الساعة ١:٠٤ صباحًا
ضجيج قسم المباحث الخارجي يتسلل خافتًا عبر الباب المغلق.. ضوء مصباح المكتب ينعكس على القاع الزجاجي لكوب القهوة الباردة، وبجواره تتراكم الملفات الورقية وأقراص التخزين المدمجة.
جلس وليد خلف مكتبه الخشبي المتهالك، قميصه الأبيض مشمر الأكمام حتى المرفقين، ورابطة عنقه مرتخية. كانت عيناه المجهدتان تقفزان بين السطور المدونة في السجل التجاري الخاص بكمال، وبين شاشة الحاسوب التي تبث ضوءًا أزرق باهتًا ينعكس على حدقتيه.
مسح وجهه بكفه بتعب، ثم عاود الإمساك بالقلم المشع، يضع خطوطًا عريضة تحت التواريخ والبيانات المالية. كل شيء عن كمال بين يديه:
تراخيص شركته، المقرات المسجلة، ممتلكاته العقارية، وحساباته البنكية المعلنة.
كل شيء مصمم بعناية فائقة ليدل على رجل أعمال عصامي، منظم، ولا تشوبه شائبة قانونية واحدة.
"رجل لا يترك خلفه أثرًا في الواجهة..."
تمتم بها وليد لنفسه بنبرة حادة وهو يهز رأسه، قبل أن ينقر بسبابته على سطح الطاولة بقلة صبر.
فتح ملفًا آخر بيده، يحتوي على قوائم حصر كاملة للعمالة والموظفين المسجلين في شركة كمال. أخذ يتصفح الأسماء اسمًا تلو الآخر، مرفقًا بكشف التحريات الجنائية الخاص بكل فرد منهم.
أفراد الاستقبال، موظفو الحسابات، السائقون الشخصيون، ومديرو الأقسام... عشرات الأسماء المتبوعة بنفس النتيجة الروتينية.. لا توجد سوابق جنائية، الملف النظيف تمامًا.
في هذه اللحظة، طرق أحد عناصر البحث الجنائي الباب وولج إلى الغرفة محضرًا حزمة جديدة من الأوراق.
رفع وليد بصره نحو العنصر وسأله بنبرة حازمة وهو يشير إلى كشف الأسماء:
"هل هذه كل الأسماء المسجلة في السجل الوظيفي لشركته؟"
أجاب الشرطي بثبات:
"نعم، راجعنا السجلات التأمينية وقوائم الأجور والتعاملات الحكومية للشركة بالكامل. لم نجد اسمًا واحدًا يملك شبهة أو مسجلًا في تحريات سابقة."
ألقى وليد القلم من يده ليرتد على الطاولة، ثم استند إلى ظهر كرسيه وزفر بتهكم:
"بالتأكيد لم نجد..."
أغلق وليد الملف الوظيفي بقوة وأزاحه جانبًا، ثم أردف موجهًا كلامه للشرطي بأسلوب آمر ومباشر:
"أغلقوا السجل الوظيفي المباشر.. لن نصل إلى شيء من خلال الموظفين الرسميين. غيروا زاوية التحريات كليًا، ابحثوا في تعاملات الشركة مع الغير. أريد حركة التدفق المالي الخارج والداخل.. الشركات الوسيطة، عقود النقل، الفواتير، وحتى متعهدي الخدمات الصغيرة."
أومأ الشرطي متفهمًا وغادر المكتب، ليظل وليد بمفرده مجددًا مع الأوراق.
***
الساعة ٢:٤٨ ظهراً
بعد رحلة قصيرة لشراء بعض مستلزمات المنزل مع لين، استراح حسن على أحد المقاعد الخشبية للحديقة العامة، يشغل رأسه بتقليب الأخبار على الهاتف وهي لا تهمه من الأساس، بينما كفه الأخرى مرفوعة في الهواء حيث تلكمها لين مستعرضةً تطورها بالرغم من أنها بالكاد تزحزحها..
لا يفهم سبب طلب عمر منه الانتظار هنا قبل العودة إلى المنزل..
لكنه أنتظر على كل حال بعد إلحاح من لين.. فقد ملّت من المكوث بين أربعة حوائط خشبية دون استنشاق نسمات هواء الربيع.
كانت تلك الصغيرة أمامه متحمسة حد الإصابة بالجنون تجاه أمرٍ بينها وبين عمر.. ترفض اطلاعه عليه مبررةً أنه سر بينهما..
وتباً! هل أصبحا يتشاركان الأسرار الآن؟!
"الضربة القاضية!"
صاحت بها لين قبل أن ترمي بكامل جسدها على كفه بكوعها ليصيبه، فانزلقت لتسقط أرضًا على العشب بعدما لم تؤثر عليه في شيء.
"اثنان صفر لصالح العشب."
تمتم بها حسن دون رفع نظره عن الهاتف، تنهدت لين متذمرةً:
"الأرض زلقة.. والعشب يكرهني."
رفعت جسدها بكوعيها ثم استقامت لتنفض ملابسها وتبعد الورقيات عن خصلات شعرها.
"أجرحتِ قدمك؟"
هزت لين رأسها نفيًا:
"وسخت جواربي فقط."
"ليكن بعلمك ليس أنا من سيغسلهم."
تأففت لين لتهمس بامتعاض:
"وكأنه يغسل شيئًا."
"تأدبي."
"لم أقل شيئًا!"
اهتز هاتف حسن في رنين يعلن عن اتصالٍ وارد..
عمر.
وقع نظره على لين أمامه التي كانت تلاحق فراشة ثم نهض مستديرًا ليضغط الزر الأخضر ويرفع الهاتف نحو أذنه، متحدثًا قبل سماع عمر:
"أخبرني أن أرحل قبل أن أرى وجهك."
"اللعنة عليك! ألا يسعني أن اطلب منك شيئًا واحدًا مقابل كل ما أقدمه؟!"
التقط حسن نبرة صوت عمر المتوترة ولو أنه تحت ضغط، قطّب حاجبيه باستغراب:
"هل الأمر مهم؟ هل هناك شيء عاجل؟"
صمت عمر قليلًا من الناحية الأخرى، تنهد وقال:
"هو.. أمرٌ خاص.. ليس بالضبط ولكن.."
زفر مسترسلًا:
"اسمع، هل يمكنك أخذ ابنتك والتوجه نحو الشجرة البنفسجية العملاقة؟ عند الحديقة من الخلف، ستصل ليلى إليه بعد قليل.. وداعًا."
أغلق عمر الخط قبل أن يترك لحسن فرصةً للرد.
"أيها الوغد! أيجعَلني طرفًا ثالثًا لموعدٍ مع تلك الفتاة؟!"
تمتم بها قبل أن تسحب لين طرف كمه في حماسٍ ونشاطٍ باغتها:
"أتلك معلمتي؟! هل فعلها؟! أريد أن أرى ردة فعلها!"
"ردة فعلها تجاه ماذا؟"
تجاهلت لين استنكاره وعلامات الاستفهام التي ترتسم على وجهه، جذبته من طرف قميصه لتصيح:
"أريد الذهاب إليها! أرجوك أرجوك أرجوك!"
أمسك حسن بمعصمها ليبعدها عن ملابسه التي جعدتها، حملق بعسليتيها تحدقان فيه بأملٍ ورجاء..
حسنًا.. لقد أراد حقًا أن يعلم ما تخفيه تلك الصغيرة مع عمر وترفض اطلاعه عليه.
لكنه ليس لديه صبرٌ لتلك التفاهات مع اقترابه من تنفيذ خطته يومًا بعد يوم.
مطت لين شفتها السفلية مع ارتجافٍ طفيفٍ بها، تتحايله بخفوت:
"أرجوك.. من أجلي؟"
قلّب مقلتيه وقد نجحت تلك الصغيرة في التسلسل إلى أعماقه بنظراتها. منحها شرطه كموافقة تلك المرة فقط:
"لن تحملي أي أسرارٍ مع ذلك المدلل مجددًا، على الأقل ليس دون أن أعرفها."
تكونت ابتسامة لين واسعةً مظهرةً غمازتها، أومأت له بقوة:
"عُلِم وينفذ!"
تحرك حسن مانحًا إياها المساحة لتلحق به، فتراقصت في مشيتها ليقفز شعرها مع كل خطوةٍ تسير بها.
***
هرعت ليلى بالحديقة راكضةً حتى كادت تنزلق أرضًا، تمشي بخطواتٍ متعجلة، تحدق بالموقع الذي أرسله عمر على الهاتف تارة، ثم تتفقد طريقها تارة..
حتى وصلت إلى بقعةٍ هادئة عند شجرة عملاقة ذات زهورٍ بنفسجية تنساب بين أغصانها كستارٍ مزين.
التقطت مقلتاها حسن الذي يشبك في شعر لين أوراق الشجر لاستفزازها كتسليةٍ لوقته، في محاولات فاشلة من تلك الصغيرة بنزع الورق الأخضر عن خصلاتها.
ابتسمت ليلى باطمئنان وهي تخطو نحوهما، فورما وقعت عسليتا لين عليها، اختفت ملامحها الممتعضة من والدها لتتبدل بأخرى أكثر حيوية..
ركضت نحو ليلى التي فتحت ذراعيها جاثيةً لتستقبلها بعناقٍ دافئ.
"حمدًا لله لكونك بخير."
همست بها ليلى أثناء ضم لين نحوها، بعد بضع ثوانٍ، ابتعدت لين لتتساءل دون إختفاء بسمتها:
"لمَ لا أكون؟"
هزت ليلى كتفيها:
"أرسل لي عمر رسالةً بأنك لستِ على ما يرام ثم أرسل لي موقع تلك البقعة دون الشرح.. فجئت بمجرد إنتهاء عملي."
رفعت ليلى مقلتيها لحسن في حيرة داهمتها:
"ما الذي يجري هُنا؟"
مط حسن شفتيه بجهلٍ هو الآخر:
"يبدو أن ذلك الفتى متفرغ أو أنه مزعج وحسب يحب المقالب."
حل صمتٌ شغله حفيف الرياح المختلط بحركة الشجر، تلاه صوت خطواتٍ تقترب، خطا عمر ببطء نحوهم ويديه في جيبه..
لا نظراتٍ ساخرة، بل العكس تمامًا..
ملامح وجهه هادئة ومرتخية ودافئة، تتنافى مع توتره الذي كان بالهاتف منذ لحظاتٍ قليلة.. ولكن قلبه يقرع كطبول الحرب.
نعم، كان هدوءًا ظاهريًا فقط..
استقامت ليلى وقد بدأ حاجبيها في التغير نحو العبوس، اقتربت منه بانزعاجٍ كسا نبرتها:
"أتظن أن التلاعب بمشاعر الناس لعبة؟؟"
اقترب عمر حتى أصبح الفاصل بينهما مسافر متر فقط.. استنشق نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث متجاهلًا ما قالت:
"تعلمين أنكِ لا تلتزمين بما تقولين إطلاقًا؟"
تسمرت تعابير ليلى باستنكار..
ما الذي يهذي به بالضبط؟
أردف عمر بنفس النبرة الهادئة:
"تذكرين يوم أنكرتُ حقيقة ما يدور حولي؟ أخبرتك أنه كذب لا أصل له، وبأنكِ محتالة؟ أخبرتني أنتِ وقتها ألا أحكم على الأمور دون التحري خلفها، ولا أحكم على أحدٍ دون البحث عن الحقيقة.."
اتسعت ابتسامة عمر وعيونه لا تفارق خاصتها:
"أخبرتني أن عائلتك تخلت عنكِ أمام الدار وعمركِ أشهر.. علمتُ الآن فقط، أنكِ لا تتبعين نصائحك أيتها المعلمة."
تسارعت ضربات قلب ليلى من تحديقه بها بتلك الطريقة، حاولت فهم ما يقصد بكلماته المبهمة دون تمكنها حتى من تكوين جملة بسيطة.
ابتسمت لين وهي تراقب ما يدور بينما كان حسن يشاهد بهدوءٍ تام عاقدًا ذراعيه، وهو مسندٌ ظهره للشجرة..
فتحت ليلى فمها أخيرًا لتسأل بخفوت:
"أنا لا أفهم.. ما الذي..."
"مريم..؟"
بتر جملتها صوت أنثوي خافت من خلفها، صوتٌ قريب ولو أنه يناديها، ولكنها ليست مريم.. هي ليلى..
أمال عمر برأسه ليقول بخفوت وعيونٍ مرتخية:
"استديري يا مريم."
رمشت ليلى تحاول استيعاب ما يجري، مَن مريم؟
لمَ يناديها بهذا الاسم؟!
استدارت لتقابل ذلك الوجه البشوش لتلك المرأة أمامها، بدت في منتصف الأربعينات تقريبًا، شعرها المجعد ينساب فوق كتفيها، بينما عينيها الكحيلتين تحدقان بليلى بدموعٍ غمرتهما، جميلة الملامح والهيئة.. تتشبث بأناملها المرتعشة في ذراع الرجل القابع جوارها..
بشعره البني المائل للشقار، بينما النمش كان يغطي بعضًا من وجهه.. وكانت ملابسه مرتبة وأنيقة.
حوّلت ليلى نظراتها بينهما وبين عمر في انتظارٍ للشرح..
أومأ عمر للزوجين إيماءة بسيطة، فاقتربت السيدة لتعيد نطق ذلك الاسم بنبرة مرتجفة وكفين يطوقان خدي ليلى:
"مريم.. إنها أنا يا حبيبتي.. إنها والدتك."
ارتجفت أنامل ليلى، وتجمدت على خلية في جسدها، رفعت يديها ببطء لتمسك بمعصمي تلك السيدة، أثناء محاولتها لتكوين كلماتها التي تبعثرت:
"لا.. لا أنتِ على خطأ.. أنا ليلى.. لا بد من.."
أدارت ليلى وجهها لعمر:
"أنتم مخطؤون.. لستُ مريم.. أخبرهم أني ليلى.."
فرّت شهقة باكية من حنجرة السيدة الجميلة عند إبعاد ليلى يديها عن وجهها، فاقترب عمر ليبدأ بالشرح:
"ظللتِ كل تلك السنوات تحكمين بالكره لأسرتك بعدما زرع فيكِ من حولك أنهما تخليا عنكِ لا محالة.. هل ألومك؟ لا، فكان هذا من حقك بعدما لم يأتِ أحدٌ للدار ليسأل عنكِ.."
اقترب خطوة للأمام مسترسلًا:
"ولكني لا ألومهما كذلك.. فهما لا يسكنان تلك المدينة، وينتقلون خارج البلدة مرارًا حيث طبيعة عملهم..ولا ألومهما لوجود عداوة بغيضة من معارف الاستاذ عادل الواقف أمامك، تلك العداوة قررت أخذ صغيرتهم بعيدًا عن حضنهما للانتقام.. ليزرع داخلهما أنه تخلص منها ولا أمل لإيجاد رضيعتهم مريم.."
لم تتمكن ليلى من التحكم في دموعها التي خانتها لتنهمر فوق خديها، ولا في رجفة شفتيها العنيدتين..
تأمل عمر عينيها ليضيف بهمس:
"لا تريديني أن أكون أحمقًا يغمض عينيه عن الحقيقة.. ولا أريدك أن تكوني حمقاء تختبئين منها.. اختار القدر أن يخرجني من دفء عائلة مزيف، ليجعلني سببًا مقدرًا في منحكِ خاصتك.."
أضاف أخيرًا وقد بدأت عيناه تترقرقان هو الآخر:
"استديري يا مريم ولا تحرميهم من ابنتهم.. ولا تحرمي نفسكِ من دمك."
تمنت ليلى أن ما يقوله صوابًا..
نشقت بأنفها وقد بحت نبرتها عند تساؤلها بهمسٍ ورجاء:
"كيف.. كيف تعرف.. أن.. أنهما دمي..؟"
صدرت عن عمر ضحكة خافتة:
"بخصوص هذا.. لقد استعنت بمساعدةٍ صغيرة من أجل تحليل الحمض النووي."
حركت ليلى مقلتيها إلى الناحية التي ينظر بها عمر، ليقع ناظراها على لين، والتي مسحت دموعها مرارًا بكم ملابسها وشفتها السفلية ممتدة، تبكي أثناء مشاهدتهم.. وحسن بجوارها يتأمل المشهد بملامح غير معلومة..
أعادت ليلى بصرها نحو كف عمر المفتوحة أمامها وقد حوت على مشبك ليلى..
تذكرت ليلى على الفور نزع لين للمشبك من شعرها بالمقهى، وكان قد تشابك به بعضًا من خصلاتها..
"أظن أن هذا يخصك."
مدت ليلى أناملها ببطء لتأخذه من يده.. استدار والدها ليقف أمامها ليضيف وهو يخرج ورقةً من جيب قميصه، يجبر شفتيه على الابتسام كابحًا دموعه..
فتح الورقة أمامها والتي تظهر مطابقة حمضهما النووي.
"جاءني اتصالٌ دولي من عمر أثناء عملي ليخبرني أنه يود مقابلتي."
فرّت عنه ضحكة خافتة مردفًا:
"لا أعرف حتى كيف وصل إلىّ أو لأمر ابنتي المفقودة.. ولكنه فعل.. بعد حديثٍ طويل بيننا، أجرينا الفحوصات.. ووجدت ابنتي.."
ابنتي؟
هل ما تسمعه حقيقي؟!
هل تحلم؟!
هل يعوضها القدر أخيرًا؟
ترددت الكلمة في مسامع ليلى كصدى خافت يأتي من عالمٍ آخر. ارتجفت حدقتاها بين وجه الرجل والسيدة، تتفحص خطوط الملامح وتقاطع التقاسيم.. تداعت دفاعاتها السطحية، ولثم لسانها السؤال الوحيد الذي خاف قلبها الإجابة عنه:
"أنتما.. حقًا والداي..؟"
لم يتمكن والد ليلى من الصمود أكثر من ذلك.. فجذب ابنته من ذراعها ليعانقها دون تردد..
يده على رأسها ليضمها إليه وصوته يختنق بجهشاتٍ مكتومة وهو يقبل رأسها مرارًا وتكرارًا:
"مريم.. يا مريم.. "
تسمرت ليلى في معانقته، عاجزة عن استيعاب الثقل الخرافي للحظة. خشيت حتى أن ترمش؛ خشيت أن تغمض عينيها فتستفيق على برودة شقتها الخالية وثقب اليتم في قلبها.
وحين أحاطتهما ذراعا والدتها الدافئتان، تكسر العناد الأخير في حنجرتها. انطلقت منها شهقة متألمة، تلتها نوبة بكاءٍ حارقة انهمرت فوق صدر والدها. تشبثت بقماش قميصه بأصابع مرتجفة كطفلة في الخامسة، دفنت وجهها بينهما غارقة في رائحتهما.
تلاشت كل التساؤلات والشكوك اللوجستية في تلك الثواني؛ لم يهمها كيف جرى هذا، ولا أي معجزة ساقها عمر إليها.. المهم أن الكابوس انتهى، وأنها لم تعد قطعة زائدة في هذا العالم.. بات لها أصل، ولها عائلة.
"أنتِ جميلة.. أجمل مما تخيلتك.."
همست بها والدتها وهي تقبل خدها لتضحك ليلى برقة بينهما..
انسحب عمر إلى الخلف بخطواتٍ هادئة وموزونة، يبتعد عن دائرة الضوء كي لا يتطفل على قدسية هذه اللحظة.
وقعت عيناه على ليلى وهي تذوب بين أحضان والدين لم يبخلا عليها بدمعة واحدة، فارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة تحفها حسرة طفيفة خبت سريعًا.
طوال حياته كان يسكن في خيالٍ مزيف حتى استفاق على مرارة الحقيقة.. وتلك الفتاة أمامه كانت تعيش كابوسًا من نزج رأسها.. لتقابل حلاوة الانتظار والواقع..
ومع ذلك، لم يتسلل الحسد إلى صدره، لم تخالط فرحته أي شائبة من المرارة، بل غمرته بهجةٌ حقيقية؛ إذ أدرك أن إسعاد من نحب ليس إلا طريقًا يرتد فيه السرور إلى قلوبنا أضعافًا مضاعفة.. ولو أن الفرح قد أهدي إلينا نحن.
وفي زاوية قريبة، كانت لين تتابع المشهد بعيونٍ دامعة وأنفٍ اكتسى بالحمرة، داهمت لين مشاعر أخرى مشابهة..
كانت تحدق بليلى بين دموعها..
ألا يمكن أن يجد والدتها هي الأخرى؟
ألا يستطيع عمر أن يبحث عنها ويكتشف أنها على قيد الحياة وتعانقها لتقبل خدها وجبهتها؟
ألا يمكن ولو مرة أخيرة؟
سرعان ما أفاقت من ضباب الخيال، فتسللت أصابعها الصغيرة بهدوء، تحسست كف حسن الصلبة وجمعت قبضتها داخل كفه.. لتبتسم وسط دموعها بامتنان، متشبثة بالدفء المتاح المتبقي لها.
حسن..
راقب كل ما يدور دون كلمة.. فذلك الشاب الذي ينعته مرارًا بالمدلل والمترف.. تفوق عليه في أمرٍ واحدٍ فقط..
هو أنه صحح الزلة التي ارتكبها بحق الفتاة التي تعنيه.. لم يهرب ويتصرف ولو أن الأمر لم يعد يهمه..
فإهمال الجراح لا يورث إلا العفن والوجع؛ ورغم أن مواجهتها وتداركها مسلكٌ مؤلمٌ وصعب، إلا أن المَرارة تنجلي في النهاية، لِتُزهر نتائجها شفاءً.
لقد أحسن عمر صنعًا بتدارك أمره، وبغض النظر عن فارق الثقل والتعقيد بين معضلة كلٍّ منهما، لم يستطع حسن سوى احترام النتيجة الخالصة لتصرفه، فما كان له سوى أن يبتسم بخفوت.
هالة غريبة من المشاعر طافت أرجاء المكان.. مختلطة بين الذكريات.. الألم.. والسعادة لتلك الفتاة التي لم تعد يتيمة في لمح البصر..
يقولون فاقد الشيء لا يعطيه..
مَن ذا الذي أخترع تلك المقولة؟
ألا يعلم أن فاقد الشيء هو أعلم الناس بقيمته؟ ألم يرَ مَن استفاضت عيناه فرحًا يبارك لمن نال ما فقد هو، بروحٍ ذاخرة بالعطاء؟
ضغط حسن على يد لين حتى تلتفت له، فرفعت عسليتيها المترقرقتين لتقابل خاصتيه.
"هذا هو سركِ الخطير؟"
سألها حسن بنبرة خفيفة حتى تبعد دموعها وترد:
"هل.. أحسنت صنعًا..؟"
أومأ لها مجيبًا ببساطة:
"أظنكِ فعلتِ.. لا أسرار مجددًا.. لا تنسي اتفاقنا."
هزت رأسها إيجابًا وهي تمسح وجهها.
"أبقي هنا للحظة."
قالها حسن قبل أن يترك يدها ويلتفت إلى ذلك الشاب القابع جانبًا وحده.
أحس عمر بيدٍ استراحت على كتفه ليستند حسن بجواره على خشب الشجرة.
"أخبرها بما يدور في رأسك حتى لا تندم."
تفوه بها حسن بلا مقدمات، ظلت مقلتا عمر على ليلى مع والديها لوهلة قبل أن يلتفت إلى حسن مستنكرًا:
"ما الذي تعنيه؟"
"أنت تحبها."
قالها حسن ببساطة دون الالتفات لعمر، أردف حديثه بهدوء:
"أنت لا تعلم إن كان القدر سيمنحك فرصةً لرؤية من تحب مرة أخرى.. ربما يكون بين يديك اليوم وتضمن وجوده غدًا وبعد غد.. تماطل بالبوح بما تود قوله.. ولا تدرك أن اللحظة الحالية ستكون المرة الأخيرة."
ازدرد بصعوبة ليضيف:
"وأنا خير من يعلم.."
لم يلتفت ليلاحظ تعابير عمر التي لانت بأسى.. ولى حسن ظهره ليغادر وقد لحقت به لين، أمسكت بيده قبل أن تدير رأسها مرةً بعد نحو ليلى وعمر، حركت يدها بتلويحة خافتة
إلى عمر وشفتها السفلية الممتدة لا تزال ترتعش.
***
الساعة ١١:٢٨ مساءً
انسكب الضوء الأزرق الباهت الصادر من شاشة التلفاز على عتمة الغرفة، محدثًا ظلالاً متراقصة على الجدران، بينما تحركت المشاهد الملونة على الشاشة دون أن تستوعب عينا حسن منها شيئًا.
كان يجلس فوق الأريكة، ظهره مستندٌ إلى الخلف بريبة، ورأسه مائلٌ في شرودٍ تام. عقله كان يغوص في مكانٍ آخر؛ يقلّب احتمالات التحقيق، ويحسب خطوته القادمة قبل أن يظهر وجه عمر بنظراته إلى المعلمة اليوم.
وعلى قدمه الممتدة، كانت رأس لين مستقرة بثقلها الصغير، خصلات شعرها الأشعث تتناثر على بنطاله الداكن، بينما تبث حركة الشاشة ضوءًا خافتًا على ملامحها.
زفر حسن بنشيجٍ خافت، وحين طال صمتهما، رفع كفه الكبيرة ليدفع رأسها بنقرةٍ بأصابعه، متحدثًا بنبرة حازمة حاول بها قطع حبل شروده وتغطية تشتته:
"كفاكِ مشاهدة لهذا التلفاز.. هيا انهضي عني وأغلقيه.. لستُ بوسادة."
لم يتلقَ منها أي اعتراض، ولا تذمرها المعتاد حين يُفرض عليها أمرٌ لا تعجبه.
أمال حسن رأسه نحو الأسفل يستكشف سر هذا الصمت المفاجئ، لتسقط عسليتاه على وجهها الغارق في نومٍ تام. كان جفناها مطبقين باستسلام، تتنفس بهدوءٍ منتظم أزال كل أثرٍ للمشاغبة التي كانت عليها منذ ساعات.
خفّض يده ببطء وحاول أن يمد ذراعيه تحت جسدها ليحملها وينقلها إلى سريرها.. وقبل أن يفعل..
صدر اهتزازٌ صامت صدر من هاتفه القابع على الطاولة الخشبية المجاورة قطع سكون اللحظة.
ألقى حسن نظرة خاطفة على الشاشة التي أضاءت باستماتة..
وليد.
عقد حاجبيه، وارتسمت الجدية على تقاسيم وجهه مجددًا. لم يرد أن يرتفع صوت الهاتف فيوقظ الصغيرة، ولا أن تلتقط أذنها شيئًا من حديث التحريات.
انحنى بجسده ببطءٍ شديد، ودسّ أنامله بحذرٍ أسفل رأسها الصغير ليحمل ثقله اللطيف، ثم زاحها عن رجله، هابطًا برأسها تدريجيًا حتى استقرت فوق وسادة الأريكة الناعمة. عدّل وضعتها بلمسةٍ سريعة، ثم أزاح خصلات شعرها عن وجهها كي تتنفس براحة.
وقرابة الأريكة، سحب الهاتف وانزلق بأصابعه على الزر الأخضر، ثم تخطى الصالة بخطواتٍ صامتة وحثيثة متوجهًا نحو النافذة المطلة على الظلام بالخارج وضوء القمر المنعكس إلى سطح البحيرة.
أزاح الستارة بكفه، واستند بكتفه على إطار الشباك الخشبي يحدق في العتمة الخارجية، قبل أن يضع الهاتف على أذنه ويهمس بنبرة خفيضة وكتومة:
"ما الذي وجدته؟"
من الجانب الآخر..
استراح وليد في مقعده الجلدي مجيبًا براحة:
"بل قل ما الذي لم أجده."
تناول وليد ورقةً من فوقه مكتبه ليتأملها وهو يتابع:
"كل موظفي شركة كمال سعد الله نظيفة.. لا موظفين ذوي سوابق، أو مجرمين.. كل شيء جيد."
قطّب حسن حاجبيه باستغراب:
"أتمازحني؟؟ وأين بالضبط الذي عثرت عليه؟!"
ضحك وليد بخفوتٍ من الجانب الأخر:
"الصبر قليلًا.. قلت موظفي شركته جيدين.. ولم أقل مصالحه المشتركة مع الشركات المجاورة."
أنصت حسن دون مقاطعته، فأردف وليد:
"يوجد تعاملات شتى مع غيره من الشركات.. مع هذا وذاك.. أريد أن أخبرك أنه يوجد خمس شركاتٍ بموظفيها في الورقة أمامي.. حتى جذبني اسمٌ محدد عند شريكه منصف عبد الجواد، فموظفيه ينقلون تجاراته بين المدن في شاحناتٍ كبيرة، فوجدت من بين موظفيه..."
"موظف نقلٍ يدعى ظافر"
قهقه وليد بعدما التقط حسن ما كان يرمي إليه:
"آه يا حسن.. أحبك وأنت تركز."
"وأنا لا أحبك حين تثرثر كثيرًا.. تابع.."
قرأ وليد الورقة أمامه بصوتٍ مسموع:
"ظافر محمد.. اثنان وخمسون عامًا.. يعمل في نقل الشحنات الخاصة بمنصف عبد الجواد.. ينقل البضاعة في شاحنته الواسعة.. والتي تكفي بالطبع للكثير من الأرواح الصغيرة، يصادف أن موظفي منصف يقدمون بعض الخدمات إلى شركة كمال.. ويصادف أيضًا، اختلاف موظفي النقل في خدماته بين مهماتٍ شهرية مختفلة، ويوجد بعض المهام المنفصلة تكون في وقتٍ محدد بالذات."
صمت وليد قليلًا مانحًا حسن فرصة للاستنتاج، فرفع حسن حاجبيه مجيبًا:
"بعد حفل التبرعات؟"
"أقتربت.. نعم بعده، بنفس الاسبوع تقريبًا.. ظافر الآن تحت المراقبة السرية، والحفل متى؟"
ارتسمت على حسن بسمة جانبية من دهاء وليد:
"بعد يومين من الآن."
"وسوف أتواجد بنفسي عند العثور على الصغار."
صحح حسن على الفور:
"نتواجد."
زفر وليد بعدم رضا عن نوايا حسن:
"اسمع.. يجب أن تعرف أن اسم صلاح لم يتواجد حتى الآن في تلك المعمعة، تواجدك لن يفيد في شيء و..."
"سوف أكون موجودًا يا وليد! هذا نهائي، إن لم تقف بجواري في الماضي، إذن أفعلها الآن وامنحني فرصة رؤية كمال ويده في الأصفاد، صلاح ذاك كذيلٍ له، بمجرد التقاط القط، سيتواجد الذيل."
كانت نبرة حسن حازمة ولو أنه حسم أمره بالفعل، تنهد وليد بعمق قبل أن يجيب بنبرةٍ عادت لجديتها:
"سنرى بشأن ذلك."
تسمرت عسليتا حسن في السماء المعتمة التي تلألأت بنجومها..
هل سيرى النور أخيرًا في وسط الظلام كذلك القمر المنير وسط العتمة؟
لن يطول الأمر حتى يعرف..
فقد بدأ العد التنازلي..
***
الساعة ١٢:٠٤ صباحًا
ضغطة زرٍ أخيرة أنهى بها ناصر مهمته، فأغلق حاسوبه ليستقيم استعدادًا لمغادرة منزل صلاح.
دلف صلاح بكوبي قهوة في يده ملاحظًا ناصر الذي أغلق حاسوبه:
"هل انتهيت؟ ألن تشرب قهوتك؟"
تحدث ناصر بعملية مجيبًا:
"انتهيت.. أعذرني فيجب علي المغادرة، لم يكن إزالتك من كل تلك البيانات سهلًا إطلاقًا."
وضع صلاح كوبي القهوة بطرقة فوق سطح الطاولة ليرد:
"لا يهم كل تلك الأعمال إن اختفت.."
استدار ليقابله ويجيبه:
"كل ما أريده الآن هو أموالي وحقي."
"أخشى أني لا أستطيع بدون الرمز مع الأسف.. ومع الضجة والفوضى التي ستحدث قريبًا.. لستُ مطمئنًا إطلاقًا لما تنويه."
ارتشف صلاح من قهوته قبل أن يقول بهدوء:
"لا تتدخل أنت فيما هو قادم.. ما هو قادم يخصني أنا."
Hana Elahmar