت عَسليتاه تجولان على الكلمات مرارًا..

- إلى حسن عبد السلام

​أكتب لك هذا التقييم بعد محادثاتي مع لين. في البداية، أود أن أؤكد لك أن لين طفلة شديدة الذكاء، وتتمتع بحساسية عالية وقدرة فريدة على الملاحظة، لكنها تحمل في الوقت الراهن عبئًا نفسيًا يفوق قدرتها على التحمل بمفردها.

- تعاني لين من أعراض واضحة لـ "اضطراب ما بعد الصدمة المعقد".

والمصحوب بما يُعرف نفسيًا بـ "عقدة ذنب الناجي" .

​خلال حديثنا وبمجرد الاقتراب من مفهوم "الخطر"، دخلت لين في نوبة استرجاع قهري للحادث. في تلك اللحظات، لا تتذكر لين الخوف من ذلك "الشخص السيئ" فحسب، بل يعيد عقلها وجسدها عيش لحظة مقتل والدتها أمام عينيها. المأساة الحقيقية هنا ليست فقط في مشاهدتها للحدث، بل في تفسير عقلها له؛ لين تلوم نفسها بشدة، وتشعر بمسؤولية وهمية وقاسية بأنها فشلت في حماية والدتها وإنقاذها. هذا الشعور العميق بالعجز والذنب هو ما يغذي نوبات هلعها، ويجعلها تخشى الارتباط بالواقع.

خطر على بال حسن كل مرة استفسر من لين عن تلك الليلة..

كيف كانت أحيانًا تتوتر بانعقاد يديها وتسارع تنفسها، وأحيانًا أخرى تصرخ ولو أن القاتل هو الذي أمامها يحدثها!

أكثر ما استفز حسن من التشخيص هو التحذيرات والارشادات التي ترفض سؤالها تمامًا عن ليلة الحادث معللةً بأن هذا ما سيزيد من نوباتها.

أغلق حسن الحاسوب ونهض من الفراش متجهًا لخارج الغرفة نحو المطبخ.. فتح الثلاجة والتي نفذ منها خزين الأسبوع معظمه تقريبًا، عليه الطلب من السوق المركزي.

ترجّل من المطبخ متجهًا إلى الهاتف ولكن استوقفه منظر لين..

لاحظ لين التي كانت على أريكة غرفة المعيشة بوجهٍ بائس، يدٌ على خدها وهي تشاهد الفيلم بملل.

قال حسن معلقًا:

"تبدين كمّن تحمل هم خمسة أطفال"

فرت كلمات لين بطيئة:

"لا أريد ذلك الفيلم.."

"تدركين أنكِ تستطيعين تغييره؟"

أردف بتهكم:

"كما تعلمين، شيء يدعى جهاز التحكم."

رفعت لين رأسها لتنظر نحوه مقطّبةً حاجبيها:

"أعرف ما هو جهاز التحكم"

ارتفع ثَغره بنصف ابتسامة أظهرت غمازته:

"هذا يتعارض مع أسئلتك الوجودية"

خَطا نحوها ليلاحظ ذلك الوجه الذي لم يرتخِ بعد:

"كم مرة علي اخبارك أني لا أحب ذلك الوجه صباحًا؟ يعكر المزاج في بداية اليوم"

اجابته ومُقلتاها لا تزالان على الشاشة:

"مللت من التلفاز.. شاهدت ذلك الفيلم قبلًا، احفظه واحفظ جملهم.. حتى أني حفظت تعابيرهم عند كل جملة لدرجة تمكني من تمثيل المشهد أفضل منهم"

رفع حاجبيه ليقول بسخرية:

"أوه، أود أن أرى ذلك"

حوّلت لين نظرها نحوه لتحرك شفتيها تزامنًا مع الكلمات الصادرة من الشخصيات، مع مواكبة تعابير الوجه المتأثرة من البطلة.

"لو كنتُ مُخرِجًا للأفلام.. لكنت أعلنت اعتزالي في غضون أول مشهدٍ لكِ"

أبدت لين اعتراضها قائلةً:

"كنتُ لأكون ممثلةً عالمية!"

"أنتِ ممثلة شنيعة"

"لستَ لطيفًا"

أعادت لين وجهها نحو الشاشة متربعةً الذراعين مع انزعاجٍ أُضيف إلى شعورها بالملل..

لا مَدرسة.. لا أصدقاء.. لا تواصل مع أحد..

الشعور بالضجر أمرٌ طبيعي.

التقط حسن الهاتف للإتصال بخدمة التوصيل من أجل المؤن والطعام، قبل أن يضغط زر الاتصال.. حملق بلين للحظة ثم إلى الهاتف..

هو أيضًا ملّ من تواجده في تلك العزلة وتعب من صمت المكان الذي يزيد فوق ثقل أفكاره ثقلًا.

بعد بضع لحظات من التفكير، أغلق الهاتف بعدما حسم أمره وقال:

"تودين الذهاب إلى مركز التسوق؟"

رفعت لين عَسليتيها بعدما لمعتا ببريق حماسٍ طفيف.

***

الساعة ٢:٣٧ ظهرًا

استند عمر على سيارته أمام المدرسة حيث تعمل ليلى؛ هذه المرة لم يكن الدافع مجرد حاجته إليها لجني معلوماتٍ عن الدار، بل كان هناك شيء آخر.. عليه أولًا كسب ثقتها وإصلاح ما تسبب به، خاصةً أن إعجابه بها قد نما وتجاوز حدود العناد والظهور، لاسيما بعد مشَادتهما الأخيرة في موقف السيارات. كان إعجابًا من نوعٍ مختلف، جعل نصف ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيه فور تذكره أنها بحثت عن حسابه الشخصي، حين أعلمته أنها تعرف عن إقامته بالخارج .

لن تعرف ليلى أنه مرّ على الدار منذ ساعاتٍ قليلة لتخبره أفنان -مديرة الدار- أنها في عملها.. ولم يضِع عمر وقته؛ بل استدرج إحدى المربيات اللواتي كنّ في الدار منذ أن كانت ليلى طفلة، لتخبره كيف تعرضت للتخلي مرارًا.. ليس فقط من عائلتها المجهولة التي تركتها رضيعة أمام للدار..

وإنما لتلك العائلة التي لم تُرزق بالإنجاب وقد قررت التكفل بها عندما كانت في السابعة، لكن بمجرد أن حملت الزوجة بمعجزة جنينها.. تخلوا عن ليلى على الفور لتعود إلى الدار كغرضٍ زائد عليهم.

ناهيك عن العائلة التي اخذتها في سن الأربعة عشر عامًا، لتجد أن الزوج كان متطاولًا يضايقها، وقد يصل الأمر إلى تعنيفها بالضرب مما أجبرها على الهرب للعودة إلى الدار من جديد.

روت له المربية أن بالرغم من تقدم الكثير من الخطّاب والفرص المناسبة.. إلا أنها لا تفكر بالزواج، تحتمي بوحدتها هرباً من قهرٍ محتمل، وتأبى أن تضع نفسها في موضع الإذلال أمام رجل يعلم أن لا ظهر لها تلجأ إليه إن جار عليها.

فمن وُخِز من الصبّار مرارًا.. تحاشى ملامسة الورود تجنبًا لغدر شوكة تختبئ بين وريقاتها.

ما إن ترجلت ليلى للخارج بعد يومٍ دراسي شاق حتى جاء ذلك الشاب ليقف أمامها معترضًا طريقها بابتسامة ثقة.

لم تعره اهتمامًا واستدارت لتَتفاداه لكن عمر اعترض طريقها مجددًا، نفذ صبرها لتقول بنبرة مهددة:

"أقسم إن لم تتنحَ عن طريقي سأصرخ وأقول أنك تحاول..."

بتر كلماتها قبل أن تكملها:

"حسنًا حسنًا على رسلك! لن آخذ من وقتك، وعد"

"ماذا تريد بعد؟!"

تنهد بعمقٍ قبل أن يتحدث باتزان:

"لقد علمت الحقيقة، كان سالم محقًا بشأن عمي.. وأنا الآن اتبع ضميري لا قلبي"

لم تميز ليلى ما إذا كان صادقًا أم متلاعبًا، رفعت حاجبها لتقول بازدراء:

"ماذا تريدني أن أفعل؟ هل أصفق لك؟"

"لا، لم آتي هنا من أجل اخبارك بذلك.. فهناك شخصٌ آخر أراد سماع صوتك"

تجاهل عمر ملامح الحيرة التي ظهرت على وجهها، أخرج هاتفه من جيبه واتصل برقمٍ محدد، وما أن آتاه الرد.. تحدث عمر عبر الهاتف:

"ليلى أمامي.. أعطني لين"

***

في السيارة، وعلى الطريق المؤدي إلى مركز التسوق الذي لم يكن ببعيدٍ عن منزل البحيرة، مدّ حسن هاتفه نحو لين بعدما أخبره عمر بتواجد ليلى:

"خذي، معلمتكِ على الهاتف"

​انشقت عسليتا لين عن الطريق لتلتفتا إلى الهاتف، فانتشلته على الفور وقالت بحماس:

"معلمتي! اشتقتُ لكِ! كيف حالكِ؟ ما أخبار رأسكِ؟ هل أنتِ بخير؟ هل.."

​قاطعها حسن ليقول:

"وهل سَتمنحينها فرصة للإجابة وأنتِ تبتلعين كلماتها قبل أن تتفوه بها؟!"

​تجمّدت لين بحرجٍ طفيف، ثم تنحنحت وسألت بنبرة أكثر اتزاناً:

"كيف حالكِ معلمتي؟"

​جاء صوت ليلى دافئاً، يحمل نبرة اشتياق واطمئنان بعدما تسلمت الهاتف من عمر:

"اشتقتُ لكِ كثيراً أنا أيضاً.. هل أنتِ بخير؟"

​"أنا بخير، أنا..."

​انقطع الخط بغتةً قبل أن تكمل لين جملتها، فاستمرت متحدثة بذهول:

"مرحباً؟"

​حدقت في الشاشة للحظات ثم سألت ببراءة:

"أستاذة؟ هل أغلقتِ؟"

​التفت إليها حسن وقال بتهكمه المعتاد:

"بالطبع، وسترد عليكِ الآن عبر نظام الاستشعار عن بُعد وتقول نعم أغلقت"

​ناولته الهاتف وهي تقطب حاجبيها قائلة:

"هناك صوت يشبه صفير القطار"

​ألقى حسن نظرة خاطفة على الشاشة قبل أن يعيد تركيزه إلى الطريق قائلاً:

"لقد أغلق عمر الخط".

***

أنهى عمر المكالمة ببساطة بعدما انتشل الهاتف من يد ليلى، دون أن يمنحها الفرصة لتستمع إلى لين، ضاقت عيناها لتقول بنبرة منزعجة:

"هل تتعمد استفزازي؟"

هز برأسه نفيًا ليجيب بابتسامة:

"إذا تحدثتِ معها وأنتهى الأمر، ستغادرين دون سماعي"

"معك حق، وها أنا سأغادر على أي حال"

ولّت ليلى عنه لتسير في الجهة المعاكسة قبل أن يستوقفها صوت عمر:

"حتى وإن احتاجتكِ الصغيرة لتخطي اضطرابها النفسي؟"

استدارت ليلى ببطء، نظرت إليه بصمت قبل أن تسأل باستنكار:

"اضطراب؟"

أومأ لها وهو يفتح هاتفه ليريها التشخيص، حدقت ليلى بالشاشة وهي تقترب مجددًا ثم رفعت عينيها نحوه:

"لمَ هذا؟!"

تنهد بعمقٍ وقال بنبرة متزنة:

"اسمعي.. لين تحتاجكِ.. مرت تلك الصغيرة بالكثير بسبب أُناس لم أعد أعرف حقيقتهم.. وسوف يعاني المزيد من الصغار مثلها إن لم نضع حدًا لذلك الأمر"

"وتريد أخباري أنه أنت من سيضع حدًا؟ أنت؟!"

اجابها عمر بجدية:

"لو كنت مثلهم لكانت تلك الصغيرة بين أيديهم عند محاولة اختطافها في المقام الأول.. لكن أنظري؟ والدها يحدثني.. هي تحدثني.. ولو لم أضع ثقتي بكِ من انك تستطيعين المساعدة لما اعترضت طريقكِ مرة أخرى"

أخذت ليلى تقلب كلماته..

هي تحب لين، قلبها معلقٌ بتلك الفتاة.. خرجت كلمات ليلى متذبذبة، عكس الحزم الذي تحدثت به منذ لحظات:

"وهل تظن أن بإمكاني المساعدة؟"

"بالطبع!"

قالها عمر ببلاهة واندفاع رغم جهله بحاجة حسن لليلى، هو لا يعلم لمَ يريد حسن معلوماتٍ عن الدار حتى!

حركت ليلى مقلتيها حولها وكأنها تبحث عن سببٍ لتعترض، فقالت بنبرة خافتة محتجة:

"لكن.. لكنك ضربت ذاك الممرض"

فرّت ضحكة عمر رغمًا عنه، فتح معرض الصور على الهاتف ليريها صورة التقطها معه في السيارة:

"بربك.. كنت في سهرة معه منذ يومين، أراه أكثر من اصدقائي حاليًا!"

عضت ليلى على شفتها بتردد بينما لمح عمر ومضة موافقة في عينيها، قطع شرودها قبل أن تغير رأيها:

"يوجد حديقة قريبة.. يمكننا التحدث هناك؟"

اغمضت عينيها للحظة تتمنى ألا تندم، فتحتهما مجددًا لتقول:

"لا تطل الأمر كثيرًا"

اتسعت ابتسامته وهو يومئ ليقول بدرامية مبتذلة:

"كما تشائين آنسة ليلى"

سارت متخطيةً إياه دون أن ترد، لحق بها ليتمتم:

"ليس وكأنكِ لم تبحثي عن حسابي"

"اخرس"

قالتها على الفور دون النظر إليه، بوجنتين متوردتين.

***

صفت سيارة حسن في الموقف السفلي لمركز التسوق الضخم. ما إن توقف رنين المحرك حتى حلّ محله صخب خافت يتسلل من بوابات المركز الزجاجية. التفت حسن إلى يمينه ليجد لين وقد التصق وجهها تقريبًا بزجاج النافذة، تتأمل المارة والحركة بفضول طفولي جارف.

كان مركز التسوق على طريق السيارات وليس بالمدينة، حيث أن أغلب المشترين عائلاتٍ أو أُناسٌ على طريق سفر.

همّ حسن يحرر حزام أمانها وهو يحذرها:

"لن تبرحي جانبي.. لن تبتعدي عن منظوري"

بمجرد أن تحررت لين من حزام الأمان، فتحت باب السيارة متجاهلةً إياه لتهتف بحماس:

"سأجلس داخل عربة التسوق!"

خرج حسن من سيارته متجهًا معها إلى الداخل، دلفا عبر البوابات الإلكترونية، فغمرتهما برودة التكييف المركزي المصحوبة بمزيج من روائح القهوة والمخبوزات الطازجة.

جالت عينا لين ببريقٍ لامع في ركنٍ بالمكان أثناء سيرها جواره.

دفع حسن عربة التسوق المعدنية من بين العربات، ثم سحبها متوجهًا نحو قسم الأغذية الكبير، سألت لين بفضول:

"هل يوجد قائمة للمشتريات؟"

اجابها دون النظر أثناء التوجه نحو قسم الأغذية:

"لم أكتب واحدة.. فقط سنشتري ما نأكل"

أول ما وقعت عينا حسن عليه كان قسم المعلبات.

بالطبع! فهو لا يجيد الطهي.

قطبّت لين حاجبيها باعتراض:

"لا أحب المعلبات.. أحب طعام عمي سالم"

"ولسوء حظك أنكِ لا تعيشين معه"

قالها ثم همّ بوضع الطعام المحفوظ في العربة متجاهلًا احتجاجها، قالت بتذمر:

"إذا كنتَ ستشتري طعامًا معدًا للتسخين، إذا لنشتري البيتزا"

"وأخيرًا اتفقنا في شيء.. تعالي"

جرّ العربة نحو الثلاجات، فتح الجزء الذي يحوي على البيتزا المجمدة، احتار بين علبتين لنوعين مختلفين.. لاحظت لين حيرته:

"اختر التي بالجبن فقط، لا أفضل وجود إضافات"

"كلتاهما بالجبن فقط.. لكن ليس لدي فكرة أيهما أقل سعرًا، ما سأشتريه اليوم بمالي.. يكفي تبديد ذلك المدلل من ماله حتى الآن"

قهقهت لين من كلمة 'مدلل' لنعت الجميع عمر بها، رفع حسن رأسه نحو الماسح الضوئي الذي يحدد السعر في نهاية الرواق، أشار للين بحاجبيه نحو الماسح وقال محاولًا حثها للاعتماد على نفسها:

"خذي العلبتين وحددي السعر وعودي لتخبريني"

رفعت لين يدها في تحية عسكرية مبتذلة:

"عُلِم وينفذ يا قائد!"

انتشلت العلبتين من يده وهرعت نحو الماسح، عاد حسن نحو الرفوف ليختار نوع ذرة محدد، أثناء انشغاله..

اقتربت إحدى الشابات لتبحث عن نوعٍ من رفٍ عالٍ..

أثناء محاولتها للوصول إليه، ارتطمت يدها بالبرطمان ليهوى من على الرفّ، وقبل أن يرتطم بالأرض..

التقطه حسن بخفة في منتصف الطريق إلى الأرض ثم ناولها إياه ببساطة، ابتسمت الفتاة وتناولته من يده:

"كاد أن يسقط من يدي.. يا للحماقة"

أومأ حسن وهو يعاود البحث عن النوع المفقود:

"توخي حذرك"

لاحظت الفتاة بحثه لتقول مشيرة للبرطمان بيدها:

"ذلك النوع جيد جدًا بالمناسبة.. يمكنك استخدامه بدلًا من الذي تبحث عنه"

نظر إلى البرطمان قبل أن يعيد بصره إلى الرف:

"جربته.. ليس جيدًا إطلاقًا"

حدقت الفتاة في النوع بيدها ثم شتمت في سرها صديقتها التي نصحتها به..

كانت ملامحه الجامدة ونبرته الواثقة توحي بلغة خبير، ممزوجة بمسحة من الجفاء الذي لا يملكه عادةً العزاب التائهون في ممرات الأغذية. لمع في ذهن الشابة على الفور أنه بالتأكيد رجل متزوج، وأن هذه المعرفة بالأنواع نابعة من تجارب طلبات زوجته التي أرسَلته من أجل التبضع.

بفعل هذه الفكرة، هبطت عيناها تلقائيًا نحو يده اليسرى المستندة إلى حافة عربة التسوق المعدنية..

لا خاتم زواج..

وجد حسن النوع الذي يبحث عنه أخيرًا.. التقطه من رفٍ مرتفع بسهولة، قالت الشابة محاولةً فتح حوار:

"إذا كنتَ تقول انه أفضل.. هل يمكنك مناولتي واحد منه"

فتحت الفتاة فمها لتشكره أثناء التقاط حسن برطمان آخر.. لكنها أغلقته قبل أن تتحدث فور تعالي صوت فتاة صغيرة تنادي بتأوه:

"أبي.. أبي"

بالطبع كانت لين التي اصطنعت سقوطها أرضًا فور رؤية تلك الشابة تحدثه.. نشقت باصطناعٍ وعيون دامعة مزيفة وهي تتظاهر بعجزها عن النهوض:

"اصبت ركبتي"

قلّب حسن عينيه وقد فهم حيلتها وما يدور برأسها.. فلم تكن تلك المرة الأولى التي تحاول فيها إبعاد امراة عنه..

اعطى الشابة البرطمان الذي طلبته متجاهلًا تفاجؤها ثم خطا نحو لين، بمجرد اقترابه تظاهرت بالتأوه:

"أحضرت علبة البيتزا تلك واعدت الأخرى للمجمد.. في طريقي سقطت"

وصل إليها حسن ثم جثا نحوها حتى لا يسمعه سواها، همس بابتسامة متهكمة:

"حبكة سيئة وممثلة شنيعة.. تظنين أني لا أفهم ألاعيبك؟"

همست له بامتعاض:

"مزعجة ومتملّقة! كنت أنقذك منها لا أكثر"

أمسك حسن بذراعها دافعًا إياها للنهوض:

"هل أنتِ زوجتي وأنا لا أعلم؟!"

"ضريبة أن يكون لك ابنة"

التقط البيتزا من يدها وأمسك بذراعها بيده الاخرى ليجرها معه للعودة إلى العربة متمتمًا:

"بل ضريبة أن يكون معي امرأة في جسد طفلة"

ظلّت الشابة متسمرّة في مكانها وقد استنتجت أنه ربما يكون منفصلًا، بعدما التقط حسن العربة واستدار لجرها بعيدًا.. تعمدت لين لفظ كلمة 'أبي' مرارًا بصوتٍ ملحوظ.

***

على إحدى المقاعد الطويلة بحديقةٍ عامة.

كانت ليلى تحاول جاهدةً لملمة شتات عقلها. لم يكن من السهل عليها استيعاب كل تلك الأهوال التي تجرعتها لين وروى تفاصيلها عمر؛ رؤية الطفلة لأمها وهي تُلفظ أنفاسها الأخيرة أمام عينيها، ملاحقة تلك العصابة لها، ثم ذلك العبء النفسي الثقيل الذي خلفه اضطراب ما بعد الصدمة في روحها.

بالمقابل أخبرته ليلى عن أسرار الدار، وكيف أن هناك بعض الأطفال تم التكفل بهم وأخذهم، لينقطع أثرهم خلف أسوار الغيب، دون أن يملك أحدٌ القدرة على تتبع خطاهم بعد ذلك.

ارتدت يد ليلى لتغطي فمها غريزيًا، وكأنها تحاول كتمان حقيقة مرعبة دوت في رأسها بغتة.. أيعقل أن يكون الموت هو المصير الحتمي لرفاق طفولتها الذين غابوا ولم يعودوا؟!

لم تسمح ليلى لدموعها بأن تفر، متمسكةً بكبريائها أمامه، قالت بنبرة متحشرجة:

"اتدرك أني كنت احسدهم في صغري ظنًا أن العائلة التي تكفلت بهم سافرت معهم للخارج لتهبهم حياة سعيدة، والحقيقة أنهم كانوا..."

لم تكمل جملتها من قسوة الواقع، أومأ لها عمر بتفهم.. مانحًا إياها وقتًا للاستيعاب قبل أن يلقى سؤاله بحذر:

"هل تظنين السيدة أفنان.. متورطة معهم؟"

رفعت ليلى ناظريها لتهز رأسها نفيًا على الفور وبلا تردد:

"بالطبع لا! هي بمثابة الأم لي.. من المستحيل أن تكون على علم بشيء من هذا القبح!"

حدق عمر بعينيها ليقول بنبرة عميقة:

"وعمي كان بمثابة الأب لي.."

خفضت ليلى من نظرها مجددًا ملاحظةً تناقضها.. فهي مَن وعظته قبلًا ألا يرمي الاستنتاجات إلا بدليل واضح، وها هي تبرئ شخصًا عزيزًا عليها دون أن تتحرى خلفه.

قالت بأسى:

"لا أدري أي شيء الآن.. وكأنك تروي لي كابوسًا سيئًا"

تنهدت بعمق مستجمعةً شتات اعصابها ثم أردفت بثقة وحسم واضح في عينيها:

"سأساعد بكل تأكيد.. أخبرني بما تريدون وطالما بإمكاني المساعدة فسأفعل"

صمت قليلًا ينظر إليها قبل أن يقول باستنكار:

"لم تترددي حتى.. تقولينها هكذا، بتلك البساطة؟"

"تربيت معهم.. أنا واحدة منهم.. لم يذوقوا الحرمان من كل شيء في الحياة فقط من أجل أن تُسلَب حياتهم كلها بلا معنى!"

"تدركين أن الاقتراب منهم خطر.. أليس كذلك؟"

ابتسمت بسخرية مريرة مجيبةً إياه:

"وها هو ابن تلك العائلة يجلس أمامي"

ابتسم هو الآخر وهو يومئ برأسه:

"منطقي.. نقطة عادلة"

سكتت ليلى للحظة ثم هزّت بكتيفها وكأنها تقول شيئًا بديهيًا:

"وأيضًا.. أنا أملك حرية المخاطرة.. ميزة ألا يكون لديك أحد، صحيح؟"

صفعته بكلماتها لينهشه الشعور بالذنب تجاه ما تفوه به قبلًا، اختفت ابتسامته تدريجيًا وهو يخفض من مقلتيه، حاول عمر تصحيح موقفه قائلًا:

"اسمعي.. آه.. ما قلته.. كان حقًا حماقة.. لم أقصد أيًا منه حقًا، كانت لحظة غضبٍ لا أكثر"

اجابته ليلى بنبرة هادئة متزنة:

"وقت الغضب تعرف جوهر مَن أمامك ومعدنه دون تزيينٍ للكلمات"

"لا، غير صحيح! بدليل أن والداي أيضًا قد رحلا.. تلك الكلمات السخيفة تنطبق علي أنا الآخر! خاصةً بعد معرفة حقيقة عمي"

"الأمر ليس سيان.. لديك اسم لعائلتك.. تعرف من أين جئت، لك خال أو جد.. لك أصل، أما مَن يأتي إلى هذه الدنيا خاوي الوفاض من كل ذلك.. فإنه يرحل عنها خاويًا أيضًا."

قبل أن يفتح عمر فمه أوقفته على الفور:

"لا تقل شيئًا.. لا أحب نظرات الشفقة تلك ولا استسيغها إطلاقًا.. ربما لا أستطيع أن أعدك بمسامحتك حاليًا.. لكن أعدك أني سأساعد"

ارتخت ملامحه وهو يرى محاولته لترميم انكسارها والاعتذار عما سلف تبوء بالفشل الصامت.

في تلك اللحظة.. ضاقت عينا ليلى بفعل التفكير، وغاصت في ذكرياتها القديمة.. فجأة، ارتفع حاجباها وكأنها عثرت على مفتاحٍ ذهبي وسط ركام الماضي، فقالت بنبرة سريعة:

"أظنني اتذكر بعض الأسماء من الصغار الذين اختفوا! كان ذلك منذ سنواتٍ طويلة بالطبع.. هل ادونها لك؟ هل ترى لذلك نفعًا؟"

حرك عمر شفتيه لترتفعَا في ابتسامة شاحبة أجبرها على الارتسام فوق ثغره، ثم أومأ برأسه موافقاً في صمت.

***

في قسم الخضروات...

أثناء جر حسن للعربة حيث تجلس لين داخلها متربعة الساقين تتناول كيس بطاطا مقلية حتى تتوقف عن الإلحاح فوق رأسه، جاءه اتصال من عمر، أجاب حسن أثناء مراقبة لين لألوان الخضروات حيث توقفت العربة أمامها..

لاحظت انغماسه في المكالمة لتقرر أن تختار هي الخضروات.

تركت كيس البطاطا جانبًا والتقطت كيسًا لتبدأ في تجميع الجيد من الطماطم داخله وهي واقفة داخل عربة التسوق، التي منحتها فوق طولها القصير طولًا.

أغلق حسن مع عمر واستدار ليجد لين هي من تختار الحبّات بنفسها، مال البائع نحو حسن بنظرات إعجاب ليعلق:

"ابنتك تختار حبّاتٍ مثالية وتبتعد عن أي حبّة بها عيبٌ صغير.. لفت نظري مهارتها أمام سنها الصغير"

"هكذا إذًا؟"

أومأ البائع بابتسامة:

"حفظها الله لك"

اقترب حسن من لين وهمّ باختيار احدى حبّات الطماطم التي بدت له جيدة، ثم وضعها بالكيس.

"لا!"

اعترضت لين ثم أخذت التي اختارها لتخرجها بعيدًا، قال حسن بعدما استفزته بتصرفها:

"كانت أفضل من التي اخترتها ليكن بعلمك"

أجابته أثناء المتابعة:

"ليست كذلك.. حوَت على ثقبٍ صغيرٍ من الجانب"

"وكيف لكِ أن تعرفي أنها سيئة؟ أنا أكثر خبرة منك في الخضروات.. عشت وحدي لسنوات"

أنهت لين تجميعهم وتركتهم جانبًا لتقول بذقنٍ مرفوع ونبرة يكسوها الفخر والثقة:

"وأنا نشأت في الريف بين الحقول، وأعرف جيدًا الخضار الجيد من السيئ"

رمشت مرتين وأردفت بحيرة:

"مع العلم أن الطماطم فاكهة وليست خضروات، ومع ذلك يضعونها مع الخضروات.. لمَ برأيك؟"

تنهد حسن ملتقطًا الكيس ليضعه في العربة ويجرها بلين بعيدًا:

"تسألين لمَ؟ حتى تسببي لي الصداع بأسئلتك"

حكّت لين رأسها ببلاهة وتفكير دون التقاط الدعابة:

"هممم لا أظن أن ذلك هو السبب"

"يا الله أعنّي"

أثناء متابعة السير.. وقعت عسليتا لين على قسمٍ به ما يخص الحيوانات الأليفة، لمعت عيناها بحماس لتهتف:

"فلنشتري صندوق قططٍ لغيم"

"لن يحدث"

"أرجوك أرجوك أرجوك"

جرّ حسن العربة بعيدًا متجاهلًا إياها:

"عمر في طريقه للمنزل ويريدني في شيء ما.. علينا الإسراع لأنه متعجل وسيغادر سريعًا"

أومأت له لين بإحباط وكتفين قد هبطا.. لاحظ حسن وجهها الذي تلاشت منه معالم البهجة وحلّت مكانها ملامح يكسوها الحزن، لم يرق له الأمر..

بعد مرور لحظات، وبعدما اتجه حسن إلى قسمٍ محدد ولين لم ترفع رأسها بعد، تعبث في طرف كمها بتململ..

شعرت بشيء يُشبك في شعرها، قطبّت حاجبيها باستنكار وهي تتحسس ما بشعرها، رفعت مقلتيها لترى في المرآة أمامها ذلك المشبك الصغير على شكل هرة متصلٌ بخصلاتها الكستنائية.. وقد كانت في قسم الأزياء والاكسسوارات.

نظرت إلى حسن بالمرآة أمامها ثم استدارت لتقابله وهي تقهقه بسعادة:

"هذا لي؟!"

"وهل سيكون لي؟"

أعادت النظر في المرآة مجددًا، تحرك رأسها يمينًا ويسارًا لتتفحص مظهره في شعرها من جميع الاتجاهات..

ابتسم حسن وهو يشاهد سعادتها التي يميل قلبها لأختيارها بأبسط الطرق.

استدارت مجددًا لتحدق فيه للحظة بنظراتٍ متفحصة أثارت ريبته فقال:

"أهناك شيء على وجهي؟"

تجاهلت لين سؤاله لتقول:

"ماذا عنك؟"

"ماذا عني ماذا؟"

ولّت لين لتبحث بعسليتيها بين الرفوف على غرضٍ محدد، وقفت على أطراف أصابعها لتصل إلى ما تريد..

التقطت قبعةً رياضية سوداء اللون ثم استدارت لتواجه حسن الذي مال برأسه وهو يشاهد ما تفعل:

"اهبط برأسك قليلًا! لا أستطيع الوصول إليك"

أطلق حسن زفيرًا أشبه بضحكة قبل أن يخفض رأسه، البسته لين القبعة ثم حملقت فيه بفخرٍ لتهتف:

"نحن الآن متساويان!"

نظر إلى كليهما بالمرآة..

صورتان متناقضتان يجمعهما دفء غريب. هو بقبعته السوداء التي هبطت لتظلل عينيه مانحةً إياه مظهرًا غامضًا، بينما لين بجانبه تقف داخل العربة، ضئيلة الحجم، تبتسم ببهجة والمشبك الصغير يلمع فوق شعرها ليمنحها مظهرًا لطيفًا.

​ابتسم حسن رغماً عنه، وعدّل حافة القبعة بإصبعه قبل أن يلتفت إليها قائلاً:

"حسناً يا خبيرة الحقول.. تساوينا الآن.. هل يمكننا التحرك قبل أن يصل عمر ويجد المنزل خاوياً؟"

أومأت له وهي تعيد الجلوس بالعربة مجددًا..

رفعت لين رأسها نحوه لتضيف بنبرة خافتة:

"تبدو وسيمًا".

***

الساعة ٥:٠٣ عصرًا

تباطأت سيارة حسن لتتوقف بجانب البحيرة الهادئة. لم يكن صوت المحرك هو الشيء الوحيد الذي انطفأ، بل صبر حسن أيضاً وهو يلتفت نحو لين مكملاً جدالهما العقيم:

"أمين الصندوق ليس سارقاً يا لين.. كيف أقنعكِ بهذا؟"

عقدت لين ذراعيها وقالت باحتجاج صارم:

"لكنه لم يُعد لك سبعين قرشاً مع الباقي.. لقد احتفظ بها لنفسه!"

تنهد حسن، وضغط على زر حزام الأمان الخاص بها ليحرره وهو يقول بنبرة يائسة:

"القروش ليس لها قيمة تُذكر، لا أحد يدقق فيها."

​جالت عَسليتاها في الأرجاء دون أن تقتنع.

أثناء نزولها من السيارة، قطبت حاجبيها متسائلة:

"أين سيارة عمر؟ لا أراها"

فتح حسن باب السيارة، ودفع بجسده للخارج قائلاً:

"لا بد أنه أوقفها عند الباب الخلفي في الطرف الآخر من المنزل.. اسبقيني أنتِ إلى الداخل، وسأذهب لأرى ما يريده."

​التقطت لين حلقة المفاتيح الكبيرة التي تخص المنزل والغرف، ثم اندفعت تركض نحو الباب بخطوات متحمسة. ما إن أدارت المفتاح وفتحت الباب حتى هتفت بأعلى صوتها وهي تتلفت حولها باحثة عن قطتها:

"غيم! انظري ماذا اشتريت.. لقد حصلت على مشبك شعر!"

​لكن غرفة المعيشة كانت غارقة في سكون تام. تباطأت خطوات لين، وتسلل التوجس إلى نبرتها وهي تنادي مجدداً:

"غيم؟ أين أنتِ؟"

​أتتها الإجابة على شكل مواء خافت، لكنه لم يكن قادماً من الطابق الأرضي، بل من الأعلى. صعدت لين الدرجات بسرعة مدفوعة بفضولها.. كان المواء ينبعث من خلف باب مكتب حسن؛ ذلك الباب المغلق بإحكام دائماً.

​انحنت لين، ووجهت نظرتها نحو الفجوة الضئيلة بين أسفل الباب والأرض، والتي كانت كافية تماماً لتسلل جسد الهرة المرن. هزت رأسها بقلة حيلة وقالت هامسة:

"كم أنتِ مشاغبة يا غيم! تعلمين أن أبي يمنعني من دخول هذه الغرفة"

​تكرر مواء غيم وكأنه استغاثة لتخرج من سجنها الاختياري. نظرت لين إلى باقة المفاتيح في يدها، وازدادت حيرتها لثوانٍ.. لكن غريزة حماية صديقتها الصغيرة انتصرت في النهاية. حسمت أمرها وحدثت نفسها بيقين:

"سأخرجكِ ونغادر فوراً.. لن يعلم أبي بشيء"

​بحثت عن المفتاح المطلوب، وأدخلته في القفل ليدور بنقرة حادة تلاها صوت ارتداد اللسان الخشبي.

​دفعت الباب ببطء، وتسللت إلى داخل الغرفة شبه المظلمة. امتدت يدها الصغيرة نحو مكتب حسن وتحسست الحائط حتى وصلت إلى مفتاح المصباح المكتبي، وضغطت عليه. انبعثت هالة دافئة من الضوء الأصفر لتنير أرجاء المكان.

​جالت بعينيها في الغرفة؛ كل شيء كان يبدو طبيعياً تماماً وعادياً إلى حد الملل.. مكتب خشبي كلاسيكي، مقعد مريح، حقيبة ظهر حسن ملقاة جانبًا. لا شيء هنا يبرر كل هذا الغموض والمنع.

​انحنت لين والتقطت غيم التي تمسحت بقدميها، وضمتها إلى صدرها وهي تهمس:

"هيا بنا قبل أن..."

​توقفت كلماتها في حلقها وهي تستدير نحو الباب. لفت انتباهها تفصيل غريب لم تلحظه في العتمة؛ كانت هناك ستارة مخملية داكنة مسدولة في زاوية الغرفة، لكنها لم تكن تغطي نافذة.. بل كانت تغطي جزءاً مقتطعاً من الجدار المصمت.

​أيقظ هذا المشهد الفضول بداخلها. تقدمت بخطوات بطيئة، حامِلةً غيم بيد واحدة، ومدت يدها الأخرى المترددة نحو طرف الستارة.

​بجذبة واحدة حذرة، أزاحت الستار.. ليتَسع بُؤبؤا عينيها بذهول صامت.

​لم يكن الجدار خلف الستارة خاويًا؛ بل كان مغطى بالكامل بشبكة معقدة ومروعة من الأوراق، الملاحظات المكتوبة بخط يد حسن المألوف، وصور لأشخاص.. بعضها يبدو قديماً ومتهالكاً. وتلك الخيوط الصوفية الحمراء والسوداء المشدودة بدبابيس، والتي كانت تربط بين الصور والملاحظات في شبكة عنكبوتية معقدة، تكشف عن تحقيق غامضٍ ثقيل يخفيه حسن وراء هذا الباب المغلق.

​ساد الصمت، ولم يعد يُسمع في الغرفة سوى أنفاس لين المتسارعة وهي تحاول استيعاب ما تراه عيناها، فقد رأت تلك الأوراق قبلًا بيد والدتها قبل أن تخفيها عنها.. وكان ذلك قبل أن تُقتل!

لم تدرِ لين أن ذلك هو محتوى الملف الفعلي سوى في تلك اللحظة..

افلتت يدها غيم من بين ذراعيها لتسقط الهرة أرضًا وتركض خارجًا بينما ظلّت لين متسمرةً في مكانها بأنفاسٍ تتسارع، يدٍ ترتجف، ودموع بدأت تنهمر:

"لقد كذب.. لقد كذب علي.. هو أيضًا يلاحقهم.. يبحث عنهم.. لقد كذب!!".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (48)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة