الساعة ١٢:١٠ ظهرًا
وقف السيد كمال بزيه الأنيق وربطة عنق مثالية أمام مديرة إحدى دور الرعاية التي كانت في أقصى مراحل سعادتها بالتجديدات التي تتم بعد آخر حفل تبرعات منذ أيام.
العاملون يقومون بتغيير باب الدار، وآخرون يطلون الحائط المشقق، بينما يقف عمر في حديقة الدار متوسطًا الأطفال أثناء توزيعه الألعاب والهدايا على الصغار وسط ابتسامة واسعة:
"كلٌ بدوره.. الجميع سوف يستلم هديته."
عانقت إحدى الصغيرات ذات الشعر الأشقر دبها المحشو بشدة، متوجهة إلى مديرة الدار لتريها إياه:
"أرأيتِ صديقي الجديد؟"
داعب كمال شعر الصغيرة سائلًا إياها:
"هل أحببته؟"
حولت الصغيرة نظرها إلى كمال مجيبة:
"كثيرًا كثيرًا!"
توسعت ابتسامته:
"إذًا سوف نكثر من زياراتنا من أجل ذلك القمر السعيد."
قالها وهو يقرص خد الفتاة بلطف، لتحمر وجنتاها خجلًا قبل أن تركض لمعاودة اللعب مع صديقاتها.
تأملت مديرة الدار الحوار أمامها، ثم قامت بضبط نظارتها قبل أن تتحدث بابتسامة:
"لا أدري ما كنا لنفعل لولا وجودك سيد كمال، يجب أن تكثر الزيارات حقًا، فهم يعدون موعد كل زيارة على أحر من الجمر."
هز رأسه مجيبًا:
"أعلم.. فقط تعلمين مشاغل العمل لا تنتهي سيدة أفنان، وخاصةً بعض مشاكل الفترة الأخيرة التي أرهقتني كثيرًا."
"أعانك الله على ما أنت فيه."
أومأ بامتنان لردها.
حول كلٌ منهما نظره نحو عمر الذي أسقطه الأطفال أرضًا، غير قادر على تنظيم أنفاسه من شدة الضحك:
"أستسلم! لقد.. لقد نلتم مني!"
غطت السيدة أفنان ابتسامتها بيدها:
"ما أجملهم! يذكرونني بأطفالي حين أُحضِّر لهم حلواهم المفضلة، يقفزون فوقي كالقردة الصغيرة."
قهقه كمال من وصفها، وقال:
"اعتني بهم جيدًا.. فالبعض لا يعرف قيمة الأطفال."
جلس كمال على أحد مقاعد الحديقة مفسحًا المجال لأفنان لتجلس بجواره.
أسند كمال كوعيه على ركبتيه شابكًا أصابعه في شرود، بينما اختفت ابتسامته تدريجيًا.
عقدت أفنان حاجبيها ملاحظةً شروده:
"سيد كمال؟ أكل شيء على ما يرام؟"
رفع رأسه مصطنعًا ابتسامة صغيرة:
"أعتذر.. فقط_"
تأمل لهو الأطفال أمامه مع عمر ثم قال:
"لم أُرزق أبدًا بأطفال... تمنيت لو يكون لدي دستة منهم، لكنت أسعد رجل بالعالم."
لم تتحدث أفنان، فقط لانت نظراتها بتفهم وحزن.
تأمل السماء بينما تابع حديثه مع غصة في حلقه:
"لكن رُزقت بدلال... زوجتي الراحلة، كانت ملاكًا على هيئة بشر، كانت زوجتي.. صديقتي وابنتي، تحملتني في أسوأ محناتي، وشاركتني أسعد لحظاتي... أحبت الزهور، السماء، والفن؛ كانت هي نفسها قطعة فنية."
ترقرقت عينا أفنان حزنًا، وأخرجت منديلًا ماسحةً دموعها، وهمست له مواسية:
"أنا.. أنا آسفة."
دعك كمال عينيه بسرعة محاولًا تغيير الأجواء حتى لا يفسدها، وابتسم تلقائيًا فور وقوع ناظريه نحو عمر الذي سمح لبعض الصغيرات بطلاء وجهه بمساحيق تجميل الأطفال.
تحدث بنبرةٍ أخف ألمًا:
"على كلٍ هي الآن عند أرحم الراحمين، وأحمد الله لوجود عمر ابن أخي في حياتي، فهو بمثابة الابن لي؛ فبعد وفاة أخي عندما كان عمر في السادسة، اعتنيت به وأحببته حتى صار رجلًا مرموقًا في السادسة والعشرين الآن... كم أن القدر غريب.. أليس كذلك؟ حُرم عمر من الأب بينما حُرمت من الابن، ليجد كلانا ما يفتقده في الآخر."
لم تدرِ أفنان بما يجب عليها فعله، فثقل ما قاله لا يمكن مواساته بالكلمات.
لحسن الحظ ظهر عمر مقتربًا كاسرًا ثقل الموقف، حاملًا فتاة لم تتخطَ السادسة على أحد ذراعيه بينما وجهه مغطى بألوانٍ عشوائية:
"عمي ما رأيك في_"
اعتراه القلق فورًا ما إن لاحظ تعابير وجهيهما، سأل باستنكار:
"هل فاتني شيء؟"
لم يرغب كمال في أن يدخل الحزن إلى قلب عمر المبتهج، فغير مجرى الحديث وقال:
"بل ما الذي حلَّ بوجهك أنت؟"
ابتسم عمر من جديد وعيناه لا تغادران الصغيرة على ذراعه:
"لا تسألني.. بل اسأل تلك المشاغبة الصغيرة هنا."
تعالت ضحكة الفتاة بمرح مخفيةً وجهها في كتفه.
حول عمر ناظريه نحو عمه للمتابعة:
"أريد الحصول على واحدة من تلك الكائنات الشقية، سيدة أفنان أليس لديكِ خطيبة لي؟"
قهقهت أفنان مجيبة:
"أعدك حين أجد لك واحدة، سأقوم بحجزها لك."
وقف كمال هازًا رأسه بغير تصديق أثناء ضبطه لقميص عمر:
"قم بغسل وجهك، فالصحفيون سوف يصلون في أي لحظة."
"وأفسد ذلك العمل الفني؟ لا أهتم.. لستُ مدينًا لهم بشيء."
رن هاتف كمال مما جعله يتنهد بضجر، مستأذنًا أفنان بالمغادرة الضرورية، بينما أراد عمر البقاء قليلًا ليلحق به في وقت آخر.
الساعة ٣:٣٥ مساءً
تربعت لين على أرضية الحمام بشعرٍ مرفوع في كعكة فوضوية، مثبتة بعض الأقلام في شعرها، ومحاطة ببعض الأوراق ودفتر صغير.
بدأت تكتب ما يدور في رأسها مرتبةً أفكارها:
~ ما هي مهارات حسن؟ ~
عضعضت القلم في حالة تركيز، ودونت ما يخطر في بالها:
_ إجادة الطهي
كتبتها لتتأملها قليلًا قبل أن تشطب عليها.
_ مهارات القيادة
تركتها شاغرة، فمكالمة سالم له أمس جعلتها أكثر ترددًا، ولكنها في النهاية لم تشطبها.
_ مهارات التواصل
لم يستغرق تفكيرها خمس ثوانٍ لتشطب عليها مرارًا وتكرارًا.
تمتمت لنفسها أثناء تدليك جبهتها بأصابعها:
"فكري يا لين."
_ الاعتناء بالأطفا..
لم تتابع كتابتها، فقد مزقت الورقة تمامًا مقطعةً إياها لقطع صغيرة.
أسندت يدها على خدها في حيرة من أمرها:
"ما الذي يستطيع فعله حتى؟!"
في الغرفة المجاورة، وقف حسن أمام النافذة وقد عزم في قرار نفسه إرسال لين إلى دار الرعاية.
استند على الحائط ممسكًا بأحد كروت "دار الأمل لرعاية الأطفال"، ويده الأخرى تحمل كوبًا من القهوة في محاولة لتنشيط عقله وجسده.
اقتنع بأن هذا هو الصواب، فهو لن يتحمل نفقة دراستها بينما بالكاد يتحمل وجباتها اليومية، وقد سئم من تذكر الماضي في كل مرة يحدق فيها إلى وجه لين..
من تذكره لخطأ لا يمكن غفرانه.
أثناء تحركه نحو المطبخ، تعثر بوسادة لين الملقاة على الأرض؛ فقد توازنه خطوتين وانسكبت القهوة على قميصه قبل أن يعتدل مرة أخرى.
تمتم بعصبية:
"سحقًا!"
توجه ناحية الحمام على عجل، قام بإدارة المقبض فوجده مغلقًا. بدأ بطرق الباب عدة مرات متتالية:
"لين!"
انتفضت لين ململمة أوراقها ودفترها سريعًا لتخبأهم أسفل قميصها:
"لحظة واحدة!"
همت واقفة وأدارت المقبض لتفتح له.
دفع حسن الباب للدخول دون حتى ملاحظة قميصها المنتفخ.
قام حسن بخلع قميصه المبتل بالقهوة الساخنة سريعًا. فتح الصنبور فوق القميص، ورغم عدم تنظيف المياه للبقع الداكنة على القماش، إلا أنه ترك الصنبور مفتوحًا على أي حال.
أسند يديه على طرفي الحوض رافعًا رأسه للمرآة. أحس بغصة في صدره تجاه قراره.
لم يكن الأمر تعلقًا بالصغيرة أو رفض تركها.. وإنما رؤيته للأمر من منظور طفلة تجد نفسها فجأة بدار رعاية رغم علمها بوجود والدها على قيد الحياة.
تذكر بتول ومعاناتها السابقة التي كانت ترويها له في الدار ليهون عليها ألمها.
عاود عقله المزعج صعقه بذكرى أخرى لبتول؛ كيف كانت دموعها تُذرف مع كل مرة ترى بها طفلًا وحيدًا.. وكيف كانت تتمنى أن تمتلك دستة من الأطفال وألا يفترقوا أبدًا كما افترقت هي عمن تحب للأبد.
مد كفيه أسفل الصنبور ليملأهما بالماء البارد ضاربًا به وجهه مستطردًا ذكرياته.
حدث نفسه بأنفاسٍ مثقلة ونبرةٍ حازمة:
"الليلة.. سوف أفعلها الليلة."
***
خبأت لين دفترها أسفل الأريكة بجوار الملف.
جلست فوق الأريكة معتدلة.. متحمسةً لمساء الليلة.
حاولت طرد شعورها الداخلي بوجود خطأ ما لموافقته فجأة على اصطحابها حتى يتمكنا من شراء أدواتها الدراسية.. رفض عقلها التصديق بتلك السهولة، ولكن أراد قلبها ذلك بشدة.
في كل الأحوال، علمت أن عليه العمل قريبًا وقد عقدت النية لحل تلك المشكلة اليوم حتى يرى كم هي مفيدة.
لامست يدها صدرها مغمضةً عينيها:
"الليلة.. سوف أفعلها الليلة."
***
الساعة ٨:٠٢ مساءً
عاد حسن من الخارج بعدما اختفى قرابة الساعة تقريبًا.
دخل مغلقًا الباب من خلفه وقد وجد لين على الأريكة مستعدة بحماس واضح على ملامحها المبتهجة.
تحاشى النظر إلى عينيها وقال:
"أنتِ مستعدة.. إذًا لنتحرك."
اختفت ابتسامتها فور ملاحظتها تعابير وجهه الباهتة، حدثته بتردد طفيف:
"إذا كنت تريد أن نذهب في يومٍ آخر لا بأس.. أعني لا زالت الدراسة بعد أسبو_"
قاطعها بهدوء أثناء انشغاله بعَدِّ بعض الأوراق:
"لين."
"نعم؟"
أشار برأسه نحو الباب:
"تحركي."
عاودت الابتسام وهمت بالتحرك للخارج، وفورما فتحت الباب.. وقع ناظراها على سيارة رمادية تعرفها مسبقًا.
أدارت رأسها نحو حسن الذي لا يزال مشغولًا بأوراق لم تشغل بالها بالسؤال عنها من فرط حماسها. حدقت فيه بدهشة فاغرة فاها:
"أليست تلك سيارة عمي سالم؟!"
أدخل حسن الأوراق في ملف بلاستيكي شفاف مجيبًا إياها:
"بلى."
"كيف حصلت عليها؟! هل سمح لك بـ_"
قاطعها أثناء العبث بمفاتيح السيارة بيده محدثًا رنينًا:
"لدي طرقي.. هيا بنا."
تحركت نحو السيارة وقامت بفتح الباب الخلفي لتصعد.. ولكنها تجمدت في اللحظة التي وقعت بها عسليتاها على البطاقة التي لم يظهر منها سوى نصفها العلوي الخارج من جيب بطاقات السيارة بجانب المقود:
_دار الأمل لرعاية الأطفال
تلاشت الابتسامة من شفتيها تدريجيًا.
تسارعت ضربات قلبها.
لهذا وافق على اصطحابها.. لم يكن لشراء أي شيء.. بل كان للتخلص منها.
نعتها عقلها بالحمقاء..
بالغبية..
بالساذجة..
شعرت بتحطم قلبها الذي ظن أنه ربما أراد التعرف عليها عن قرب.
رفض عقلها الاستسلام، صرخ بأن تتصرف.. بأن تفكر سريعًا، لكن الصدمة شلت أفكارها.
أغلقت باب السيارة. وفورما استدارت للتحرك، قابلها حسن أمامها رافعًا أحد حاجبيه:
"ألن تصعدي؟"
ازدردت لعابها قبل أن تجيب:
"أحتاج... أظنني أحتاج الحمام."
استدارت لتركض داخل المنزل دون انتظار رده.
وقف مستغربًا تصرفها ولكنه أقنع نفسه أنها فقط إحدى تصرفاتها الغريبة. صعد إلى مقعد القيادة، أسند ذراعه على المقود ثم أراح جبهته فوق ساعده مغمضًا عينيه في انتظار لين، طاردًا أي ومضة تردد قد تمر بذهنه.
داخل المنزل، ارتعشت يدا لين بشدة.
تحركت ذهابًا وإيابًا غير قادرة على التفكير. جثت لتنظر أسفل الأريكة.. الملف في مكانه.
أخذت أفكارها تدور:
"هل آخذه؟ لا، لن أفعل.. فسوف أعود إلى هنا مجددًا ولن أذهب لدار الرعاية."
بدأت عيناها تمسحان الغرفة؛ ليس لديها فكرة عما تفعله ولكنها عزمت قرارها على عدم الذهاب الليلة، على الأقل لتكسب بعض الوقت. حتى سالم ليس هنا، فعلى الأقل يمكنه منعه مؤقتًا.
ماذا لو لم يأتِ سالم؟
خطر على بالها شيء.. قالت في قرار نفسها:
"ماذا لو.. أخذني حسن إلى عمي سالم بنفسه؟"
دخلت المطبخ لتمسح عسليتاها كل ركن. سمعت صوت بوق السيارة.. حسن.
وقع ناظراها على برطمانٍ محدد. خشيت كثيرًا من تلك المجازفة، لكنها لم تمتلك خططًا أفضل.
كرهت غباءها الذي يظهر فقط في لحظات الخوف. صوت البوق مرة أخرى.
اتجهت لين نحو البرطمان متخذةً قرارها.
في السيارة، حملق حسن بالملف في يده؛ الملف الذي جمع به معلوماته الشخصية وأسبابًا تثبت عدم تمكنه من الاعتناء بها حتى يتم قبولها على الفور.
رفع عسليتيه نحو المرآة لسماعه صوت الباب الخلفي يُفتح. كانت لين..
أغلق الملف تاركًا إياه على المقعد المجاور له، وسألها:
"لمَ التأخير؟"
حل الهدوء والبرود على ملامحها مع وجود عبوس طفيف لحاجبيها، قالت بنبرةٍ خاوية:
"عذرًا.. آلمتني بطني قليلًا."
لاحظ اختفاء تعابير وجهها المتحمسة وحلول تلك التعابير التي لم يعهدها مسبقًا. لم يعلق، لكنه كان متأكدًا من حدوث أمرٍ ما.. أو ربما علمت بالفعل.
لم يتحدث أو يشغل تفكيره أكثر؛ أدار مفاتيح السيارة، دوى صوت هدير المحرك وهمَّت السيارة بالتحرك.
***
الساعة ٨:٢٦ مساءً
استنشق حسن نفسًا آخر من النيكوتين محرقًا به صدره، فربما تحترق معه تلك الغصة التي أزعجته.
بين الدقيقة والأخرى، تحركت عيناه نحو المرآة ملاحظًا ذلك العبوس الذي لم يبرح وجهها. أعاد نظره إلى الطريق ثم هم بالسؤال:
"هل لا يزال بطنك يؤلمك؟"
أجابت دون أن تنظر:
"لا."
أومأ لها ببطء:
"جيد."
هزت لين ساقها في حركة لا إرادية ناتجة عن توترها، بينما لم تغادر عيناها الطريق بتاتًا. لم تُرِد النظر إليه.. كفها مغلق بإحكام حول شيء ما.
نظرت إلى الساعة؛ الثامنة والنصف تقريبًا. فتحت كفها قليلًا حتى يتسنى لها النظر إلى ما بداخله: حبات فول سوداني.
لديها حساسية شديدة تجاه الفول السوداني. أغلقت كفها مجددًا.
لا تدري متى تأكلها؛ هي تعلم جيدًا أنه لو لم يتم إسعافها سريعًا بما يكفي فقد تموت. بالطبع أرادت فقط تعطيله الليلة وليس أن تفقد حياتها.
شاهدت الطريق مجددًا حتى وقعت عيناها على مكانٍ ما.. ورشة تصليح السيارات. عقدت حاجبيها إثر تذكرها لشيء ما من مكالمة سالم أمس:
~ لا أزال في ورشة التصليح، ما زلت بعيدًا عن المشفى بحوالي خمس وأربعين دقيقة تقريبًا! ~
اعتدلت لين في جلستها لتركز؛ هي الآن قريبة من الورشة، بينما يفصل الورشة عن المشفى خمس وأربعين دقيقة. أحكمت إغلاق يدها على حبات الفول السوداني.
استعادت ذكرى اليوم الذي اكتشفت فيه حساسيتها؛ ذاك اليوم، ظهرت الأعراض بعد تناولها الفول السوداني بخمس دقائق، ووصلت إلى ذروتها بعد عشرين دقيقة.
حدقت في الساعة الإلكترونية بالسيارة مرة أخرى:
٨:٢٨ مساءً.
عليها الانتظار حوالي خمس وعشرين دقيقة تقريبًا لتناول الحبات وظهور الأعراض حتى لا يفصلها عن المشفى سوى عشرين دقيقة.. أي في الساعة ٨:٥٣ مساءً، حتى تصل للمشفى في الساعة ٩:١٣ مساءً.
لم تعرف ما إذا كانت الدار أقرب أم المشفى، ذلك الجزء فقط اعتمدت فيه على الحظ الذي تمنت أن يحالفها هذه المرة.
مرت دقيقة.. ثم الأخرى.. لم تتوقف قدمها عن الاهتزاز أثناء مراقبة الطريق والساعة ثم الطريق مجددًا.
***
الساعة ٨:٤٤ مساءً
أصابع حسن تطرق المقود أثناء قيادته، تحدث دون أن يبعد عينيه عن الطريق وقال:
"لقد اقتربنا."
تسارعت ضربات قلبها مجددًا وارتجفت يداها. هذا لا يزال مبكرًا!
لم تستطع التفكير كثيرًا بعد الآن؛ استغلت عدم مراقبته لها وهمَّت بأكل الحبات في حركة خاطفة وسلسة.
مرت دقيقة..
أخرى..
بعد أربع دقائق تقريبًا بدأت أنفاسها تضيق تدريجيًا.
التقطت أذنا حسن صوت تنفسها، مما جعله يرمي السيجارة من النافذة ظنًا منه أن الدخان يخنقها.
الساعة ٨:٥٢ مساءً
تحولت أنفاس لين إلى شهقات عالية، مسموعة بوضوح. أدار حسن المقود مركزًا على الطريق:
"تخلصتُ من السيجارة، التقطي أنفاسك."
سعلت لين بشدة بينما بدأت شفتاها بالتورم مع ظهور بقعٍ حمراء في أنحاء وجهها.
حوَّل حسن نظره إلى المرآة.. قطب حاجبيه مما يراه:
"ماذا هناك؟!"
تابعت لين السعال غير قادرة على التحدث. تحركت عينا حسن سريعًا بين الطريق والمرآة مرارًا:
"لين.. ماذا بك؟! لين!"
لم تجبه، كل ما تمكنت من فعله هو رفع إحدى يديها نحو حلقها باختناق بينما لم تكن عيناها في حالة تركيز إطلاقًا.
مد أحد ذراعيه للخلف بينما يده الأخرى على المقود، بدأ في هزها بقوة:
"تباً.. أفيقي يا فتاة! ماذا بك؟!"
أمسكت معدتها محاولة الكلام، بالكاد تمكنت من تكوين بضعة كلمات:
"البا.. ب، افتحه."
ضغط فرامل السيارة بحدة، وهمَّ بفتح الباب والتحرك في خلال ثوانٍ للخلف. فور فتحه لبابها، أمالت لين جسدها للخارج وبدأت بالتقيؤ بشدة. أمسك بكتفيها مانعًا جسدها من الانهيار.
أبعد خصلات شعرها عن وجهها المتعرق للخلف، ملاحظًا دفء بشرتها والتورم الظاهر. عبس وجهه أكثر أثناء رفع صوته:
"هيا أفيقي.. ركزي!"
في اللحظة التي توقفت فيها عن التقيؤ، ثقل جفناها حتى أعلنا استسلامهما. التقط جسدها الخائر على الفور حاملاً إياها بسرعة على أحد ذراعيه قبل أن تسقط للأمام، بينما بيده الأخرى كان يربت على خدها مرارًا متحدثًا بحزم:
"افتحي عينيكِ يا صغيرة هيا!"
لم تفتحهما.. لم ينتظر أكثر؛ عاد لمقعد القيادة على الفور محاوطًا لين بأحد ذراعيه بينما الآخر التقط به هاتفه ليتصل بسالم.
فتح مكبر الصوت ثم ألقى بالهاتف على المقعد جواره بينما قام بتشغيل المحرك لتتحرك السيارة بسرعة.
استمر الهاتف بالرنين دون إجابة، ضرب حسن المقود بقوة بينما رجرج صوته أنحاء السيارة:
"أجب يا سالم.. رد هيا!"
لم يرد..
أخذت عينا حسن تنتقل بين الطريق والفتاة التي ازدادت البقع الحمراء على وجهها في وسط ارتفاع صدرها وانخفاضه بصعوبة محاولةً التنفس.
تبًا..
تبًا..
تبًا..
Hana Elahmar