وليد

وليد

228 0

الساعة ١١:٤٥ صباحًا 

عدّل وليد ياقة قميصه المدني أمام المرآة الصغيرة المعلقة في مكتبه، متأملًا ملامح الإرهاق المحفورة تحت عينيه بسبب أسابيع متواصلة من ملاحقة تلك العصابة التي أرهقته. أضاءت شاشة هاتفه برنين صامت، كانت رسالة نصية قصيرة من زوجته:

– الأولاد يسألون إن كنت ستفي بوعدك وتأخذنا إلى الشاطئ هذا الأسبوع، أم أنك ستلغي الرحلة كالعادة؟".

تنهد وليد بعمق، ملقيًا بالهاتف في جيبه. 

في هذه الأثناء، كان زميله يغلق المحفظة الجلدية التي تحوي هويته العسكرية ويضعها في الدرج يستعد للعودة إلى عائلته بعد مناوبة دامت ليومين.. حدق في وليد ليعلق بخفة:

"أنظروا إلى المسكين الذي لم ينهِ مناوبته"

اصطنع وليد ابتسامة منزعجة لاستفزاز صديقه له، أجاب بتململ:

"سأنتهي من مهمة اليوم ولن يرى أحدٌ وجهي لأسبوع.. أكاد أن أجزم أن ملامحي اختفت من ذاكرة خديجة والأولاد"

قال شريف ملاحظًا وليد يخفي سلاحه أسفل سترته:

"ألم تقل لي أنه بحسب معلوماتك.. ستتواجد تلك العصابة في المقهى على الساعة الثالثة؟"

حدق شريف في ساعته وأردف:

"لم يؤذن الظهر حتى بعد"

أخذ وليد مفاتيح سيارته من فوق المكتب وقال وهو يتجه نحو الباب:

"تعرفني أحب التواجد قبل موعدي لدراسة المكان.. وبما أني سأكون متفرغًا لساعات قبل وصولهم.. رتبت موعدًا مع شخصٍ يود مقابلتي"

​نظر إليه شريف باستغراب وهو يلحق به في الممر:

​"هل جننت؟ تقابل شخصاً خارجاً عن المأمورية وسط موقع المراقبة؟"

رد وليد ببرود وهو يدخل المصعد ويشير له بالدخول:

"إذا أجلت هذا الرجل، سأضطر لاقتطاع يوم من إجازتي الثمينة لألتقي به في مكان آخر وموعد مختلف.. فلماذا لا انتهي من كل التزاماتي الاجتماعية اليوم؟"

دلف كلاهما إلى المصعد ليتحركا أثناء ارتسام ملامح عدم الرضا على شريف.. تابع وليد متسائلًا اثناء ضبط شعره أمام مرآة المصعد:

"هل تعرف أي شخصٍ من عائلة تدعى سعد الله؟"

صمت شريف قليلًا يقلب أفكاره:

"سمعت بهم.. لكن لم أقابل أيًا منهم قبلًا"

"خمن من طلب رؤيتي؟ رجلٌ من تلك العائلة يُدعى عمر يرغب بمقابلتي بأمرٍ لا يحتمل التأجيل"

عبس شريف باستغراب:

"ولمَ أنت؟"

هز وليد كتفيه أثناء خروجه من المصعد يتبعه صاحبه:

"ليس لدي أدنى فكرة.. ولكن سأعلم بعد قليل، فربما تكون قضية أو ما شابه"

***

تأملت لين انعكاسها بالمرآة وقد راقت ملامحها بعدما تلاشت معالم المرض منها.. تناثرت خصلات شعرها على وجهها بعد فشلها في لملمته، فتركته منسدلًا.

ترددت قليلًا قبل أن تتناول مشبك الهرة الذي اشتراه لها حسن مسبقًا.. ثم وضعته في خصلة صغيرة من الجانب بالرغم من أنها لا زالت غاضبة من حسن، لكن يغمرها الحماس لرؤية ليلى التي ستقابلها بعد قليل.

احست لين بمخالب قطتها تعبث في تلابيب بنطالها.. خفضت من عسليتيها لتقابل غيم، جثت حاملةً إياها تقبلها:

"بضع ساعاتٍ وأعود.. حسنًا؟ أحبك"

مشت بها لين لتهبط بها نحو الفراش، سكبت بعض المياه في طبقٍ بلاستيكي صغير، بجواره آخر به بسكويتٌ ناعم..

تركتهما في حال جاعت الهرة أثناء غياب لين.

سارت إلى خارج الغرفة لتنزل من على السلالم..

رفع حسن عينيه نحو لين ليشرب آخر رشفة من شايه، ترك الكوب ثم التقط مفاتيحه وكيسًا صغيراً، متجهًا نحو الخارج دون كلمة..

لحقت به لين على الفور حتى وصلا إلى السيارة.

صعد حسن إلى مقعد القيادة ولين بالمقعد المجاور له، أدار المفاتيح ليعلو صوت هدير المحرك وينطَلقا على الطريق.

لم ينكر حسن داخله أنه داهمه اشتياق دفين لصاحب عمره الذي سيقابله اليوم.. فقد شاركه كل تفاصيل طفولته، مراهقته وشبابه..

لكن انقطع تواصلهما من بعد أن انكشف ما تسبب به حسن من ظلمٍ لمحسن. 

جزء من حسن التمس لوليد العذر لابتعاده عنه حتى لا يتأثر عمله كضابط.. فقد كان وقتها متزوج بحبيبته خديجة، ومسؤول عن بيتٍ وأسرة.

وجزء آخر لم يسامح وليد لانقطاعه عن صاحب عمره وابتعاده عنه في أحلك فترات حياته التي لم يهونها عليه سوى تواجد سالم.

سبحان الخالق الذي لا يترك عباده إلى نفسهم الضعيفة طرفة عين.. يُسخر لهم مَن يشاء في أكثر الأوقات غير متوقعة..

حتى الإنسان قد جاء اسمه من الأُنس.. لا الوحدة..

يأنس بخليله، ويهون عليه.

عاود حسن التركيز على الطريق.. قاطعًا هدوء الأجواء ليسأل لين:

"هل تقيأتِ مجددًا اليوم؟"

هزت لين رأسها نفيًا:

"لا.. أنا بخير"

أومأ لها ملقتطًا الكيس الذي أخذه معه من المنزل.. يحتوي على شطائر جبنٍ ومربى أعدها بنفسه قبل المغادرة:

"تناولي إفطارك.. لا يعجبني استقبالك للطعام تلك الفترة"

أومأت له لين بلا جدال لتأخذ الكيس منه، اخرجت شطيرة الجبن لتبدأ في تناولها بهدوء..

تنهد حسن بامتعاض أثناء تركيزه على الطريق مجددًا، وبعد حوالي ساعة.. وصل أخيرًا إلى المقهى المطلوب..

أغلق حسن المحرك قبل أن يمد ذراعيه ليخلع حزام الأمان عن لين، فقال أثناء انشغاله:

"معلمتكِ أرسلت أنها تنتظر عند المدخل الأمامي.. يمكنكِ الجلوس معها على طاولة منفصلة حتى أنهي حديثي مع وليد"

"سيكون هذا من الأفضل"

قالتها لين بتلقائية بدون التفكير كثيرًا.. فقد أرادت الخصوصية مع ليلى حتى تنفذ أمرًا ما.. وبالطبع حسن لا يعرف بالأمر السري الذي يدور برأس لين، فلاحظت يده التي توقفت وعسليتيه تحدقان فيها بنظرات مظلمة تكاد تكون مصدومة من ردها. 

حاولت لين التصحيح على الفور:

"أنا لم أقصد…"

"لا أهتم"

أبعد يده عنها ليهمّ بفتح الباب للخروج من السيارة، زفرت لين قبل أن تفتح بابها لتلحق به.. 

تركا السيارة في المرآب ليتجها إلى المدخل، وفور اقترابهم، لمحت لين ليلى على طاولة خارجية تابعة للمقهى، منشغلة بهاتفها، ابتهجت لين ثم تركت جانب حسن لتركض نحوها..

لمحت ليلى الحركة التي تقترب منها، فرفعت عينيها لتبادل لين الابتسامة، فتحت ذراعيها لتستقبل عناق لين القوي.

"انظروا مَن أتى أخيرًا بعدما احرقتني الشمس!"

"اشتقت لكِ كثيرًا.. كثيرًا"

قالتها لين بصوتٍ مكتوم في ملابس ليلى، كانت سعيدة لمقابلتها أخيرًا وهي بحالٍ جيد.. خاصةً بعد آخر مرة رأت لين بها ليلى.

رفعت ليلى رأسها لتجد حسن أمامها، قال ببساطة:

"سأترك لكما راحة الحديث ريثما أنهي أمرًا ما"

استقامت ليلى ممسكة بيد لين مجيبة:

"خذ راحتك قدر المستطاع.. الفتيات ثرثارات عند اجتماعهن"

"أثق بهذا"

قالها حسن ببسمة صغيرة ارتسمت على محياه، لحقت به ليلى إلى داخل المقهى.. فانتظارها بالخارج كانت فكرة سيئة مع شمس الظهيرة.

دلف ثلاثتهم إلى الداخل ليستقبلهم هواء المكيف البارد.. ورائحة معطر الزهور مع القهوة تغزو المكان. 

سارت ليلى مع لين إلى طاولة جانبية بعيدة عن قليلًا عن الناس، قابعة بجوار الحائط، بينما ظل حسن عند الباب، يمسح المكان بين الوجوه حتى وقعت على الشخص المطلوب عند طاولة في منتصف المقهى..

وليد.

ذوق ملابسه هو نفسه.. كلاسيكي بألوانٍ دافئة.. على عكس ذوق مظهره الذي غيرته السنوات، فقد كانت لحيته الخفيفة التي اعتاده بها محلوقةً تمامًا، شعره الأسود اقصر، وعيونه بدا عليها الإرهاق.

اقترب حسن نحوه بخطواتٍ رتيبة حتى وصل إلى الطاولة..

رفع وليد عينيه بعد شعوره بنظراتٍ تخترقه، فورما تقابلت أعينهما.. 

حملق به وليد في صمتٍ قاتم، وكأن ضجيج المقهى دُفِن تمامًا من حوله..

ليس لأنه يستوعب هوية مَن أمامه، بل لأنه تعرف عليه فورًا.

رغم ما يحمله قلب كل منهما من ثقل تجاه الآخر، إلا أنهما داهمهما اشتياق دفين لأيامهما معًا.. وكأنه شريط فيلمٍ سريع مر بين خط اتصال نظراتهما.. 

أمال حسن برأسه مع ابتسامة جانبية، سحب المقعد الذي أمامه ليجلس عليه قبل أن يمد يده نحوه:

"ألا تنوي مصافحتي يا وليد؟"

ضاقت عينا وليد محدقًا بيد حسن الممتدة أمامه.. وبعد لحظة من التردد، بادله المصافحة دون ارتخاء ملامح وجهه:

"تبدو بحالٍ جيد"

مط حسن شفتيه مجيبًا بعدما ربّع ذراعيه فوق الطاولة:

"لا تحكم على الكتاب من غلافه.. وأنا أراك أهدأ من آخر لقاء بيننا"

فرّ عن وليد زفير أشبه بضحكة خافتة:

"قلتَ لتوك ألا تحكم من الغلاف.. لا أستطيع المغادرة في اللحظة الحالية"

استند وليد على ظهر المقعد مردفًا برسمية:

"على عكسك.. فلن تستطيع البقاء طويلًا، أنا أنتظر شخصًا ما"

كبح حسن ضحكته الساخرة ليرد:

"عمر لن يأتي إن كنت تنتظره"

تلاشت ابتسامة وليد تدريجيًا، قال مستوعبًا ما يدور:

"أنت من أرسله"

"نعم"

"ماذا تريد يا حسن؟"

قبل أن يجيبه حسن، اقترب النادل ليسأل:

"يمكنني تلقي طلبكما؟"

ابتسم حسن للنادل قبل أن يقول دون منح وليد فرصة للتحدث:

"كأسان من عصير الليمون حتى يحافظ كلانا على هدوئه، منعًا من أن يتحول المكان لساحة حربٍ بعد قليل"

حدّق النادل بينهما في استغراب من الرد.. أومأ له وليد لتنفيذ الطلب قبل أن يعيد بصره إلى حسن:

"قل ما عندك"

***

"كل هذا الشحوب والوجوم لمجرد أنكِ ابتعدتِ عن الدراسة مؤقتاً؟"

سألتها ليلى وهي تميل بجسدها قليلاً فوق الطاولة، محاولةً استدراج عيني لين الشاردتين.

حدقت لين بكفيها الصغيرتين المتشابكتين فوق سطح الطاولة، لتجيب بنبرة فاترة خالية من أي حماس:

"سأتأخر عن زملائي بهذا الشكل.. لا أريد ذلك."

ابتسمت ليلى بدفء وهزت رأسها بقلة حيلة:

"يا عزيزتي، في هذا الشأن تحديداً، هم من يعجزون عن مجاراتكِ.. مستواكِ متقدم عنهم بمراحل"

لم تتحرك مقلتا لين، بل ظلتا معلقتين ببقعة الضوء المنعكسة على الطاولة، فأردفت ليلى بنبرة تشجيعية هادئة:

"هناك مدارس تتيح تقديم التماسات وإجراء اختبارات لتحديد المستوى.. أراهن أنكِ لو خضتها الآن، لقفزتِ من سنوات المدرسة وخطوتِ على عتبة الجامعة مباشرة!"

ارتسمت على شفتي لين ابتسامة باهتة قصيرة، سرعان ما غادرت وجهها.. بادرتها ليلى لتلطيف الأجواء مغيرّةً مجرى الحديث:

"ها هو ذا.. الوجه الذي أحب رؤيته.. والآن، دعينا من الجدية قليلاً لنناقش أمرًا مصيريًا.. ماذا سنشرب؟"

هزت لين كتفيها بلا مبالاة:

"أي شيء"

"لا يوجد في قاموسي مشروب يدعى 'أي شيء'."

رمقت ليلى بطرف عينها طاولة حسن البعيدة، حيث استقر كوبا الليمون، ثم همست إلى لين بمرح طفولي لتبعد توترها:

"ما رأيكِ أن نغش من طلب والدكِ؟"

رفضت لين تماماً الالتفات أو النظر نحو جهة حسن. قطبت ليلى حاجبيها بنظرة فاحصة لاحظت من خلالها جفاء الصبيّة:

"ألا تتحدثان؟"

أجابت لين وهي تعبث بأطراف أكمامها، خافضةً صوتها:

"لا.. لقد خاصمته"

"ولمَ؟"

ترددت لين لثوانٍ، تحاول بلع الغصة التي وقفت في حلقها، قبل أن تقول بخفوت:

"يريد اللحاق بأناسٍ خطرين.. ومصمم على مواجهتهم دون تراجع."

ردت ليلى بهدوء وعقلانية:

"أليسوا هم من بدؤوا بمطاردتكِ أولاً؟ لقد كنتُ معكِ في الغابة.. تذكرين؟"

رفعت لين رأسها ببطء، وأومأت إيجاباً بنعم. لكن علامات الاستفهام بدت حائرة في عينيها، لتسألها ليلى بنبرة مستنكرة برفق:

"ما المشكلة في الأمر؟"

"كيف تسألين ما المشكلة؟!"

اندفعت كلمات لين دفعة واحدة، وكأن سداً من الكتمان قد انهار فجأة، وترقرقت الدموع في عينيها وهي تتابع:

"لقد قتلوا أمي! وسيقتلونه هو الآخر إن واجههم.. وإن لم يمت، فسينتهي به المطاف بارتكاب جريمة ودخول السجن! هو لا يفكر بي إطلاقاً.. يود تركي وحيدة كما فعل الجميع.. أليست هذه بمشكلة؟!"

ارتجف صوتها في النهاية، فسارعت ليلى بمد يدها لتقبض على كف لين المرتعشة، بينما طوقت وجنتها باليد الأخرى، تمسح دمعة فرت رغماً عنها بطرف إبهامها:

"أولاً.. خذي نفساً عميقاً، واهدئي لنتحدث باتزان، اتفقنا؟"

أغلقَت لين عينيها بقوة، وحاولت جاهدة ضبط أنفاسها المتسارعة قبل أن تومئ برأسها:

"اتفقنا.."

تراجعت ليلى بجسدها قليلاً، وأمسكت كفي لين بين يديها لتدفئتهما، ثم سألتها بنظرة جادة ودافئة في آن واحد:

"حسناً.. ثانياً.. هل تريدين مني أن أحدثكِ كشخصٍ راشد ناضج؟ أم أكتفي بمواساتكِ ومسايرتكِ؟"

أجابت لين بصوت خافت:

"كشخصٍ راشد.."

ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة، شاعرة بتقدير كبير لذكاء الطفلة التي أمامها ونضجها المبكر. تنهدت قائلة:

"أنا نشأت في دارٍ للأيتام، ولم أعرف والديّ يوماً.. ولا أتمنى هذا الشعور الموحش لأي إنسان على وجه الأرض. لذا حين أحدثكِ الآن، تيقني تماماً أنني أفهم جيداً حجم مخاوفكِ من الفقد."

أصغت لين بكل جوارحها، لتتابع ليلى بنبرة واثقة هادئة:

"الشخص الضعيف يا لين هو من يقبل بالظلم مستسلماً، يراقب جلاده وهو يلتهم حياته شيئاً فشيئاً دون رد فعل.. والظالم لن يتوقف طالما لم يجد من يردعه. دعينا نفكر بوعي؛ عندما طاردونا في الغابة، هل كان والدكِ يعلم بأمرهم من الأساس؟"

فكرت لين في السؤال لثوانٍ، واسترجعت شريط الأحداث، ثم هزت رأسها نفياً. أردفت ليلى بذكاء:

"بالتأكيد لا.. ولهذا عليكِ أن تفهمي أن مطاردته لهم الآن ليست هجوماً طائشاً، بل هي ردة فعل طبيعية ومحتمة لحمايتكِ وحماية نفسه.. هو لن يترككِ يوماً، بل يحاول قطع الخطر من جذوره حتى تعيشا بأمان دون خوف من الغد."

صمتت لين، وبدا وكأن الكلمات بدأت تجد طريقها لعقلها الصغير، لكن مخاوف الفقد لم ترحل تماماً، فقالت بخفوت:

"وكيف أضمن أنه لن يتركني؟ أمي ماتت وهي تحاول حمايتي أيضاً.."

آلمت تلك العبارة الصادقة قلب ليلى، وشعرت بوخزة حادة في صدرها، لكنها حافظت على تماسكها وصوتها الهادئ المتزن:

"والدتكِ كانت بطلة حقيقية.. وقفت كالدرع الصلب أمام وحوش لا ترحم. أنتِ فقدتِ والدتكِ، وحسن فقد زوجته.. وأنا أيضاً فقدت أصدقاء طفولتي في الدار."

اتسعت عينا لين، واعتلت ملامحها علامات الصدمة والذهول وهي تسمع هذا الاعتراف لأول مرة:

"أصدقاؤكِ؟"

كانت تلك المرة الأولى التي تنكشف فيها أمام لين جرائم كمال وأعوانه؛ فلم تكن تظن أن الأمر يتعدى ملاحقة عائلتها. نظرت إليها ليلى بملامح يملؤها الأسى، وقالت بنبرة خافتة تكاد تكون مسموعة:

"نعم.. إنهم يقتاتون على عجز الأطفال، ولا يترددون في سحق من يقف في طريقهم كوالدتكِ.. إن لم يقف في وجههم رجلٌ شجاع كوالدكِ، فمن سينهي هذا الكابوس؟ لو تراجع حسن الآن، فسيأتي الدور على صغارٍ آخرين.. هل تقبلين أن تتكرر مأساتكِ مع أطفالٍ أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم لم يجدوا من يحميهم؟"

احست لين بالأنانية والألم في آنٍ واحد.. رفعت من عسليتيها نحو ليلى لتهز رأسها معلنةً رفضها للظلم.

استجمعت ليلى طاقتها لتطرد الحزن بعيدًا، اتسعت ابتسامتها لتقول أثناء فتح تطبيق على الهاتف:

"سمعت انكِ خبيرة في الشطرنج، لم يهزمني أحدٌ إلا نادرًا.. لنطلب مخفوق الفراولة ولنرى مهاراتكِ!"

***

رفع وليد حاجبيه في تفاجؤٍ مصطنع، ليقول بتهكم:

"إذًا بعد ترك بتول لسنوات.. تود فجأة استعادة حق زوجتك ومحسن.. محسن الذي خنت أنت ثقته.. لا، لقد صدقتك تمامًا"

"لستُ هنا من أجل أن أضع تبريراتٍ لما حدث أو لأقول لكَ سامحني.. لأن كلانا يعرف جيدًا أن التهديد الذي واجتُه، إذا كان تجاه خديجة لفعلت أنت أكثر من الذي تسببت به أنا"

انكمش وجه وليد ليجيب بنبرة خافتة مهددة:

"لا تذكر اسم خديجة يا حسن! فأنا لا أخون من أهتم لأمرهم"

قطّب حسن حاجبيه مائلًا بوجهه ولو أنه يفكر:

"هذا غريب.. لأن صديق عمرك حين أخذوه إلى المصحة.. لم يزره جنس مخلوق.. والغريب الذي اصطدمتُ به وأنا غارقٌ في مرضي، كان بمثابة أخي الذي لم تجمعني به صلة دم.. أين كنتَ أنتَ وقتها يا وليد؟"

ضغط وليد على قبضته بقوة عاجزًا عن الرد لوهلة، اقترب من الطاولة مجيبًا بحنق:

"لا تحاسبني على رد فعلٍ تجاه خطأك يا حسن.. أنت خنت، وأنا كنت مصدوم منك"

"إذًا ابتعدت عني بسبب أني خائن للثقة، ليس من أجل الحفاظ على سمعتك.. أرى ذلك تمامًا"

حين فتح وليد فمه للجدال، بتر حسن كلماته قبل أن يتفوه بها:

"اسمعني يا وليد.. لم آتِ من أجل نبشٍ عديم الفائدة.. لقد جئت لرؤيتك كضابطٍ أحتاج إليه."

صمت وليد قبل أن يرتشف من العصير لتهدئة أعصابه، أجاب باختصار:

"كان بإمكانك الاستعانة بغيري"

"لا تغتر بنفسك، أعرف أن هناك غيرك ومن هم أفضل منك أيضًا.. لكني لست مستعدًا لروي تفاصيل أنت أعلم بها من غيرك"

ارتفعت شفاه وليد في بسمة تهكمية، فرك عينيه متمتمًا بسخرية:

"يا الله.. إزعاجك ذاته! كثور يبطح الناس بكلماته"

أبعد وليد كفه عن عينيه ليكمل:

"قل ما تريد يا حسن إن كان عملًا"

أخرج حسن هاتفه، ثم فتحه ليقلب في الصور، سأل أثناء تركيزه على الشاشة:

"هل تتذكر داليا إسماعيل؟"

عبس حاجبا وليد أثناء محاولته التذكر:

"الاسم ليس غريبًا على مسمعي.. لكن لا.. لا أظنني أعرفها"

هز حسن برأسه وعينيه على الهاتف:

"منطقي.. سنواتٌ بالطبع تنسيك"

رفع حسن الهاتف ليواجهه نحو وليد، وإذ بصورة قديمة لبيانات طفلة في الحادية عشرة من عمرها.. 

التقطها حسن من الملف، كما فعل مع جميع الصور به..

أردف حسن ليمحي ملامح وليد المستنكرة بلا فهم:

"الصغيرة التي روت لنا بتول عنها في إحدى الزيارات.. نسيتها؟ كانت معها بالدار حتى اختفت فجأة"

رفع وليد أحد حاجبيه مستغربًا:

"وجدتها؟"

"ركز بالورقة أكثر يا حضرة الضابط"

أعاد وليد بصره على الصورة يتفحصها، يمرر مقلتيه على الكلمات سريعًا حتى ثبتت على التوقيع باسم:

صلاح بكر.

تاهت عينا وليد لبرهة.. فبتر حسن صمته قائلًا:

"نعم.. الذي خطر على بالك بالضبط.. الذي كنت أصيح لك باسمه بعد فصلي لتحقق معه، وتجاهلت الطلب تمامًا خلف ستار عدم ثقتك بي، واتهامك بلعبي دور الضحية"

"مَن قال أني لم أبحث عنه؟! لقد فعلت!"

انخرس وليد للحظة بعد ملاحظته انفعاله المفاجئ الذي جذب انتباه بعض الحاضرين، تنهد مستعيدًا هدوءه الحازم ليتابع:

"بحثت عنه لأثبت لنفسي أن جزءًا منك صادق.. ولكن بعدما طلبته للتحقيق.. كان رجل اعمالٍ عادياً.. لم تثبت أمامه أي تهمة! حتى الورق الذي تلاعبت أنت به.. لم يتواجد به اسمه مطلقًا.. وجدنا اسم رجلٍ آخر وقبضنا عليه، ثم قُتِل في السجن بعد مدة"

فور اختراق الكلمات مسامع حسن، أدرك أن صلاح يدفع بكلابه ككبش فداء لأعماله إن تطلب الأمر.

"جيد يا وليد.. الآن معي دليل قذارة هذا الشخص.. وها أنا أمامك.. لا أطالبك بالتحقيق معه لأنه لن يجدي نفعًا.. فأقسم أني ما دمت حيًا لن أصمت حتى أرى حق عائلتي يتم استعادته اضعافًا"

"عائلتك؟ ترى ما الذي ذكرك ببتول.. هل وفاتها أيقظت ضميرك؟"

بالطبع كان وليد يعرف بمقتل بتول بعد تداول الأمر بين أصدقائه حتى وصل إليه منذ أشهرٍ مضت.. وعن لين التي اختفت دون العثور عليها، ومع الوقت.. ومع إغلاق القضية، انشغل وليد بحياته دون أن يسأل عن أي تحديثات.

اعتصر قلب حسن من كلمات وليد.. لكنه احتفظ بنبرته الهادئة مجيبًا:

"في الواقع لم اختر أن أتذكر أيًا مما مضى، فأحيانًا المشاكل من تطرق بابها.. ومصيبتي أنا كانت تنتظرني على عتبة منزلي لتلتصق بي، معها حقيبة ضخمة تحمل كومة من المشاكل"

حملق وليد في حسن باستنكار من كلماته المبهمة، بينما استند حسن على ظهر المقعد مبتسمًا، يشير بحاجبيه صوب بقعة محددة:

"انظر خلفك.. الطاولة على اليمين"

أدار وليد وجهه ببطء نحو طاولة لين مع ليلى بنهاية المقهى.. رأى تلك الصغيرة ذات الشعر الكستنائي تلعب شطرنج على هاتف شابة أمامها، يشربان مخفوقًا باردًا.. ارتسم التعجب على وجه وليد، فلم يتوقع أن تكون تلك الصغيرة معه.

كم كانت ملامحها نسخة من حسن.

عبس وليد سائلًا بعدما لاحظ الفتاة التي تتعامل بودٍ أمامها:

"التي معها...؟"

"لا أحد.. فقط معلمتها"

اومأ وليد قبل إعادة بصره إلى حسن بعدما لانت ملامحه بعض الشيء:

"والدتها أثناء فترة حملها، كانت تشعر أنها سوف تشبهك"

قطّب حسن حاجبيه في تفاجؤ، هل كان وليد يعلم بحمل بتول؟!

"من أين علمت بحمل بتول؟؟ ألم تغادر بتول المدينة فور تلقيها ورقة الطلاق؟!"

فتح وليد فمه للرد، لكنه اطبقه على الفور إثر صوت ست رجال اختاروا طاولة عريضة للجلوس عليها، ضاقت عيناه في ريبة فور تعرفه على وجوههم، تفقد ساعة يده:

١:٠٤ ظهرًا.

لا يزال هذا مبكرًا عن موعد اجتماع العصابة المتوقع..

أعاد حسن سؤال مجددًا:

"كيف علمت بحملها يا وليد؟؟"

ضغط وليد على فكه، يريد أجابته وفي نفس الوقت أراد التركيز مع مهمته، أعاد نظره إلى حسن ليجيبه بنبرة خافتة:

"هي أخبرتني.. حسنًا؟!"

زفر قبل أن يردف بتعجل:

"زارت المصحة عدة مرات لتستعلم عن حالك بعدما علمت أنك كنت مهددًا.. أرادت اعلامك بالحمل، لكن عندما أخبرها الأطباء عن حالتك العدوانية واكتئابك، خافت على طفلتها.. ونفسيتها بعد موت محسن لم تتحمل أكثر من ذلك، فظلّت تسأل عنك من بعيد حتى غادرت المدينة لتلد خارجها.. أنا من اقترحت عليها المغادرة بعدما ساعدتها في الأوراق القانونية لإتمام شهادة ميلاد الصغيرة إثر غياب الأب بمصحة الإدمان"

بهتت ملامح حسن أثناء تحديقه بوليد.. فقد ظلّت تكنُّ له مشاعرًا للنهاية..

وهو من ظن أن ذكرها إياه للين بالخير، ربما كان كذبًا لصغيرتها لتحافظ على صورته؟

لم يكن كذبًا.. هي لم تكرهه..

أرسل وليد على الفور لزملائه:

– جهز الرجال أمام المقهى.

شغّل وليد مسجل الصوت على هاتفه لالتقاط حوار العصابة، يريد تسجيل جملة محددة حتى تكون دليل إدانتهم المطلق.

تساءل حسن بعدما ارتسمت بسمة جانبية على شفتيه:

"والآن أعطيتني سببًا آخر يجعلني أسألك.. هل أنت معي أم لا؟"

ظلّت نظرات وليد العابسة مرتسمة على ملامحه في تركيزٍ تام، ولكن ليس مع حسن.. هبطت عسليتا حسن إلى هاتف وليد للحظة ملاحظًا زاويته القريبة من الطرف، ثم حوّل بصره إلى الطاولة الجانبية حيث يتواجد أولئك الرجال..

"لا تنظر نحوهم"

قالها وليد لحسن بنبرة هامسة مسموعة، عاود حسن النظر إلى وليد مطلقًا زفيرًا تهكميًا خافتًا، اقترب من الطاولة ليقول بسخرية:

"إذًا.. أنت في مهمة"

***

سقط فم ليلى لفوز لين عليها للمرة الثالثة على التوالي، قطبت حاجبيها بانزعاج واضح:

"سألعب أنا بالأبيض في الجولة القادمة! هذا ليس عدلًا"

ربّعت ليلى ذراعيها مشيحة بوجهها، بينما قهقهت لين أثناء سحبها لمخفوق الفراولة من القشة، اقترحت لين:

"تريدين ثلاث جولات من سبعة؟ أحب الشطرنج"

ضمت ليلى شفتيها بامتعاض:

"كرهت الشطرنج لتوي"

تملقّت لين بمرح:

"بما أني الفائزة.. هل من الممكن أن اتذوق مخفوق الفانيليا خاصتك؟"

"هممم.. بشرط إن تذوقت خاصتك"

"موافقة!"

مدت لين كأسها نحو ليلى أثناء قيام ليلى بالشيء ذاته، التقط شفتا لين قشة كأس مخفوق الفانيليا لتشرب، بينما عندما فتحت ليلى فمها لتذوق مخفوق الفراولة، اختلت يد لين لينسكب بعضٌ من الكأس فوق ملابس ليلى..

"يا ويلي! لا!"

استقامت ليلى على الفور ليصدر صرير الكرسي من خلفها، تشعر بالبرودة تخترق طيات حجابها أسفل رقبتها، محاولةً مسحه بيدها:

"بارد بارد!"

"آسفة آسفة جدًا حقًا!"

أبعدت ليلى طرف حجابها المبتل عن الفستان:

"لا بأس لا تعتذري.. هيا إلى الحمام لتنظيفه قبل أن يتشربه الفستان أيضًا!"

تبعت لين ليلى إلى دورة المياه على الفور حتى تساعدها.

أغلقت الباب خلفها ثم اتجهت نحو الصنبور، فتحته لين محاولةً تنظيفه معها..

هزت ليلى رأسها باستياء:

"سيبتل الفستان معه بهذا الشكل"

حدقت لين في ليلى للحظة، ثم تذكرت اتفاقها مع عمر لتلتمع في رأسها فكرة..

"أستاذة ليلى.. نحن في حمام النساء، انزعي حجابك واغسلي الجزء بعيدًا عن الفستان"

ترددت ليلى بعض الشيء:

"هل.. تظنين؟"

أومأت لين بحماسٍ وقوة:

"وددت أن أرى شعرك أيضًا!"

"أيتها اللئيمة"

تمتمت بها ليلى أثناء فكها لدبابيس حجابها، ثم اسدلته للأسفل لتتلألأ عسليتا لين فور ظهور شعر ليلى المربوط للخلف..

فقد بدت أكثر جمالًا بخصلات غرتها الطويلة تناثرت حول وجهها..

بدأت ليلى تنظف حجابها الأبيض بالجزء الذي غطاه اللون الوردي، بينما لين لا تزال تحدق فيها بانبهار:

"تبدين أجمل!"

ابتسمت ليلى أثناء انشغال يديها، لتجيب دون رفع عينيها:

"ولهذا نرتديه يا صغيرة"

ظهرت غمازة لين لتومئ بثقة:

"أخبرتني والدتي سابقًا"

"جيد أنها كانت توضح لك الأمور.. أحسنت صنعًا حقًا"

ضحكت لين بخجل قبل أن تسأل بتردد:

"هل يمكنني.. أنا أرى ذلك المشبك بالخلف؟"

تحسست ليلى شعرها حتى لمست مشبك الفراشة الصغير الذي نست وجوده:

"هذا؟ يشبه خاصتك، أليس كذلك؟"

هزت لين رأسها بقوة، أغلقت ليلى الصنبور ثم جثت إلى لين لتريها إياه:

"طبعًا من المفترض أن يلملم غرتي ولكنه عديم الفائدة.. آه.."

تأوهت ليلى إثر سحب لين المفاجئ للمشبك دون إذن، شعرت ليلى بعدة شعراتٍ انفصلت عن فروتها.. حكت رأسها بألم:

"كان بإمكانك الطلب إن اردته"

رفعت لين عينيها عن المشبك، احمر خديها بخجل مما فعلت، لكنها لم تجد فكرةً أفضل، سألت بخفوت:

"هل يمكنني.. اخذه؟"

استقامت ليلى متنهدة أثناء إعادة تغطية شعرها:

"لا يمكنني الرفض.. سيناسب شعرك المموج على أي حال، فهو كثيرًا ما يمزق شعري"

أغلقت لين على المشبك بيدها لتضعه في جيبها، تشعر بالرضا والفخر لإتمام مهمتها.

***

همس حسن بتهكمٍ لوليد:

"تجمع مواعيدك الشخصية مع عملك؟ ضابط سيئ يا وليد"

"توقف عن الهمس ولا تناديني بالضابط"

عدّل حسن من وضعيته ليجلس مستريحًا، يندمج في استفزاز وليد لإتمام تمثيلية مواطنين طبيعيين:

"لم أرك منذ زمنٍ يا رجل.. كيف حال زوجتك والأولاد؟"

اصطنع وليد بسمة صفراء مجيبًا:

"يشتاقون لك ويرسلون سلامهم.. أصبحوا ثلاثة أطفالٍ الآن"

"ثلاثة؟! أقسم لي"

"أقسم لك! هل تصدق؟!"

"لا زلتُ أتذكر ابنتك جوري وقت إذ كانت رضيعة"

أومأ وليد مواكبًا إياه.. بالرغم من أن الحوار محتواه حقيقي، إلا أن طريقتهما حملت دفئًا مصطنعًا تمامًا:

"لم تكن تحتمل أن تحملها خمس دقائق.. تذكر؟"

عينا وليد كانتا تدوران في زوايا ميتة أثناء اختلاق الحوار مع حسن.. على الطاولة العريضة المجاورة، انخفضت رؤوس الرجال الستة يتحدثون بنبرة حادة وسريعة. كان أحدهم يرتدي سترة سوداء، يفرك يديه بتوتر وهو يهمس لرجله المقابل..

في تلك اللحظة، ثبتت عينا وليد على شاشة هاتفه الموضوع بزاوية مائلة.. كان مؤشر تسجيل الصوت يتحرك صعوداً وهبوطاً، يلتهم كل حرف بدقة ووضوح.

التقط أخيرًا أحدهم يقول:

– العشرون كيلوغراماً التي استلمناها من الساحل الغربي موزعةٌ الآن في مخزن العلف القديم.. اتصل بالموزع ليجمع المبالغ النقدية الليلة.

اختفى وجه وليد الساخر في ثانية، ثم وقف فجأة ليصدر صرير من المقعد لفت نظر الحاضرين، رمق الرجال بنظراتٍ حادة أثناء إخراجه لمحفظته الجلديه، رفعها ليواجههم بهويته متحدثًا ببرود وجدية تامة:

"مباحث.. مطلوب القبض عليكم بتهمة الاتجار بالممنوعات"

ارتسمت معالم التوتر والقلق على المتواجدين في المقهى، بينما ظل حسن بهدوئه على الطاولة يشاهد في صمت..

​تجمد الرجال الستة في أماكنهم لبرهة، تبادلوا نظرات سريعة ومضطربة، قبل أن يرسم زعيمهم ذو السترة السوداء ابتسامة باهتة، محاولاً إخفاء ارتباكه خلف نبرة من التهكم الهادئ:

"شرطة؟ يبدو أنك أخطأت العنوان يا حضرة الضابط.. عن أي مخدرات تتحدث؟"

"ستأتون معي لنزهة صغيرة ثم سنرى ما إذا كنا أخطأنا أم لا"

تحت الطاولة، بدأت اقدام الرجال تتحرك بتململ، وظهرت ملامح الغدر في عيونهم بعدما أدركوا أنهم سقطوا في الفخ. لم يكن لديهم نية للاستسلام؛ أخذ الرجل ذو السترة يتراجع بمقعده ببطء وهو يضع يده أسفل سترته متمتماً:

"يا سيادة الضابط.. تفاهم معنا أولاً قبل أن تفعل شيئاً تندم عليه.."

​فجأة، لمحت عين وليد حركة يده، فصاح بنبرة أرعدت أرجاء المقهى وهو يسحب سلاحه الميري بلمح البصر:

"لا تتحرك! يدك فوق رأسك!"

​في تلك اللحظة الحرجة، بادر بقية الرجال بسحب أسلحتهم النارية دفعة واحدة في حركة يائسة للدفاع عن أنفسهم. ما هي إلا ثانية واحدة حتى تحول المقهى الهادئ إلى ساحة مواجهة مرتعدة، فوهات المسدسات موجهة متبادلة بين وليد والرجال الستة، بينما يراقب المشهد بتركيز شديد وعينين تلتمعان بالحذر.. يعلم أن الشرطة قد داهمت المكان، يأمل أن ينتهي الأمر سريعًا.

​عند رؤية الفوهات السوداء، انطلقت صرخات هلع جماعية من الزبائن المحيطين. انقلبت الكراسي، وتدافع الناس أسفل الطاولات في فوضى عارمة، بينما انبطح عمال المقهى خلف منصة التحضير هرباً من رصاص متوقع.

في هذه الأثناء، فُتِح باب حمام النساء ببطء.

خرجت ليلى تعيد ضبط أطراف حجابها الأبيض بوقار، تتبعها لين التي كانت تخفي مشبك الفراشة في جيبها الصغير بابتسامة نصر خفية. لكن تلك الابتسامة تلاشت فوراً قبل أن تطأ قدماهما صالة المقهى.

​اخترقت مسامعهما صرخات الذعر وأصوات الكراسي المتحطمة. التفتت ليلى برعب نحو مصدر الصوت، بينما تجمدت لين في مكانها.

​عبر الممر الضيق المؤدي للصالة، رأت لين ما لم تكن تتمنى رؤيته..

رجال يرتدون سترات سوداء.. ملامح قاسية.. وأسلحة نارية مصوبة.

​في عقل لين الصغير، لم يكن هؤلاء مجرد عصابة عادية يلاحقها وليد؛ بل تطايرت أمام عينيها فوراً أسوأ كوابيسها.

تظن لها أن رجال صلاح قد عثروا عليهم أخيرًا.. وأنهم هنا لقتل والدها وتدمير ما تبقى من عالمها.

​"لين! عودي إلى الداخل!"

صرخت ليلى بهلع وهي تحاول الإمساك بكتف الصغيرة وسحبها مجدداً إلى الحمام، لكن الخوف الهستيري كان أسرع.

​"أبي!!"

صرخت لين بأعلى صوتها، صرخة ممتزجة بالدموع والذعر الخالص.. 

أفلتت من يد ليلى كالسهم، راكضةً وسط الفوضى، متجهةً مباشرة نحو الطاولة التي يجلس عندها حسن..

اتسعت عينا وليد ووقع قلب حسن فور رؤيته للين تركض نحوه، استقام على الفور في ذعر ليصيح:

"ابقي مكانك يا لين!"

وقبل أن تستوعب الصغيرة كلماته.. قبضت ذراعٌ قوية حول لين لتنغلق على خصرها، رافعًا إياها من فوق الأرض موجهًا فوهة سلاحه المعدنية عند رأسها، مستخدمًا إياها كدرعٍ بشري..

​"خطوة أخرى وسأفرغ المسدس في رأسها.. اتركونا نرحل ولن يتأذى احد"

هتف الرجل بحدة والتعرق يغطي جبهته، بينما كان يضغط بالمسدس أكثر على صدغ لين، ليزيد من قسوة المشهد وتوتره.

تحدث وليد بنبرة تهديدية خافتة: 

"اسمعني جيدًا.. إن أذيتها فلن تفلت بفعلتك.. وبدلًا من بضع سنواتٍ قابلة للتخفيف، حبل المشنقة سيكون مصيرك"

أظلمت عينا حسن رافعًا كفيه في الهواء:

"اترك الفتاة.. لا شأن لها بكل هذا"

"لا تقترب وإلا أقسم أني سأفعلها!"

جال توتر مميت في أنحاء المقهى، عينا حسن مثبتة على لين التي استحال اللون من وجهها، وابتلت وجنتاها بالدموع.. تريد أن تصل لوالدها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلي الصغير

المؤلف Hana Elahmar
2026/02/04 مستمرة
قائمة الفصول (48)
الفصل 20: الجزء الثاني
2026/06/15
الفصل 1: نهاية و بداية
2026/02/04
الفصل 2: نِزال
2026/02/04
الفصل 3: نكهة التوت
2026/02/05
الفصل 4: انا اللون الأبيض
2026/02/06
الفصل 5: شبح الماضي
2026/02/08
الفصل 6: حساسية
2026/02/10
الفصل 7: مواجهة
2026/02/14
الفصل 8: حقيبة لين
2026/02/17
الفصل 9: في الخفاء
2026/02/21
الفصل 10: كن كالأباء أرجوك
2026/02/25
الفصل 11: ذكرى مؤلمة
2026/03/03
الفصل 12: لا فتيان
2026/03/19
الفصل 13: خيبة امل
2026/03/19
الفصل 14: على طريقة حسن
2026/03/20
الفصل 15: سوء تفاهم
2026/03/27
الفصل 16: لقاء الافعى
2026/04/01
الفصل 17: ابي
2026/04/03
الفصل 18: لا تتركني
2026/04/09
الفصل 19: كلمة🤎
2026/05/03
الفصل 01: مقدمة الجزء الثاني
2026/06/29
الفصل 1: كابوس
2026/06/29
الفصل 2: تحت وطأة الخطر
2026/06/29
الفصل 3: مع أم ضد
2026/06/30
الفصل 4: قرار بلا عودة
2026/06/30
الفصل 5: منزل البحيرة
2026/06/30
الفصل 6: غيم ونجم
2026/06/30
الفصل 7: اضطراب نفسي
2026/07/01
الفصل 8: أحتاج للمساعدة
2026/07/02
الفصل 9: لقاء كارثي
2026/07/03
الفصل 10: مركز التسوق
2026/07/04
الفصل 11: صفعة
2026/07/04
الفصل 12: حمى
2026/07/06
الفصل 13: وجبة عائلية
2026/07/09
الفصل 14: عشر دقائق من الجنون
2026/07/13
الفصل 15: وليد
2026/07/16
الفصل 16: مصارحة ومصالحة
2026/07/19
الفصل 17: محققان مع مفاجأة
2026/07/30
الفصل 18: زوجان
2026/08/22
الفصل 19: منتصر أم مغفل
2026/08/22
الفصل 20: كش مات
2026/08/22
الفصل 0: مقدمة الجزء الثالث
2026/10/12
الفصل 1: مصائب متلاحقة
2026/10/17
الفصل 2: أفعى أم حرباء.
2026/10/18
الفصل 3: علامات استفهام،
2026/10/18
الفصل 4: مدمن، مجرم، قاتل.
2026/10/19
الفصل 5: مطاردة.
2026/10/19
الفصل 6: مهرب
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة