الفصل16

الفصل16

13 0

لم يتحرك سامر مباشرة.

بقي واقفًا عند عتبة المصعد، بينما الضوء الدافئ المنبعث من داخله ينساب ببطء فوق وجهه الشاحب.

كان الضوء مختلفًا عن كل ما رآه سابقًا.

ليس أصفر كإضاءة العمارة.

ولا أبيض بارد كالمستشفى.

بل ضوء هادئ بشكل مخيف… يشبه ضوء الغروب حين يقترب اليوم من نهايته.

شعر فجأة بتعب هائل يهبط فوق جسده كله.

ليس تعب المرض وحده.

بل تعب كل الليالي التي قضاها خائفًا من قلبه.

كل المرات التي استيقظ فيها مذعورًا يتحسس نبضه.

كل الوجوه القلقة حول سريره.

كل لحظة شعر فيها أن حياته مؤقتة.

نظر إلى يده كانت ترتجف قليلًا.

لكن ليس من الذعر هذه المرة.

بل من الإنهاك.

ثم أدرك شيئًا غريبًا.

الألم اختفى.

لأول مرة منذ وقت طويل جدًا…

صدره لا يؤلمه.

لا ضغط.

لا اضطراب.

لا تلك النبضات العنيفة التي كانت تجعله يشعر أن الموت يختبئ داخل جسده.

فقط هدوء.

وهذا أخافه أكثر من الألم نفسه.

خلفه، بدأت غرفة المستشفى تتشوش ببطء.

الجدران البيضاء أصبحت باهتة.

الأصوات بعيدة.

حتى جهاز المراقبة لم يعد واضحًا.

بيب…

ثم صمت طويل.

كأن العالم خلفه يبتعد تدريجيًا.

أما المصعد…

فكان يزداد وضوحًا.

وكأنه المكان الحقيقي الوحيد المتبقي.

ثم سمع صوتًا خلفه.

ضعيفًا جدًا.

صوت والدته.

 “سامر…”

توقف جسده بالكامل.

الاسم خرج بنفس طريقتها تمامًا.

نفس الحنان المتعب.

نفس الخوف القديم الذي كانت تخفيه دائمًا خلف ابتسامة صغيرة.

أغمض عينيه فورًا.

لا…

لا تستخدمها.

شعر بغصة مؤلمة في حلقه.

منذ مرضه، أصبحت والدته تنظر إليه وكأنه شيء يمكن أن ينكسر بأي لحظة.

وكان يكره ذلك الشعور.

ليس لأنه يلومها…

بل لأنه كان يشعر بالأمر نفسه تجاه نفسه.

استدار ببطء.

غرفة المستشفى خلفه عادت جزئيًا.

والدته كانت جالسة قرب السرير.

تمسك يده تبكي بصمت.

لكن هناك خطأ.

شيء غير طبيعي.

الساعة فوقها متوقفة عند: 12:13

وجهاز القلب…

لا يتحرك.

الخط مستقيم.

شعر ببرودة حادة تمر في عموده الفقري.

اقترب خطوة.

ثم رأى الشخص المستلقي على السرير.

كان هو سامر هناك ولكن

للحظة توقف تنفسه ونظر اكثر

الجسد على السرير كان شاحبًا جدًا.

هادئًا بصورة مخيفة.

والأجهزة حوله صامتة.

أما والدته…

فكانت تنظر إلى يده وكأنها تنتظر شيئًا لن يحدث.

شعر سامر أن الأرض اختفت تحته للحظة.

“لا…”

الكلمة خرجت مكسورة وضعيفة.

اقترب أكثر.

رأى آثار الإبر.

اللاصقات على الصدر.

والإرهاق العميق في وجهه.

هذا ليس احتمالًا.

ليس نسخة.

بل جسده الحقيقي.

بدأت أنفاسه تتسارع مجددًا.

رغم أن قلبه لم يكن يؤلمه.

وهنا فهم شيئًا مرعبًا.

هو لا يشعر بقلبه أصلًا.

رفع يده نحو صدره ببطء.

لا نبض.

أو ربما… لا يستطيع الإحساس به.

ثم عاد صوت النسخ الأخرى من بعيد:

 “لا تنظر طويلًا…”

“كل من فهم الحقيقة بقي هناك…”

تراجع سامر خطوة.

ثم أخرى.

رأسه بدأ يدور بعنف.

الغرفة تتشقق حوله.

المستشفى يذوب مجددًا.

والعمارة تظهر خلف الجدران.

الممر الطويل.

الإضاءة الصفراء.

المصعد المفتوح.

ثم خرج صوت الحارس من العدم:

 “القرار الآن لك.”

ظهر الرجل أخيرًا في آخر الممر.

واقفًا بصمت.

نفس الملابس القديمة.

نفس الوجه المرهق الذي يبدو أكبر من عمره الحقيقي.

لكن هذه المرة…

لم يعد يبدو كبشر عادي.

بل كجزء من المكان نفسه.

قال سامر بصوت مرتجف:

“هل أنا ميت؟”

نظر الحارس إليه طويلًا.

ثم أجاب بهدوء:

“لو كنت ميتًا، لما استمر الباب مفتوحًا.”

“إذن ماذا أنا؟!”

اقترب الحارس خطوة.

“أنت عالق.”

ساد الصمت للحظات.

ثم أضاف:

 “قلبك توقف… لكنه لم يقرر بعد إن كان يريد الرحيل.”

بدأت الذكريات تضرب سامر دفعة واحدة.

كل النوبات السابقة.

كل المرات التي اقترب فيها من الموت.

كل خوف أخفاه.

كل ليلة نام وهو يتساءل:

 “ماذا لو لم أستيقظ غدًا؟”

وفجأة فهم.

الطابق 13 لم يكن مجرد مكان.

بل شيء يتغذى على تلك اللحظة.

لحظة الإنسان العالق بين الرغبة في النجاة… والرغبة في التوقف أخيرًا عن الخوف.

نظر سامر إلى المصعد مجددًا.

الضوء داخله أصبح أعمق أدفأ.

وكأن الداخل يعده بالراحة.

لا ألم.

لا خوف.

لا قلب يخونه كل ليلة.

ثم نظر إلى والدته الباكية قرب جسده.

شعر بشيء ينكسر داخله.

ليس رعبًا.

بل حزنًا هادئًا جدًا.

قال الحارس أخيرًا:

 “إذا دخلت… سينتهي كل شيء.”

“وإذا لم أفعل؟”

أجاب الرجل بعد صمت طويل:

“ستعود.”

“إلى ماذا؟”

نظر الحارس مباشرة في عينيه.

ثم قال:

 “إلى الألم.”

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة