منتصر أم مغفل

منتصر أم مغفل

192 0

الساعة ٢:١٧ ظهراً

دلف عمر خلف كمال بملابس أنيقةٍ مهندمة إلى الحديقة أمام الدار.

كان المشهد حولهما يعج بالحياة والنماء؛ بالوناتٌ زاهية الألوان تُرفرف مع النسيم كأنها معلقةٌ بسحرٍ على أغصان الأشجار الكثيفة، وضحكات الأطفال الصافية تملأ الفضاء وهم يركضون فوق المروج الخضراء، معلنين الانطلاقة الفعلية لحفل التبرعات.

​لكن كمال لم يكن حاضرًا بكيانه؛ كان جسدًا يتجول ورُوحًا تحوم في أفقٍ آخر. عينان شاردتان تناضلان لتصنُّع ابتسامةٍ باهتة لا تصل إلى ملامحه المجهدة. وما إن لمحته ثلة من معارفه ورجال الأعمال، حتى اندفعوا نحوه بترحيبٍ حار ومصافحاتٍ ضاغطة تُعبر عن اشتياقٍ مجامل، بينما اكتفى هو بتمثيل دوره الاجتماعي ببراعة.

​على بعد خطوات، وقف عمر يرمق الجمع بنظرةٍ طافحةٍ بالتأمل والحسرة. شعر بفجوةٍ هائلة تفصله عن هذا العالم البراق؛ فلم تعد تسري في عروقه تلك الشعلة المتدفقة ولا الحيوية الجارفة التي كانت تُحرّك أيامَه قبل بضعة أشهر.

بعد أقل من يومين ستنقلب الأمور..

ألا يزال يكنّ حبًا لعمه؟

أم مقتًا من نفاقه وحقيقته؟؟

ربما لم يكن حبًا له.. وإنما لنسخته المزيفة التي عهدها منذ صغره، أحيانًا يتمنى لو عاش في تلك الكذبة أطول بعد.

سحقًا لقلبه الذي يخبره أنه يجب عليه التوقف عما يفعله!

تارةً يخبره أنه الصواب.. وتارةً أخرى يأمره بالانسحاب وتحذير عمه..

استدار ببطءٍ ليتنحى جانبًا، ينسحب من صخب المجاملات والوجوه الضاحكة.

​وحين أسرعت طفلةٌ صغيرة خطوها نحوه، وتشبثت بأطراف سُترته بيدين صغيرتين تسحبه بحماسٍ ليلعب معها، لم يجد في جوفه طاقةً للاستجابة. انحنى لها قليلًا، واكتفى بتربيتةٍ حانية هادئة على رأسها الصغير، مُرسلًا لها نظرةً دافئة، قبل أن يواصل مسيره نحو بقعةٍ هادئة غارقةٍ في الظل والسكينة.

حاول إبعاد أي فكرةٍ سلبيةٍ تدور في رأسه عن طريق استعادة دموع تلك المعلمة أثناء بكائها فرحًا..

فلم يتسنَ له الحديث معها بعدما غادر بهدوء ليتركها مع والديها..

تسللت كلمات حسن إليه وما قاله عن البوح بما يود قوله..

"أكاد استغرب من الهدوء الذي حلّ على وجهك."

رفع حاجبيه للصوت الذي يحدثه، فما إن أدار بوجهه نحوه.. قابلته ليلى بوجهٍ مبتسمٍ ساكن، حلّت على ملامحها البهجة وقد زادت ملامحها إشراقًا مع ضوء الشمس المنبعث على وجهها ليبرز النمش عليه، مع عينيها الواسعتين تحدق به.

بادلها الابتسام بخفة ليعلق بنبرته المعتادة:

"لم أتوقع رؤيتكِ هُنا..هل تراقبيني يا ترى؟"

​اتسعت عينا ليلى بذهول مصطنع واستنكار:

"الاحق من؟! ألا ترى نفسك؟"

مرر عمر يده في شعره يعيده إلى الخلف بقدْرٍ من الغرور:

"فعلت.. أجمل ما رأت عيوني."

أدارت ليلى حدقتيها في الهواء متظاهرةً بالتجاهل، وهي تضغط على شفتيها بقوة لتكبح ابتسامةً تتفلت منها. لاحظ عمر محاولتها، فقال بنبرة تهكمية:

"هل تضحكين؟"

"أنا لا أفعل."

"بل فعلتِ."

"أصمت قليلًا!"

انطلقت ضحكة خفيفة من عمر وهو يتأمل الحمرة التي انتشرت بسرعة لتغمر وجنتيها. سكنت الضحكات تدريجياً، ليردف عمر بفضول:

"لم تقولي لي.. ما الذي تفعلينه هنا يا مريم؟"

خفتت ابتسامتها وتلاشى المرح جزئياً من وجهها:

"نادِني بـ ليلى، رجاءً.. لم أعتد اسم مريم بعد، وأشعر بغرابة شديدة حين يناديني به أحد."

أومأ لها عمر بتفهمٍ واحترام لرغبتها، فتنهدت ليلى بارتياح وأردفت توضح:

"أما بالنسبة لما أفعله هنا.. فبمجرد ما أخبرت أصدقائي بأمر والديّ، انتشر كالنار في الهشيم حتى وصل للسيدة أفنان، فأرادت رؤيتي اليوم.. وها أنا أمامك."

اتسعت شفتَا عمر وهو يتابع حركة يديها الشاغفة ونبرة صوتها المتحمسة وهي تسرد تفاصيل قصتها؛ يا للهول! لم يرَ في عينيها هذا البريق من الحماس بها من قبل!

هز كتفيه بخفة موجهاً حديثه لنفسه وعن سبب وجوده:

"وأنا أتيت لألبي رغبة عمي.. كالحفل السابق."

​لانت ملامح ليلى وسادها تعاطفٌ عميق؛ كيف لقلبه أن يتحمل السير في هذا الطريق الوعر مواجهاً أقرب الناس إليه؟ ترددت كلماتها في حلقها قبل أن تسأله بحذر:

"هل.. سينتهي الأمر؟ أعني.. لقد رأيته بالخارج و..."

"لم أُشعِره بشيء."

بتر بها عمر تذبذبها قبل أن يتابع بنبرة حاسمة قد أختفى الدفء منها:

"هي مسألة يومين لا أكثر، وبعدها ستكون كل الأدلة مثبتةً ضده."

ضمت ليلى شفتيها وقد خفضت من مقلتيها:

"الأمر صعب أعلم.. أنت حقًا شخصٌ جيد.. وشجاع.. لا أريدك أن تتردد للحظة تجاه ما تفعله.. و.."

ازدردت ليلى لتخطف كلماتها:

"وأنا فخورة بك."

رفع عمر عينيه لتستقرا في خاصتيها المليئتين بالثقة. في تلك اللحظة بالذات، شعر بمدى احتياجه الشديد لهذه الكلمات تحديداً؛ كان بحاجة ليدٍ حانية تنتشله من ظلال الشك والتردد، وتشد على أزره ليواصل طريقه حتى النهاية.

ساد الصمت بينهما للحظات، صمتٌ دافئٌ ومفعم بمشاعر غريبة تراودها جعلت وجنتي ليلى تشتعلان حمرةً أشدّ بعد أن أدركت ثقل ما تفوهت به.

​فركت يديها بارتباكٍ ظاهر، وجالت بعينيها بين أرجاء الحديقة تبحث عن أي مخرجٍ ينقذها مما تفوهت به، ف​سارعت بالحديث بنبرةٍ مرتفعة قليلاً تُغلفها حماسةٌ مصطنعة:

"على أي حال.. أتعلم؟ لقد اكتشفت شيئًا طريفًا للغاية عن والديّ اليوم!"

​لاحظ عمر محاولتها المكشوفة والسريعة لتغيير مجرى الحوار وتدارك خجلها، فابتسم ابتسامةً خفيفة ليجاريها ويريحها من حرجها دون أن يضغط عليها، فأسند ظهره بمهل إلى جذع الشجرة الظليلة خلفه، وقال وهو يرفع حاجبيه باستفاضة:

"سرٌّ جديد؟ وما هو هذا السر العظيم الذي اكتشفتهِ؟"

​تنفست ليلى الصعداء حين رأته يستجيب لقصتها، وتابعت وهي تحرك يديها:

"اتضح أن لديهما مشروعًا صغيرًا لتجارة الأقمشة وتوريدها.. تخيل؟! أظنني سأحقق حلم طفولتي بتصميم الأزياء."

​أمال عمر رأسه قليلاً، يرمق شَغَفها بلمحة دافئة تشوبها السخرية، ثم سأل:

"أقمشة؟ ألهذا الحد؟ وما هي طبيعة الخامات التي يتعاملان بها؟"

"أنواع كثيرة.. أعني.. لا أفهم بها بعد.. ولكن تبدو لي فاخرة.. يوردانها لبعض المشاغل والمصانع الصغيرة."

​شرد عمر لثوانٍ وكأنه يزن الأمر في عقله بميزان خبير، قبل أن تتسع ابتسامته العملية وينظر إليها قائلًا:

"هذا جيد.. في الواقع، قسم التصميم في شركتي يبحث منذ فترة عن مورّدين محليين لخاماتٍ موثوقة لمجموعتنا الجديدة. أعتقد أنه يمكننا التعاقد معهما قريبًا، وسيغنينا ذلك عن الاستيراد."

​اتسعت عينا ليلى بذهول، ورفعت سبابتها ملوحةً بقلة حيلة ونبرة معترضة سريعة:

"مهلًا مهلًا! ما الذي تقوله أنت؟ كفاك تقديمًا للجمايل! لن أرد لك أيًا من هذا لعلمك."

ضاقت عينا عمر بنظرة تهكمية، وأطلق ضحكة ساخرة، ثم قال مائلًا برأسه ونبرته تتسم بالخفة:

"جمايل؟ ومن تحدث عن الجمايل يا آنسة؟"

​ثم أردف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره بالنبرة ذاتها:

"إنه عملي.. إن كانت خاماتهما بالجودة التي تصفينها، فالصفقة ستكون لصالح شركتي بالدرجة الأولى، وتعود بالمنفعة لي.. ثم إن هذا التعاقد مع والديك، لا أنتِ! أم أنكِ نصّبتِ نفسكِ وصيةً على أعمالهما التجارية أيضًا دون علمهما؟"

​عقدت ليلى ذراعيها هي الأخرى وضيقت عينيها وهي تنظر إليه بقلة حيلة، فأشاحت بوجهها متمتةً بجملته الأخيرة بسخرية منه وما يقول..

عاد الهدوء ليلف البقعة الظليلة التي يقعان فيها، بعيداً عن صخب الحفل المتصاعد خلفهما. تطلع عمر إلى ملامحها المشرقة تحت ضوء الشمس وجالت كلمات حسن في خاطره مجددًا، فشعر بثقل الحيرة ينسحب من صدره ليحل مكانه يقينٌ حاسم.

"حسنًا هذا يكفي!"

​خطا خطوةً نحوها، ليقلص المسافة بينهما متجاهلًا نظرات الاستغراب على ملامحها، وانخفضت نبرته لتصبح أكثر عمقاً وشفافية.

اخفض وجهه ناحيتها ليحدق في عينيها مباشرة وقال:

"لا أحب الملاوعة أو الدوران.. وقد سئمت التردد.. وأمامكِ تحديداً، أجدني عاجزاً عن تصنع الكلمات أو رصف العبارات المنمقة.. ومعكِ أنتِ فقط!"

​توقفت ليلى عن الحركة، وحبست أنفاسها وهي تستشعر التحول في نبرته.

​تابع عمر بثباتٍ ينبض بالصدق، تاركاً لقلبه مساحة الحديث الأخير:

"أنا على استعدادٍ لأخذ خطوةٍ حقيقية مع أول إشارة منكِ، لذا.. سأسألكِ بمنتهى المباشرة والوضوح؛ بعيداً عن كل ما حدث وما سيحدث في القادم من أيام.. هل هناك فرصة لنا معاً أم لا؟"

تسمّرت ليلى في مكانها، واتسعت حدقتاها وقد كانت كلماته الصريحة المباشرة صدمةً أربكت قلبها، وسلبتها قدرتها على المناورة. تسارعت نبضات صدرها بوضوح، وحاولت استيعاب هذا التحول المفاجئ في نبرته؛ تحولٌ ألقى بكلماته دفعةً واحدة على كاهلها.

فقد كفتها تلميح والدتها تجاه عمر بعدما قضت اليومين الماضيين معهما..

وهي.. لمَ لم تكره الأمر؟!

​ابتلعت ريقها بصعوبة، وجالت ببصرها بين عينيه اللتين تنتظران إجابة حاسمة، وبدأت تتحدث بنبرة خافتة، متقطعة، يتنازعها التردد والذهول:

"أنت.. أنت تفاجئني حقًا.. لم أتوقع منك هذه المباشرة الآن.."

​توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها، وحاولت تنظيم أفكارها المبعثرة قبل أن تتابع وهي تخفض بصرها نحو الأرض، تفرك أناملها بارتباكٍ ظاهر:

"لقد اهديتني أفضل هديةٍ في العالم بالفعل.. لا أصدق حتى الآن ما فعلت بإيجاد والديّ ولكن.. الأمور تتلاحق بسرعة كبيرة، وما زلت أحاول استيعاب كل ما يحدث حولنا.. أنا.. أنا بحاجة لوقتٍ كي أفكر بوضوح و..."

حفيفًا غير طبيعي أو حركة أقدامٍ متلصصة بترت كلمات ليلى من مسمع عمر، فحرك مقلتيه بين الأشجار مقطبًا حاجبيه.

​قطعت ليلى حديثها المتذبذب، ونظرت إليه باستغراب:

"هل هناك خطب ما؟"

​ظل عمر صامتًا لثوانٍ، يتفحص كثافة الأوراق وحركة النسيم فيها بتركيز، ثم استرخى جسده تدريجيًا حين لم يلمح سوى بالونٍ ملون يداعب الأغصان، وصوت ضحكاتٍ طفولية تعلو وتختفي خلف المروج. أعاد نظره إليها وقال:

"لا شيء.. خُيّل إليّ أن أحدهم..."

هز برأسه قبل أن يعيد النظر إليها:

"يبدو أنه أحد الأطفال يركض في الحديقة."

​طفت لمحة استراحة واضحة على وجه ليلى، وكأن هذا التشتت العابر كان طوق نجاة أُلقي إليها في اللحظة المناسبة تمامًا لتلتقط أنفاسها وتتخلص من حرج السؤال الشديد. ابتسمت بخفة وسارعت بالتراجع خطوة إلى الخلف، قائلةً لتفادي العودة للحديث السابق:

"إذن، لعلنا نذهب لرؤيتهم؟ الحفل مكتظ، والأطفال بالتأكيد ملأوا المكان.. تعال نلقي نظرة عليهم قبل أن يختفي أحدهم بالفعل بين هذه الأشجار أو يتساءل الجميع عن سر غيابنا!"

"انتظري فقط..."

​ولم تنتظر إجابته، بل استدارت بخطواتٍ سريعة ومصممة نحو الناحية المضيئة من الحديقة، تاركةً خلفها صمت البقعة الظليلة، وأثر سؤاله المعلق في الهواء.

زفر عمر بابتسامة طريفة قبل أن يلحق بها.

***

الساعة ١:٣٣ صباحًا.

مر اليومين خطفةً كالساعات، ليتخلل ضوء القمر نافذة الشقة الفسيحة بعد تخطي عقرب الساعة لمنتصف الليل..

وقف وليد أمام المرآة المثبتة بجوار الباب، يضبط ياقة ملابسه ويصلح شعره بتركيزٍ يغلفه الإرهاق، محاولًا لملمة شتات أعصابه المشدودة قبل مواجهة ما سيحدث. كان على أتم استعدادٍ لخوض هذه المعركة التي ينتظرها؛ فقضيةٌ ناجحة كهذه كفيلةٌ برفع رتبته وتعزيز مسيرته المهنية. خطوات ظافر باتت تحت المراقبة المشددة، ووفقًا لآخر المعطيات والتحريات، فإن تحركه المحسوب سيكون في هذه الليلة بالذات.

​اقتربت منه زوجته خديجة بخطواتٍ هادئة تحمل بين أناملها مشطًا صغيرًا، بعدما اطمأنت على نوم الصغار:

"كم مرة علي أخبارك بأن هناك أداة تسمى بالمشط؟"

قالتها قبل أن تقف أمامه وتبدأ في تسريحه بنفسه، فهبط بكتفيه مستسلمًا لها..

قطبت حاجبيها عندما لمحته بطرف عينيها بملامح وجهٍ مشدودة، عاودت التركيز على شعره لتقول بثقة:

"استرخِ قليلًا أيها الضابط.. ستمر على خير."

"تظنين؟"

"لا أظن.. أنا متيقنة."

أبعدت المشط بعدما أنتهت لتعقد ذراعيها باعتراضٍ طفيف:

"فقط لا تمنح الأمان التام لحسن."

قلّب وليد عينيه، قبل أن يعود لينظر إلى انعكاس صورته في المرآة وهو يضبط حزامه الجلدي حيث يستقر مسدسه. لمح نظراتها القلقة خلفه في بالانعكاس، وأجاب بتعب:

"أخبرتكِ يا خديجة ليس هو فقط مَن أخطأ.. ثم هذا كان ذلك منذ زمن، لمَ لا تغيرين نظرتك له؟"

تنهدت خديجة لترمقه خلال المرآة:

"لأن الكذب طبع، والطباع لا تتغير، ألم تنفصل عنه بتول لذلك؟"

"يا خديجة الرجل له ابنة.. لن يتهور حفاظًا عليها."

"والله لا زلت عند رأيي.. والحرية لك، فقط توخَ حذرك تجاهه، هذا كل ما أطلبه."

استدار ليقابلها وقد وضع يديه على كتفيها:

"وأنتِ توقفي عن كثرة التفكير قليلًا، ألا ينفجر رأسك؟"

أمالت برأسها بعينين ضيقتين، فزفر مردفًا:

"المهمة بسيطة، سأقبض فقط على شخصٍ ما.. وسأعود بحلول الفجر أو الصباح، فقط أدعي لي."

"لا تطلب ما هو حاصلٌ بالفعل."

​مال وليد وطبع قبلةً على رأسها، ثم التقط مفاتيح سيارته واستدار ليُدير مقبض الباب. رفعت خديجة يدها تلوّح له بوجل:

"عد لي سالمًا."

​تأملها وليد للحظةٍ كانت كافية لتزويده بالطمأنينة، وأومأ لها برأسه:

"بإذن الله."

​انغلق الباب فور خروجه ليختفي عن منظورها. هبط وليد إلى الشارع وصعد إلى سيارته المنتظرة، ثم استل هاتفه من جيبه ليخطّ رسالةً سريعة ومختصرة إلى حسن:

​- استعد، أنا في طريقي إليك.

***

"يمكنك الاتصال بوالديها.. ربما سافرت معهما."

​قالها حسن عبر الهاتف لعمر، محاولًا التخفيف من روعه وكبح قلقه العارم الذي كان ينهكه، بعد اختفاء ليلى منذ الأمس وانقطاع كل سُبل التواصل معها.

​أجابه عمر بنبرةٍ مشحونةٍ بالاضطراب والضيق:

"والداها سافرا إلى المدينة المجاورة منذ يومين لنقل بقية أغراضهما إلى هنا.. هما من اتصلا بي لعدم ردها على اتصالاتهما، فتكفّلتُ بالكذب عليهما وادّعيتُ أن هاتفها معطل حتى لا يقلقا!"

​مرر عمر يده على وجهه بإرهاق، ثم استرسل بصوتٍ مخنوق:

"لا تجيب على هاتفها، وليست في شقتها، بل إنني مررتُ اليوم على المدرسة والدار، ولم يرها أحدٌ هناك.. سأذهب إلى مركز الشرطة وأُبلغ عن اختفائها."

​تنهد حسن على الطرف الآخر، وأجابه ببرودٍ وهدوء:

"لن يتلقوا منك بلاغًا أو يبدأوا البحث عنها إلا بعد مرور ثمانٍ وأربعين ساعة على الأقل."

​هتف عمر بغضبٍ وقد نفد صبره:

"إذن ماذا أفعل؟! هل أقف مكتوف الأيدي وأنتظر؟!"

​رد حسن بنبرةٍ حاسمة قاطعة:

"اسمعني جيدًا.. لا ينقصني المزيد من ضغط الأعصاب في يومي هذا. حين أنهي هذه المهمة سنجد حلًا للأمر، هذا إن لم تعد هي إلى بيتها من تلقاء نفسها."

​انبعث رنين إشعارٍ خافت معلنًا عن وصول رسالةٍ جديدة من وليد إلى هاتف حسن.. فبتر المكالمة فورًا ليقرأها وقد أقترب وليد من الوصول.

​وفي الطرف الآخر، أطلق عمر سبّةً غاضبة من بين أسنانه، صابًّا غضبه على برود حسن وعدم اكتفائه بجدية الموقف، قبل أن يرفع هاتفه ويهوي به على الأرض بقوة، ليتحطم وينتثر بين قدميه في لحظة غضبٍ عارمة.

ابتعد حسن عن النافذة وقد استعد بارتداء ملابسه بالفعل، استدار ليواجه لين التي تقف أمامه بوجهٍ ذابل، تحتضن غيم بين ذراعيها، وانسلت كلماتها خافتة برجاء:

"ألا يمكنني الذهاب معك؟"

تنهد ومال برأسه:

"ألم نتحدث في ذلك أمس؟ ساعات وأعود، سالم في الطريق وسيبقى معك."

ابتلعت لين ريقها بصعوبة، فآخر مرة تركها لتبقى مع سالم، عثروا عليها وكادوا يأخذونها..

"ماذا.. ماذا إذا جاءوا إليّ عند غيابك..؟ ماذا إن آذوك..؟ أنا أخاف.."

أمسك حسن بذراعيها موجهًا إياها ليجلسا على الأريكة، فتركت لين هرتها لتجلس جواره، حدق بها حسن وقال:

"ليس سالم فقط مَن سيكون معكِ.. يوجد شرطيان بالخارج يحرسان باب المنزل.. وأنا سأكون مع قوات الشرطة بالفعل.. لذا لمَ أنتِ خائفة؟"

هزت لين بكتفيها في حيرة.. هي لا تعلم سببًا محددًا لتخاف..

فقط ابتعاده كان كافيًا لهرب الطمأنينة عنها..

لاحظ حسن عسليتيها اللتين بدأتا تترقرقان..

"تلك الدموع لا تنتهي أبدًا أليس كذلك؟"

رفع ذقنها ليسألها بنبرة لم يشعر أنه تحدث بها:

"فورما يتم القبض عليهم.. سنحتفل بالتخلص من هؤلاء الأوغاد للأبد، سنستأجر منزلًا صغيرًا.. وأجد عملًا مناسبًا.. وسوف تكملين دراستك."

ظهرت غمازة لين بعض شيء إثر تحريك شفتيها فأردف حسن بنبرة خفيفة:

"تحبين الحلوى، أليس كذلك؟ ماذا تريدين مني أن أحضر في طريق العودة؟"

اندفعت لين لترتمي في صدره متشبثةً بسترته لتهمس بصوتٍ مكتوم:

"أريدك أنت.."

ضمها حسن إليه ليسند ذقنه فوق شعرها، ارتسمت بسمة على محياه لم تصل إلى عينيه تمامًا:

"وإلى أين سأذهب أنا يا عقلة الأصبع؟ اعتبريني عدت ضابطًا وسأؤدي عملي."

شهقت لين مبتعدةً لتنظر إليه في ذعر:

"وتستخدم السلاح؟!"

"ظننتكِ تودين تعلم استخدامه."

قالها بخبثٍ واضح لتحرك لين رأسها يمنة ويسرة رافضةً الفكرة:

"ليس جيداً إطلاقاً! لقد غيرت رأيي!"

​تناهى إلى مسامعهما صوت طرقاتٍ متتابعة على باب المنزل، فنهض حسن فوراً لفتحه، ليجد الشرطيين واقفين وإلى جوارهما سالم الذي وصل للتو.

هز سالم رأسه بمجرد أن رأى حسن قد ارتدى ملابسه واستعد للخروج، وقال بنبرة تتساءل:

"ما زلت مصمماً على الذهاب بنفسك؟"

​تنحى حسن جانباً ليسمح له بالدخول، ثم أغلق الباب خلفه مستدركاً:

"نعم.. ولم أجد أفضل منك ليكون برفقة لين الليلة."

​تطلع سالم حوله ثم سأل بقلقٍ حذر:

"هل اتصل بك عمر بخصوص ليلى؟ الفتى قد جنّ جنونه تقريباً."

​وقبل أن يجد حسن فرصة للإجابة أو التغطية على الأمر، تدخلت لين في الحوار باستغرابٍ مفاجئ:

"ما بها معلمتي؟"

​لم يشأ أيٌّ منهما أن يلقي بهذا العبء الثقيل على كاهل الصغيرة، خاصةً في هذه الليلة العصيبة. سارع سالم إلى ابتسامةٍ مصطنعة واهية وهو يلتفت إليها:

"لا شيء يا صغيرة.. ترسل سلامها الحار لكِ وتقول إن علينا الاستمتاع بوقتنا الليلة.. ما رأيكِ في أن نختار فيلماً لمشاهدته الآن؟"

​تركهما حسن وانسحب بهدوء متجهاً نحو الطابق العلوي.

دلف إلى غرفته، ثم التفت نحو الخزانة وفتحها بمهل. فتّش بين أطواء ملابسه حتى لمست أنامله قماشةً سميكة ملفوفة حول سطحٍ حديديّ صلب. التقطه بحذر ونزع القماش ليعري مسدسه الأسود. حدق فيه لوهلة، ثم تفقد مخزن الرصاص ليتأكد من امتلائه، قبل أن يذخّره ويخبئه بعناية بين ثنايا ملابسه.

​ترجل من الغرفة متجهاً نحو الحمام، ألقى نظرةً على الباب المغلق، ثم تنهد بعمق وهو يشمر ذراعيه للدخول.

​في الطابق السفلي، سمع سالم أداء أصواتٍ تتحدث مع الشرطيين المرابطين بالخارج. ترك لين تنشغل بإطعام قطتها غيم، ونهض ليفحص الأمر ويفتح الباب.

​كان وليد قد وصل للتو، يقف مع الشرطيين ويوجه إليهما التعليمات النهائية لحراسة المنزل. وما إن وقع بصره على سالم حتى أنهى حديثه معهما، واقترب بخطواتٍ حازمة ونبرةٍ جادة:

"هل حسن جاهز؟ الوقت يداهمنا والحركة في الموقع بدأت بالفعل."

​أومأ سالم برأسه وهو يفسح له المجال للعبور بخطوةٍ حذرة:

"إنه بالطابق العلوي.. سيهبط الآن."

"أنا سأناديه!"

هتفت بها لين وقد نهضت لتتجه نحو الطابق العلوي على الفور دون انتظار ردهم.

طرقت غرفة المكتب حيث توقعت أن يكون، لكنها كانت مغلقة بالمفتاح.

"أبي؟"

وعلى عكس ما توقعت أن يأتيه صوته من الداخل، سمعت همهمة خافتة من الغرفة المجاورة، فاتجهت نحوها لتسترق النظر من خلال الباب النصف مفتوح..

كان حسن يقف فوق سجادة الصلاة.. يركع وقد كان صوت تسبيحه واضحًا قبل أن يعتدل ليكبر ويسجد..

لم تكن صلاة فرضٍ أنهاها بالفعل.. وإنما صلاة حاجة..

فمَن ذا الذي نستطيع إظهار ضعفنا وتضرعنا إليه سوى الله عز وجل؟

طال سجوده يطلب ويرجو..

غفرانًا.. ومسامحة.. إلهامًا بالقوة والعون له ولابنته.. ثم ختمها في النهاية بدعاء رحمةٍ لحبيبته..

نهض أخيرًا من سجوده ليبدأ في التشهد، وبمجرد أن سلّم منهيًا صلاته، انقض عليه ذراعان من الخلف يطوقان رقبته..

"ألن تتوقفي عن تصرفاتِ القردة تلك؟!"

"وهل هذا يجعل منك شجرة؟"

أمسك حسن بلين ليديرها نحوه وقد فرّت منها ضحكةٌ خفيفة أثناء الملاوعة من قبضتيه..

تناهى صوت سالم ينادي.. فتذكرت لين ما جاءت لأجله، تلاشت ضحكتها تدريجيًا لتخبره:

"لقد جاء عمي وليد."

تنفس حسن الصعداء بعمق مفلتًا إياها، فنهض يطوي سجادته ليتركها جانبًا ويسير نحو باب الغرفة.

"تعالي."

امسكت بيده ليهبطا الدرج بخطواتٍ متأنية..

​ما إن أطلا عند نهاية الدرج، حتى تقدم وليد نحوهما خطوتين بثبات، ويده تعيد هاتفه المحمول إلى جيبه الداخلي، بينما انطبعت الجدية الصارمة على محياه قائلًا بنبرةٍ حاسمة:

"وردني اتصالٌ عاجل من رجال المراقبة للتو.. ظافر تحرك بالفعل، وهو الآن على الطريق الرئيسي ممتدًا نحو أطراف المدينة."

​ضيّق حسن عينيه، وسأل:

"هل تحرك بمفرده؟"

"هذا ما يبدو، لنتحرك."

أفلت حسن يد لين بصعوبة إثر تشبثها به، ممررًا نظرته الأخيرة على سالم:

"استودعتك ابنتي بعد الله."

أومأ له برأسه مؤكدًا الأمانة، بينما خفت وجه لين من جديد وهي تلوح له ببطء.

استدار حسن بثبات متجهاً نحو المقبض، ليدفعه ويخطو أولى خطواته إلى عتمة الليل، يتبعه وليد بملامح حادة، بينما انغلق الباب خلفهما ليترك الصمت يخيّم على المكان..

"لطيفة ابنتك."

قالها وليد باقتضاب، فردّ حسن دون النظر أثناء خطوه على العشب:

"أنسى أحيانًا أنها طفلة."

ارتفع ثغر وليد في نصف ابتسامة:

"لو رأيت أولادي لقلت نفس الشيء."

"ليس هكذا."

نفى حسن مقصد وليد ليردف:

"ليس الأمر كذلك.. لين مميزة؛ أحيانًا تلتقط أمورًا تتجاوز سنها بمراحل، ثم ما ألبث أن أكتشف أنها طفلةٌ تحتاج إلى ما لا أقدر على منحه.. أحتار كثيرًا بين ما إذا كان عقلها ميزةً وهِبة.. أم لعنة حياتها."

صمت وليد دون معرفة بماذا يجيب، فتلك الصغيرة أضحت كاللغز المعقد؛ كلما قضيت معها وقتًا أطول، تكشّف لك منها ما لم تتوقعه.

وفجأة، لمح وليد بطرف عينه حركةً حذرة؛ كان حسن يعدّل وضعيّة جيب سترته الداخلي. قطّب وليد حاجبيه مستنكرًا، وسأله بنبرة يشوبها الشك:

"أهذا سلاح؟"

​ضبط حسن حافة ثوبه ومضى دون أن يبطئ خطوه، مجيبًا بلا مبالاة:

"ليس من شأنك."

​توقف وليد فجأة، ومد يده ليمسك بكتف حسن بقوة، جابرًا إياه على التوقف والالتفات إليه:

"بل هذا عملي وهذا شأني! وافقتُ على حضورك معي بشرط ألا تُفسد مهمتي أو تؤذيني في عملي."

زفر حسن بتهكمٍ يخلو من المرح إثر كلمة 'مهمتي'.

​استدار حسن ليقابله بنفاذ صبر، ونظرات الحنق تشتعل في عينيه:

"ماذا تريد بالضبط يا وليد؟!"

​رد وليد بصلابة ونبرة قاطعة:

"أعطني سلاحك.. أنت لم تعد ضابطًا."

​حملق به حسن بامتعاضٍ مكبوت وحنقٍ استقر في حلقه. بالكاد تمالك أعصابه ثم استل المسدس من جيبه الداخلي ودفع به صدر وليد بحدة قائلًا:

"خذه.. لكن سلبُك هذا السلاح مني لن يمنعني من شيء."

​ضاقت عينا وليد وتساءل بحذر:

"يمنعك من ماذا؟"

​تجاهل حسن سؤاله تمامًا، واستدار ليسبقه نحو الطريق الرئيسي تاركً إياه خلفه غارقًا في حيرته.

سار وليد خلفه يرمقه بنظراتٍ مريبة حتى وصلا إلى السيارة على قارعة الطريق.

لم تكن سيارته بمفردها، بل كان يقف بجوارها مركبتان تابعتان للشرطة، تحويان أفرادًا مدججين بالسلاح غير المجموعة المكلّفة بمتابعة ظافر.

​ترجل أحد أفراد الشرطة واقترب مستغربًا وجود حسن بملابسه المدنية، فأشار له وليد بنبرة حازمة:

"حسن سيكون معي في سيارتي، وأنتم تتبعوننا من الخلف."

​أومأ الشرطي بطاعة:

"مفهوم سيدي."

​وقبل أن ينصرف، أوقفه وليد قائلاً:

"انتظر.."

استل وليد المسدس الذي أخذه من حسن، ومدّ به نحو الشرطي:

"خذ هذا معك."

​التقط الشرطي المسدس بإيماءة ، وانطلق مسرعًا نحو مركبته.

​صعد وليد إلى مقعد القيادة في سيارته، وجلس حسن بجواره صامتًا كجلمود صخر، لينطلقا معًا يقطعان عتمة الليل نحو وجهتهما الأخيرة.

***

الساعة ٣:٠٢ صباحًا.

"ألن تنامي يا لين؟"

سأل سالم بتنهيدة لتلك الصغيرة التي تأبى مغادرة غرفة المعيشة، رافضةً فِعل أي شيء سوى الأنتظار.

هزت برأسها نفيًا وهي تعبث بيديها.

أسند سالم كوعيه على ركبتيه وهو جالسٌ أرضًا مرفوع الركبتين أمام الأريكة:

"حسنًا.. ماذا تودين أن نفعل؟"

هزت بكتفيها في حيرة:

"متى سيأتي أبي؟"

​رد عليها بنبرةٍ مطمئنة:

"وهل مضى على غيابه إلا القليل؟ ربما يعود بعد الشروق يا صغيرة."

​ثبتت نظراتها وقالت بعزم:

"حسناً.. سأنتظر حتى الشروق."

​قطّب سالم حاجبيه بغير رضا عن عنادها.. وبرغبةً منه في إبعاد شبح التفكير عن رأسها، فتح معها بابًا جديدًا للحديث:

"سمعتُ من ندى أنكِ عقدتِ صداقةً مع معاذ؟"

​رفعت لين عسليتيها وأومأت له بإيجاب، فابتسم سالم مردفًا:

"أتدرين أنه اتصل بي منذ يومين؟"

​استنكرت لين المعلومة لتسأل:

"ألا يتحدث الأخوة فيما بينهم؟"

​زفر سالم ضحكةً خافتة خرجت كالتنهيدة، ثم أوضح لها:

"بالطبع يتحدثون.. لكن الأمر مختلف بيننا؛ فقد نشب بيننا خلافٌ حاد منذ عام، وانقطع التواصل تمامًا طوال تلك الفترة."

​اتسعت حدقتا لين وقالت بثقة:

"في إحدى المرات قال لي إنك لا تفهمه.. لكني لم أوافقه الرأي مطلقًا."

​ابتسم سالم وازداد فضوله:

"وماذا قلتِ له؟"

​أجابت لين وهي تعدّ على أصابعها:

"قلتُ له إنك أكثر شخصٍ يفهمني.. ويفهم أبي.. وحتى عمر.. وتقريبًا يفهم الجميع.. لا أدري حقًا كيف لشقيقك ألا ينبهر بك!"

​ذاب قلب سالم دفئًا وهو يتأمل تقاسيم وجهها المتركزة عند عدها للاشخاص؛ كانت ترى العالم بمنظورها النقي الذي يختلف عن تعقيدات الواقع. رفعت لين رأسها لتستطرد بسؤالها المباشر:

"ما كان ذلك الخلاف؟ ولمَ طال لهذا الحد؟"

رفض لسان سالم عن النطق بالسبب الحقيقي، خاصةً أنه مرتبط بالمخدرات وطريقٍ تجهل تلك الصغيرة وقوع والدها به، فحاول الشرح بطريقةٍ مختلفة:

"لنقل.. أنه أقترب من رفقةٍ فاسدة، وابعدته عنهم قسرًا.. فلم يعجبه الأمر بالتأكيد.. وخاصمني كل تلك المدة."

عاود سالم التذكر اعتراض معاذ على تدخل حسن في مشكلته، فقد كان حسن من يقيد معاذ عند نوبات عصبيته من أخيه.. وهو من فضّ عراك معاذ مع سالم عندما تطاول الأمر بينهما للعنف.

عبست لين باعتراض لتقول ببساطة:

"كان من المفترض أن يقول 'آسف' وينتهي الخلاف."

ضحك سالم بخفة وهدوء:

"ربما معكِ حق."

ربّعت لين ساقيها فوق الأريكة، وقد انسحب القلق عن ملامحها مؤقتًا، وسألت بشغف:

"إذن ماذا قال لك منذ يومين؟ ألم يعتذر؟"

هزّ برأسه مجيبًا:

"لم يعتذر.. ولكن سألني عن حالي، وقد كان ذلك كافيًا جدًا بالنسبة لي."

رفعت لين ذقنها باغترارٍ لتهتف بتملق:

"أنا مَن كنت أحدثه عنك وعن لطفك معي! هل شعر بالغيرة يا ترى؟!"

استغرب سالم تلك الصغيرة أمامه، كيف تخترق حياة الناس بلا استئذان لتبدل حالهم إلى حال..

كانت كزهرةٍ نبتت في جوف صحراء؛ لم تكتفِ بالبقاء والنجاة وسط الجفاف، بل نسجت من حولها حديقةً مثمرة، تُعيد الحياة لكل مَن أوشك على الذبول.

أولًا مع ذلك الرجل المنقلبة حياته.. حسن.

ثم أصاب سحرها عمر مع ليلى..

ولم يقف أثرها العجيب عند هذا الحد، بل رممت شقاق سنواتٍ طوال بين أخوين، بمحادثةٍ بريئة صاغتها بمحض التسلية والفضول.. لتذيب الجليد بينهما دون قصد.

ولكن ماذا عنها هي؟

​من يداوي تلك الصغيرة التي تمنح الطمأنينة للجميع، بينما يتداعى جدارها وتزداد مشاكلها تعقيدًا مع كل إشراقة شمس؟

​أي مفارقةٍ مؤلمة هذه.. أن تكون بلسمًا لجراح الآخرين وهي الأشد احتياجًا للشعور بالأمان والتوقف عن الهرب من تلك الظلال التي تستهدفها.

***

على طريق سياراتٍ ساكنٍ يخلو من الحياة..

تتبع وليد من نظام المواقع نقطة حركة زملائه الذين يراقبون شاحنة ظافر.. بينما باقي القوات من خلفه..

خيم صمتٌ ثقيل بين وليد وحسن، فلم ينبس أيٌ منهما ببنت شفة منذ أن تحركا..

بتر وليد سكونه ليتحدث:

"حسن، لا أريد ضغينةً بيننا، لكن عملي يحتم علي..."

قطع حسن جملته متحدثًا ببرود:

"أعلم ما يحتم عليك عملك جيدًا، وكما أخبرتك مسبقًا، لم اطلبك لصداقةٍ أو غيرها، بمجرد إنتهاء المهمة، فليلتفت كلٌّ إلى حياته."

أومأ وليد ضاغطًا على فكه:

"هذا ما أراه كذلك."

بعد عدة دقائق ساكنة، التقط وليد جهاز اللاسلكي فور أن لاحظ ثبات النقطة الحمراء على الشاشة الرقمية المضاءة أمام هاتف الملاحة، وضيّق عينيه بتركيزٍ حاد يترقب فيه الحركة، قبل أن يقرّب جهاز الإرسال إلى فمه ويضغط على زر التحدث بنبرةٍ حازمة:

​"وحدة المراقبة الميدانية، أسمعكم.. ما السبب في توقف الشاحنة؟ أهناك خطبٌ ما في الموقع؟"

​تخللت الصوت نبراتُ تشويشٍ خافتة، قبل أن يأتيه صوت الضابط المسؤول عن فرقة الرصد الميداني عبر اللاسلكي متسارع الأنفاس:

"ضابط وليد.. توقفت الشاحنة على جانب الطريق المظلم قبل النقطة المحددة.. هناك شاحنة نقل مغلقة أخرى كانت بانتظارهم في المكان."

​انقبضت ملامح وليد، بينما اعتدل حسن في جلسته بجواره فورًا، وشخصت عيناه نحو الشاشة.

​تابع ضابط المراقبة تقريره العاجل عبر جهاز الاتصال:

"ظافر ترجل بنفسه من سيارته يا سيدي.. امسكناه يشرف في هذه اللحظة على عملية تبادل حية! يجري نقل سبعة أطفال من الشاحنة الأخرى إلى شاحنته.. أكرر، سبعة أطفال يتواجدون بالموقع الآن!"

​قبض وليد بكلتا يديه على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصِله. ألقى نظرة خاطفة على حسن، فرأى في عينيه جمودًا يختلط بشرود، فأسرع حسن بالتفوه بما دار برأسه:

"(سبعة نقل ظافر) كتبها كمال بخط يده.. مسارنا صحيح."

"يجب إيجاد البقية إذًا."

​أعاد وليد اللاسلكي إلى فمه وأصدر أوامره الصارمة بصوتٍ قاطع:

"طوّقوا المنطقة بحذرٍ تام وبلا إشهارٍ للأسلحة حتى نصل! الأولوية المطلقة لتأمين الأطفال وحمايتهم.. نحن على مسافة دقائق قليلة منكم، وإياكم أن تسمحوا لظافر بالفرار بأي ثمن!"

​"علم ويُنفّذ سيدي، نحن بانتظار وصولكم لتسليم الإشارة."

​ألقى وليد جهاز اللاسلكي جانباً، ثم ضغط على دواسة البنزين بكل قوته، لتنطلق السيارة كالسهم يمرق عتمة الليل الساكن، تتلوها سيارات الشرطة بخطى حثيثة نحو المواجهة الفاصلة.

***

الساعة ٣:٤٥ صباحًا.

"أقسم أني لم اختطفهم! لستُ إلا مرسالًا!"

صرخ بها ظافر بنبرةٍ يملؤها الذعر والجبن، وهو يلتصق بهيكل الشاحنة، بينما تثبّت يدا أحد ضباط الفرقة الميدانية ومعصميه خلف ظهره بقوة، قاطمًا أي أنينٍ يفلت من حلقه.

​"اصمت وإلا أضفتُ تهمة التستر والمقاومة إلى سجلك الأسود!"

هدر الضابط في وجهه بنبرةٍ حاسمة، ضاغطًا القيد الحديدي حول معصميه بصرامةٍ جعلت ظافر يغلق عينيه ألمًا ويستسلم لوقعه المحتوم.

​على بضعة أمتار، كان سائق الشاحنة الأخرى يقاوم رجال الشرطة مستغلاً حجمه وعتمة الطريق؛ يحاول الإفلات من قبضتهم برفساتٍ عشوائية وشتائم متلاحقة، قبل أن ينقض عليه شرطيان آخران ويهويا به أرضًا، مثبتين جسده فوق التراب، حتى استكان مكبلًا هو الآخر.

​في هذه الأثناء، ارتفعت أضواء الكشافات اليدوية لتقطع حلكة الليل وتسلط أشعتها الساطعة على صندوق الشاحنة المغلق، الذي كان بابه الخلفي مواربًا.

تقدم أحد عناصر الفرقة بخطواتٍ حذرة ومسدسه مشهر، قبل أن يسحب الباب الثقيل ببطء، ليصدر صوت حفيفٍ معدنيٍ كشف عن المأساة المخبأة في الداخل.

في زاوية الشاحنة الباردة، كان الأطفال يلتصقون ببعضهم البعض في ذهولٍ وفزع شديد، تحدق أضواء الكشافات في أعينهم الصغيرة المترقرقة بالدموع والصرخات الفزِعة.

​انحنى الشرطي متخففًا من صرامته العسكرية، وقال بصوتٍ هادئ يحاول بث السكينة في قلوبهم المرتعبة:

"لا تخافوا.. انتهى الخوف.. حسنًا؟ ستكونون بخير."

​لكن عينيه المتقصيتين سرعان ما لاحظتا جثتين صغيرتين تتوسطان أرضية الشاحنة المعدنية دون حراك؛ طفل وطفلة شاحبا الوجه، أنفاسهما بطيئة وثقيلة.

جثا الشرطي بجوارهما فورًا يتحسس نبضهما حتى تأكد من وجوده، ثم التفت نحو رفاقه بالخارج وهتف بحدة عبر جهازه اللاسلكي:

"الوحدة المركزية! تأمين الأطفال تم بنجاح.. لكن طفلين منهما فاقدان للوعي تمامًا، يبدو أنهما قُدّرت لهما جرعة مخدّر! نحتاج سيارة إسعاف فورًا عند موقع التجمهر!"

توقفت سيارة وليد بفرملةٍ أحدثت صفيرًا حادًا..

وتلتها مركبات الدعم القادمة من الخلف، لتغمر المكان بأضوائها القوية.

​ترجل وليد من عجلة القيادة بخطواتٍ غاضبة، يتبعه حسن بصلابةٍ صامتة، عيناه تتفقدان صندوق الشاحنة والأطفال قبل أن تستقرا على ظافر المكبّل.

​تجاوز وليد رجاله بخطى حثيثة، وانقضّ على ظافر قابضًا على ياقة سترته، وصدمه بهيكل الشاحنة الحديدي ليصدر صوت دويّ مكتوم.

​هدر وليد في وجهه بنبرةٍ يملؤها الغضب والوعيد، ونفسه يلفح وجه المقبوض عليه:

"أين بقية الأطفال يا ظافر؟! ينقصنا غيُر هؤلاء السبعة.. انطق فورًا أين يخبئونهم؟!"

​ارتجف ظافر، وانحدر العرق من جبهته متخللًا تقاسيم وجهه المرعوبة، وحاول التراجع برأسه للوراﺀ وهو يرتعد:

"والله لا أعلم! أقسم لك يا سيادة الضابط.. أنا لستُ سوى وسيط! أقبض أجري على النقل والتوصيل فقط!"

​شدّ وليد قبضته على ملابسه أشدّ حتى كاد يخنقه، وخفض رأسه لينظر في عينيه مباشرة بنبرة حادة:

"لا تتلاعب معي! الأدلة مثبتة ضدك حتى النخاع، وإن لم تتحدث الآن وتنقذ نفسك، فستحمل وزر هذه الشبكة بالكامل وحدك.. أين الصغار؟!"

"أي شبكة..؟! أقسم لا أعرف شيئًا!"

"يبدو أن أولادك سيضحوا أيتامًا بحلول الغد يا ظافر!"

​شهق ظافر خائفًا من تهديد وليد، وازدرد ريقه بصعوبة متوسلًا بنبرةٍ متقطعة يكسوها الهلع:

"أنا لا أعلم أين يحتجزونهم بالضبط! صدقني! كل ما أفعله هو نقلهم إلى مبنىً ضخم على أطراف هذه المنطقة.. يقف أشخاصٌ عند البوابة الخارجية، يستلمون الأطفال مني في الصندوق ويمسحون أثري، وأنا أرحل فورًا دون أن أطأ الحديقة الداخلية أو أعرف ما يجري بالداخل!"

​ضيق وليد عينيه بنفاذ صبر، وهزه بقوة مرة أخرى:

"تحدّث بسرعة! أين يقع هذا المبنى؟!"

تلعثم ظافر وعيناه تجولان في الرعب:

"إنه.. إنه قريبٌ من هنا.. في آخر هذا الطريق الترابي، على بُعد بضعة كيلومترات فقط، ستجد سياجًا مرتفعًا ومبنىً قديمًا كـ..."

​بترت كلمات ظافر في حلقه فجأة..

​ولم تكن كلماته وحدها هي التي تتوقف، بل تجمدت الأنفاس في أجساد الجميع.

​ارتسم على أفق الليل الساكن ضوءٌ برتقاليٌ وهاج، تبعه سحبٌ كثيفة من الدخان الأسود يتصاعد في السماء، ويلتف كالأفاعي المشتعلة، متصاعدةً من بقعةٍ ليست ببعيدة في أقصى الطريق.

​التفت وليد وحسن ورجال الشرطة جميعًا نحو المصدر في ذهولٍ تام. وسحابة الدخان تزداد انتشارًا في عتمة سماء الليل.

***

ملثمٌ بملابس سوداء غطت ملامحه، جال حول المبنى بمسافةٍ قليلة. يتحرك ببطء بين الأشجار وهو يراقب التهام السنة اللهب المتراقصة للمبنى لتختلط بصرخات الصغار بالداخل..

انعكس الضوء البرتقالي في زرقاويه برضا، قبل أن يستدير ليختفي بين الغصون.

***

​توقفت المركبات بفرملةٍ حادة أحدثت صريرًا إلى بُعد أمتار قليلة من البوابة الحديدية الضخمة.

​انفتحت أبواب السيارات دفعة واحدة، لتغمر المكان رائحة الحريق الكثيفة والمختنقة بالوقود والمواد المشتعلة.

كان المكان عبارة عن مبنى صناعي قديمٍ مهجور يتكون من طابقين، تكتنفه النيران من كل جانب، وتتطاير من نوافذه المهدمة كتل الجمر والشرار نحو السماء، بينما تساقطت أجزاءٌ من سقف الطابق العلوي بإحداث دويٍّ متلاحق.. لتختلط بصرخاتٍ متألمة من الداخل تستغيث من النيران التي تنهش الجدران من حولهم، والدخان الذي يلفح أنوفهم ويغلق تنفسهم.. ولكن بلا جدوى..

​ترجل وليد مسرعًا، واستل جهاز اللاسلكي ليصيح فيه بنبرةٍ آمرة تشوبها الصدمة:

"عمليات! نحن بالموقع الآن.. هناك حريقٌ هائل بداخل المبنى الرئيسي! نطلب سيارات الإطفاء وفرق الإنقاذ والإسعاف بأقصى سرعة ممكنة! أكرر.. الموقع يشتعل بالكامل!"

​لكن حسن لم ينصت للتعليمات؛ دفع باب السيارة بقوة ووطأت قدمه الأرض الترابية، يتنفس الدخان دون أن يطرف له جفن. تقدم بخطواتٍ جادة وسريعة نحو البوابة المفتوحة، يدفعه إدراكٌ مرير بأن الثواني هاهنا تفصل بين الحياة والموت، وأن هذا الحريق لم يكن سوى محاولة خسيسة لمحو الجريمة بالأدلة دفعة واحدة.

أنعكست الشعلات في عسليتي حسن وقلبه يقرع بهلع.. جف حلقه واتسعت مقلتاه..

محو الأدلة لم يعني إلا شيء واحد له..

"لقد.. سبقني بخطوة.."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (48)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة