الفصل 1

الفصل 1

32 0

كانت مدينة الريان تمتد على أطراف الصحراء ككتلة إسمنتية متعبة، لا هي حديثة بما يكفي لتبدو نابضة، ولا قديمة بما يكفي لتصبح حكاية.

مدينة تعيش على إيقاع واحد لا يتغير: صباح مزدحم، مساء ثقيل، وليالٍ تتشابه حتى تختلط على الذاكرة.في أطرافها الغربية، حيث تقل الإضاءة وتبهت الأرصفة، كان سامر قد عاش آخر أعوامه قبل أن يبدأ كل شيء بالانزلاق.

لم يكن في حياة سامر ما يستحق أن يُروى بشكل جميل.شقة صغيرة في الطابق الثالث من بناية متوسطة العمر، نافذتها تطل على شارع لا يهدأ تمامًا ولا ينام تمامًا.

مكتب خشبي في زاوية الغرفة، وسرير ضيق بجواره كومة أدوية مرتبة بعناية مبالغ فيها، كأن النظام وحده يمكن أن يؤجل الفوضى.كان يعمل في شركة خدمات لوجستية، وظيفة لا تطلب من الإنسان سوى أن يكون حاضرًا جسديًا

 وأن يحتفظ بعينيه مفتوحتين أمام أرقام تتكرر بلا معنى.

لا شيء في عمله كان يترك أثرًا في العالم، ومع ذلك كان ينهكه كما لو أنه يبني شيئًا ضخمًا كل يوم ثم يُجبر على هدمه في المساء.

بدأ مرض القلب لديه قبل سنوات، بهدوء لا يلفت الانتباه.نوبات قصيرة من ضيق التنفس، خفقان مفاجئ كأن القلب يتذكر شيئًا مخيفًا، ثم يعود إلى الصمت.

في البداية قيل له إنها حالة مرتبطة بالتوتر.

ثم أصبحت “حالة تحتاج متابعة”.

ثم أصبحت “مزمناً يمكن التعايش معه”.لكن سامر لم يكن يتعايش، بل كان يراقب جسده وهو يبتعد عنه تدريجيًا.كان يعرف النوبات جيدًا.

تأتي دون استئذان، لكنها تحمل نفس الإيقاع دائمًا:

بداية خفيفة… ثم ضغط داخلي… ثم لحظة صمت طويلة بين نبضتين، كأن القلب يتردد في الاستمرار.وفي كل مرة، كان ينجو.ليس لأن حالته تحسنت، بل لأن جسده كان يؤجل القرار.

في صباح ذلك اليوم، استيقظ سامر قبل المنبه.لم يكن ذلك غريبًا، فالنوم عنده لم يعد نومًا كاملًا، بل سلسلة انقطاعات متكررة.

أخذ دواءه المعتاد، شرب الماء ببطء، ثم وقف أمام المرآة للحظة طويلة دون أن يفكر بشيء محدد.كان وجهه يبدو كما هو دائمًا:

متعبًا بشكل ثابت، لا يزداد سوءًا ولا يتحسن.خرج إلى عمله ككل يوم.

في المكتب، كانت المدينة خارج النوافذ تبدو أبعد مما هي عليه فعلًا.أمضى ساعات طويلة أمام شاشة تعرض جداول لا تنتهي، أرقام تتحرك من خانة إلى أخرى دون أن تترك أثرًا في العالم الحقيقي.

لم يكن العمل صعبًا، لكنه كان فارغًا، وهذا النوع من الفراغ كان يستهلكه ببطء.عند منتصف النهار تقريبًا، بدأت النوبة.لم تكن قوية، لكنها كانت واضحة بما يكفي ليعرفها فورًا.

خفقان أسرع قليلًا، ثم شعور بانقباض خفيف في الصدر، كأن الهواء فقد جزءًا من مساحته.توقف عن الحركة للحظات، يده على طرف الطاولة، عينيه ثابتتين على الشاشة، وكأن الثبات وحده يمكن أن يهدئ شيئًا داخله.مرّت دقائق.ثم خفّ كل شيء كما بدأ.لم يخبر أحدًا.لم يكن جديدًا عليه أن يتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

في طريق العودة، كانت المدينة أكثر صمتًا مما ينبغي.الضوء مائل، والمباني تبدو وكأنها تبتعد عن بعضها قليلًا، كأنها لا تريد أن تكون متقاربة أكثر من اللازم.جلس سامر في الحافلة قرب النافذة، يراقب الشوارع تمر دون اهتمام.

لم يكن ينظر إلى شيء بعينه، بل إلى فكرة المدينة وهي تتحرك.في جيبه ورقة صغيرة من الطبيب: تعديل جرعة، تحذيرات معتادة، ونصيحة قديمة لم يعد يأخذها بجدية: “تجنّب الإجهاد”.كان يشعر أن حياته كلها يمكن تلخيصها في تلك الجملة.

في الأيام الأخيرة، بدأ شيء غير واضح يتسلل إلى تفاصيل المدينة.أشياء صغيرة لا تستدعي الانتباه منفردة، لكنها تترك أثرًا غامضًا عند تراكمها:إشارة مرور في شارع مألوف اختفت ليوم واحد، ثم عادت في مكان مختلف.

واجهة مبنى قريب من عمله بدت وكأنها فقدت نافذة إضافية، ثم استعادت شكلها في اليوم التالي.

لوحات أسماء الشوارع لم تعد مطابقة تمامًا لما يتذكره.كان يستطيع أن يفسر كل شيء على أنه خطأ عابر…

وفعل ذلك بالفعل.

في مساء الخميس، وجد رسالة تحت باب شقته.ورقة مطبوعة، بلا اسم مرسل واضح، مكتوب عليها عرض سكن في حي يُدعى “السلام”.

إيجار منخفض بشكل غير معتاد، وشقة جاهزة للسكن فورًا.لم يكن يبحث عن سكن جديد.

لكن وضعه المالي كان يقترب من نقطة لا يمكن تجاهلها.جلس على حافة السرير طويلًا، يقرأ الورقة أكثر من مرة.ثم، دون قرار واضح، اتصل بالرقم المكتوب.

الصوت الذي رد عليه كان هادئًا إلى درجة غير مريحة.رجل يتحدث بنبرة ثابتة، بلا انفعال، وكأنه يقرأ شيئًا محفوظًا مسبقًا.“الشقة متاحة. الطابق التاسع. البناء قديم، لكنه مستقر.

”سأل سامر:“لماذا الإيجار منخفض؟”سكت الرجل لحظة أطول مما ينبغي.ثم قال:“لأن العمارة لا تحب أن تبقى فارغة.”لم تكن جملة مضحكة، ولا تفسيرًا مقنعًا، لكنها بقيت في ذهنه بطريقة غامضة.

في صباح اليوم التالي، حمل حقيبته وغادر مدينة الريان.لم يكن هناك وداع حقيقي.

لا أحد ينتظره، ولا شيء يربطه بالمكان أكثر من الضرورة.استقل الحافلة المتجهة إلى مدينة “النوران”، اسم بدا له غريبًا بعض الشيء، لكنه لم يهتم.الطريق كان أطول مما توقع.

أو ربما بدا كذلك فقط.مع مرور الوقت، بدأ يشعر أن المشهد خارج النافذة لا يتقدم بشكل طبيعي، كأن بعض اللحظات تتكرر دون أن يلاحظها الآخرون.لكنه أرجع ذلك إلى الإرهاق.

وصل عند الظهيرة.مدينة النوران لم تبدُ مختلفة كثيرًا عن غيرها، لكنها كانت أقل وضوحًا.

الألوان فيها باهتة قليلًا، والأصوات أقل حدّة، كأن كل شيء فيها يخضع لطبقة خفيفة من التعتيم.اتجه مباشرة نحو العنوان المكتوب في الورقة.وجد العمارة دون صعوبة.كانت أكبر مما توقع.

رمادية، صامتة، ونوافذها تحمل نفس التعب الذي يراه في المباني القديمة التي لا أحد يقرر هدمها ولا أحد يقرر تجديدها.على المدخل لوحة معدنية:عمارة السلام لكن جزءًا من الحروف كان مكسورًا، فبدت الكلمة غير مكتملة، وكأنها فقدت معناها.

في الداخل، كان الهواء مختلفًا.ليس نظيفًا أو ملوثًا… بل ثابتًا بشكل غير طبيعي، كأنه لا يتحرك كما يجب.جلس خلف مكتب صغير رجل مسن، نحيل، بملامح لا تعكس أي انطباع واضح.

كان يقرأ شيئًا دون اهتمام حقيقي، ثم رفع رأسه عندما دخل سامر.“الشقة الجديدة؟”أومأ سامر.أخرج الرجل مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، وضعه على الطاولة دون كلام كثير.“الطابق التاسع.”ثم أضاف بعد لحظة:“المصعد يعمل… لكن لا تستخدمه بعد منتصف الليل.

”رفع سامر نظره إليه:“لماذا؟”لم يجب فورًا.نظر الرجل إلى المصعد الموجود في نهاية الردهة، صامتًا لثوانٍ طويلة.ثم قال:“لأنه أحيانًا يتوقف عند طابق غير موجود.”توقف قليلًا، ثم أضاف بصوت أخفض:“وطابق 13 هنا… غير موجود.”

ساد صمت قصير في الردهة.نظر سامر إلى المصعد.

بابه المعدني، أزراره الباهتة، وشاشته الصغيرة التي لا تبدو حديثة.ثم قال بهدوء:“يعني لا يوجد طابق 13؟”هز الحارس رأسه ببطء.“لا يوجد.”ثم رفع نظره إليه مباشرة:“وإن ظهر… فمعناه أن المصعد لا يعمل كما ينبغي.

”توقف لحظة، ثم أضاف:“أو أن المكان لم يعد هو نفسه.”أمسك سامر المفتاح.وصعد نحو الطابق التاسع.وخلفه، بقي الحارس ينظر إلى المصعد دون أن يرمش…

وكأنه ينتظر شيئًا يعرف أنه سيحدث، حتى لو لم يحدث أمام الجميع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة